رواية بين الحب والانتقام – الفصل الثامن عشر 18
قال الدكتور-المريضه كانت حامل وسقطت امبارح فى السجن
علي حس إن الكلام مش داخل دماغه.
واقف… سامع… بس مش واعي.
قال بصوت مكسور وعينه مليانة ذهول:
ـ حـ… حامل؟!
ـ حضرتك بتقول إيه؟
ـ منى مش متجوزة أصلًا!
الدكتور بصله باستغراب:
ـ يعني إيه مش متجوزة؟
علي انفعل، صوته علي من غير ما يحس:
ـ أنا اللي مفروض أسألك يعني إيه الكلام ده!
ـ إيه اللي حصل لأختي؟!
سكت الدكتور لحظة…
والفهم بدأ يتسلل لملامحه.
قال دكتور-اسال ادارة السجن
على ـ في السجن؟!
ـ منى كانت في السجن ليه أصلًا؟!
قال الدكتور:
ـ أنا معرفش التفاصيل.
ـ بس لو إنت قريبها… إزاي متعرفش؟
رد علي بصوت واطي، مهزوز:
ـ لأنها كانت مختفية…
ـ وأنا بدوّر عليها.
الدكتور تنهد وقال جملة وقعت زي الحكم:
ـ ولاد الحرام كتير.
ومشي.
فضل علي واقف مكانه.
حاسس إن الأرض ما بقتش شايلته.
صدره تقيل… نفسه مخنوق…
عينه ثابتة في الفراغ،
افتكر كلام راوية:
“شوفتها راكبة العربية مع حد… حاولت ألحقها ماعرفتش. حسبته قريبها أو حد تعرفه.”
منى كانت فين؟
ومع مين؟
وازاي دخلت السجن؟ وليه؟
حاول يحرك رجله بالعافية ناحية الأوضة، بيجرها كأنه مشلول.
دخل… وابتسمت منى أول ما شافته.
بصلها في عينيها، رغم تعبها، وهي أصلًا مش مدركة اللي هي فيه.
كانت حامل… وهو متأكد إنها ما كانتش تعرف.
غُصة خانقة وقفت في حلقه، قرب منها وضهره مكسور ومنحني.
قوته خانته وهو بيبص لأخته، وبيشوف في خياله كل اللي ممكن تكون عدّت بيه.
قال أخيرًا، بصوت متكسر وهو بيحاول ينطق:
— منى… في حد قرّب منك؟
منى ما فهمتش السؤال.
رفع عينه ليها، وصوته اتشد من الوجع:
— منى… افتكري كويس.
قالت باستغراب:
— أ…افتكر؟
قال وهو بيجاهد يطلع الكلمة:
— فيييي حدددد… لمسسسِك؟
صمتت منى.
تنهد علي، محاولًا يكتم اللي جواه. دموع الفرح اللي كانت لسه من شوية، تحجّرت في عينه وبقت دموع قهر.
قال بصوت مكسور:
— إزاي كنتِ حامل يا منى؟… مين لمسِك؟ مين قرّب منك؟ مين ساب فيكِ الوصمة دي؟
فضلت ساكتة.
قال بضيق ممزوج برجاء:
— منى… ردي.
ومع أسئلة أخوها، ملامح يوسف طلعت قدام عينيها، وهو بيقرب منها، وصوته بيرن في ودنها:
“هنلعب لعبة هتعجبك.”
افتكرت لمساته، جرأته… جسدها شد من الذكرى.
قالت وهي بتشير على نفسها، صوتها واطي ومرتجف:
— لمسني هنا…
علي بص لها، وقلبه بيتفطر.
وهي بتغرق أكتر في اللي حصل، همست:
— قال… نلعب عريس وعروسة.
نظرة علي اشتدت.
منى ضمّت دراعها على نفسها، والذكرى سحبتها لليلة حاولت تنساها.
صرخت فجأة:
— لااا…
قال علي وهو بيكاد ينهار:
— مين يا منى؟ مين؟
صرخت وهي بتتزحزح مكانها، كأنها بتبعده عن الذكرى:
— لااا… ابععععد!
دمعة نزلت من عين علي وهو باصص لها.
ومنّى، في اللحظة دي، استوعبت اللي حصل لها فعلًا.
صرخت من أعماقها:
— لاااا… ابعععد… لاااا!
احمرت عينا علي بالقهر، وهو ناظر لأخته اللي كانت بتعافر مع الذكرى، كأنها ما صدّقتش غير دلوقتي اللي حصل لها فعلًا… لما سألها هو.
قرّبها منه بسرعة وحضنها.
قالت منى وهي بتنتفض:
— لااا…
قال علي بصوت واطي مبحوح:
— شش… اهدي، أنا هنا.
انتفضت أكتر بين دراعيه. شد إيده عليها، غضبه وحزنه متشابكين.
قال من بين أسنانه:
— عملوا فيكِ إيه الكلاب…
نزلت دمعة من عينه.
زي ما كان متوقّع… حد استغل أخته، حد آذاها.
قال بصوت مكسور:
— مكنش لازم أسيبك… حقك عليّا يا منى.
هدِت بين إيديه، استسلمت للتعب.
قال وهو ضاممها أكتر:
— أخوكي هنا… وهيرجعلك حقك.
دمعة تانية نزلت من عين علي، دمعة مليانة حُرقة وحزن وانكسار راجل اتكسرت حتة جواه.
في المكتب،قال حسن في التليفون بصدمة:
— معقول كانت حامل؟!
سكت شوية، وبعدين قال بجدية:
— طيب… خلاص. خليك متابع، بس محدش يعرف الموضوع ده.قفل حسن التليفون وهو في ذهول حقيقي.
قال بصوت واطي مليان قلق:
— ينهر أسود…
سكت لحظة، وبعدين كمل وهو بيفكّر:
— وبدران بيه يعرف؟… ولا لسه؟
هز راسه لنفسه:
— وليه نعرفه دلوقتي؟ خلّينا نفهم حكاية البت دي الأول…
وتابع بنبرة شك:
— مش بعيد يكون هو اللي عمل فيها كده.
في الشركة، وصل حسن ونزل من عربيته. دخل وهو لابس بدلته، السكرتيرة شافته فابتسمت ابتسامة رسمية.
قالت:— اتفضل.
قال حسن بسرعة:— بدران بيه فين؟
قالت:— في مكتبه… أبلغه مين؟
قال ببرود:— لا، أنا هطلعله.
ترددت لحظة وبعدين قالت:
— الدور الرابع.
طلع حسن في الأسانسير بهدوء، ملامحه جامدة بس دماغه شغالة.
وصل قدّام المكتب، لقى الباب موارب.
وقف قبل ما يدخل، سمع صوت… ولمح شاب واقف وبدران بيكلمه.
قال بدران بنبرة مسيطرة:
— مش عايز تكمل تعليمك برّه ليه؟ مش ده اللي كنت عايزه؟
رد يوسف وهو متكي على المكتب:
— حبيت مصر فجأة.
رفع بدران حاجبه بضيق:
— يوسف، بلاش تعصبني عليك. مش كفاية اللي بشيله عنك؟
قال يوسف
— هتفضل تفكرني بالموضوع ده كتير كده؟ كتير أوي؟
تنهد بدران منه، بصله يوسف قليلا قال
— هي راحت فين؟ عملت إيه فيها؟
بدران بصله بنظرة قاسية قطعت كلامه:
— إياك… إياك تذكرها. انت فاهم؟
سكت يوسف من حدّة أبوه.
في اللحظة دي، حسن كان واقف برا، الكلمة ضربته زي الطلقة.
بيتكلموا عنها؟
معقول… معقول ابنه هو اللي له علاقة بيها؟
قلبه دق بعنف، وما استناش أكتر من كده. لفّ ومشي بسرعة قبل ما يتحسّس وجوده.
السكرتيرة شافته وهو خارج، فهمت فورًا إنه أكيد ملحقش يقابل بدران، خصوصًا إنها عارفة إن بدران قاعد مع ابنه.
عملت مكالمه— بدران بيه!
جواه المكتب، رد بدران:
— في إيه؟
قالت السكرتيرة:
— كان في ظابط سأل على حضرتك، وكنت هبلغك، بس ملحقتش… طلع ولسه نازل قدامي.
شد بدران حواجبه باستغراب:
— مفيش حد طلعلي.
قالت — حبيت أبلغ حضرتك بس.
بدران لف وبص ليوسف.
يوسف قال بتأفف وهو بياخد جاكيته:
— أنا ماشي.
خرج يوسف، والباب قفل وراه.
فضل بدران لوحده في المكتب، ساند إيده على المكتب وعينه سرحت.
قال بصوت واطي، شكه زاد:
— حسن… كان هنا.
في المستشفى، كان علي ملازم منى، ما تحرّكش من جنبها لحظة. عينه سايبة نفسها في الفراغ، كأن ضلع من ضلوعه اتكسر ومش راضي يلتحم. حريق ساكن جوّه صدره، تخيّلات بتلف في راسه، دمّه بيغلي، ورجولته متجرحة.
دخل الدكتور وبص له، وبعدها بص لمنى:
— جيت أطمن على حالتها.
قرب الدكتور من منى، فمسكت في دراع علي بخوف.
علي مال عليها فورًا:
— متخافيش… أنا معاكي.
الدكتور رفع عينه لعلي وقال بهدوء مهني:
— إحنا متأكدين إن في حد استغلّها.
علي بص له، شاف في عينه التأكيد قبل ما يسمع الكلام.
قال علي بصوت مبحوح:
— أسبوع ونص… مشوفتهاش ولا أعرف هي فين. بس إنت بتقول إنها دخلت السجن؟
الدكتور أشار بعينه ناحية الباب:
— العسكري اللي برا ده تأكيد.
علي
— يعني اللي حصلها ده من جوه السجن؟
الدكتور اتفاجئ:
— بتقول إيه؟ لا طبعًا… الكلام ده مستحيل.
علي قرب خطوة، صوته واطي لكنه تقيل:
— أمال مين؟ ما هي كل المدة دي ما كانتش في الشارع.
سكت الدكتور لحظة…
وسكوته كان أوجع من أي إجابة.قال الدكتور بنبرة حادة:
— إنت كده بتتهم إدارة سجن… إدارة قانون، بارتكاب جريمة بالشكل ده؟ إنت بتخبط في الحيط، والكلام ده مش في صالحك. بلاش تقوله قدّام حد.
رفع علي راسه، عينه مولعة:
— هقوله للناس كلها.
بص له الدكتور باستغراب حقيقي:
— إنت عارف أختك كانت في السجن ليه؟ وإزاي أصلًا؟
قال علي وهو بيضغط على كل حرف:
— سألت العسكري بس ميعرفش. باين عليه مجرد أمني، وكل اللي عارفه إنه مطالب يرجّعها تاني.
فقد علي أعصابه، صوته طلع من روحه:
— محدش هياخد مننّي في حتة!
الدكتور حاول يتمالك نفسه:
— إنت حتى مش عارف هي اتقبض عليها ليه.
قال علي بسخرية مرة:
— الإعلام هيعرفلنا.
اتسعت عيون الدكتور:
— إنت كده بتعادي القانون. البوليس هو الوحيد اللي يقدر يساعدك تاخد حق أختك.
على قال
— عارف… بس مش كان أولى يساعدوها وهي بالحالة دي؟ مش يدوّها حبس؟
سكت لحظة، وبعدين قال بإصرار:
— أنا هعرف… هعرف من منى كانت بتعمل إيه هناك.
تحرك علي، وفي اللحظة دي منى قامت فجأة، تمسكت فيه واتألمت.
— علي…
لفّ لها بسرعة:
— منى!
الدكتور قرب فورًا:
— امنعها من الحركة. العملية لسه مأثرة عليها.
قال على
— مش قولت إنها أجهضت؟… يبقى إيه نوع العملية اللي اتعملتلها؟
سكت الدكتور لحظة، نظرته ثبتت في على، وبعدين قال بقسوة الطبيب اللي شاف كتير ومبقاش عنده مساحة للتجميل:
— استئصال رحم.
الجملة وقعت على علي كأنها رصاصة.
ما اتحركش… ما اتكلمش… حتى نفسه وقف.
كمّل الدكتور بهدوء تقني قاتل:
— الإجهاض سبب لها نزيف وتلف شديد. الضرر كان كبير، واضطرينا نعمل كده… عشان نلحقها.
دمعت عيون علي، وبص لأخته الهائمه.
منى… اللي كان شايفها دايمًا أم مثاليه قبل أي حاجة.انها حنونه بشكل مفرط، كان بيحسد أولادها مستقبلا على امهم
كان شايفها وهي بتحضن اولادها، وهي بتحتوي، وهي بتحب من غير شروط.
كان متخيل ضحكتها وهي شايلة طفلها، إيدها وهي بتربت على راسه، قلبها وهو بيكبر معاه.
كل ده… اتسلب منها.
مش بس طفل راح،
لا…
مستقبل كامل اتشال من حياتها.
منى اتحرمت من أهم حاجة كانت ممكن تملكها.
مش هتجرب إحساس الأمومة،
ولا رعشة أول مرة تسمع كلمة “ماما”.
هيعيش جواها إحساس واحد بس…
الحرمان.
قال الدكتور وهو بيحاول يبرر، وصوته واطي:
— صدقني… اضطرينا.
هزّ علي راسه بتفهم مكسور، وعينه لسه معلقة على منى، وقال بصوت خرج بالعافية:
— المهم… تعيش.
سابهم الدكتور، وعلي واقف مكانه، حاسس إن جهل منى بحالتها دلوقتي هو نعمة مؤقتة.
نعيم قصير…
لأن جحيم المعرفة، لما ييجي، هيكون أقسى بكتير.
في الشركة، كان بدران قاعد في مكتبه، غارق في أوراقه.
دخلت نادين بسرعة، ملامحها مش مطمّنة.
قالت:
— في مشكلة يا بدران.
رد من غير ما يرفع عينه:
— مشكلة إيه؟
قالت، بعد تردد بسيط:
— منى…
وقف بدران فجأة، إيده اتشدّت على المكتب، قال
— مالها؟
قالت نادين وهي بتحاول تكون هادية:
— دخلت المستشفى… إجهاض.
بص لها بدران بحدة، كأنه بيستوعب الكلمة بالعافية.
كمّلت نادين بسرعة:
— كانت حامل، وأجهضت. ولما دخلت المستشفى… صحفي نزل خبر.
قال بدران — نزل إيه يا نادين؟ اتكلمي.
قالت:
— بيسألوا إزاي تدخل السجن وهي بالحالة دي، وإيه اللي حصل عشان تجهض.
وتابعت بصوت أخفض:
— وكمان بيسألوا عن نوع قضيتها.
الغضب طلع في عين بدران قبل ما يطلع في صوته.
مد إيده وخطف التليفون من على المكتب.
قالت نادين — هتعمل إيه؟
ما ردّش.تليفوننه رن
رد بدران ببرود:
— نعم يا حسن.
قال حسن بحذر:
— منى خرجت من السجن.
اتصلّبت ملامح بدران:
— خرجت إزاي؟
قال حسن:
— زي ما حضرتك عرفت… البت كانت حامل، ولما خرجت ودخلت المستشفى، الصحافة فتحت عينها علينا. الموضوع كبر وبقى مصيبة.
قال بدران بحدة:
— ميخصنيش. البت دي ترجع السجن تاني… أو تتنفى. انت فاهم؟
قال حسن بتردد:
— بس يا بدران بيه، المشكلة إن العين عليها دلوقتي.
رد بدران ببرود قاتل:
— يعني اى العين عليها….. حرامية، وبتواجه عقوبتها. مش أول واحدة.
قال حسن بعد صمت:
— انت عارف إنها مش في كامل قواها… مجنونة.
بدران
— مجنونة إيه؟ أنا شايفها عاقلة وسليمة مية في المية… بس بتمثل.
اتصدم حسن للحظة، بعدها قال بنبرة فهم:
— فهمتك يا بدران بيه.
قال بدران وهو يقفل الملف قدامه:
— اتصرف يا حسن.
قال حسن بصوت أقل ثقة:
— الموضوع صعب شوية…
قال بدران ببرود محسوب:
— متقلقش… هتتنقلك رتبة عمرك ما كنت تحلم بيها.
بس القضية دي تتولاها من أولها لآخرها… فاهمني؟
رد حسن فورًا:
— فاهم يا بدران بيه، متشيلش هم. القضية بقت في جيبي.
قفل بدران المكالمة.
نادين كانت واقفة بتراقب ملامحه، قالت بحذر:
— يعني مش هنكتم الخبر؟
رفع بدران عينه ليها، نظرته ثابتة وباردة:
— لا… هنرد عليهم.
الناس هتعرف إنها حرامية، وبتمثل.
ساعتها هيبطلوا يتعاطفوا معاها، ومش هيبقى في أي حاجة مستدعية كل الهوجة دي.
قالت نادين بتردد:
— أعتقد الخبر وصل ليوسف برضه.
شد بدران فكه وقال بضيق مكتوم:
— هو لسه متابع أخبارها؟
قالت نادين:
— مش متأكدة… بس توقعي.
سكت بدران لحظة، بعدين قال بنبرة قاطعة:
— مفيش غباء ممكن يتعمل منه أكتر من اللي اتعمل خلاص.
قعد على مكتبه، حط التليفون قدامه، وعيونه ثابته في الفراغ وهو بيحسب كل خطوة جاية.
في ديسكو غارق في الضوء والضوضاء، كان يوسف وسط صحابه، الموسيقى عالية والأجواء صاخبة زيهم.
كل واحد ماسك كاسه، يهزه مع الإيقاع ويضحك من غير سبب واضح.
قال واحد وهو بيقرب من ودن التاني:
— امتحان الأسبوع الجاي شكله تقيل… ذاكرتم حاجة؟
رد التاني بسخرية:
— هو ده وقته يا عم؟ دي سيرة تتجاب دلوقتي؟
ضحكوا كلهم، وبصّوا ليوسف.
واحد منهم لاحظ سكوته:
— مالك يا عم؟ بقيت تسكت كتير… في حد شاغل بالك ولا إيه؟
رفع يوسف عينه عليهم وقال ببرود:
— هي مين؟
ضحك صاحبه وقال:
— ما إحنا اللي مفروض نسأل.
ضحك يوسف ضحكة قصيرة، فيها غرور واضح:
— لا مفيش واحدة بتشغلني… أنا مش زيكم.
رد واحد منهم وهو بيهزر:
— مفهوم يا أستاذ يوسف.
في اللحظة دي، قربت بنت من يوسف، ابتسامة واثقة ونظرة مباشرة، وقالت:
— ممكن رقمك؟
صحابه بصّوا لبعض وضحكوا، مستنيين ردّه.
يوسف استمتع باللحظة، الغرور سيطر عليه، لفّ ناحيتها وقال:
— تشربي إيه؟
وبصّ حواليه وأضاف بصوت عالي:
— القعدة كلها النهارده على حسابي.
ضحكوا، والموسيقى علت أكتر…
صفّقوا له وحيوه، الضحك عالي والفرحة مالية المكان بسبب عزومته.
ملهيّين في ملذات الدنيا، غرقانين في اللحظة وكأن مفيش حاجة برا الدايرة دي.
يوسف كان بينهم… حر.
رجع يعيش حياته بالظبط زي ما أبوه قاله:
اخرج، اعمل اللي كنت بتعمله، كأن مفيش حاجة حصلت… انسَى.
مش معروف هل بدران كان خايف إن حد يشك،
ولا خايف على نفسية ابنه،
على باب القسم، كان حسن خارج،
وقف فجأة لما شاف الزحمة.
صحافة…
كاميرات…
مايكات مرفوعة.
اتصدم.
مكانش متخيل إن موضوع منى ياخد الحجم ده كله.
بس فهم بسرعة…
أي غلطة ضد الشرطة بتبقى صيد سهل،
وأي قضية فيها ضعف بتتحول نار.
قرب منهم وهو متضايق وقال بصوت عالي:
— هو في إيه؟
إنتوا مش عارفين إن اللي بتعملوه ده اختراق قانون؟
قرب منه صحفي وقال بثبات:
— واللي حصل مش اختراق قانون؟
وقف حسن، وشد نفس طويل وقال:
— إيه اللي حصل؟!
السؤال خرج منه وهو عارف إن الإجابة مش هتعجبه…
وإن اللي جاي أصعب بكتير من اللي فات.ردّت صحافية بنبرة حادة:
— واحدة مريضة تكون في السجن ليه؟
بأي تهمة مريضة تتحبس؟
ولا إنتوا مبقتوش حتى تراعوا أبسط النقاط اللي على أساسها يتحبس بني آدم؟
شدّ حسن فكه وقال بضيق:
— أنا مش عارف مين قال الكلام السخيف ده، وطبعًا كلكم صدقتوه.
قاطعَه صحفي:
— يعني الشرطة بتنفي إن البنت كانت مريضة؟
قال حسن بسرعة، كأنه حافظ الرد:
— طبعًا، لأنه مالوش أي علاقة بالحقيقة.
البنت دي دخلت بحكم سرقة، ومش أي سرقة…
دي سرقة رجل أعمال كبير.
قالت صحافية تانية وهي رافعة حواجبها:
— بس دي مش موزونة… تسرق إزاي؟
ابتسم حسن ابتسامة باردة وقال:
— مفيش حد يعمل جريمة زي دي إلا وهو سليم مية في المية
وعارف هو بيعمل إيه.
والبنت دي كده فعلًا.
قرب مايك من وشه، وصحفي قال:
— يعني حضرتك بتقول إنها كانت عاقلة وقت الجريمة؟
هز حسن راسه وقال بثقة مصطنعة:
— ومثبت كده رسميًا.
ولما العقوبة اتطبقت،
مثّلت إن عندها اختلال.
سكت لحظة، وبص لهم واحد واحد وقال:
— بس إحنا بوليس…
وعارفين الأنواع دي كويس.
سادت لحظة صمت.
بعدين صحافية قالت ببطء، وكل كلمة بتدوس على الجرح:
— تقصد إنها كانت بتمثل؟
قال حسن :
— ده أكيد، وأنا مش بعقل كلام مش متأكد منه.
واجبنا نطبّق القانون، مش نأذي حد بريء.
وأنا أصلاً في طريقي أتأكد من علاجها…
وإنها توصل السجن تاني سليمه.
قال الكلمتين ومشي من غير ما يستنى رد.
ساب وراه الصحافة واقفة،
والأسئلة بدأت تتحول لهمس…
والهمس لتحليلات.
— مش مجنونة؟
— طب إزاي؟
— يعني كانت بتمثل؟
— هو فعلًا مفيش حرامي مجنون؟
الكلام اتنقل بسرعة،
كل قناة بصيغة،
كل صفحة بعنوان،
لكن المعنى واحد.
تركيبة كلام حسن كانت محسوبة.
ما نفاش، وما اعترفش.
ساب الشك يشتغل لوحده…
وزي ما بدران كان فاهمه بالظبط.
اللعب كان نظيف.
والضحية؟
اتساب اسمها يتشوه على الهوا.
اتصدم علي وهو بيسمع الكلام، حس كأن حد خبطه في صدره.
قال بعصبية مكبوتة:
— مستحيل… كدب، ده كدب.
الدكتور رد بهدوء متقل:
— ده اللي اتقال من الظابط.
ساد صمت تقيل، كأن الهوا اتسحب من المكان.
علي لف وشه، عينه محمرة وغضبه بيغلي:
— منى مستحيل تسرق.
منى عمرها ما مدت إيدها على حاجة، حتى لو عاجباها.
مستحيل تاخد حاجة مش بتاعتها.
ليه الظابط يقول كده؟
وليه كمان يقول إنها بتمثل؟
الدكتور هز راسه:
— أنا بصراحة… مبقتش فاهم القصة.
قرب علي خطوة، صوته واطي بس مليان وجع:
— بس أنا بقيت متأكد إنها قصة كبيرة.
كأن في حد متعمد يشوّهها.قال بتمثل قال
وياريته كلام حقيقي…
أنا مش هتمنى أختي تكون كدخ،
ولا منى كانت عايزه تكون أقل مننا كلنا
إنت متعرفش هي عانت إزاي…
ولسه بتعاني،
وأديك شايفها.
الدكتور سكت
علي قبض إيده، صوته طالع من بين سنانه:
— دول اللي هيساعدوني؟
دول اللي هيجيبوا حقها؟
الدكتور تنهد:
— الموضوع معقد… وأنا مش عارف أقولك إيه.
وفي اللحظة دي، لمحت عينه العسكري وهو ماشي ناحية باب القسم.
علي ساب الدكتور فجأة، وخطواته تقيلة بس سريعة.
وقف قدامه وقال بنبرة حادة:
— رايح فين؟
قال العسكري ببرود رسمي:
— مطالبين يرجّعوا مسجونه.
علي بغضب— منى مش مسجونه… ومش هترجع في حتة.
العسكري استغرب وحدّق فيه:
— إيه اللي بتقوله ده؟ الإدارة باعتة أمر رسمي.
علي انفجر، صوته بقى جهوري هزّ المكان:
— وأنا بقولك منى مش هتروح معاك ولا مع غيرك!
ده مش مكانها، ومش هيكون…
سَمِعْت؟
لفّ ودخل الأوضة وقفّل الباب وراه.
العسكري اتصدم، خبط على الباب بعصبية:
— افتح الباب!
يلا بلاش نكسّره عليك!
علي ما اهتمش.
لفّ لمنى، لقاها صاحيه، عينيها مليانة خوف.
قالت بصوت واطي متكسر:
— منى مش عايزة أرجع…
قرب منها علي، مسك إيديها بحنية موجوعة:
— مش هترجعي.
محدش هياخدك يا منى…
محدش يقدر طول ما أنا عايش.
عينها دمعت، صوتها رجف أكتر:
— على مع منى، مش يخدوها.
— وعد.
قالها وهو ساند جبهته على جبينها.
فجأة…
سكت الى بره فجأة لما دخل حسن ومعاه عسكريين تانيين.
الصمت بقى تقيل يخنق.
قال حسن بصوت رسمي وهو يبص حواليه:
— هي فين؟العسكري كان لسه هيتكلم،
لكن الدكتور قاطعه بهدوء حاسم:
— في الحقيقة… المريضة ماينفعش تخرج.
حسن لفّ له بنظرة سريعة:
— وده ليه؟
الدكتور قرب خطوة، صوته مهني بس وراه قلق حقيقي:
— حالتها لسه غير مستقرة،
والعلاج ماكملش،
ومعتقدش حضرتك تسمح تاخد مريضة وهي في المرحلة دي.
سكت حسن ثانية.
علي حس إن سمع إسم حسن نفسه الظابط الى اتكلم عن اخته
إيده شدت على مقبض الباب، عايز يطلع،
لكن لقى الباب مقفول…
والدكتور ماسك المقبض من ناحيته،
فاهم تهور الشاب اللي ورا الباب.
حسن ابتسم ابتسامة مصنوعة:
— معاك حق يا دكتور…
طبعًا ماينفعش.
لفّ للعسكري وقال ببرود:
— لما تبقى كويسة، إديني خبر فورًا.
العسكري أومأ بطاعة.
حسن لفّ وخرج،
وصوته وهو ماشي كان تقيل كأنه ساب وراه ظل.
أول ما الباب اتقفل…
قرب علي من منى بسرعة:
— اهدي… خلاص.
كانت منى بتترعش،
عينها تايهة، صوتها واطي ومكسور:
— منى خايفة…
منى مش عايزة.
دخل الدكتور عليهم، قال بصراحه
— مشي دلوقتي…
بس هيرجع تاني.
منى مسكت إيد علي بقوة،
هزت راسها بالنفي،
نظرتها بتصرخ قبل صوتها:
لا…
علي ضغط على إيدها، قرب منها أكتر، صوته واطي بس ثابت:
— مش هيقربولك…
حتى لو رجعوا.
لكن قلبه كان عارف…
إن اللي جاي أصعب،
وإن الحرب لسه ما بدأتش.قال علي بصوت واطي لكنه حاد:
— لو حد فكّر ياخدك…
ولو مين جه هنا وفكّر يرجّعك هناك…
مش هتردد إني اقت.لخ.
اتسعت عيون منى بخوف حقيقي،
نظرت له كأنها لأول مرة تسمع نبرة غريبة منه.
الدكتور تدخل، بنبرة تنبيه:
— كلامك كده بيخوفها أكتر.
علي شاف الرعب الصغير اللي في عيون أخته،
قرب منها فورًا،
مسك وشّها بين كفوفه بحنان يناقض حدته من ثواني:
— لا… لا متخافيش يا منى،
أخوكي هنا…
وأخوكي مش هيسيبك.
هدّيت أنفاسها شوية،
وسابت راسها تميل على صدره.
الدكتور كان واقف يتفرج في صمت،
مشدوه من التحوّل السريع:
من رجل ناره مولعة،
لإنسان هادي، مكسور،
كل قوته متعلقة بالروح اللي قدامه.
هذان الأخوان…
كأنهم شخص واحد في جسدين،
روح واحدة لو اتكسرت في واحد
التاني يقع معاها.
في الليل…
كانت منى نايمة،
نومها متقطع،
كأن جسدها نام لكن عقلها سهران.
حسّت بحركة خفيفة.
فتحت عيونها ببطء.
الغرفة فاضية.
الهدوء تقيل.
لفت عينيها…
الشباك كان مفتوح.
قامت بهدوء،
مشيت لحده،
وقفت تبص للسما،
القمر كان عالي…
بعيد…
زي الأمان اللي بتدور عليه.
فجأة…
سمعت صوت خبط خفيف على الباب.
جسمها اتشد.
لفّت بسرعة،
وصوتها طلع واطي، مرتعش:
— ع… علي؟
وسكت المكان…
خرجت من الأوضة بخطوات بطيئة،
المشفى كان شبه فاضي…
صوت خطوات قليل، نور أبيض بارد،
والسكون عامل زي حمل تقيل على صدرها.
وهي ماشية،
لمحت العروسة…
قاعدة على الديسك.
جسم منى اتخشّب.
مش قربت…
بالعكس، رجعت خطوة لورا.
العروسة بقت رمز خوف،
مش لعبة.
كل ما تشوفها…
ترجع ذاكرتها للي حاول عقلها يدفنه،
ولـ بدران.
لفّت تمشي بسرعة،
وفجأة…
إيد شدت دراعها من ورا.
قبل ما صوتها يطلع،
كف اتطبق على بقها جامد.
اتسعت عينيها،
وجسمها اتشدّ،
والصوت اتكتم جوه صدرها.
علي كان واقف عند الاستقبال،
بيختم أوراق،
القلم بين صوابعه.
وقف فجأة.
رفع راسه وبص وراه.
السكرتيرة قالت باستغراب:
— خلصت يا أستاذ علي؟
هز راسه بنفي،
وعينه لسه بتلف في المكان.
إحساس غريب…
زي وخزة في القلب.
كمّل التوقيع غصب عنه،
سلّم القلم،
وساب الديسك من غير ما يرد.
مشي في الممر بسرعة،
خطواته بقت أسرع من تفكيره.
وصل لأوضة منى،
مد إيده على الباب،
فتحه—
ووقف مكانه.
السرير…
فاضي.
الغطا متكوم،
بس هي مش موجودة.
دخل خطوة،
صوته طلع مبحوح، مليان رعب:
— منى؟
الاسم رجعله صدى…
بس مفيش رد.
قلبه وقع.
الإحساس اللي كان عند الاستقبال بقى حقيقة.
علي لف في الأوضة بعينين مولعين،
ودماغه كان بيصرخ بسكوت:
لا… مش تاني.مكنش في أي صوت.
ولا نفس.
ولا حتى أثر لحركتها.
رجع علي خطوة لورا وخرج من الأوضة فجأة،
صوته انفلت من صدره:
— مننّــــى!
مفيش رد.
مشي في الممر،
خطوة… خطوة،
رجليه تقيلة كأن الأرض ماسكا فيه.
— مننّــى…
الصوت كان بيتكسر،
وبيضعف مع كل مرة ينطق اسمها.
ممرضة طلعت من أوضة قريبة، بصتله بضيق:
— لو سمحت، واطي صوتك.
لف لها بعينين مولعين:
— المريضة اللي كانت هنا… راحت فين؟
بصّت للأوضة وبعدين له باستغراب:
— هي مش جوه؟
الكلمة نزلت عليه زي الطلقة.
علي اتحرك فجأة،
الجري خد مكان التفكير.
لف المستشفى كلها،
طلع سلالم،
دخل ممرات،
فتح أبواب،
سأل،
دور.
القلب سابقه بخطوة،
والخوف سابق القلب بعشرة.
خرج للجناينة،
لف حوالين نفسه كالمجنون،
يبص يمين،
شمال،
ورا،
قدّام.
يمكن خرجت.
يمكن تايهة.
يمكن مستخبية.
لكن…
مفيش أثر.
لا ظلها،
ولا صوتها،
ولا حتى الإحساس إنها قريبة.
وقف في نص الجناينة،
صدره بيعلى ويهبط،
وعينه بتدور في الفراغ.
وصوته طلع مبحوح،
مكسور،
كأنه بينادي روحه مش بس أخته:
— مننّــــــــــــــــى…
- يتبع.. (رواية بين الحب والانتقام) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.