رواية لأجلها الفصل الخامس والخمسون 55 – بقلم أمل نصر

رواية لأجلها – الفصل الخامس والخمسون 55

ـ’وحشتوني يا حبايبي، وحشتوني يا نن عين أمكم، قلبي كان قايد نار في بعادي عنكم، ما بردش غير دلوك بضمتكم.”
تردد بتلك الكلمات وغيرها، وشفتيها لا تتوقف عن وضع القبلات فوق رأسي ابنتيها اللتين تضمهما إليها بشوق شديد، غير آبهة بألم ذراعها الذي لم يشفَ حتى الآن من كسوره. وقد عادت إلى منزل والديها أخيراً، لترى زهرتيها بعد فراق طوال المدة التي قضتها في الحجز، وكأنها لا تصدق أنها عادت إليهن.
تحدثت والدتها التي كانت واقفة بتأثر، وبجوارها ابنتها الأخرى شقيقتها الصغرى إسراء:
ـ مبروك عودتك لبناتك يا بنتي، ربنا ما يحرمهم منك ولا يحرمك منيهم.
لم ترد عليها، واكتفت بنظرة تشملها الدموع نحوها؛ فهذه أول مرة تمر بتلك التجربة القاسية، تجربة كادت أن تودي بحياتها لولا ستر الله. هتفت “جنى” التي رفعت رأسها إليها:
ـ وحشتينا يا أمه وحشتينا جوي، كل المدة دي كنتي مسافرة عند قريبتنا العيانة؟ طب ليه مخدتناش معاكي؟
ارتبكت هالة عقب سؤال ابنتها، لتنقل عينيها نحو شقيقتها ووالدتها باستفسار عن تلك القصة الغريبة، إلا أن ابنتها الأخرى هي من أتت بالرد تسبقهما:
ـ إحنا مصدقناش عيال خالتي هدى لما قالوا أمكم خدتها الشرطة، عشان بابا قال متصدقوش حد غيري، بس أنتي اتأخرتي جوي يا ماما.
حسناً، لقد علمت من اختلق القصة؛ ولم يتعامل بندالة في غيابها ويخبرهما الحقيقة، بل تحايل حتى لا يشوه صورتها. بالطبع ليس من أجلها، بل من أجلهما هما، كي لا تتأثر نفسيتهما. اللعنة! كيف لم تفكر بهما قبل ذلك؟ كيف لم تضعهما وتضع صورتها في أعينهما أولوية قبل التهور بعمل بائس؟
هتفت شقيقتها “إسراء” نحو الصغيرات لترحمها من البحث عن إجابة:
ـ براحة على أمكم يا بنات، دي جاية من السفر تعبانة. سيبوها تريح وتاخد نفسها.
سمعت الصغيرتان واستجابتا، ليبتعدا عن حضن والدتهما ثم خرجتا للعب، تاركين هالة في حالة يرثى لها من الحزن والبكاء
. “مصمصت” والدتها شفتيها بأسى قبل أن تلحق بالصغيرات، فتخلو الغرفة عليها وعلى إسراء التي جلست جوارها على الفراش مهونة:
ـ خلاص يا خيتي مالوش لزوم البكا عاد، مادام ربنا كشف الحقيقة في الآخر وطلعتي براءة، أديكي رجعتي لبناتك من تاني بعد ما ربنا أظهر الحقيقة.
صفنت هالة بشرود في كلمات شقيقتها التي لا تعرف أن ثمن الحرية كان باهظاً، وأنها لم تكن بريئة على الإطلاق، ولكن حماقة فعلها هي السبب في ما آل إليه حالها الآن وقد أصبحت أسيرة لهذا المجنون… ولكنها أيضاً لا تنكر معروفه، فلولا فعله ما كانت عانقت طفلتيها وربما حُرمت منهما لسنوات.
ـ أنا بس بلوم عليكي إنك اعتمدتي على المخبل “حسني”، دا عيل البرشام لحس مخه، ومعدش منه رجا، ربنا يصبر هدى كمان، بس هي متعودة على نصايبه، عيال خايبة!
هكذا تفوهت شقيقتها بعفويتها، لتزيد من ثقل ما يكتنفها؛ لقد كانت غبية بكل ما تحمله الكلمة في هذا الأمر، والسبب هو الغيرة بالطبع، وياليتها كانت عن حب!
ـ قوليلي يا إسراء، متعرفيش أخبار خليفة واعتماد إيه؟
تنهدت المذكورة بحنق، ترد على السؤال وهي تنهض من جوارها:
ـ يعمل اللي يعمله، معدش لينا حاجة عنده عاد، يتجوز اعتماد ولا ميتجوزهاش هو حر وإحنا كمان أحرار، أروح أحضرلك لقمة عشان تاكلي وتتسبحي، بعدها تريحي جتتك على فرشتك
نظرت هالة في أثرها بيأس تردد:
ـ وأنا في حياتي ما شوفت الراحة؟ طول عمري تعبانة وشكلي هفضل كدة لحد ما أموت.

في منزل اعتماد
كانت رغد في ذلك الوقت تقلب في أكياس الهدايا والأشياء التي أتت بها شقيقتها لتفاجئهم بها، بانبهار لا يتوقف وهي تردد:
ـ وه وه، بسم الله ما شاء الله، كل دي هدايا وحاجات حلوة؟ ده عم خليفة شكله ذوقه عالي قوي.
تبسمت إليها اعتماد بتردد، وعيناها تركزت على روضة التي كانت صامتة بحرج؛ فهي حتى الآن لم تبدِ أي رد فعل ظاهر سوى ابتسامة غير مفهومة، فشجعت نفسها لتسألها بشكل مباشر:
ـ وأنتِ يا روضة إيه رأيك فيهم؟
وكأن السؤال دار في الهواء حتى وصلها، لياتي ردها متأخراً:
ـ حلوين وما شاء الله عليهم، ربنا يتمملك بخير يا خيتي.
تمعنت بها اعتماد تستشف الصدق بإلحاح:
ـ بجد يا روضة فرحانة؟ يعني مش زعلانة عشان قرار النيابة اللي طلع؟ أديني بسألك بوضوح أهه وجبتهالك على بلاطة.
توسعت ابتسامة ساخرة على ثغر روضة، ثم سرعان ما عادت ملامحها الحزينة لتجيبها بصدق:
ـ والله أنتِ غلبانة قوي يا اعتماد! طب أنا هبلة وعرفتها من زمان دي على يد الباشا اللي كان لاغي شخصيتي عشان كنت واقعة في عشقه، وسايبة نفسي لعبة في يده ولا بهيمة وبيجرها بسلبة حتى.. إنما دلوك ، وبعد ما رماني أنا وبتي وسافر من غير ما يبلغنا حتى، بالذمة هزعل عليه تاني بأي وش؟ يا شيخة ده لو عاملي سحر هينفك العمل بسفره! سيبك مني يا خيتي وعيشي فرحتك، عيشي فرحتك وما تزيديش عليا الله يخليكي.. أنا طول الوقت كنت ندلة معاكي بسببه. تعبتِ كتير يا خيتي وجه الوقت تعيشي وتتهني، ربنا بيطبطب عليكي بعد الشقا والعذاب، خدي فرصتك وبلاش تفكري في حد غير نفسك وخليفة الحلو.
ضحكت حتى أضحكت اعتماد معها لتواصل:
ـ سبحان الله لما بشوفه وأفتكر “عليوة”، بفتكر محمد هنيدي لما اتريق على خطيبته الأولى وقال “كنت خاطب صندل”، والنعمة حتى ما حصل الصندل!
ـ لا، وشايف نفسه وهو عامل زي الصرصار المقلوب!
قالتها رغد تشارك شقيقتيها ، لتتبادلا النكات والمزاح، وقد دخل الفرح إلى المنزل أخيراً وصفت القلوب.
………………………….

داخل منزل حمادة القناوي، أطلقت حسنية زغروطة عالية وطويلة تعبيراً عن فرحها بالخبر الجميل الذي صرح به ولدها الأوسط؛ فقد استقر وضعه أخيراً مع المرأة التي أحبها، بالإضافة لخروج أم بناته من الحجز الذي كان له الأثر السيئ في نفوس الصغيرات.
حتى إذا انتهت، ختمت بقولها:
ـ مبروك يا ولدي، مبروك يا نور عيني فرحتك الغالية.
احتضنها خليفة ضاحكاً:
ـ الله يبارك فيكي يا ست الكل، كل دي زغروطة؟ أنا افتكرتك مش هتوُجفي!
حمزة الذي كان جالساً على الأريكة بتعب:
ـ يا عم ما تسيبها، الزغروطة النادرة دي ما بتطلعش غير للحبايب، وهي النهاردة فرحانة بيك، ربنا يكمل فرحتك يارب.
ـ ويفرحك بريان يا أبو ريان.
كان في الأخيرة قد انتبه على قدوم مزيونة ليقابلها بمرح:
ـ وانتي يا أم الغائب تخلصي على خير بإذن الله ونفرح بالعريس، ولا يمكن عروسة.. الله أعلم بقى.
ردت مزيونة وهي تأخذ مقعدها جوار زوجها على الأريكة:
ـ كل اللي يجيبه ربنا زين يا أبو البنات، ربنا يكمل فرحتك على خير، وتتهنى إنت واعتماد الطيبة بنت الأصول، والله تستاهلوا كل الفرح والهنا.
عقبت حسنية في تلك اللحظة بعتب نحو ابنها:
ـ أيوه بس أنا زعلانة عشان ماقولتليش من الأول، برضك أعرف على آخر لحظة زيي زي الناس الغريبة!
سارع خليفة بالتوضيح لترضيتها:
ـ يا ست الكل محدش كان عارف والله، أنا نفسي مقررتش غير وأنا راجع بيها من النيابة، ما صدقت ولقيتها فرصة يا أمة، هو إنتي مش فرحانالي؟
ـ ووه، ودي فيها كلام؟ طب أها!
قالتها حسنية لتنطلق بعدد من الزغاريد تزيد الأجواء ابتهاجاً. وفي الناحية القريبة تحدث حمزة الذي كان متكئاً على الأريكة بإجهاد بسبب وقفته في انتظار ابنة عمه والافراج عنها:
ـ المرة ما صدقت عشان تاخد فرصتها في الزغاريد، كأنها واقفة على تكة.
وختم ضاحكاً، فقالت زوجته:
ـ يا سيدي هو في حد يكره الفرح؟ خليها تزعرط وتسمع الدنيا كلها. المهم إنت ما قولتليش، عجبك حاجة من الألوان اللي بعتها؟
قطب بعدم تركيز يسألها:
ـ ألوان إيه؟
تبسمت بمغزى جعله يتذكر على الفور حتى قبل أن تجيبه، وقد ارتخت في جلستها بمكر:
ـ لحقت تنسى يا حمزة؟ ده إنت محدش يتكل عليك على كده! كويس إني كنت عاملة حسابي واتصرفت من نفسي.
برقت عيناه باستيعاب، يخشى حدوث ما وصل إليه ظنه:
ـ يعني إيه؟ لتكوني اتجننتي وعملتيها صح؟ والله ما تكوني اتهفيتي في مخك وغيرتي لون شعرك.. لااا…
ـ هشششش.
همست بها إليه بتحذير، تنبهه بعينيها أيضاً:
ـ وطي صوتك يا حمزة، عايز أمك وأخوك يسمعوا زعيقك عشان لما يسألوا أقولهم السبب صبغة شعري برضك؟ اتقل كده شوية لما نبقى لوحدينا عشان تبقى مفاجأة.
عض على شفته بغيظ شديد يكتنفه العجز؛ لا هو بقادر على الصراخ بها، ولا بقادر على شد الحجاب وكشف رأسها بنفسه كي يعلم إن كانت فعلتها أم لا؟ يقسم إن صدق ظنه لسوف…
تحدث ضاغطاً على أسنانه:
ـ عارفة يا مزيونة، لو يطلع صح إنك غيرتي لون شعرك والله لا…
قاطعته بعتب يشوبه الدلال والخبث:
ـ حمزة.. بلاش توعد بحاجة عفشة يا حمزة وبعدها تندم لما تلاقي اللون عجبك!
جعلته كلماتها يصمت بحنق شديد، يصبر نفسه بصعوبة حتى موعد اكتشاف الكارثة.. أو المفاجأة، على حسب ما تقول،؛..

………………….
بعد انصراف الجميع إلى شؤونهم، دخل حمزة الغرفة وأغلق الباب بعنف خلفه، ليلتفت إليها وشرر الغيظ يتطاير من عينيه:
ـ يا صلاة النبي، غيرتي هدومك ولبستي الببجاما ، ولساتك برضه قاعدة بالطرحة فوق راسك على أساس إنك محتفظة بعنصر المفاجأة؟ اخلعي ياللا ووريني المصيبة اللي عملتيها في راسك، اخلعي ده أنا ما صدقت بقينا لوحدنا.
نهضت من أمام المرآة تتبختر في خطواتها رغم عرج قدمها البسيط:
ـ وه يا أبو ريان، داخل كدة على الحامي؟ طب قول مساء الخير الأول.
ـ مزيونة.. اخلصي خليني أشوف المصيبة اللي هببتيها!
هتف بها بانفعال قابلته بهدوء عجيب، لتقترب منه ببطء، وعلى وجهها ابتسامة غامضة، ثم بدأت بفك عقدة حجابها بتمهل زاد من حرقته، وقالت بنبرة خفيضة:
ـ وليه بس مسميها مصيبة يا أبو ريان؟ ده حتى التغيير مطلوب، بيسر العين ويشرح القلب.
ـ ده لما يكون في الصح، مش جنان وبيهب من غير ميعاد.
قالها قبل أن يتخذ الخطوة بنفسه وقد مل من تباطئها المتعمد، ليسحب الحجاب منها دفعة واحدة، فانسدلت خصلات شعرها التي لم يصبها صبغ اللون الأصفر كما توهم، بل ظهر بصورة أخرى فاجأته؛ الشعر الفحمي الأسود تحول إلى لون يشبه الأسود، لا بل هو بني قاتم، وقد كان لامعاً ومصففاً بعناية شديدة، ليس كالذي اعتاد عليه، ولكنه كان جميلاً ومبهراً، أضفى إلى جمالها بعداً آخر يقارب السحر. اللعنة! كيف فعلت هذا التغيير المضبوط بهذه الدقة؟
كان قد بالغ في تأمله لها، حتى تجمدت الكلمات بحلقه، فنظرت إليه بمكر متسائلة:
ـ إيه يا أبو ريان.. اللون مش عاجبك؟ ولا طلعت أنا “مهفوفة” في عقلي بجد؟
تنفس حمزة الصعداء، واسترخت ملامحه المتشنجة تدريجياً، ليرد بلهجة حاول أن يبقيها حازمة رغم انكسار غيظه:
ـ مع إن دمي ما زال بيغلي إنك عملتيها من غير ما ترجعي لي، لكن يشفع لك بس إن اللون لايق عليكِ، إنما والله لو كنتِ عملتيها وحولتي لصفار البيض والكلام الفاضي ده، لكنت طينت عيشتك بالفعل، وخليتك ترجعيه لأصله من عشية.
ـ من عشية كمان!
قالتها ثم أخرجت من حلقها شهقة خافتة لتتحرك من جواره حتى جلست على طرف تختها تتحدث بثقة:
ـ مع إني عارفة إنك بتبالغ لكن معلش بقى، أنا برضك مش هفية عشان أقلد أي حد حتى لو كانت البت الصفرا إياها.
ـ البت الصفرا مين؟
للمرة الثانية يخطئ بسؤاله قبل أن تأتيه الإجابة من نظرة واحدة إلى عينيها، فضرب بكفيه الكبيرتين على صفحة وجهه:
ـ تاني برضه الصفرا وزفت الطين؟ مش كفاية إنك طيرتي برج من عقلي؟ مش هنخلصوا منيه الموال ده يا بنت الناس؟ خلينا في حياتنا زي ما هي ماشية يا مزيونة، ولو في تغيير بسيط زي لون شعرك الحلو.. إلا قولي لي مين دلك على اللون الحلو ده؟
علمت مزيونة أنه بسؤاله الأخير لها قاصدٌ تغيير دفة الحديث، فاضطرت أن تجاريه:
ـ ربنا يخليها بنتي ليلى، هي اللي اختارت لما طلبت منها، فاتصلت على البت سمر الحفافة، فجات هنا بعدتها صبغت وكوت الشعر كمان، المهم إنه عجبك!
ـ إلا عجبني، ده هينطق عليكِ من الحلاوة يا مزيونة يا برنسيسة أنتِ.
تفوه بها متغزلاً ليجلس بجوارها، يداعبها ويدللها، وهي تستجيب إليه بعقل يقظ، لتخفف قليلاً من الضغط عليه، إنما أبداً لن تنسى أمر حسابه عن تقبيل المدعوة تولين له على وجنتيه.
………………………..
في مقر شركة المقاولات والهندسة بالقاهرة، وفي اليوم الأول له بعد العودة، دلف من الباب الدوار إلى داخل ردهة الاستقبال الفاخرة بجدرانها الزجاجية وأثاثها العصري. كان يرتدي حلة سوداء كلاسيكية مفصلة بعناية، قميصاً أبيض ناصعاً، وساعة جلدية فاخرة. ملامحه حادة ووسامته لافتة؛ أناقة ليست غريبة عنه، وذلك ما اعتاد عليه؛ فالجلباب له وقت، وللملابس العصرية أو الحلة الفاخرة وقت آخر.
إلا أن كل هذا لا يعنيه بشيء في ذلك الوقت الحساس، بعدما أُجبر على ترك زوجته في أيام حملها الأخيرة كي يلبي نداء العمل. كانت يده تقبض على الهاتف الذي كان يدوي بهزيز يدل على ورود اتصال من جهة يعلمها جيداً، ينتظر فقط الوصول إلى مكتبه كي يتحدث معها باستفاضة، ليخبرها عن يومه الذي لم يبدأ أصلاً، ولكن مع استمرار الرنين اضطر أن يرفعه إلى أذنه مغمغماً بضيق:
ـ يوووه عليكي يا ليلى، مش قادرة تتصبري على ما أوصل مكتبي؟
في أثناء ذلك، وهو يسرع الخطوات باتجاه غرفة المكتب ، اصطدم رغماً عنه بفتاة تخرج مسرعة من أحد الممرات وهي تنظر في أوراق بيدها، حتى سقطت منها أرضاً بفعل الاصطدام، لتشهق ناظرة نحو الأوراق:
ـ مش تفتح؟ أنت فاكر نفسك ماشي في جنينة بيتكم؟!
انتاب معاذ الغضب، ولكنه كظم انفعاله وتمكن من الرد بهدوء تقديراً لصعوبة الموقف:
ـ كتر خيرك يا ست، بس أنا اصطدمت فيكي من غير ما أقصد، يعني مالوش لزوم الغلط ولا التلقيح بكلام ماصخ.
رفعت الفتاة رأسها إليه ببطء لتطالعه بذهول؛ فقد كانت تتوقع رؤية عامل بسيط أو موظف عادي بناءً على اللكنة، لكنها تفاجأت أمامها برجل عصري في قمة الأناقة، بملامح جذابة وعيون صقرية رجولية. ابتلعت ريقها بتوتر، لتستعيد توازنها سريعاً وتسأله:
ـ أنت مين؟ دي أول مرة أشوف الوش ده هنا.
تبسم معاذ بسخرية يعقب على قولها:
ـ الوش أو السحنة اللي أول مرة تتفاجئي بيها في الشركة المحترمة، واحد من الموظفين اللي فيها.. أنا المهندس معاذ.
ارتفع حاجباها بتخمين فور سماع اسمه:
ـ انت المهندس المسؤول عن قطاع الإنشاءات؟ واللي غايب عن الشغل من كذا شهر!
بضيق لا يخفيه من طريقتها، رد بجفاء وتحدٍ:
ـ أيوة أنا المهندس معاذ، والمسؤول عن قطاع الإنشاءات، وكنت غايب عشان ظرف يخصني، إنما أنتي صفتك إيه عشان تسألي وتعملي عليا تحقيق؟ خليكي في حالك يا حلوة ولمي الورق اللي وقع منك.. بلا وجع دماغ.
تفاجأت الفتاة برد فعله وعنجهيته في مخاطبتها، ومن ثم مغادرته من أمامها بجلافة استفزتها لتوقفه بندائها:
ـ استنى عندك هنا!
شعر بتصلب عضلات ظهره بعد أن استجاب ليتوقف بناءً على ندائها، ثم وببطء شديد التف إليها قائلاً بفظاظة:
ـ نعم يا آنسة، بتوقفيني تاني ليه؟
فردت ظهرها وربعت ذراعيها فوق صدرها لتقول بثقة رافعة ذقنها للأمام:
ـ كنت عايزة أعرفك بيا يا بشمهندس.. أنا مريم السيوفي، عضوة مجلس الإدارة الجديدة. وأنا اللي طلبت استدعاءك فوراً لأن تقاريرك الفنية ممتازة، بس غيابك كان غير مبرر بالنسبة لي.
ضاقت عينا معاذ وهو يطالع تلك النحيفة المتعجرفة بنظرة ثاقبة، يحجم نفسه ألا ينفعل عليها حتى لا يترك العمل غاضباً غير عابئ بشيء، ليتمكن بصعوبة من السيطرة على غضبه ويرد:
ـ تمام قوي يا بشمهندسة مريم، على العموم أنا رجعت وقطعت إجازتي “الغير مبررة” عشان أهتم بشغلي، أسيبك بقى أشوف اللي ورايا.. عن إذنك.
بمجرد استئذانه، تحرك ينهب الأرض بخطواته الواسعة متوجهاً نحو المصعد، تاركاً مريم تراقبه بشغف مختلط بالحيرة، وهي تلملم أوراقها التي لم تعد تهمها بقدر ما يهمها اكتشاف سر هذا “الصعيدي الأنيق”، ذو الوسامة الواضحة والتضاد الشديد مع لكنته الصعيدية، والتي ولأول مرة تكتشف أنها جميلة.
………………………..
فتحت “نورا” باب منزلها الداخلي وهي تستعد للخروج، ترتدي عباءتها وتعدل من وضع طرحتها، قاصدة الذهاب إلى سوق البلدة لشراء ما تحتاجه من خضروات وبقالة في ميعاد يومي اعتادت عليه.
وكانت المفاجأة من نصيبها حين وقعت عيناها على ذلك الشبح الذي يحتل مكانه على جانب من الممر الضيق، الذي يؤدي إلى الباب الخارجي، واقفاً في الظل، يستند بظهره على الحائط المقابل للباب، وعيناه تلاحقانها بهدوء مستفز؛ فتحدثت بفزع مكتوم:
ـ بسم الله الرحمن الرحيم! أنت إيه اللي جابك هنا يا عطوة؟ وإزاي تدخل البيت من غير ما حد يحس بيك؟
رد عطوة بابتسامة باردة ونبرة واثقة:
ـ الباب البراني مكسور وقُفله دايب يا نورا، يعني مش محتاج مجهود عشان يتفتح، وبعدين أنتِ فاكرة إن فيه باب في الدنيا دي، داخلي ولا خارجي، يقدر يحوشني عنك لو نويت أوصلك؟
صبت كلماته المزيد من الغضب عليها، لتتقدم نحوه بتحفز:
ـ لا ده أنت تبقى اتجننت رسمي! ولا عقلك خف على كبر، لتكون فاكرها سايبة؟ ولا أنا هينة ليك ولا لغيرك، اطلع بره يا عطوة، ولو فكرت تقرب من باب البيت ده تاني لحد ما ربنا يسهلي وأسيبهالك مخضرة، والله، لأكون لامة أمة لا إله إلا الله بصرخة وأفضحك أكتر ما أنت مفضوح.
بجرأة تُحسب له، قطع عطوة المسافة بينهما بخطوة واحدة، لتنخفض نبرة صوته وتصبح أكثر جدية:
ـ طب ولما أنتي عارفة إني مفضوح وما بيهمنيش، تفتكري يعني هتأثر حتى لو خليتيها بجلاجل حتى؟ لاه ده يمكن يبقى في مصلحتي كمان، لمي الناس يا نورا، قولي لهم عطوة جاي يطلب يدي للمرة الألف، وزيدي إني مش عارف أعيش من غيرك، ولا هعرف أعوض اللي راح مني غير وأنتي معايا… أنا كل ما أفتكر تصرفاتي الغبية معاكي طول الفترة اللي فاتت أعض على يدي من الندم.
انتفضت تتراجع إلى الخلف كي تبتعد عنه، وقد أصابت كلماته الجزء الضعيف داخلها:
ـ اببعد عني أحسنلك يا عطوة، دلوك المشاعر هابة عليك وعاملي فيها العاشق الولهان؟ فاكرني هدوب وأسلم لجمالك بكلمتين؟ لا اصحى وفوق لنفسك، أنا كرامتي أغلى منك ومن الدنيا وما فيها، وإن كان على جميلك معاي، فده اعتبره دين في رقبتي، بمجرد ما هوصل الفيوم، هبعتلك حق إيجار البيت اللي واقف فيه دلوك عن كل الفترة اللي فاتت، وأي قرش صرفته برضك هرده، ده غير…
ـ ما تهمدي بقى يا بت وبلاها نشفان الدماغ!
هتف بها مقاطعاً لها، وقد تقلصت المسافة بينهما بشدة هذه المرة، بعدما باغتها بالقبض على مرفقها، وجذبها إليه ليصبح قريباً حتى من أنفاسها، يردف بنبرة صادقة:
ـ مش محتاج تفكريني بغبائي ولا قلة عقلي، كل اللي طالبه بس فرصة، فرصة أصلح بيها اللي فات وأثبت بيها صحة كلامي، وإن طلع العكس، ساعتها يبقالك الحق تعملي ما بدالك.
صمتت نورا، تتردد نظراتها بين القوة والضعف، وقد بدأ الغضب يتلاشى عن ملامحها ليحل محله حيرة وتشكك، فتساءلت بصوت خفيض:
ـ وإن طلعت لعبة منك؟
سمعها، ليجيبها دون تردد:
ـ يبقى جيبي المطوة وغزيها في قلبي اللي كان أعمى من سنين ودلوك بس اللي فتح وشاف زين.
ارتخت تعابيرها فيما يشبه الاستسلام، فاستغل هو ذلك ليقطع عنها التفكير والتردد:
ـ أنا هبعت أجيب المأذون دلوقتي حالاً، وبعدها أنزل بيكي السوق تنقي الشبكة اللي تعجبك، وكل اللي تعوزيه يحضر… وأنتي حرمي ومكتوبة على اسمي.
……………………
انطلقت دعوات المأذون: “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير”، لتكون الإشارة الرسمية لبداية حياة جديدة. في تلك اللحظة، لم يكن خليفة يرى أحداً غيرها؛ كان ينظر لـ “اعتماد” التي بدت كالبدر في تمامه، وعيناه تلمعان بنصرٍ عظيم.. نصر المحب الذي فاز بقلبٍ صانته الأيام رغم جراحها، قلب امرأة لم تعرف معنى الحب إلا على يديه، وهي لم تكن أقل منه فرحاً، وقد وهبها الله أخيراً السعادة التي لم تكن تعي بوجودها أصلاً.
ـ مبروك يا وش الخير، مبروك يا مكافأتي بعد صبر السنين.
همس بالكلمات بالقرب من أذنها، لترد هي بصوت يرتجف من السعادة والخجل وهي لا تستوعب السرعة التي تم بها الأمر:
ـ الله يبارك فيك يا خليفة.. براحة عليا شوية، أنا أصلاً مش مصدقة، ومش عارفة إن كنت في حقيقة ولا ده حلم وأنا لساتي نايمة!
تبسم بمكر مستغلاً الصخب الدائر حولهما:
ـ بس تخلص اللمة وأنا هخليكي تميزي إن كان حلم ولا حقيقة.
قطبت بعدم فهم تنظر إليه بتساؤل، ولكن ما رأته بعينيه جعلها تفهم جيداً المغزى الخبيث، فهربت بنظراتها سريعاً تعطي اهتمامها بذلك الاحتفال الصغير داخل منزلها، وقد ضجت الصالة بالمباركات والتهاني من الحاضرين من أهالي العائلتين، واختلطت المشاعر في مشهدٍ لا يُنسى.
فرحة مزيونة كانت استثنائية بصديقتها بعد أن عوضها الله بعد الكسر وجبر خاطرها، وكأنها الشقيقة التي لم تنجبها والدتها:
ـ مبروك يا اعتماد، مبروك يا غالية، وبقيتي سلفتي خلاص يا ست الأبلة، يا حلاوة يا ولاد!
ضحكت الأخيرة استجابة لها، تشاركها لحظات من الود والصدق، بينما حمزة يشد على يد أخيه فخوراً باختياره الحقيقي هذه المرة دون تدخل من أحد:
ـ مبروك يا واض أبوي، العروسة ست البنات وأنت زينة الشباب والله، وربنا عوضك أخيراً.
أما حسنية فقد أطلقت زغرودة مجلجلة بطابعها التراثي الأصيل، لترد عليها روضة (أخت اعتماد) بزغرودة عصرية سريعة، مما أضفى جواً من الفكاهة، حتى جعل “منى” تشجع بحماس المنافسة بين الاثنتين:
ـ أيوه بقى خلينا نشوف مين اللي هيغلب، ولا مين اللي نَفَسه أطول.. الحاجة حسنية أم الرجال ولا الست روضة أم دندن؟
كالعادة، كلمات منى آتت أثرها فنشرت المرح والضحك بين الجميع. أما زوجها منصور، الذي لم يكتفِ بالتهنئة، بل احتضن خليفة بقوة وكأنه يوصيه خيراً بـ “اعتماد”؛ تلك الإنسانة التي كان يحمل همَّ حظها العاثر منذ مولدها، والآن يراها في أيدٍ أمينة، في عصمة رجل يعرف قدرها حق المعرفة.
لم تتوقف البهجة عند الكبار، بل امتدت لجيل الصغار؛ رغد الأخت الصغرى تحولت لشعلة نشاط، فلم تكتفِ بالرقص مع شقيقات خليفة وبناتهن، بل امتد بها الحماس نحو الصغيرتين الجميلتين، فسحبت جنا ومنة (بنات خليفة) في الوسط:
ـ يلا يا بنات.. النهاردة فرح بابا واعتماد، مفيش حد يقعد واصل!
اندمجت معها الصغيرتان، فتشكلت من المدعوين حلقة حولهن في تصفيق حار تشجيعاً لهن.
وسط هذا الضجيج المحبب، انحنى خليفة نحو أذن اعتماد، وابتسامة واثقة ترتسم على وجهه، ليهمس لها بكلمات جريئة جعلت حمرة الخجل تصعد لوجهها فوراً، والذهول يكتسحها. فعلى قدر فرحها، كان ارتباكها من جرأته؛ فكلماته لم تكن مجرد غزل، بل كانت إعلاناً بأنه لم يعد يطيق صبراً لكي يُغلق عليهما بابٌ واحد، بعيداً عن أعين الجميع.
أما ليلى التي كانت تتابع بعيدا عن الزحام وفي جهة قريبة، ما يحدث بابتهاج لا يقل عن والدتها، رغم انشغالها بمكالمتها مع معاذ، الذي كان يستمتع بوصفها:
ـ عمي خليفة ولا كأنه عيل صغير، أول مرة أشوفه فرحان كدة يا معاذ، دلوك بس اللي صدقت إن الحب يصنع المعجزات.
وصلها صوته في رد عليها باستهجان محبب:
ـ دلوك بس يا مجنونة يا أم عقل طاقق؟ أمال الشحططة اللي أنا فيها من ساعة ما شوفتك دي تحسبيها إيه؟ هتجننيني معاكي يا بنت مزيونة.
وكان ردها ضحكات متواصلة ترطب على قلبه الملتاع في مقر سكنه بالعاصمة التي انتقل إليها مجبراً، فلم يتبقَ له سوى المحادثات والرسائل المستمرة بينه وبينها حتى يعود إليها في أقرب وقت.
وفي ناحية أخرى، داخل الشركة التي يعمل بها معاذ، كان هناك من يطلع على ملفه بالكامل على الحاسوب؛ يراجع معلومات العاملين بتركيز وتمعن، بعدما أثار اهتمامه ذلك “الصعيدي” بشدة…
………………………….
أما عن هالة، فقد كانت محبوسة فرةالغرفة في هذا الوقت ، لتبتعد عن الجميع وتختلي بنفسها، لا تشعل من الضوء سوى أباجورة جانبية واحدة تزيد من وحشة المكان.
جالسة على طرف السرير بشرود فيما يحدث معها؛ لا تعرف ماذا تفعل؟ أو ماذا سيحدث معها غداً؟ وكيف خرجت من سجنها الكبير خلف القضبان، لتجد نفسها داخل سجن أضيق في غرفتها وبإرادتها؟ فبعدما خرجت، وجدت أن سلطتها تلاشت، وأن بناتها اللاتي كانت تظن أنهن ملكها، ذهبن بكامل إرادتهن للاحتفال بزواج والدهن، سعيدات فرحات؛ يبدو أنه استغل غيابها جيداً في التقريب بينهن وبين تلك المدعوة “اعتماد”، عروسه.
هل يحق لها أن تشعر بالخذلان منه؟ أم تلوم قلة عقلها التي أدت بها إلى تلك النتيجة؟ فقد أضاعته بيدها، وربما أضاعت مستقبلها الذي لا تعلم له ملامح الآن.
قطع شرودها رنين الهاتف الذي دوى بجانبها، فنظرت بطرف عينيها نحو الشاشة، لتفاجأ بذلك الرقم الذي سجلته صباحاً قبل خروجها مجبرة من صاحبه. قلبت عينيها بسأم، ثم أخرجت تنهيدة طويلة من صدرها المثقل؛ هذا ما كان ينقصها، أن يبتليها الله بذلك المجنون في أشد أوقات ضعفها، حتى الآن لا تصدق توقيعها المذل على تلك الورقة التي تجعلها أسيرة له.
حين توقف رنين الهاتف تنفست الصعداء، إلا أن الرنين عاد مرة أخرى، لتضطر مجبرة هذه المرة على الرد خوفاً من غضبه:
ـ ألو…
ـ ما بترديش ليه؟
هكذا جاء رده مباشرة يصعقها بصرامته، فردت بضجر تواجه حدته:
ـ إيه اللي حصل يعني؟ مكنتش جنب التليفون…
ـ صوتك ما يعلاش يا هالة!
قاطعها يخرسها بعنفه، حتى ساد الصمت بينهما، ليقطعه هو بعد لحظات بلهجة أقل حدة:
ـ للأسف أنتي اللي بتضطريني أزعق، وبعدها مابتتحمليش عصبيتي، ده عيبك بقى.
ـ عيبي أنا؟!
صدرت منها بصوت يغمره الذهول، فأكد هو غير عابئ:
ـ آه عيبك أنتي يا هالة، وحطيها قاعدة في دماغك؛ طول ما أنتي سايقة العوج، هتلاقي التعامل معاكي عسكري وأبشع كمان حسب خطأك، إنما بقى تتعدلي وتتعلمي الرقة زي باقي الستات، وتبقى مطيعة، هتلاقي المعاملة حسنة وطيبة.
ـ حسنة وطيبة كمان؟! يا سيدي كتر خيرك.
لم يعبأ بسخريتها وقد طفت ابتسامة صغيرة بزاوية ثغره، يعلق بتسلط:
ـ أكيد كتر خيري طبعاً، المهم خلينا في المهم.
ـ إيه هو المهم؟
ـ تقولي لي عملتي إيه من ساعة ما رجعتي بيتكم.
ـ نعم!
ـ نعم الله عليكي.. هو أنا قولت نكتة؟
كادت أن تصرخ به غير عابئة، ما هذا الذي يطلبه منها؟
ـ ما هي نكتة فعلاً، هو أنا هخبرك عن جدول أعمالي؟ ولا كمان عايزني أقولك عن حكاويَّ أنا وأهلي؟
رد بهدوء غير مكترث بثورتها:
ـ مع إن كل اللي بتقوليه ده شيء عادي بالنسبة لي، بس تمام؛ أنا ببلغك أهو، أي قرار أو مشوار مفيش خطوة تعمليها من غير ما ترجعي لي.
ـ ناقص كمان تعد عليا أنفاسي!
صاحت بها بسخرية قابلها بحزم:
ـ وأدخل جوا عقلك لو حببيت او عوزت، اسمعي الكلام يا هالة وبلاش جدال، خليكي لطيفة عشان أبقى لطيف معاكي.
………………………..
داخل السيارة التي كانت تقلهم في طريق العودة بعد حضوره عقد قران شقيقه، هدوء الليل يقطعه فقط صوت المحرك، وضوء أعمدة الإنارة الذي ينعكس على وجه حمزة الذي يقود بملامح مرهقة ومبتسمة في آنٍ واحد.
يخطف النظر في المرآة الخلفية كل دقيقة ليرى هل استسلم “ريان” للنوم أم لا، بينما ريان يبدو وكأنه شرب “مشروب طاقة”؛ يلعب بهاتفه بحماس ونشاط.
حتى علق هامساً إلى زوجته التي تحتل الكرسي المجاور له في الأمام:
ـ وأنا اللي قلت راجعين على بيتنا النهاردة وهنعمل جو رومانسي وحركات باللون الجديد، يطلع لنا الزفت النهاردة ولا كأنه واخد حبوب السهر!
تبسمت في مناكفة له تعقب هامسة هي الأخرى:
ـ ما تسيبه صاحي الدنيا مطارتش، مسيره هينام.
غمغم خلفها بحنق:
ـ شوف المرة! ده على أساس إنه بالمنظر ده فيه أمل ينام قبل الفجر؟ ده أنا بدعي من نص الفرح إن عينه تغفل، تقوليلي مسيره!
لم تُخفِ ابتسامتها هذه المرة تنهاه بتحذير:
ـ اعقل يا حمزة وبلاش التفكير المنحرف، الواد كان فرحان لعمه وراح ميعاد نومه، يعني شيء عادي السهر.. وبعدين الطريق لسه قدامنا.
غمغم حمزة بحنق،:
ـ طريق إيه؟ هو أنا مركز فيه أصلاً؟ أنا مركز في اللون الجديد.. أكيد لما يتفرد الشعر بشكله الحلو ده على حاجة “شفتشي” من ضرفة العجايب في الدولاب بتاعنا هيبقى ضرب نار.
غمره الحماس في الأخيرة بشكل واضح حتى أثار اندهاشها، فجاء صوت تثاؤب ريان كبشرى، ليأمل خيراً، ولكن سرعان ما خاب أمله مع سماع صوت الصياح يعلو من ريان في اندماجه بتلك اللعبة الجديدة على هاتفه.
فاضطر حمزة أن يخاطبه مباشرة:
ـ ريان يا حبيبي، عمال تتثاوب وإنت مش حاسس، اتكِ بجسمك على الكنبة ونام، كلها عشر دقائق ونوصل.
رد ريان بلهفة وكأنه في مدرجات تشجيع فريق كرة القدم:
ـ لاه يا بوي النوم راح مني خلاص، يعني ممكن أسهر لبكرة عادي!
ـ اممم تسهر لبكرة عادي كمان؟
غمغم بها حمزة ساخراً، ليواجه برد زوجته:
ـ أهو قالك إنه ممكن يسهر لبكرة عادي، أنا من رأيي تنام أنت وتريح نفسك.
ناظرها حمزة بتحدٍ رغم اندهاشه من جرأتها:
ـ والله ولو لأسبوع قدام، أنا برضه قاعد قباله لحد ما ينام، وإنتي هتلبسي الشفتشي اللي اختاره، وتفردي شعرك المصبوغ.. وراكي وراكي يا مزيونة.

يتبع.. (رواية لأجلها) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق