رواية ظنها دمية بين اصابعه – الفصل المائة والثاني عشر 112
ما الذي أتى به إلى هنا؟ سؤال سأله “هارون” إلى نفسه عند خروجه من السيارة والنظر إلى المباني القديمة الملتصقة ببعضها في تلك الحارة التي لم يرى أشباهها إلا في المسلسلات التي تُعرض على التلفاز ورغم أن هناك طرق عدة يمكنه أتخاذها لأحضارها إلى منزله وعودتها إلى خدمته لكن شيء داخله كان يدفعه نحو رعايتها هي وصغارها.
أسدل “هارون” أجفانه ثم زفر أنفاسه وتحرك أتجاه البناية بخطوات ثقيلة.
اتجهت عيناي سائقه نحوه باستغراب وأخذ يتساءل في نفسه عن سبب وجود سيده هنا.
تباطأت خطواته عندما أصبح داخل البناية ثم رفع عينيه إلى أعلى قاطبًا حاجبيه في ذهول ومُتسائلًا:
ـ معقول في ناس عايشة في أماكن زي ديه!!!
وفجأة وجد نفسه يرتد إلى الوراء عندما اصطدمت إحدى كرات اللعب برأسه.
أمتقعت ملامحه لكن حينما رأى الصغير الذي دفع الكره نحوه تلاشى عبوس وجهه سريعًا ، فالطفل الذي أمامه لا يتجاوز عمر الخمسة أعوام.
ـ أسف يا عمو.
قالها هذا الصغير ثم بحث عن كُرة اللعب الجديدة التي لا يهنأ بها مع أطفال حارته بسبب مرضه المستمر.
أبتسم “هارون” وتساءل بلطف.
ـ أنت أسمك إيه؟
أسرع الصغير بالرد.
ـ أسمي “أنس” يا عمو ومش هقولك حاجة تانية عني عشان ماما قالتلي متتكلمش مع حد متعرفهوش.
اتسعت أبتسامة “هارون” وأنحنى نحوه مُداعبًا خصلات شعره بحنان.
ـ أنت كده ولد شاطر عشان بتسمع كلام ماما.
رفع الصغير عينيه إليه بثغر منفرج مع أبتسامة عريضة أظهرت معها أسنانه المتآكل بعضها من التسوس.
ـ هو أنت جاي عند مين يا عمو.
عادت عيناي “هارون” تتجول بمدخل البناية بعد سؤال الصغير ولم يعرف بماذا يُجيب عليه.
ـ “أنس” ، “أنس” ، أنت فين.
صدح صوت طفل أخر ، فأنكمش الصغير “أنس” بجسده النحيل وراء ظهر “هارون” قائلًا بخوف.
ـ خبيني يا عمو ، ومتقولش أني هنا.
أنفرجت شفتي “هارون” مجددًا بأبتسامة عندما وجد هذا الصغير يتشبث بسترته ثم توقف صاحب الصوت أمامه صائحًا بنبرة حازمة لا تٌناسب عمره الصغير.
ـ أنت هنا ومش بترد عليا يا “أنس”، هقول لـ ماما أنك بتضحك عليها وتنزل تلعب في الشارع ومش هداري تاني عليك.
خرج الصغير “أنس” من مخبأه مُطرق الرأس قائلًا بنبرة صوت خافتة ومُرتجفة.
ـ أنا كنت عايز ألعب بالكرة الجديدة في الشارع يا “محمود”…
أسرع الصغير “محمود” بالرد بعد أن اجتذب ذراعه ووضع بيديه على وجنتيه مُحتضنًا وجهه.
ـ أنت لسا تعبان يا “أنس” و ماما هتزعل منك عشان أنت وعدتها تسمع الكلام.
ـ متقولش حاجة لـ ماما يا “محمود” وأنا هسمع الكلام خلاص.
برقت عيناي “هارون” بالعاطفة وتابع بعينيه كيف أحتوى الصغيران بعضهما.
تحركوا أمام أنظاره التي تتبعت حركتهما على الدرج ثم أخفض رأسه مُتنهدًا ، فالصغيران داعبوا بمشهدهم أوتار قلبه وتذكر معهم علاقته القديمة بأخيه التي أنقطعت منذ زمن.
ـ عمو أنت كنت طالع عند مين ؟
رد الصغير “أنس” على أخيه.
ـ أنا سألته زيك وهو مقالش ليا ، تفتكر هو جاي عند مين ؟
وبدء الصغير في ذكر أسماء سكان البناية وقد تأكد “هارون” بفطنته من ذلك الشك الذي اخترق قلبه عند رؤيته لهم .
…..
توقف “عزيز” عن أستكمال مكالمة عمله ونظر إلى “عايدة” التي وجدها فجأة أمامه وقد أصاب الفزع قلبه عند رؤيتها لكن وضوح السعادة على ملامح وجهها جعلت الدماء تعود لوجهه.
ـ “ليلى” وقفت على رجليها لوحدها يا “عزيز” بيه.
تمتمت بها “عايدة” بوهن بعد أن أشفقت على حاله وأعادت عليه ما أخبرته به مرة أخرى.
للحظات وقف “عزيز” متصلبًا مكانه لا يظهر أي ردة فعل ولم يتهم بالرد على المتصل الذي أرتفع صوته بالتساؤل هل هو معه أم لم يعد يسمعه ؟
ـ “ليلى”.
هتف بها وهو يُلقي بهاتفه على الأريكة التي كان يقف قربها ثم أسرع مهرولًا إليها في لهفة أمام أنظار “عايدة”.
رؤيته لها وهي تسير بالغرفة بحركة بطيئة وعلى ثغرها أبتسامة جعلت قلبه يخفق بقوة.
دمعت عيناه عندما تقابلت عيناهم وهتفت بسعادة وهي تمد إليه يديها.
ـ “عزيز” أنا بمشي ، أنا بقيت حاسة برجلي ، أنا كنت خايفة أكون…
لم يمهلها لتستكمل حديثها وأتجه إليها يحتضنها.
ـ الحمدالله يا “ليلى” ، الحمدالله يا حببتي…
أجتذبت نبرة صوته المتحشرجة أنتباهها وتساءلت وهي لا تُصدق بعد أن رأت محاولته في أخفاء دموعه عنها.
ـ “عزيز” هو أنت كنت خايف عليا أوي كده
اِنمحت أبتسامة “عزيز” وتنقلت عيناه على كل أنش بها مُتسائلًا.
ـ معقول يا “ليلى” بتسألي السؤال ده !!!
أخفضت رأسها سريعًا بعد أن ظنت أن حديثه به عتاب لكن هي لم تعد تعي شىء حولها وصارت تختنق من أحساس الوحدة والعجز.
ـ “ليلى” ، أنا لو أطول أخبيكي جوه ضلوعي كنت عملت كده.
وقعت كلماته الدافئة على فؤادها الذي أصبح مُتعطشًا لما يُطمئنه ، فكل ما كان يغمرها به “عزيز” دون أن تطلبه منه باتت هي من تسعى إليه حتى صارت تشعر بشعور مهين يلامس أنوثتها.
أسرع في أحتواء وجهها بين كفوف يديه هامسًا بحب.
ـ أنا حاسس أني روحي أتردت ليا من تاني ، متعملش فيا كده تاني وتخوفيني عليكي.
طأطأت “عايدة” برأسها وأنسحبت من أمام الغرفة بعدما تأكدت أن وجودها الآن بينهم لا داعي له ثم أتجهت نحو مكان حقيبتها التي وضعتها به عند وصولها وغادرت في صمت.
….
سحبته ورائها وكأنها تسحب حقيبة سفرها ، هذا أرقى تشبيه حاول أن يرى به نفسه وقد أضاعت عليه كل ما تخيله أثناء شرائه لباقة الأزهار ، فأين هي دهشة الفتيات وتوهج وجوههن من السعادة ثم رؤية الدموع في أعيونهن.
ـ أنت فضحتني قدام زمايلي ، وفرح إيه اللي خلاص قررتوا وحددتوا ميعاده ، أنت لازم تنهي المهزله ديه في أسرع وقت وقال إيه أنا كنت مستنياك تنزل أجازه عشان نتكلم بالعقل والمنطق يا سيادة الرائد.
ألقت “سما” حديثها دفعة واحدة وهي تحتضن باقة الأزهار بعنف.
ـ براحة على الورد، ده أنا منقي ليكي بقلبي قبل عيوني.
حملقت إليه بوجه ممتقع لا تستوعب رده ، فهي حانقة ومُستاءة منه ومن كل ما يحدث وهو يمزح معها.
ـ زميلتك أتفاجأت أني خطيبك …
وألتف بجسده حتى يسيطر على أنفعالاته ويستكمل الدور الذي قرر السير عليه.
ـ معقول يا “سما” مخبيه عن زمايلك خطوبتنا لكن مش مشكلة أنا فهمتهم إن كل حاجة جات على السريع وعزمتهم على فرحنا.
دفعت “سما” باقة الأزهار إليه صائحة بغيظ.
ـ فرحك أنت ، أنا قولت لجدو أمبارح أني خلاص فكرت كويس وشايفة أننا مننفعش لبعض.
أتسعت أبتسامه “قصي” ولا يعلم من أين أتاه هذا الصبر معها.
ـ لكن أنا شايف أننا ننفع أوي يا “سما” ، وأياكِ تقولي أنت عندي زي “حاتم” ، الموضوع ده بالنسبة ليا انتهى من وقت ما قولتلك أني مش أخوكي يا “سما” ، أنا أبن عمك.
احتدت ملامح “سما” وقذقت بوجهه كلام لم تُدرك معناه إلا عندما ألقته عليه.
ـ هتقبل على نفسك يا سيادة الرائد تتجوز واحده لسا خارجة من علاقة فاشلة.
وبأنفاس مُتسارعة أردفت قبل أن تبتعد عنه وتمضي في طريقها.
ـ أنصحك وافق على أختيار “لبنى” هانم بدل ما هي مجبرة تتحملني أكون مرات أبنها عشان عمو “هشام” ميطلقهاش ولا جدو يغضب عليها…
أحتقن وجه “قصي” وأطبق شفتيه بغضب ساحق ثم ألقى بـ باقة الأزهار أرضًا.
….
سقطت أكياس الخضار التي كانت تحملها “سماح” بأرهاق بسبب عملها بالسوق كبائعة ونظرت نحو ذلك الجالس مع أولادها ويضحك معهم ثم خرجت نبرة صوتها بارتعاب.
ـ “هارون” بيه!!!
ألتفت أعين ثلاثتهم إليها ثم نهض أولادها بلهفة وسعادة نحوها.
ـ ماما
لم تفتح “سماح” لهم ذراعيها كما أعتادوا منها ، فـ نظر كل منهما إلى الأخر مُندهشًا.
ـ عمو “هارون” من بدري قاعد مستنيكي معانا وقالنا أنه يقرب لجدو عبدالرحمن وجيه عشان يزورنا.
تقابلت نظرتها المُرتعدة بنظرته الغامضة مما زاد شعورها بالخوف.
….
رفع “نائل” عينيه عن الجريدة التي يُحب تصفحها يوميًا وتساءل حتى يتأكد مما سمعه.
ـ الشقة اللي قصادنا صحابها قاعدين فيها؟
هز الواقف رأسه ولم يكن سوى السيد “منصور” ذلك الرجل الذي يتواجد معه في ساعات النهار.
ـ أيوة يا سيادة اللواء وبيتهيألي كمان أنهم بقالهم يومين هنا ويمكن أكتر كمان.
قطب “نائل” حاجبيه في دهشة ، فهم منذ تلك الأيام التي قضوها هنا قبل حفل الزفاف لم يأتوا إلى الشقة.
ـ غريبة!!!
ثم أردف “نائل” قائلًا بعد أن تريث في التفكير.
ـ أستأذن ليا منهم يا “منصور” عشان أزورهم.
أبتسم “منصور” ومدّ يده بالهاتف الذي بدء بالرنين.
ـ تليفونك يا سيادة اللواء ، لأ وكمان الجرس بيرن …هو في إيه ، ربنا يستر.
….
أغلقت “سماح” باب الغرفة على أولادها وأقتربت من مكان وقوفه، اِستدار “هارون” إليها بعد أن شعر بوجودها وعلى ثغره أبتسامة أرهبتها.
ـ ولادك لطاف أوي يا “سماح” وأتبسط أني قضيت اليوم معاهم ، تسمحيلي أجي من وقت للتاني أزورهم.
أسرعت “سماح” بالرد وهي تهز له رأسها رافضة.
ـ لأ ، وأبعد عني وعن ولادي يا بيه.
قطب “هارون” جبينه بدهشة وكاد أن يتساءل عن السبب لكن توسلها له بأن يرحل من هنا جعله يقف مُحدقًا بها.
ـ أبوس أيدك يا بيه أمشي من هنا ، أنا مش ناقصة فضايح ، أنا ست أرملة بجري على عيالي وعايزه أربيهم.
لم يتزحزح “هارون” من مكانه، فأسرعت بألتقاط يده حتى تُقبلها.
ـ أبوس أيدك سيبني في حالي ومتأذنيش.
أسرع “هارون” بأنتشال يده قبل أن تقبلها وهتف بغضب.
ـ “سماح” أنتِ ناسية أنك مراتي ومن حقي أعرف ليه أختفيتي بعد اللي حصل بينا.
أشاحت بوجهها عنه بعد أن ذكرها بذلك اليوم المخزي الذي استسلمت فيه ونال ثمن كل ما يقدمه إليها وإلى صغارها.
ـ متفكرنيش يا بيه ، أبوس أيدك متفكرنيش ، أنا بحاول أنسى أني كنت خاطيه وسمحت لنفسي أكل ولادي من فلوس…
وأنهارت في البكاء أمامه وقد توقف عقله عن التفكير وتساءل غير مُصدقًا أنها ترى زواجه منه جُرمًا.
ـ هو جوازك مني ذنب يا “سماح” ، أنتِ عارفه بجوازي منك ممكن توصلي لأيه.
قاطعته وهي تتجه نحو باب شقتها.
ـ مش عايزه أوصل لحاجة ، كل واحد يروح لحاله يا بيه وأنا ربنا يسامحني ويقبل توبتي.
لوهلة وقف “هارون” جاحظ العينين نحو الباب الذي فتحته.
ـ شرفت يا “هارون” بيه.
نفض “هارون” رأسه حتى يستوعب ما فعلته ، فـ امرأة في وضعها ستلهث ورائه.
ـ من فضلك يا بيه روح لحالك.
بصعوبة سيطر “هارون” على الوجوم الذي تملكه وتحرك نحو الباب حتى يُغادر وفور أن أغلقت باب الشقة ورائه تمتم في نفسه.
ـ مش هسيبك يا “سماح”.
….
تنهد “نائل” حانقًا ومستاءً من تحرك “قصي” أمامه وهو يُردد عليه نفس الكلام.
ـ كفاية وأقعد جانبي خلينا نتكلم بالعقل ، معقول أنت رائد في القوات البحرية.
ثم صاح “نائل” بضجر عندما وجده مازال على وضعه.
ـ فين ضبط النفس يا سيادة الرائد ، أقف عدل وأسمعني.
توقف “قصي” عن حركته المفرطة وحديثه المتكرر والغير مرتب ونظر إلى جده قائلًا بأصرار.
ـ والله لـ هتجوزها وأربيها “سما” بنت “يسرا”.
قاوم “نائل” ذلك الشعور الذي يدفعه إلى الضحك وهتف بجدية.
ـ مش بالغصب يا سيادة الرائد ، ولولا أني متأكد أنك أختيار ممتاز لحفيدتي كنت قولتلك مع السلامة.
ـ على فكرة يا جدي أنا حفيدك برضو.
تمتم بها “قصي” بوجه عابس، فرمقه “نائل” بنظرة ممتعضة.
ـ أنت راجل وتقدر تاخد قراراتك وتواجه لكن “سما” أنا عارف كويس أنها متكبله من كذا أتجاه وزي ما قولتلك بعيد عن أبوك وأمك أنت أختيار ممتاز.
أنطلقت زفرة طويلة من شفتي “قصي’ وتساءل.
ـ ولما أنا أختيار ممتاز، الهانم رافضة ليه وكانت بتعيط ليك في التليفون عشان ننهي الجوازه.
تنهد “نائل” ثم أشار إليه للجلوس جانبه.
ـ تعالا اقعد جانبي وأنا أفهمك أنا أستنتجت إيه الفترة اللي فاتت وعشان أنت حفيدي هقف جانبك بس قبل كلامنا توعدني أنك تحبها وتنسى أنها كانت في يوم بتحب راجل تاني.
امتعض وجه “قصي” ، فهذا الأمر يُحاول تقبله بصعوبة ويخبر نفسه أن لا علاقة له بالماضي.
ـ “سما” مكنتش بتحب “مازن” يا “قصي” ، هي كانت بتدور على الحب ومتزعلش مني كانت قدام عينك وأنت مكنتش فالح غير في التريقة عليها ، فطبيعي متبصش ليك ويكون شعورها أتجاهك متناقض.
خلل “قصي” أصابعه بين خصلات شعره زافرًا أنفاسه بغيظ.
ـ أعمل إيه يا جدي ، ما أنا يوم ما بصيت ليها كزوجة يوم ما أنت لفت نظري ومش عارف من ساعتها مبفكرش فيها غير بصورة لو قولتلك عليها هتطردني من هنا.
أمتقعت ملامح “نائل” وقذف بوجه تلك الوسادة الصغيرة التي يضعها وراء ظهره أثناء جلوسه.
ـ أتعدل في الكلام قدامي وتعالا أقعد جانبي وأنسى خيبتك التقيله ، زمان قالي يا جدي أنا بشوف “سما” زي “أشرقت” ودلوقتي جوزهاني يا جدي.
بأندفاع هتف “قصي” قبل أن يجلس وينصت إلى حديث الجد.
ـ أنا برضو مازلت على رأي هتجوزها وأربيها.
بهمس خافت رد عليه جده وهو يلوي شفتيه مُستخفًا بحديثه.
ـ يا خوفي هي اللي تربيك يا ابن “لبنى” زي ما عملت “زينب” مع حفيد “شاكر”…
….
ضاقت حدقتيّ “زينب” بغرابة عندما أستمعت إلى بداية حديث السيدة “كاميليا” مديرة المعهد.
ـ أنا مش فاهمه حاجة من كلامك يا مدام “كاميليا” يعني أنتوا في المعهد أستغنيتوا عن وجودي.
أسرعت “كاميليا” بالرد سريعًا حتى لا تفهم مقصدها خطأ.
ـ لأ يا “زينب” أكيد مستغنتش عن وجودك في المعهد لكن حاليًا مافيش فصول تشتغلي عليها لكن مدام “أنجي” مصممة أنك تدرسي ليها وأنا عرفت منها أنكم عايشين في نفس العمارة ، فـ ليه متوافقيش على تدريسها في شقتك أو شقتها والست مستعده تدفع سعر الحصص أربع أضعاف الثمن لأ وكمان من كلامها فهمت أنها نفسها تشتغلي معاها في شركتها.
زّادت تقطيبة جبين “زينب” ونظرت إلى “يزيد” الجالس أمامها ويستكمل حل واجباته.
ـ شركة إيه ، أنا أعرف أنها سيدة أعمال وكانت عايشه في فرنسا.
أسترخت السيدة “كاميليا” على أريكة منزلها وردت على سؤالها وهي تُقلب في قنوات التلفاز.
ـ ما هي رجعت عشان تعمل بيزنس في مصر ، ست ذكية وناجحة جدًا يا “زينب” قربي منها وأتعلمي … وهي على فكرة بتحبك أوي بتقولي أنك بتفكريها بـ أختها الله يرحمها.
رفع “يزيد” رأسه إليها ثم رفع كُراسة واجباته جهتها وتساءل بخفوت.
ـ كده صح يا “زوزو”.
أومأت “زينب” برأسها له وهي شاردة ، فواصلت السيدة “كاميليا” حديثها حتى تنهي المكالمة وتتركها لتُفكر في نصيحتها.
ـ فكري يا “زينب” وبلغيني قرارك عشان أبلغها.
أنتهت المكالمة التي جعلت عقل “زينب” يدور هنا وهناك ، فهذه السيدة لا تُريحها خاصة نبرة صوتها.
ـ “زوزو” ركزي معايا بقى.
هتف “يزيد” بسأم وهو ينفخ خديه ، فأبتسمت وعادت إلى جلوسها جانبه حتى تستكمل معه شرح ما يحتاج إلى فهمه لكن لم يمر سوى دقائق وأتاها أتصال “جيلان”.
ـ حبيبي معلش هرد على طنط “جيجي” وبعدين هقفل التليفون خالص عشان محدش يعطلنا تاني.
زمّ “يزيد” شفتيه بحنق وعاد لأستكمال حل واجباته.
….
توقفت “عايدة” عن تقليب الطعام ونظرت إلى “شهد” التي أنشغلت في تقطيع حبات الطماطم.
ـ بقولك أسألي على بنت عمك تقوليلي مش لازم ما دام بقت كويسه وكفايه عليها وجود “عزيز” بيه.
وبأستنكار أردفت “عايدة”.
ـ بت يا “شهد” أنتِ واعية لكلامك.
أشاحت “شهد” بوجهها حتى تخفي كرهها نحو “ليلى” دون أن تزيد من غضب والدتها.
ـ يا ماما أنا عندي أمتحانات ومش فاضيه وبطمن عليها منك.
لطمت “عايدة” جانبي فخذيها حائرة في حال أبنتها.
ـ نفسي أفهم إيه اللي حصلك وليه بعدتي كده عن بنت عمك…
وبصدمة تابعت “عايدة” حديثها.
ـ أوعي تكوني غيرانه منها.
تجهم وجه “شهد” وهتفت حانقة.
ـ أنا أغير من “ليلى” ، أغير منها ليه وعلى إيه..؟
رمقتها “عايدة” بنظرة ثاقبة، فلا سبب تراه واضحًا إلا الغيرة.
ـ والله يا بنت بطني أمرك بقى يحير…
أطبقت “شهد” شفتيها وحدقت بحبة الطماطم التي بيدها.
ـ علاقتك مع بنت عمك تحسينها وأعملي حسابك لو السنادي مجبتيش تقدير عالي ترفعي بي رأسنا هاخد منك التليفون يا “شهد” ، أنا مستنيه يوم تخرجك بفارغ الصبر وأشاور عليكي وأقول أنا أم الدكتورة.
أبتلعت “شهد” لعابها بعد أن جف حلقها ثم هتفت سريعًا قبل أن تُغادر المطبخ.
ـ أنا هروح أشوف خالي “سعيد” فين ؟
….
اختفت أبتسامة زينب ونظرت إلى “يزيد” الذي وقف أمامها مُترقبًا ومنتظرًا أنتهائها من مكالمتها.
ـ “زوزو” ، أنا شكلي فضحت سر الكابتن لكن اعمل إيه مقدرتش أخبي السر عنك أكتر من كده ، أوعي تزعلي منه وخدي الموضوع ببساطة لأن لولا معرفته بالأزمة كانت الشقة ضاعت منك وأشتراها غيرنا..
وبمزاح أردفت “جيلان”.
ـ هو عمل كده عشان عيونك ومستعد يعمل اكتر…
واتبعت “جيلان” حديثها بقهقهة عالية وتذكرت ما فعله معهم.
ـ ده أنا شوفت بعيني النهاردة وبسبب وجوده معانا أتحلت لينا أزمة الكافية ، طلعتي مسيطرة يا “زوزو”.
وأستمرت “جيلان” في مزاحها وأعطائها بعض النصائح التي عليها أتباعها حتى تظل مُحتلة عقل رجل مثل “صالح”.
استجمعت “زينب” شتاتها أخيرًا بعد أن حرك “يزيد” يده على ذراعها برفق.
ـ “زوزو” ، أنتِ ساكته ليه؟ كده طنط “جيلان” بتتكلم مع نفسها.
أغلقت “زينب” عينيها عندما أتاها صوت “جيلان”.
ـ “زوزو” أنتِ شكلك مشغوله ، هقفل وأكلمك بعدين.
….
أتسعت عيناي “سلوى” ذهولًا وهي ترى رد “بسام” على رسالتها بعد تلك الأشهر التي مضت لكن ما عرفته عن تلك الحادثة التي حدثت له وتوفى صديقه فيها جعلتها لا تعاود الأتصال به أو مراسلته.
ـ جاي ترد عليا يا “بسام” دلوقتي وأنا كلها أسبوعين وأتجوز.
وكادت أن تتجاهل رسالته لكن حقدها دفعها أن تستعيد ذلك الشعور الذي أستوطن قلبها منذ أن فازت “ليلى” بـ “عزيز الزهار”.
ـ وماله لما نحرك الطعم من تاني وأكيد هو ما هيصدق.
….
أسدلت “ليلى” جفنيها ثم تنهدت بتنهيدة طويلة وخافتة حتى لا ينتبه “عزيز” على وقوفها وأستماعها إلى مكالمته مع “نارفين” وكيف تراه مندمجًا مع صوت بكاء الصغير الذي حمل اسمه.
ـ أسبوع أو أسبوعين وهاجي تركيا عشان أطمن على حالة “نيهان” وأشوف “عزيز” الصغير.
ورغم أن مكالمته مع “نارفين” يعطي لها حرية تواجدها قربه ويخبرها قبل أن يتواصل إلا أن اليوم أقتحم فؤادها شعور الغيرة لكن سريعًا بدأت تلوم نفسها وتسألها ، هل تغار من زوجة قلبها مُحترق على زوجها الذي لا تعلم هل سيعود إلى الحياة أم سيفارقها ، أم صوت بكاء الصغير الذي حرك داخلها غريزة الأمومة التي تتوق إليها بكل جوارحها ولن ترتاح إلا عندما يعطيها “عزيز” سبب مقنع لعدم رغبته حاليًا من فكرة الأنجاب.
أنتبه “عزيز” على وقفتها وشرودها ، فأسرع بأنهاء المكالمة وأتجه إليها.
ـ “ليلى” أنتِ ليه قومتي من السرير.
ردت دون أن تنظر في عينيه.
ـ أنا بقيت كويسة يا “عزيز”.
أبتسم وداعب خديها بأصابعه.
ـ وحشتيني ووحشني حضنك يا “ليلى”.
وبهمس خافت أخبرها أنه بحاجة إليها.
ـ ينفع ولا مينفعش؟
وهل هي تستطيع رفض ذلك الشىء الذي وثق به رابط علاقتهم الزوجية منذ أول ليلة.
وهذه الليلة طبق فيها “عزيز” نصائح الطبيب المختص بحالتها بعد أن شرح له أسباب ما حدث لها.
ـ أطلبي أي حاجة نفسك فيها يا حببتي.
تمتم بها بعد أن أبتعد عنها ووضع رأسها على صدره ، لم تكن بالبداية منتبها على ما اخبرها به إلا عندما عانق يده مع يدها وكرر كلامه.
ـ أي حاجة نفسك فيها قوليلي عليها ، أعتبريني الليلادي أني فانوسك السحري.
تحركت بين ذراعيه وفتحت عينيها الناعستين ورفعتهما إليه ، فتوهجت ملامح وجهه وهو يُحرك يده على ظهرها.
ـ ها قولي نفسك في إيه؟
وها هي الكلمات تخرج منها دون ترتيب لكن عليها أنقاذ أبنة عمها.
ـ عايزه يكون ليا بيت لوحدي من غير ما يشاركني فيه “سيف” يا “عزيز”.
…
ألقى “سيف” عقب سيجارته جوار تلك الأعقاب المتناثرة أرضًا ثم قبض بيديه على سور الشرفة وتابع بعينيه تحرك “شهد” بالحديقة.
أظلمت عيناه فجأة عندما تذكر حديث والدته وما تحيكه من ورائهم.
سيرها بالحديقة بهذا الوقت ووضعها للهاتف على أذنها وكأنها تُحادث أحد سرًا أشعل نيران الغضب داخله.
ـ حتى أنتِ بقيتي ملوثة وأختارتي طريقها.
وسرعان ما أتخذ طريقه إليها مُقررًا أن يُعاقب تلك الصغيرة التي كبرت وأصبحت ماكرة…
يتبع.. (رواية ظنها دمية بين اصابعه) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.