رواية اشواك الغرام – الفصل السادس والعشرون
الفصل الخامسْ والعِشرُونْ.
هبطت رفيف مرة اخري الي شقتها التي تسكُن بها، نظرت لها أمنية ببسمة قائلة بخبث:
-الابتسامة اللي من الودن دي للودن دي مش مريحاني .
جلست رفيف أعلي المقعد وهي تفرك يديها معًا قائلة:
-انا فرحانة، وخايفة متوترة وهادية، مشاعر كتيرة جوايا متلخبطة، بس فيه شعور واحد مسيطر عليهم اطمئناني ،انا قولتله هديك فرصة تتغير.. بس مش عارفة هيتغير فعلا ولا لاء انا مؤمنة اني اللي عاش بطباع عمره ما بيغيرها، وكلهم واحد انا خايفة اتعب كُنت عايزة واحد محترم يتقى ربنا فيا لكن الفرق بيني وبين قُصي كبير
-بصي يا رفيف انا فهماكِ لكن الحياة مش بتدي كُل حاجة، قُصي بيحبك وشاريكي وخايف عليكِ وانتِ كمان كدة وتقدري تغيري فيه الصفات اللي مش محَبوبة بشطارتك، بس اديله فرصة وفترة خطوبة مرتحتيش خلاص .. اديله وادي نفسك فرصة.
-انا هعمل كدا يارب المرة دي تكون خير .. يارب المرة ما اتوجعش، لاني بالفعل تعبت يا أمنية، محتاجة ارتاح بقي واتهني بعمري اللي ضاع بين وفاة اهلي ومصحة نفسية وخطوبة وجوازة ، استهلكت نفسيًا وصعب اتقبل وجود راجل تاني في حياتي، لكن انا هحاول وأتمني اللي اكون بحسه تجاه قُصي حقيقي.
-متاخديش اي خطوة الا لما تتأكدي، والمفروض تتعافي من القديم، عشان تبدأي من جديد.
-بكرا هروح لمازن تاني واتابع معاه..
صمتت أمنية بشرود، فقالت رفيف بأسف:
-حقك عليا والله مقصدتش اجيب سيرته .
-عادي، صحيح بكرة جايلي عريس، وهقابله .
-إزاي ! وانتِ بتحبي واحد تاني؟
-بس اللي بحبه دا مش شايفني يارفيف، ومش هيحصل بينا حاجة زى ما انا فاكرة، ف هشوف حياتي بقي مع شخص شبهي لان فعلا الشاب دا محترم وكويس واتقدملي كتير وشاري ، وانا قررت أعمل بمبدأ خُد اللي بيحبك ومتاخدش اللي بتحبه
تنهدت رفيف قائلة:
-مش صح، انا ضد الفكرتين، لو هو بيحبك وانتِ قلبك مع حد تاني هتظلميه مش الشخص دا حقه كمان يتحب منك ولا إيه، وبكرة تتعبي لما متعرفيش تتأقلمي، وتبقي في حضنه وبتفكرى في غيره.. الصح اننا ناخد حد بنحبه وبيحبنا وفيه تفاهم
-انا هعمل فترة خطوبة، هديله فرصة مش هفضل موقفة حياتي علي سراب، أصل احلامي مش هتتحقق هيبصلي ويحبني ويهتم بيا وبأهلي ويبقي سند كله سراب للاسف، فخليني في الواقع أحسن ولو ما ارتاحتش خلاص بلاها.
-ربنا يوفقك ياحبيبتي ويهديلك الحال.
-يارب مش عارفة البس اي
-تعالي عندي فساتين كتيرة ننقي واحد منهم
-لاء مش عاوزة.
-قومى يابت بطلي جنان، دا انتِ اختي والدولاب كله بتاعك نقي اللي يعجبك، وهعملك ميك آب خفيف .
نهضت أمنية وعانقتها بدموع:
-ربنا يخليكي اختي اللي امي مجبتهاش.
ربطت رفيف علي كتفها مُرددة:
-ويديمك ليا ياحبيبتي .
_____
دلفت تيا الي الكافية الذي يجلس فيه مازن ينتظرها، وكانت ترتدي ملابسً جعلتها مُثيرة، جلست برفق وهي تقول بنبرة رقيقة:
-وحشتني.
رمقها بتوتر فهي كانت حقًا جميلة واستطاعت اغرائه ففي النهاية هو رَجُل، قال ببرود:
-إتأخرتِ ليه ؟
-كُنت عند الكوافير.. المهم، انت وحشتني، عشان خاطري كفاية زعل بقي انا تعبت وانا عمالة اصالحك.
-انتِ شايفة اني الموضوع مكنش يستاهل اني ازعل؟ موقفتيش جنبي في أصعب لحظاتي، والغريب وقف جنبي!
-حقك عليا، غلطة ومش هتتكرر انت عارف اني كُنت مضغوطة ومتضايقة عشان احنا معملناش الخطوبة.
-دي ظروف وحصلت غصب عني، ما لغيتش الموضوع انا أجلته بس يبقى المفروض تصبري ولا لاء؟
-المفروض أصبر.. خلاص بقي.
صمت مازن قليلًا ثُم قال ببسمة:
-بس إيه القمر دا؟
-حلوة بجد؟
-أيوة، المهم حدديلي ميعاد مع بابا، عشان نتفق علي الخطوبة.
ابتسمت بسعادة وهي تقترب منه متمسكة بيديه قائلة:
-ربنا يخليك ليا ياحبيبي.
-ويخليكي ليا.
لم يدري هل ما فعله صواب ام خطأ، ولكن مرآه الحُب عمياء، لا تدري ماذا تفعل من تصرف أحمق يؤدي بك للهلاك لأجل بضعة مشاعر تافهةٍ لا اساس لها، تُصبح سراب مُستقبلًا.
انتهي من مقابلتها بعد وقتِ كافي واوصلها، ثم عاد الحارة كي يتفق مع أهله لأجل خطوبته القادمة، تقابل مع إسلام الذي ما ان رآه وقف ثابتًا بتوتر، ابتسم مازن قائلًا:
-عامل ايه يابني..
ظل صامتًا، فقال مازن بحيرة:
-مالك يابنى فيه اي
-تتجوزني؟
-إيه؟
-إيه!!
-إنت اللي إيه يا حمار إنت، شايفني مزة قدامك ايشحال الدقن والشنب، إيه تتجوزني دي.. ولا يا إسلام انت طلعت من اللي اياهم؟
-لاء والله اسمعني بس.
-اخص مكونتيش اتوقع كدا، عرتنا يا جدع.. اوعي تلمسني ابعد ياض واتعدل.
تنهد اسلام بتوتر قائلاً:
-ياعم ما خلاص بقي وترتني، انا مش قصدي كدا بُص من الآخر انا طالب إيد أختك ميادة، يعني عايز أتجوزها هي مش انت بس من توترى غلطت .
-أيوة كدا يا جدع خضتني، بس ميادة إزاي؟ إيه لم الشرق علي الغرب؟ دا هي مش بطيقك!
عدّل إسلام ياقته قائلاً بغرور:
-أنا بعون الله مفيش بنت متطقنيش .
-يا واد يا جامد ، صحيح إكمنك مرضتش بالواد النهاردة آه ياخبيث .
أردف إسلام بجدية :
-انا مُعجب بيها من فترة ، ومكونتيش ناوي اخد خطوة سريعة الا لما أتأكد من شوية حاجات كدا ولكن انا خوفت موضوع العريس دا يمشي وتضيع مني وأنا بصراحة مش حابب، انا عاوزها، وقولت اكلمك تقولهم لو فيه قبول هجيب أهلي واجي.
حك مازن مؤخرة رأسه بتفكيرٍ ثم قال:
-طب بص لاني انا خطوبتي آخر الأسبوع دا، ف مش هعرف اكلمهم في موضوعك، اول ما أخطب واخلص مني هقولهم وعد مني واللي فيه الخير يقدمه ربنا، وانا هحاول ألمحلها آخد رايها.
-طيب عمومًا ياسيدي ألف مبروك وربنا يتمم بخير .. بس بالله متنساش موضوعي.
-متخافش مش هنسي، هدخل دلوقتِ عشان أقولهم عليا، ماشي؟
-ماشي ياسطا، سلام.
اودعا بعضهم وذهب إسلام للأعلي وفتح هاتفه وارسل لها رسالة:
-فيه خبر مهمة جاهزة؟
ردت: فيه إيه؟
-امسكي نفسك!
-اخلص يا إسلام مش وقتك.
-انا كلمت اخوكي، بإختصار طلبت إيدك منه، انتِ رأيك إيه موافقة؟
-يالهوي!
قالتها بصدمة وهي تقرأ رسالته، ألقت بالهاتف علي الفراش دون ان تجيب وظلت تقفز في غرفتها بسعادة عارمة وهي تتمسك بالوسادة، ولم تشعر بتلك الدموع التي هبطت علي وجنتيها بفرحة، لم تتوقع أن دعوتها تُستجيب، دعوة قيام الليل، يوم عرفة، شهر رمضان، دعوة كُل سجدة تحققت واخيرًا.. واستجاب لها ربها.
شعر إسلام بالقلق عليها قائلاً في نفسه :
-هي ماتت ولا إيه ! ربنا يستر لتكون رافضة الموضوع.
دب القلق في قلبه لربما ترفض ولم يُعجبها الوضع، لم يدري بأنها الآن تقف امام دولابها لتنتقي شيئًا ترتديه في الخطوبة!
_________
دلف قُصي الي المسجد ليؤدي صلاة العشاء وبعدها جلس قليلًا، ذهب اليه احد الرجال قائلًا بإستهزاء:
-إنت إيه اللي جايبك تصلي يا تاجر المخدرات انت!
رفع قُصي نظره اليه بغضب لكنه قرر الا يكون قُصي القديم وان يقوم ويصفعه، لن يرُد الاساءة بالاساءة وسيُسامحه .
أردف:
-دا بيت ربنا، للكُل وانا مش هرد عليك .
اقترب منه امام الجامع وقال:
-سيبه واتفضل امشي
-بس ياشيخ
-ما بسش، دا بيت ربنا ومينفعش حد يدخله أياً كان مين وينطرد، روح لحالك يلا.
رمق الرجل قُصي بضيق ورحل بينما جلس الإمام محمد قائلاً:
-نورت الجامع يابني ، مشوفتكش من ايام ما كُنت عيل في الابتدائية بتحفظ القرآن؛ وانا وقتها كُنت لسه شيخ مُبتديء.
ابتسم قُصي علي تلك الايام، فقال الإمام مُحمد:
-لسه صوتك في القرآن جميل؟
-مش عارف .
-طيب سمعني.
وبالفعل بدء قُصي في ترتيل سورة الطارق، وكان صوته عذب جميل، اعطاه الله نعمة الصوت التي سلبها من كثيرٌ غيره .
-ماشاء الله صوتك حلو، أرجع احفظ واهتم ويمكن تصلي بينا في يوم من الايام.
-مقدرش، دي حاجة لازم يعملها حد خالي من الذنوب طاهر، مش انا.
-ومين قالك اني كُل امام خالي من الذنوب؟ مفيش حد خالي من الأخطاء ومفيش حد كامل الكمال لله وحده حتي الانبياء بيغلطوا زينا، المهم انك ترجع وتتوب توبة نصوحة من قلبك، وتطلب العفو والمغفرة، وقتها ربنا هيغفرلك، وتعود كما كُنت خالي من الذنوب، المهم انك تلحق نفسك قبل الموت، وقبل ما باب التوبة يتقفل، ووقتها اللي نجح في الاختبار نجح واللي سِقط، سِقط .
-تفتكر يا شيخ ربنا هيسامحني؟
-طبعًا، ان الله غفور رحيم.. ان الله يغفر الذنوب جميعًا، المهم انك تتوب وترجع، بس تتوب من قلبك.
-اوعدك هحاول.
-بينا نصلي ركعتين لله ونطلب منه السماح والمغفرة .
بالفعل نهض قُصي وصلي خلف الامام وطلب منه السماح والمغفرة والتوفيق وهو يبكي بشدة لاول مرة في صلاته، الخشوع شيئًا جميل لا يأتي الا للقلوب الطاهرة الجميلة .
______
مر اسبوعًا عليهم، بين حديث مازن عن خطوبته والموافقة التي تلاقها من اهله تمنت ميادة لو تحدث عنها لكنها علمت من إسلام رغبة أخيها في التاخير الي حد الانتهاء من خطوبته كانت تشعر بالضيق منه لكنها أنتظرت ورغم ذالك لم تعطي الرد لاسلام واخبرته ان يأخذه من أخيها فهي ارادت ان تغلي في عينيه لكنها في الحقيقة تختار اسماء اطِفالهم الآن!
استطاع قُصي ان ينهي محلات العطارة الموجودة وسيستبدلها بمحلاتْ لبيع الفواكهة بكافة أنواعها وسيُكبرها وتكون محلات معروفة، هكذا يريد هو بالفعل، وسيتعاقد مع أرض زراعية ليأخذ منها المحصول، وجلب عُمال واستطاع في خلال يومان أن يُرتب كٌل شيء، بدء يتقرب من الله عزوجل وينتظم في صلاته وحفظ القرآن فهو سريع في حفظه وصوته جميل، وبدء في نفس ذات الوقت أن يتعلم كٌل ما ينقصه في التعليم ومهدّت لهُ رفيف الطريق كما طلبت منه إتقان الإنجليزية، كي يكون مُثقف وتعليمه راقي، لم يتقبل في البداية.
لكنها اشادت ان ذالك من اجل اطفالهم من حقهم رؤية آبائهم متعلمون، لذالك وافق.
اليوم خطبة مازن، علِمت أمنية بذالك وانهارت وبكت لكنها قررت أن تتخطي وتنسي كل ما هو مؤلم وموجع، قامت بالاتصال علي رفيف التي كانت تذاكر بِجدية كي تؤدي امتحانات هذا العام دون تضييع وقت آخر من حياتها، اردفت أمنية بسعادة:
-انا وافقت علي العريس، واتفقوا مع امي وان شاء الله هنجيب الدهب يوم الخميس.
-لولولي الف مبروك يا حبيبتي وربنا يتمم بخير، ايوة كدا عايزين نفرح.
-الدور عليك ياكبير.
-إتلمي يابت مش وقتك، المهم هتلبسي ايه؟
-جبت دريس جديد هلبسه هبعتلك صورته علي الواتساب، هبقي أبعتهولك.
-أبعتي مستنية.
أغلقت معها المكالمة وانتظرت صورى الدريس، دلفت عليها ميادة بهدوء تقول:
-لو سمحتي عاوزة قٌرص بسمسم .
رمقتها رفيف قليلًا ثُم أردفت:
-حاضر.
بالفعل جلبت لها طلبها مع وردة بسيطة، اخذتهم ميادة ولم تمشي، فهي جاءت لغرض ما، قالت ببرود:
-عاوزة اعزمك علي خطوبتي من إسلام أن شاء الله قريب!
ابتسمت رفيف بودٍ قائلة:
-الف مبروك ربنا يتمم بخير
-احم، هو انتِ عادي؟
-ايوة عادي، فيها إي؟
-مش مضايقة إني هتخطبله مثلًا؟ انتِ نسيتيه؟
ابتسمت رفيف قائلة:
-لاء، انا مش مضايقة خالص، لاني دي حكاية وعدت ومش في دماغي وعلي فكرة انا محبتهوش، دي خطوبة حصلت وخلاص اتفشلكت في يومها لاني مفيش نصيب، اعتبريها انجذاب اعجاب لحظي وخلص، انا بحب حد تاني وهو مش في دماغي
تنهدت ميادة بضيق تقول:
-أنا اسفة على اللى عملته معاكي، بس انا بحب إسلام جدا وبغير عليه ومكونتيش طيقاكي بصراحة وقالت لازم نتكلم.
-ياستي ولا يهمك، كويس اتكلمتي عشان نرتاح وميبقاش فيه بينا حساسية بعد كدة
-شكرًا يارفيف بيّنك لطيفة جداً آسفة يعني لو ضايقتك.
-بالعكس، ان شاء الله نبقي صحاب كويسين، هاتي رقم الواتساب بقي.
ابتسمت ميادة وقد شعرت بالراحة قليلًا وتبادلا أرقام بعضهُما البعض، وودعتها ميادة وعادت رفيف كي تستكمل عملها لكن قاطعها قٌصي الذي اردف ببسمة:
-الحلو عامل إيه؟
-إنت بتعمل إيه هنا دلوقتِ أفرض حد شافنا!
-إيه مش دا محل، انا جاي أشتري ورد .
اخذت بعض الورود واعطتهم اياه قائلة:
-إتفضل بقى أمشي.
-خُدي، الورد دا لأحسن وردة في حياتي.
-قُصي!
-وحشتيني طيب.
-مينفعش مفيش بينا حاجة لما يحصل يبقي قول.
-طب ما بقولك يحصل انتِ مش راضية .
-لسه، لما أحس إني جاهزة.
تنهد بضيق قائلاً:
-وانا هفضل صابر ياستي، وهفضل بحبك.
ابتسمت برفق فأودعها وغادر اخذت الورد تستنشقه بسعادة وهي تتمني ان يعطي الله لهم فرصة كي يكونا سويًا.
تمت خُطبة مازن وتيا في حضور الاهلين فقط، وبعض أصدقاء مازن منهم إسلام الذي همس لميادة وهو يمر من جانبها:
-عُقبالنا.
شعرت بالتوتر والخجل لكنها كانت تشعر بالسعادة حينها وتتمني أن ترتدي خاتم خطبتهما قريبًا، لانها تحبه بالفعل.
_____
يُتبَّع.
الفصل اللي جاي هو الفصل الاخير، تتوقعوا النهاية إيه؟🍒
الفصل التالي: اضغط هنا
يتبع.. (رواية اشواك الغرام) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.