رواية العبث الأخير (ركاب سفينة نوح) – الفصل الرابع عشر 14
“كأنها ما زالت تضحك في أذني،
ضحكة هشة تتسلّل من بين شقوق الذاكرة.
لكن حين مددت يدي لأحتضنها.. لم أجد سِوى كفن مُطرز بالبراءة،ممدودًا على طفولة قُتلت قبل أن تكتمل.”
المكان: حارة المنيل.
تحديدًا: منزل الغُريبي.
كانت قاعدة والدة عيسى على الكنبة وهي بتعيط بشحتفة، ويوسف واقِف قُدامها مذهول من اللي هي حكِتُه وقال: أنا مِش قادِر أصدق بِجد!! إزاي هانِت عليكِ أمل وكُنتٓ عارفة كُل حاجة إنتِ وبابا وساكتين!
بصتلُه والدتُه وعينيها مليانة دموع وقالِت: يعني أعمل إيه! أفشي سِر أبوك وسِر شُغله معاهُم عشان يروح في حديد؟ وأعيش على طلباتكُم لوحدي من غير راجِل إزاي بولدين صُغيرين، إنسى يا يوسف معادش يجيب فايدة الكلام في اللي راح، إنسى ورجعلي أخوك.
برق يوسف بصدمة منها وقال: دا إنتِ حتى مش ندمانة يا ماما! أنا مُستحيل أنسى، وحتى لو أنا نسيت عيسى صعب.. إبنك تعبُه كُله بسبب اللي حصل لأمل، وزود عليه اللي عرفُه عنك وعن أبويا.. دا لو مش هيموت من الحكومة أو الرُصاص، هيموت بـِ عِلة التفكير المُميت، وأم أمل اللي إتعمت مِن كُتر عياطها على بِنتها مصعبِتش عليكِ؟! فِكرك لما كُنت تزوريها وتعمليلها الأكل وتهتمي بيها دا هيخفف شوية من سكوتك؟
والدتُه بعصبية: مكونتش هضيع أبوك عشان أي حاجة، كفاية دا أنا لو جبل كان إتهد.. يابني هي قدرها تموت كدا.. ملناش يد في المكتوب.
يوسف بنبرة هادية أخيرة: بس لينا يد في اللي إتكتب وشوفناه.. كان لازم تضغطي على أبويا وتعرفي ودوا جُثتها فين، حرموها من حياتها وطفولتها وعذبوها في موتها وكمان مش سايبينها ترتاح في قبرها.
سكتت والدتُه وحطت راسها بين إيديها وهي مش قادرة تستحمِل كلام زيادة، فـ خرج يوسف من الشقة وعينيه معبية دموع وهو ماشي في الحارة وبيرمِش كذا مرة عشان ميعيطش، راح لعمارة حماتُه وطلِع والبوهيمي بيبُصله بإستغراب لإنه مش حاسس باللي حواليه.
________________________________________
المكان: مشفى حكومي خاص راقِ.
تحديدًا: غُرفة عناية مُركزة.
وقِف ليث باللبس الميري وجنبُه منال قُدام الدكتور في الردهة، قال ليث بتساؤل: طيب هل نقدر نتكلم معاها عشان نفهم؟
الدكتور بهدوء: يا ليث باشا مينفعش هي فقدت الوعي لإنها نزفت دم كتير، إحنا خيطنالها الجرح ومعلقين ليها محلول ودم.. مُمكِن على بالليل تفوق وتتكلموا معاها.
برق ليث وقال: بالليل إيه يا دكتور إحنا الفجر دلوقتي وفي حياة بني أدم في خطر ومتوقف على كلامها عشان نقدر نعرف هو فين ونوصلُه! طب مفيش أي طريقة تِصحى بيها؟
الدكتور بأسف: للأسف صعب، عن إذنُكم.
بص ليث بصدمة وتوتُر لمنال وقال: وبعدين يا منال! دي حتى مش معاها إثبات شخصية ولحد دلوقتي طارِق مكلمنيش عشان يعرف من شكلها هي مين.. كدا عيسى في خطر فعلًا!
منال بتفكير: ما يمكِن عيسى تاني غير اللي عارفينُه؟ دا برضو متوقِف على إنها تفوق وتحكي.
مسح ليث وشه بإيديه وهو بيقول بتعب حقيقي: اللهُم لا رد لقضائك يارب.
منال بتوتُر هي كمان: مُمكِن نعرف حد مِن صُحابه، هيتحركوا أسرع مننا.
برق ليث وقال: إنتِ إتجننتي يا منال صح! عيزاني أروح لقتالين قُتلة ومرضى نفسيين وعقليين أقولهم صاحبكم هيموت عشان يجيبوه بس يقتلوا التانيين ومنعرفش نحقق معاهُم ونعرف مين دول؟ وبعدين ما إنتِ لسه قايلة يمكِن عيسى تاني ما مصر فيها مليون عيسى، شيلي الموضوع دا من دماغك لازم إحنا نوصله بنفسنا.
ضيقت منال عينيها بصدمة وهي بتقول: أنا مش قادرة أصدقك، إنت مش فارِق معاك المخطوف المُعرض للخطر قد ما فارِق معاك تكسب بونط قُصاد الداخلية إنك الظابِط المُجتهِد اللي ماشي على القانون بحذافيرُه.
ليث بصدمة من كلامها: يعني إنتِ شيفاني كِدا؟
قالتلُه بخيبة أمل: إثبتلي عكس كِدا.
كشر ليث وقال بجفاء: معنديش غير اللي قولتهولك.
قالتلُه منال بضيق وهي بتشاورله بعينيها على غُرفة العناية المُركزة: خلاص خليك جنبها لغاية ما تفوق عشان تغرف هي تقصُد إيه بعد خراب مالطة.
إدتُه ظهرها وسابتُه ومشيت وهو بيقول وهي مطنشاه: يا منال مش وقت قمص إفهميني طيب، طب رايحة فين طيب فهميني!
وقبل ما يحاول يفكر هي رايحة فين رن فونُه، فـ خرج الفون من جيبُه لقاه طارِق راح رادِد بِسُرعة: عرفت حاجة؟
طارق بصوت واثِق: عرفتِلك هي مين يا باشا.
ليث بحماس: قول بسُرعة! ولا أقولك أنا في مُستشفى ****، تعالى وهات معاك كُل اللي تعرفُه عنها.
طارقِ بأدب: أوامرك يا باشا.
وقفل ليث معاه وهو مستني على نار.
_________________________________________
المكان: منزل عزيز الإبياري.
تحديدًا جناحُه هو وسيليا.
كان حاطط راسُه على رجلها وهي بتلعبله في شعرُه وبتقول: هي إزاي تعمِل كِدا بجد؟ تروح لمامي وتضايقها وتقولها الكلام دا، وعشان إيه وهي متعرفناش ولا إتعاملت معانا.
عزيز بهدوء: يا سيليا دا أخوها وأنا مقدر دا، وأنا عشان عندي عُقد نفسية بسببُه ويُعتبر هو جُزء كبير من اللي أنا فيه كُنت إنتقمتلُه.. بس كُل ما بفتكرُه بيولع جوايا نار بدُخان إسود مِن مُعاملتُه معايا.. كان شايفني غبي، مش هقدر أكون زي ما هو عايز.
سيليا وهي بتحاوِل تخفف عنُه: النتيجة مش هتتغير لو فضلت تفتكِر كُل دا، دا مُقدر وحصلك وهو مات.. لازم تتعافى يا حبيبي عشان تقدر تعيش حياتك الحالية مِن غير ما تتعب نفسك بالتفكير في ماضي.
سكت وهو بيحضُنها وبيفكر، الفترة اللي عمتُه غابت فيها عنه وعن مصر كانت فترة زمنية كبيرة جدًا، وكان مِن المُفارقات بينُه وبينها إن اللي ربتُه أم چايدا، في حين كانت الأقرب ليه عمتُه، نفض الأفكار دي عن راسُه وباس خد سيليا وهو بيقول: أنا هقوم أتطمِن على سيلا، لو بدر صحي هاجي ألعب معاه.
إبتسمت سيليا وهي بتطبطب عليه وبتقول: تمام يا حبيبي
خرج عزيز مِن الجناح وإتحرك ناحية أوضة سيلا، خبط خبطتين هاديين على الباب لغاية ما سيلا قالِت بصوت عالي: إدخُل.
دخل عزيز وهو مُبتسِم بحنان وقال: مخلف عسكري أنا.
ضحكت سيلا بطفولية فـ دخل عزيز وقفل الباب وقرب منها وهو بيبوس راسها وبيقول: عاملة إيه يا حبيبتي؟ محتاجة حاجة أجيبهالك؟
سيلا بطفولية: أه عايزة عيسى.
إبتسم عزيز بكسرة وقال: هو مشغول بس شوية لكِن هييجي متقلقيش.
سيلا بحُزن: يا بابي هو إنت ليه مخاصِم عيسى أنا بحبُه وبحب أقعُد معاه.
عزيز بهدوء: مش مخاصمه يا حبيبي، هو بيشتغل وأنا بشتغل، بيروح يزور عيلته وأنا بروح أزور أخوكِي يعني يومي ما بينك وما بينُه، لما بنلاقي وقت بنتلاقى، فهمتيني؟
حركت سيلا راسها بمعنى أه فـ حضنها عزيز، رغم مقدرتُه على حماية عيلتُه لكِنُه عُمره ما ضمن غدر الأعداء.. كان خايف عليهُم جدًا وزعلان عشان بقى لُه نُقط ضعف مش نُقطة واحدة، بيحبهُم كلهُم زي بعض لكِن سيلا! ليها معزة خاصة عندُه، بنتُه الوحيدة على ولدين ودلوعتُه.
_______________________________________
المكان: منزِل أعلى تل مُرتفِع.
تحديدًا: العلوية
في العلوية ونوح مصوب سلاحُه على مروة كان الجميع مرعوبين بما فيهم الحرس،صرخت مروة دفاع عن حياتها للمرة الأخيرة وقالِت:إكشف عليا والكشف هيكون الفيصل بيني وبينك
ضحك نوح بسخرية وهو بيقول:واحدة زيك ممكن يكون أي واحِد مِن الحرس إغتصبها وعايزة تلبسهالي،مش عليا الحركات دي يا بنت الأبالسة
مروة بصريخ خوف على حياتها:في تحليل الـ دي إن إيه لو حابب
برق نوح وبدأ يخاف،مُمكِن مكانش في وعيه وهو بيعمل كدا؟مُمكِن هي بتحاول تكسب وقت عشان تعمل حاجة مُعينة في دماغهاّ!
ضيق عينيه وهو بيبُص لخالد عايز يبعدُه عنها بس خايف يخرجُه يكونوا متفقين هُما الإتنين على خِطة مُعينة..خصوصًا إن خالُد بقى بينُه وبين نوح حاجِز مِن ساعة ما نوح أمر يحبسُه هنا وتخلى عنُه كـ شخص أمين ضِمن رجالتُه، بص نوح ليهم بنظرة أخيرة وقال بغضب للحرس: إحبسوه في مكان تاني بعيد عنها وعينكُم عليهُم هما الإتنين ممنوع تردوا على أي أسئلة يسألوها، لغاية ما أشوفلهُم صِرفة.
بعدها شاور بصوباعه على مروة وهو بيقول: وإنتِ.. لو طلِع كلامك كِذب وإفتراء عليا والله لاكون فاصِل راسِك عن جسمِك، كدا كدا راسِك بس اللي شغالة.
ضحكوا الأرانِب على جُملة نوح وزعلت هي وبدأت تترعش بخوف، قرب أربعة من خالد وسحبوه من عندها وخرجوه برا وهُما بيحبسوها تاني ويقفلوا عليها، حست بالغيظ والغضب جواها فـ بدأت تصرُخ زي المجنونة وهي بتشِد في شعرها بقسوة وبتصوت من كُتر الضغط النفسي اللي هي فيه.
دخل نوح جناح رفيف لقى الباب مردود، فـ وقِف بيبُص عليها مِن فتحة الباب وهي قاعدة على السرير متربعة وعلى كُل رجل من رجليها ولد مِن التوأم، وبتغنيلهُم “كان ياما كان الحُب مالي بيتنا ومدفينا الحنان، مدفينا الحنان.. زارنا الزمان سرق مِنا فرحتنا والراحة والأمان”
بصلها بشغف وحُب، نوح طول حياتُه مالوش في النسوان كان هدفُه شغله في المافيا وإنتقامُه وبس، رفيف كانت الست الوحيدة اللي قِدرت تقتحِم حصونه وتوقعُه في حُبها، ويقرر يخليها شريكة حياتُه وينجب مِنها، دمُه يتكون في بطنها وتبقى أم ولادُه!
معندهوش عُقدة من الستات، لكن مفيهوش داء الستات..
فتح الباب بهدوء فـ رفعت رفيف راسها وبصتلُه وهي ساكتة، قفل الباب وراه وهو بيقول بهدوء: الزمان دا كناية عني؟
بصت على الشباك وهي بتغطي ولادها كويس وبتقول بهدوء: دي أغنية ميادة الحناوي، كلماتها بتقول كدا.
ضيق نوح عينيه وقال: وأنتِ هتغني حاجة مش حساها بالحُزن دا لمُجرد إن كلِماتها كِدا؟ مبقتش قادر أفهمِك.. ساعات بحسك تقبلتي إنك لازم تكوني مع جوزك في أي مكان هو فيه، وساعات بحسِك بتعتبريني عدو.
بصتلُه رفيف بحُزن وقالِت: أنا عرفت اللي بيدور فوق، هي حامِل منك مش كِدا؟
إتعدل نوح في قعدتُه على الكُرسي زي المحموم وقال بخضة: مين اللي قالِك الكلام دا؟؟
عيون رفيف دمعت وقالت برقة: مش مُهم مين قالي، ليه خلفت مني لما عندك إستعداد تخلف من أي ست تانية غيري؟ ولسه بتمثل عليا إني الست الوحيدة اللي حركت مشاعرك، بتكذب على نفسك وعليا ليه يا نوح؟
دموعها نزلت على وشها وهو ملامحه لانت خالص، مهما تملكُه غضب ونفور من العالم بيرجع يرِق معاها
قال بهدوء وهو بيمسك كف إيديها بين إيديه: البنت دي كذابة، عارف إن فيا كُل عِبر العالم.. بس والله العظيم ما لمستها ومُتأكِد من دا، هنكشف عليها ولو طلعت بتكذب هـ..
وسكِت..
كملت رفيف وقالت وهي بتبُصله بترقُب: هتقتلها؟
غمض عينيه وفتحها بمعنى أه فـ قالت بدوخة: حاسة إني في كابوس، مِش مُمكِن اللي إحنا فيه يكون حقيقي، أنا إتجوزت قتال قُتلة وأختي بتتعالِج في مصحة، وخلفت منُه!
نوح بهدوء حزين: مقدرش أوعدك إن كُل حاجة هتكون أحسن معايا، لكِن أقدر أضمنلِك إن لو جرالي حاجة هتكوني بأمان إنتِ والولاد.
سكتت ودموعها نزلت أكتر.. هو لغاية دلوقتي مش قادِر يفهم إنها بتحبه بطريقة هوس، وخايفة عليه أكتر لإن الجاي مش بيبشر بالخير.
________________________________________
قعدت عمة عزيز على الكنبةوهي بتتألِم مِن رقبتها،جت چايدا وقعدت جنبها وقالِت بقلق: إنتِ بخير؟؟ عاملة إيه دلوقتي؟
بصت لها عمة عزيز وقالت بضيق: بدل النحنحة بتاعتك دي قومي هاتيلي قُماشة أو فوطة صغيرة مبلولة بمياه ساقعة متلِجة عشان أحُطها حوالين رقبتي، الهمجي إبن أخويا كان عايز يقتلني عشان بنت الكابر.. العيلة دي أكيد ساحرالُه.
إتنهدت چايدا وقالت بهدوء وهي بتقوم: حاضِر.
راحت جايدا للمطبخ وجابت فوطة نظيفة وطبق فيه مياة فيها ثلج وراحت ناحية عمة عزيز قعدت جنبها على الكنبة وهي بتحُط الفوطة في الطبق وبتحُطها حوالين رقبة السِت
وقالت بهدوء وهي بتحاول تهدي الوضع: أكيد عزيز ميقصُدش هو بس خاف على ولادُه مِن سيليا.. بدر وسيلا.
بصت عمتُه قُدامها بـِ غِل وغضب وهي بتقول: كمان مسمية الولد على إسم أبوها المُجرِم البِجحة!
كان واقِف ورا باب الأوضة بتاعتُه إبن چايدا وعزيز بيسمع هُما بيقولوا إيه، سمِع مامتُه بتقول: أنا مُمكِن أساعدِك إن إحنا نخرجهُم برا حياة عزيز خالِص.
عمة عزيز وهي بتقول: هتساعديني إزاي؟ هتعملي إيه يعني؟
حطت چايدا رجل على رِجل وبصت لعمة عزيز بـِ ثِقة وقالِت: ليا طُرقي.. مُمكِن نبعدهُم عنه ونخرجهُم مِن حياتُه مِن غير ما نأذيهُم
ضحكت عمتُه بسُخريةوهي بتقولها: كان القرد نفع نفسه، ما إنتِ بقالك فترة ومُدة طويلة معاه ومرمية هِنا زي الإستبن مبيجيلكيش غير كُل فين وفين وعلى طول في حضن الثانية..وبعدين مين قالك إن أنا مِش عايزة أأذيهُم؟
بلعت چايدا ريقها وهي مِش مستوعِبة جبروت السِت دي.. أما إبن چايدا برق بِصدمة وهو بيطلع الفون بتاعُه مِن جيب بنطلونه وبيدوس إتصال على رقم أبوه.
_______________________________________
المكان: المشفى الحكومي الخاص.
كان قاعِد ليث على كراسي الإنتظار بيحاول يتصل بمنال عشان يبلغها باللي قالُه طارُق، لكِن فونها غير مُتاح.. قفل فونه بعصبية وقال: مش وقت قمص يا منال بجد.
رفع راسُه لقى طارِق جاي عليه بإبتسامة فـ وقِف ليث بحماس وهو بيقول بعيون بتلمع من الفضول: هاا عملت إيه؟
سلِم طارِق الملف لليث وهو بيقول: دي كُل المعلومات اللي قدرت أجيبها عنها، إسمها سارة محمد البنهاوي، بِنت عندها 18 سنة يعني طالِبة ثانوية.. كانت شغالة في الملهى الليلي اللي إتفحم من فترة.. بتنظفه يعني تكنس وتغسل وتعمل..
بص ليث لصورتها وضيق عينيه وهو بيقول: أيوة بس، مش دي اللي شوفناها مضروبة بالنار في دراعها.. دي واحدة تانية!
طارق بهدوء: حسب معلوماتي يا باشا إنها إتعرضت لحادثة كبيرة تم تسجيل دخولها مستشفى(…) بتاريخ(…) وإختفت من المستشفى متعملهاش تسجيل خروج، الطاقم الطبي فكروها هربت لكِن في كذا دكتور أكِد إنها حالتها الصحية متسمحلهاش توقف على رجليها في الوقت اللي كانت موجودة فيها.
ليث بتنهيدة تعب: تقصُد في حد خطفها من المُستشفى؟
طارِق بجدية: مظبوط يا باشا، المعلومات دي جبتها عنها من كذا مصدر موثوق.. تحليل الدم كان الفيصل إننا نتأكد هي ولا لا.
ليث بتفكير وهو بيحُط طرف الملف على شفايفُه: كِدا مفاضلش غير إنها تفوق عشان أسألها، طب بقولك ياطارق معلش طلب أخير، فاكِر عيسى الغُريبي بتاع حارة المنيل؟
طارِق بإبتسامة ضيق: أكيد يا باشا، واحِد من العابثين معانا الفترة الأخيرة.
ليث بجدية: البنت دي قبل ما تفقد الوعي من كُتر ما نزفت، قالت إنهُم هيموتوه.. هُما مين أنا مش عارِف، وطبعًا لو لفيت مصر من شرقها لغربها مش هقدر أوصله، ولاد الـ.. بيبقى ليهُم أماكِن متخطُرش على دماغ الأبالسة.
طارِق بمُحاولة للمُساعدة: هحاول من ناحيتي يا باشا إني أعرف.
إتحرك طارِق عشان يرجع لشغلُه ومسِك ليث الفون بتاعُه مرة تانية عشان يكلم منال يعرفها المعلومات اللي عنده، كان غير مُتاح برضو.
قعد وهو بيتنهد وبيقول: يارب يا منال متعُكيش الدُنيا..
_________________________________________
وقفِت بعربيتها قُدام قصر أمير الذهبي، نزلت من العربية وهي مُترددة وخطواتها تقيلة لكِن مفيش قُدامها أي حل تاني، السلبية اللي إتكلم بيها ليث تخليها تحاول تعمل اي حاجة عشان تِلحق عيسى، متعرفش هي بتعمل كِدا ليه عشان عيسى لكِن حاجة جواها بتصرُخ إنُه مينفعش يموت مقتول كدا.
وصلت عند حرس القصر وقالت بهدوء: من فضلك بلغ أمير بيه إن نقيب منال واقفة برا وعيزاه ضروري.
خرج الحرس اللاسلكي وبلغ حد مِن جوة بالكلام دا، وقفت منال عشر دقايق برا لغاية ما خرجِ ليها صِبا وهي مكتفة إيديها وبتمشي بهدوء ناحية منال، وصلت عندها وقالت ببرود: إتفضلي.
دخلتمنال وهي بتقول بسُرعة: فين أمير؟
قالت صِبا بإندفاع: عيزاه فـ إيه سيبوه في حاله بقى، أمه لسه ميتة ملحقش يزعل عليها، ولا عشان..
قاطعتها منال وقالت بضيق: فين أمير خلصي في حد من صُحابُه هيموت!
برقت صِبا وهي بتقول: مين!!
منال بزعيق ليها: إندهي أمير بقولك!
خرج أمير مِن القصر وهو لابِس بنطلون إسود وسويت شيرت رمادي وبيقول بصوت مبحوح: خير؟
قربت منال مِنُه وهي بتقول بسُرعة كإنها روبوت: في بنت جت القسم على الفجر وهي بتنزف من دراعها واخدة طلقة فيه، وبتقول بصوت ميت نلحق عيسى عشان هيموتوه.
برق أمير وقال بلهفة: إنتِ بتقولي إيه؟؟ فين البنت دي.
حركت منال راسها يمين وشمال بسُرعة وقالِت: مش هتعرف تاخُد منها كلام هي فاقدة الوعي عشان نزفِت كتير، أنا جيالك تتصرف بمعرفتك إنت وعزيز ونوح وتحلقوه قبل ما يموتوه لإن أنا وليث مش هنعرف نتصرف.
جري أمير على القصر وهو بيقول: أنا هكلم عزيز ونتصرف.
بصت صِبا لمنال بفضول وقالِت: وإشمعنى أمير اللي فكرتي تجيلُه؟
منال بـ رد مُختصر: عشان أعقل واحد في المجانين..
إتحركت منال وخرجت برا القصر، قعدت في عربيتها وهي بتبُص على عربية أمير، لقتُه خرج من القصر وأخد مُفتاح عربيتُه من الحرس ونط فيها وساق بسُرعة، جت تمشي وراه رن فونها كان راغِب.
ردت وهي سايقة وماشية ورا أمير
منال: أيوة يا حبيبي أنا في الشُغل.
راغِب بضيق: معناه إيه إن ليث يتصل عليا يقولي منال هتعُك الدُنيا إلحقها؟ وبعدين ما إنتِ فونك بيرن عادي أهو، أومال ليه ليث بيقول جايبلي غير مُتاح!
منال وهي بتقلب عينيها: عشان أنا عملالُه بلوك، هخلص شُغل وأكلمك.
راغِب بحزم: مفيش شُغل إنهاردة إرجعي على البيت إنتِ حامِل، لو حصلك حاجة مش هسامحك يا منال.
كشرت منال بتركيز وهي باصة لظهر عربية أمير اللي مُتتبعاها وقالت: مش هيحصلي بإذن الله، سلام دلوقتي.
وقفلت قبل ما تسمع ردُه، وقفلت الفون تمامًا وهي مركزة عشان تعرف أمير رايح فين.
وصل أمير عند بيت عزيز وسيليا ووقف عربيتُه، ونزل جري وهو بيكلم الحرس اللي فتحوله البوابة فورًا ودخل، كانت منال عمالة تخبط على الدريكسيون بضوافرها بتوتُر وهي مش عارفة لما يوصلوا لعيسى هيكون بالفِعل مات ولا لسه فيه الروح!
مغابش كتير جوة هي لقت عزيز خارِج بيلبس چاكيتُه وبيجري على عربية أمير بيركب جنبه وأمير كذلِك، ساق العربية بسُرعة فـ طلعت وراهُم بعربيتها وغالِبًا بيحاولوا يوصلوا لنوح بالفون لإن مكانُه مِش معروف!
فضلوا يلفوا بالعربية لغاية ما ركنوا على جنب، منال كانت أعصابها مشدودة وهي واثقة إنهُم على نفس حالها، عدا وقت حوالي ساعة ونِصف ولقت عربية سودا مفيمة وصلت نزل منها نوح، وركب معاهُم والعربيتين إتحركوا!
إستغربت منال إنهُم عرفوا بالفعل يتواصلوا معاه، وفضلت ماشية معاهُم تشوف هيروحوا فين.
_______________________________________
-داخِل سيارة أمير الذهبي.
كان سايق بأقصى سُرعة وجنبُه عزيز ونوح قاعد ورا ماسِك تاب وهو بيترعش ويقول بتوتُر: خُد أول يوتيرن هيقابلك وبعدها على طول بعدها إدخُل يمين.
غرز عزيز صوابع إيديه في شعرُه وهو بيقول بهستيريا: مش قادِر أستنى عايز أنُط من العربية، لو عملوا فيه حاجة مش هسامح نفسي!! وإزاي يروح لوحده من غير الجماعة بتوعه لمكان غريب!
بص أمير في مرايا الأمامية لنوح وهو بيقول: إتأكدت بنفسك إنه مش فخ من منال وليث؟
نوح وهو بيبُصله قال ببديهية: ولو مش متأكد كنت جيت ركبت وقولتلك إتحرك؟؟ التتبُع اللي مُخترِق بيه جهاز عيسى جابُه في مكان بعيد وغريب.
ضيق عزيز عينيه وقال بلحظة إستيعاب:*** إنت زارِع في تليفوناتنا تتبع عشان تعرف بنعمل إيه؟؟
مردش نوح عليه وركِز في الموقِع اللي ظاهرلُه في التاب فـ قال أمير: مش وقت الكلام دا يا عزيز.
عزيز من بين سنانُه: نِخلص بس مِن اللي إحنا فيه، ووحياة أمي ما هعتقك.
نوح بنفاذ صبر: إتكلم على قدك.. أنا خُلقي ضيق دلوقتي ومعمي،معنديش إستعداد أتحمِلك.
_______________________________________
المكان:منزِل مجهول
تحديدًا:القبو
الغُرفة كانِت بارِدة كـ ثلاجات الموتى،مُمدد جسده على فِراش معدني بارِد بيصيبُه بتنميل في جسمُه مِن شِدة البرودة،لم تكُن البرودة العامِل الوحيد المؤثر على الجسد،لكٍن حُقنة التخدير اللي أخدها في رقبتُه أفقدتُه الوعي لفترة لا يعلم مُدتها،كُل اللي كان قادِر يحركُه في جسمه هو عيونه وهي شايف بصورة مغلوشة رجُلين واقفين قُصاد ترابيزة طبية حديدية بالية،عليها أدوات ومشارِط
ومُسجِل قديم صوتُه مُتقطِع بتصدح مِنُه أغنية قديمة غناء لُطفي بوشناق
“لاموني اللي غاروا مني،وقالولي وش عاجبك فيها
هالطفلة اللي غيرتوا منها،وحبيتوني باش ننساها
لاموني اللي غاروا مني..وقالولي وش عاجبك فيها”
لف واحِد مِنهُم وهو ماسِك مِشرط بيمسحُه بقُطنة فيها كحول طبي،إبتسم إبتسامة خفيفة وهو شايف عيسى مفتح وقال:إنت صحيت؟ حاولنا نعاملك مُعاملة حُصان ونديلك حُقنة الرحمة بس حظك تحِس كُل حاجة هتحصلك.
قرب مِنُه الشخص التاني وهو بيقول:هديك أخِر فُرصة،توقع على تنازُل على كُل ميراثك مِن المايسترو،حاجة مش حقك متتذاكاش وتاخثدها
عيسى مكانش قادر يحرك لسانه حتى حاسس إنه مشلول وعينه بس اللي بتتحرك،المذياع بدأ يصدر صوت مُزعِج فيه وش ووشوشهُم كانت بتتحرك في عيون عيسى،الأوضة أجواءها أجواء الموت..والإضاءة الصفرا الداكِنة الضئيلة مسببالُه شعور غير مُريح بالمرة،لكِن مكانش خايف بالرغم مِن كُل دا
عين عيسى وسعت فجأة،مكانش قادر يحرك جِسمُه أه..لكِن حس بالنصل البارِد اللي إتغرز في بطنُه..بص بعينيه للي واقِف قُدامه وقال الراجل بهستيريا ضحك:على بال ما تأثير المُخدِر يروح،لو فوقت قبلها هناخُد الفلوس،مفوقتش وموتت يبقى أشوفك في الجحيم مع المايسترو.
عين عيسى وسعت أكتر وهو شايف نصل تاني بيتغرز من الناحية التانية من بطنه ،كان الراجِل التاني وبيضحك برضو
التيشيرت بتاعُه إتلوث بسُرعة باللون الأحمر الغامِق
وصوت نُقط الدم نازل على الأرض بيخبط فيها كإنُه بيستنجد بيها
المُخدِر بدأ مفعوله يقِل،قادِر عيسى يتكلِم لكِن صوتُه مكانش طالِع مِن شِدة الألم ..كان بيطلع مِنُه صوت ألم ونواح ضئيل
مِن شِدة الألم نزل خط دموع من عينُه على خدُه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المكان: مشفى حكومي خاص.
تحديدًا: غُرفة سارة البنهاوي.
كان قاعِد ليث على كُرسي جنبها وهي دايخة وقال بفضول: مالُه عيسى؟ وتعرفيه منين؟
سارة كانت دايخة ولما سمعت أسم عيسى قامت مخضوضة فـ دراععها وجعها راحت مصوتة.
ليث وهو بيحاول يهديها: إهدي! إهدي وفهميني، في إيه اللي تعرفيه عشان ألحق أتصرف!
بصت على إزاز الشباك بتاع الأوضة اللي مبتعد عنه الستار وقالت وعينيها أتملت دموع: خلاص مش هتلحق.. زمانهُم موتوه.
ليث بنفاذ صبر وعصبية: هُما مين ما تفهمينيي!!
بصتلُه سارة وهي بتعيط وبتترعش وبتقول: رائد ورائِف، يبقوا ولاد أخو المايسترو،صاحِب الملهى الليلي اللي أنا وعيسى كُنا شغالين فيه.
ليث بربط بين المعلومات اللي عندُه: كِدا أنا فهمت، وإيه علاقتك بـِ رائِد ورائِف دول؟
سارة وهي بتترعش: لما عيسى حرق الملهى، كُنت أنا فيه، الله يباركله وينجيه كان لما يشوفني بنظف يديني فلوس كتير يقولي اشتريلك لبس وحاجات حلوة، روحي ذاكري متدفنيش نفسك هنا، في اليوم دا نسيت محفظتي في الملهى فـ رجعت ومكونتش أعرف إن عيسى هيولع فيه هو مشاني في اليوم دا.
والحريق طالني.. كان صعب وبشع وشكلي.. يعني كُنت بين الحياة والموت، كانوا موجودين في البلد معرفش ليه، جولي المستشفى وإتفقوا معايا ينجوني، عملت عملية تجميل بس مرجعتش أنا.. مرجعتش سارة، بقيت واحدة تانية، ومن يومها مخلييني تحت طوعهُم.
ليث كان مصدوم فـ عيطت سارة وهي بتقول: العقرب كان حنين عليا والله كان بيعاملني زي بنته، كان بيديني فلوس ومش حارمني من حاجة، كان فيه جواه حاجة تحسه.. تحسه مش لايق على المكان دا، أبويا عايش ومكانش حنين عليا زيه، بالله عليك لو لحقتوه وطلع عايش خلوه يسامحني، قولوله سامح سارة دي مغلوبة على امرها، خايفة يكونوا موتوه من غير ما يسامحني.. أنا.. أنا حقيرة، إستغليت مرضه ولعبت عليه.
_______________________________________
المكان: منزل مجهول.
وصلوا الثُلاثي ونزلوا من العربية جري، والأرانِب نزلت وبدأوا يخلصوا على الحرس اللي واقفين، منال ركنت على جنب وهي بتعبي سلاحها عشان تلحقهُم.
كسروا الباب ودخلوا وهُما بيندهوا بصوت عالي: يا عيسى!!!
عــــيــــســــــى…
كان في صوت مذياع قديم صادِح مِنُه صوت أغنية ( يا ليلة عودي تاني) بصوت مُنير.
إتجهوا ناحية الصوت ونزلوا لتحت، لقوا باب القبو الخشبي فـ كسره نوح، دخل عزيز ووراه أمير ونوح.
برق عزيز لما شاف عيسى ممدد على السرير المعدني والتيشيرت بتاعه غرقان دم، وبقعة دم كبيرة معمولة من نقط الدم..
والإتنين عمالين يدخلوا السكينة في جسمه ويخرجوها وهو فقد المقاومة والإحساس.. والحياة!
إتخضوا اول ما شافوا عزيز وامير ونوح، ورجعوا لورا، إتقدم عزيز بخطوات مش متوازنة ناحية عيسى، وعدل وشه من حده بحنية، سند راس عيسى في حُضنه، وهو ضامم شفايفُه وبيبُص للسقف بعدم استيعاب.
خرج من عزيز صرخة مكتومة غليظة مليانة ألم وهو بيضُم جسم عيسى ليه جامد.
امير كان واقف فاتح بوقه ومصدوم
وعزيز باصص لجسم عيسى الهامِد، وسابُه جسمه إترزع على السرير.
“قائِل عبارة أن تصِل مُتأخِرًا خيرًا من أن لا تصِل..
ليتني لم أصِل أبدًا.. ”
سحب نوح عصاية غليظة مسنودة ورا الباب وكإنُه إتحول، وكسر اللمبة والمذياع، وهو بيقربلهُم
رائِد بخوف: يا سااامر، يا رحييييم (الحرس بتوعهُم)
عزيز بدأ يعيط وهو مش مستوعِب! بيحاول يقزم عيسى لكِن عيسى
هامِد تمامًا.
________________________________________
المكان: حارة المنيل.
كانت ساندة والدة عيسى على الشِباك وهي بتقول لمياسة اللي راحتلها من الخوف: مشي وهو زعلان، يارب ييجي.. يكون نسي حاجة ويرجع.
كانت مياسة شايلة قمر بتطبطب عليها وبتقول: اتصلت عليه كتير تليفونه غير مُتاح، محتجاه ضروري بجد.
وهُما قاعدين قُصاد الشِباك وقعت فرخة من شباك شقة أمل، من الفراخ اللي مربياها أم عيسى، وقعت في الشارِع.
شافتها مياسة فـ سابت قمر مع حماتها وهي بتقول: خليكِ هرجعها أنا مكانها.
حماتها بإستغراب: مش هتخافي؟
إبتسمت مياسة بسُخرية وقالت: خااص جلدي نحس من الخوف.
طلعت للحارة ومسكت الفرخة، بصت على بلكونة بُثينة لقتها واقفة مستنية عيسى كالعادة، الدم غلي في عروقها فـ طلعت العُمارة وهي بتشتم بُثينة في سرها، فتحت القفل اللي كان المُفتاح فيه بتاع باب الشقة ودخلت وهي بتقول: ريحتكُم صعبة بجد وريحة أكلكُم كمان.
كملت كلام ووجهت كلامها للفرخة وقالِت: وإنتِ إيه اللي وقعك من الشباك، ايه اللي فتح الشباك أصلًا.
الجو كان برد.. ريحة الأوضة بتاعة الفراخ دِهان حيطة جديد وسِرس وعلف، والبلاط القديم المترب ساقِع وخلاها تترعش.
كانت في لمبة برتقالي دافية وخافتة فوق الفراخ عشان تدفيهم بس المُثير للإستغراب إنها كانت مطفية.
دورت مياسة على الزُرار بإيديها وفتحت اللمبة، لقت سِت مدياها ظهرها، لابسة عباية سودا قديمة وعليها تراب أبيض مطرح القُعاد، ولابسة إيشارب إسود على راسها، كانت ماسكة فرخة وبتنتف منها ريش وبترميه على الأرض.
مياسة سابت الفرخة اللي في إيديها مِن الرُعب وبدأت تترعِش زي المحمومة، لفت الست وبصت لمياسة.. كانت أم أمل.. بوقها مكرمش زي العواجيز، وعينيها خط مسحوب لونه إسود ونازل منها سائِل إسود.
صوتت في وش مياسة، فـ مياسة وشها إحمر على الأخر
وقبل ما تصوت، سمعت صوت واحِد بينادي على يوسف والبوهيمي بصوت عالي في الحارة
” يا يوسسسف، يا بوهيميي.. يا يوسفف.. أخوك عيسى إتقتل يا يووسف”
بُثينة كانت بتسمع اللي بيتقال، وحست الدُنيا لفت بيها، فقدت الوعي فـ جسمها إتقلب من البلكونة ووقعت في الشارِع من بلكونة بيتها، وصوت كسر طلع من جسمها.
أما والدة عيسى قالت بصويت عشان يسكُت: لاااا متقولش كدااا، متقولش على إبني كدا
يا عـــــيـــــــــــســــــــــى.
“وهي بتشُق جلابيتها”
يا حبيبي يابنيي
إنجدووني يا ناس هاتولي عيسى.
وقفت والدة بُثينة في البلكونة وهي بتلطُم على عيسى
بتبُص لقت بنتها مرمية تحت
فـ لطمها زاد وبقت تصوت هي التانية
وصوت فيروز طالع من الراديو بتاع البوهيمي عشان من الخضة نسي يطفيه
( وحدُن بيبقوا، مِتل زهر البيلسان، وحدهُن بيقطفوا وراق الزمان
يا زمااان، يا عشِب داشِر فوق هالحيطان)
“أحلامهُم تُدفن قبل أن تُنطق، لم يُكتب لهُم المشيب.. أطفال هذه الحارة، تِلك البُقعة الملعونة.. محكومون بالفِقد مُنذ الميلاد”..
يتبع.. (رواية العبث الأخير (ركاب سفينة نوح)) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.