القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية جبر السلسبيل الفصل السابع عشر 17 بقلم نسمة مالك

 رواية جبر السلسبيل الفصل السابع عشر 17 بقلم نسمة مالك 


رواية جبر السلسبيل الفصل السابع عشر 17 بقلم نسمة مالك 




"بخيتة"..
كانت تقف على باب غرفة "سلسبيل" تتجسس كعادتها، لكنها لم تستمع لحديثهما بسبب صوتهما الخفيض، فتحت باب الغرفة دون سابق إنظار و دارت بعينيها تبحث عنهما، كان "عبد الجبار" يجلس بجوار زوجته على الفراش، منفصلان عن العالم حولهما بنظرتهما لبعضهما، كلاً منهما يذوب بعين الأخر..

نظرته لها نظرة عاشق أرهق قلبه البعاد، و نظرتها هي له نظرة تائهه في بحر الحرمان و أخيرًا و جدت بر الأمان، يلجم نفسه عنها بصعوبة بالغة، لوجود ابنتيه معه في الغرفة، لولهما لكان انقض عليها و التهمها كما لو كانت أشهى المؤكولات التي حصل عليها في حياته بأكملها،

لم ينتبه على الإطلاق ل "بخيتة" الواقفة تتابعهما بنظرات يملؤها الغيرة، و الحقد الدفين على "سلسبيل"،تطلع لهما بأعين متسعة على أخرها حين وجدت ابنها يميل بوجهه على شعر زوجته و يأخذ نفس عميق غالقًا عينيه باستمتاع، و يمطرها بقبلات متتالية على خصلاتها الحريرية و هو يهمس لها بكلمات غزل تداعب أنوثتها، و تجبرها على الابتسامة وهي تدفن رأسها بصدره مردده اسمه بخجل..

"عبد الچبار!!!!"..نطقت بها "بخيتة" إعادتهما للواقع من جديد، انتفضت "سلسبيل" بفزع و أسرعت بالاختباء داخل حضن زوجها، بينما هو لم تهتز شعره واحده من رأسه، بل ضم زوجته داخل صدره بلهفة و يده تربت على شعرها و ظهرها برفق مغمغمًا..
"خير يا أمه؟"..

"اممم كل خير يا ولدي".. دمدمت بها و هي تسير نحوهما حتي توقفت بجوار "سلسبيل" التي انكمشت على نفسها داخل حضن زوجها، و قد ظهر الضيق على ملامحها الشاحبة، و بدأ صوت أنفاسها يعلو بعدما شعرت بالهواء يتلاشي من حولها خاصةً حين لمحتها تستعد للجلوس بجوارها و بالتأكيد لن تتوقف عن لكمها في الخفاء كما تعودت منها على مثل تلك الأفعال الحمقاء..

تفهم زوجها سبب ضيقها، و داهمته ذكري أفعال والدته معاها في السيارة وقت عودتهم من الصعيد فحملها بين يديه فجأة جذبها عليه جعلها تشهق بقوة حين وجدت نفسها تجلس على قدميه، تطلعت له مذهولة و قد لجمتها الصدمة و هي تراه يتحرك بها حتي أصبح هو بمكانها بجوار والدته، و وضعها على مهلٍ متعمد ملامسة جسدها بجسده بحميمية زلزلت كيانها كله دفعه واحدة..

"وه بتبعدها عني ليه.. هاكلها إياك!!"..
قالتها "بخيتة" بغضب و هي ترمقها بنظرات مشتعلة، لكنها لم تأبي لها "سلسبيل" مطلقًا فقد كانت تجاهد لتلتقط أنفاسها التي سلبها زوجها بعد فعلته الجريئة معاها..

جلس "عبد الجبار" بأريحية ساحبًا الغطاء عليه هو وزوجته، و ذراعه مازال ملتف حول خصرها يوشم بأنامله عليه بلامساته الخبيرة، و برغم قربها الذي يفقده صوابه إلا أنه تحدث بثبات قائلاً..
"أني رايد أكون بناتكم أكده يا أمه فيها حاچة دي.. ولا أنتي معوزاش تقعدي چاري"..

ربتت" بخيتة " على كتفه و هي تقول..
"معوازش غير أني أكون چارك أنت و ولادك يا ولدي.. و مستنيه اليوم اللي ربنا يمن عليك فيه ويرزقك بالواد اللي يشيل اسمك واسم أبوك و يكون سند ليك و لبناتك يا ضنايا "..

رغم اللامبالاة التي تزين محياة، يظهر عكس ما بداخله و أنه غير عابئ لحديثها إلا أنه يتمني و يدعو من صميم قلبه ليري ابن له من صلبه يحمل أسمه، شعرت" سلسبيل " بتشنج جسده حولها، و يده التي سارت ببطء، و حرص شديد حتى قبض على كفها و ضغط عليه بخفة كانت بمثابة ضغطه على قلبها يخبرها بها أنه يريد أبنه منها هي ..

في حين أنها تتمني أن تصبح أم لطفله أكثر منه، و لوهلة تخيلت أنها تحمل في احشائها مولودها من الرجل الوحيد الذي جعل قلبها ينبض لأجله.. أغمضت عينيها بابتسامة دافئة و قد شعرت بفرحة غامرة من مجرد التخيل فقط، لينتشلها صوت "بخيتة" البغيض من أحلامها الوردية، و تصفعها صفعة دامية بحديثها القاتل حين قالت ..
"بس هيچي منين الواد و أنت يا نضري متچوز اتنين حريم زي قلتهم.. واحده قطعت الخلف بدري"..

نظرت ل "سلسبيل" و تابعت بجملة كادت أن تزهق روحها من شدة الوجع التي شعرت به..
"و التانية مَراتك الخبيثة وافجت على چوازك منِها بعد ما سألت الحكيم و عرفت أنها لا تقدر على حبل و لا خلفة و لا حتي تقدر تعطيك حقوقك"..

 

"أحيانًا نقابل الشخص الصح بالوقت الخطأ" مقوله ألقاها أحدهم على سمعي ذات مرة، و كان ردي عليه أنه من حكمة لا نعلمها نحن إننا قابلنا هذا الشخص بهذا التوقيت الصعب من وجهة نظرنا المحدودة، 

ربما أرسله لنا الله ليكون يد العون، و السند الذي ظللنا نبحث عنه طيلة الوقت، كما يحدث الآن مع أبطال روايتنا، فبعد عذاب دام سنوات ل "سلسبيل" على يد والدها، و من ثم زوجها الأول، شاء القدر لتكون زوجة ثانية لرجل متيم بها عشقًا منذ المؤهلة الأولى التي وقعت عينيه عليها بها، 

بينما هي تائهه، متخبطة بين مشاعرها و جراح قلبها الغائرة، تتلهف للأمان الذي يغمرها به زوجها يجعلها تتحترق شوقًا لقربه، و هو أشد شوقًا منها إليها، حتي أصبح على وشك أن يفقد عقله بعدما فقد قلبه بحوزتها.. 

كان "عبد الجبار" يجلس على الفراش الوثير أسفل الغطاء مع زوجته "سلسبيل" و "بخيتة" والدته تجلس بجانبه ، ملتف بذراعيه حول خصر زوجته، محاوطها بحماية غير عابئ لنظرات "بخيتة" المتوهجة بنيران الغضب التي ترمق بها "سلسبيل" التي تشبثت بل اقتربت من زوجها حد الإلتصاق دافنه وجهها بصدره العريض، 

انفجرت بأوردته "عبد الجبار" حمم بركانية من قربها هذا المدمر لجميع حصونه المانيعه، مما دفعه لضمها له أكثر حتي أصبحت بمثابة ضلع من ضلوعه، و كم تمنى في هذه اللحظة لو أن والدته تتحلى بقليل من الذوق و تغادر غرفتهما غالقة الباب خلفها حينها لن يفكر مرتين و سينقض بكل تأكيد على معشوقته الصغيرة يلتهمها دفعه وحده لعلها تخمد تلك النيران المتآججة بقلبه بفضلها.. 

"مَراتك الخبيثة وافجت على چوازك منِها بعد ما سألت الحكيم و عرفت أنها لا تقدر على حبل و لا خلفة و لا حتي تقدر تعطيك حقوقك"..
كانت هذه جملة قالتها "بخيتة" أعادت بها "سلسبيل" إلى واقعها المرير، تصلب جسدها فجأة تحت يد زوجها بعدما كانت شبه منصهرة أثر لمساته الجريئة مستغل وجود الغطاء فوقهما، 

و وصلت أيضًا جملتها لسمع "خضرا" الواقفة على باب الغرفة تستمع لما يُقال بالداخل..

شهقت بصوتٍ خفيض، و لطمت خديها بقوة و قد تأكدت ظنونها و علمت أن حماتها استمعت لحديثها مع الطبيب المعالج لسلسبيل، وهمست محدثة نفسها بخفوت.. 
" منك لله يا بخيتة..ربنا ينتقم مِنك يا وليه يا قادرة".. 

.. فلاش باااااااااااك..

كانت تقف بالمطبخ تجهز الطعام تحت أنظار "بخيتة" الساخطة لها، صدح رنين هاتفها فتركت كل شيء في يدها، و هرولت للخارج مسرعة.. 
"وه وه رايحة فين يا واكلة ناسك.. هتهملي الوكل على النار إياك لأجل ما تردي على المحروق اللي في يدك!! ".. 

"هبابه و راچعالك طوالي يا أمه"..
أردفت بها و هي تضغط زر الفتح و تتحدث بلهفة قائلة.. 
"أيوه.. أني معاك اتحدد قوام".. 

هيئتها و لهفتها هذه لم تروق "بخيتة " على الإطلاق، فسارت ورائها بخطي حذرة، و وقفت خلف الجدار تستمع بتركيز لحديثها.. 

أتى صوت الطبيب المشرف على حالة "سلسبيل" يتحدث بعملية قائلاً.. 
" للأسف يا مدام خضرا نتيجة الفحوصات أكدت أن حالة مدام سلسبيل صعبة جدًا، و قلبها ضعيف ميقدرش يستحمل لا حمل و لا ولادة".. 

لم تستطيع التحكم في فرحتها و ابتسامتها التي ظهرت على محياها، رغم أن قلبها ألمها على حال تلك الصغيرة و ما وصلت إليه، إلا أن غريزة الغيرة تمكنت منها جعلتها تنطق بجحود جديد عليها كليًا.. 
" أنت متوكد يا دكتور من حديتك عاد يعني البنته متقدرش على الحمل واصل؟؟".. 

"يؤسفني أقولك أنها مش بس متقدرش على الحمل.. دي متقدرش على العلاقة الزوجية اصلاً.. تعتبر إجهاد على قلبها في الوقت الحالي".. 

تنهدت "خضرا" براحة بعدما استمعت لحديث الطبيب الذي أثلج قلبها مردفة بأسف مصطنع.. 
" يا عيني عليها.. يعني أكده يبقي ملهاش في الجواز من أساسه يا دكتور مش أكده ".. 

"بالظبط كده يا مدام.. وأنا هبلغ عبد الجبار بيه بحالتها لما يجي انهاردة".. 

قالت" خضرا " بندفاع و قد ارتفع صوتها قليلاً دون إرادتها.. "لع لع متجبش سيرة لعبد الچبار بحديتك ده إلا هو متزرز قوي انهاردة و مش طايق خلجاته و لو قولتله أن البنتة حالتها خطرة أكده مش بعيد يطبق في زمارة رقبتك.. فلو سألك قوله لسه نتيجة الفحوصات مطلعتش وإني هبقي أخبره بطريقتي بعد ما نيچي نطمن عليها و نعاود للدار".. 

"اححم حيث كده حضرتك بلغيه بمعرفتك في أقرب وقت إذا سمحتي لأن الباشا خلقه ضيق جداً و مبتكلمش غير بأيده زي ما حضرتك عارفه".. 

"متشلش هم يا دكتور.. أني هقوله بنفسي.. مع السلامة ".. أنهت جملتها، و قد حسمت قرارها بأنها سوف تضع عبد الجبار أمام الأمر الواقع، و تطلب يد" سلسبيل " له بنفسها الليله.. 

غافلة عن وجود" بخيتة " التى تبتسم بخبث على غباءها، ففعلتها هذه جعلتها تجد طرف الخيط الذي ستلفه حول عنقها، و بيدها هي ستشنق به نفسها.. 

.... نهاية الفلاش بااااك.. 

أصطك "عبد الجبار" على أسنانه بعنف كاد أن يهشمها من شدة غضبه بعدما كلمات والدته الجارة لزوجته، فتح فمه و هم بالرد عليها إلا أنه اطبقه ثانيةً حين اعتدلت "سلسبيل" بجلستها مبتعدة عنه ببعض العنف رغم وهن و ضعف جسدها الهزيل، و نظرت ل "بخيتة" بابتسامة مصطنعة مرددة بقوة ذائفة.. 
"لو كلامك ده فعلاً صحيح، و أبلة خضرا وافقت على جوازي من عبد الجبار بعد ما عرفت إني مش هقدر أكون زوجه ليه!!".. 

صمتت قليلاً تلتقط أنفاسها المجهدة، بينما تأهبت جميع حواس "عبد الجبار" الذي يتطلع لها بنظراته العاشقة، و الخوف و اللهفة عليها تمليء قسماته العابسة من حديث والدته.. 

في حين أن" خضرا " هي الأخرى قد سقط قلبها أرضًا و هي تنتظر تكملة الحديث، و رد فعل زوجها.. 

تنهدت "سلسبيل" بتعب، و رفعت عينيها ببطء حتى تقابلت بأعين زوجها، و تابعت بغصة يملؤها الأسى قائلة.. 
"هيبقي من حقها و مش هلومها على اللي عملته"..

تعمقت النظر داخل عينيه، و تأملت ملامحه الوسيمة رغم صلابتها مكملة.. 
"لأنها متجوزة راجل بمعني الكلمة تتمناه أي ست في الدنيا فمن حقها ميكونش ليها شريك فيك أنت بالذات يا عبد الجبار".. 

أطبقت "خضرا" جفنيها بعنف لتنهمر عبراتها على وجنتيها بغزارة، كلمات غريمتها أشعلت نيران قلبها أكثر، تتغزل بزوجها على العلن و تعترف أنها تتمناه يكن رجُلها.. 

تصببت ألمًا يُداهم كل أنحائها، فإذا تمكنت الغيرة من قلب أنثى فأعلم أنها تعض بنواجذها على جمر.. 

بينما "عبد الجبار" رفرف قلبه بين ضلوعه بفرحة غامرة بعدما استمع لحديث معشوقته، و رأي نظرتها الهائمة به، فضرب بكل شيء عرض الحائط، و بلحظة كان جذبها عليه من خصرها أجلسها على فخذيه أمام أعين "بخيتة" التي اتسعت على أخرها من شدة صدمتها من جراءة ابنها أمامها.. 

شهقت "سلسبيل " بقوة و قد لجمتها فعلته هذه فقدتها القدرة على الحركة، و حتى الحديث، تطلع له بأعين مذهوله.. 

ليرفع هو يده و يحتضن وجهها بين كفيه مغمغمًا أمام شفتيها المرتعشة بصوته الأجش.. 
"و إني بتمناكي أنتي"..

تنقل بعينيه بين عينيها و شفتيها مكملاً و هو يبتلع لعابه بصعوبة.. 
"بحياتي كلها ما تمنيتش قرب حد زي ما تمنيت قربك أنتي يا سلسبيل".. 

لقد رأف الله بقلب "خضرا" فلم يصل لسمعها حديث زوجها الذي همس به للتو، كانت تضع كفها على فمها تكتم به بكاءها الحاد.. 


يتبع الفصل التالي اضغط هنا 


الفهرس يحتوي علي جميع فصول الرواية " رواية جبر السلسبيل " اضغط علي اسم الرواية 
reaction:

تعليقات