رواية النغم الحزين الفصل الثاني عشر 12 – بقلم فاطيما يوسف

رواية النغم الحزين الفصل الثاني عشر 12 – بقلم فاطيما يوسف

لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قبل القراءة ادعوا لي دعوة حلوة من قلبكم بالرزق الحلال وربنا ييسر لي حالي يا رب.

أَيا سَنَداً سَقَى الأَرضَ دِمَاءً، لِيَحْمِيَ زَهْرَةً ذَاقَتْ شَقَاءَ،
رَمَيْتَ الرُّوحَ فِي كَفِّ المَنَايَا، لِتَمْنَحَ خَافقِي عاشقك الهناءَ،
نَغمٌ أَنا وَفي صَدرِي أَنِينٌ، وَأَنْتَ العَزْفُ الذي يَمْلَؤُنِي رَجَاءَ،
فَلا تُسقيني جُنُونَ الخَوْفِ فِيكَ، فَقَلْبِي لا يُطِيقُ لَكَ البَلاءَ،
فـحُدُودُ الشَّرِّ بَيْنَنَا سُدُودٌ، وَهواكَ قَدْ أَذَابَ الانْحِنَاءَ،
فَخُذْنِي لِلأَمَانِ فأنت بيتي، وَصُنْ عَهْدًا سَمَا فَوْقَ السَّمَاءَ،
نَمُوتُ مَعاً وَلا نَمْضِي فِرَاقاً، فَمَوْتُ العِشْقِ خَيْرٌ مِنْ البقاءِ.
#بقلمي_فاطيما_يوسف✍️✍️

المطوة لمعت في إيد “سمير” زي عين الشيطان، وفي اللحظة اللي “رابحة” حجزت فيها “سند” بجسمها وهي بتصرخ:

ـ همل أخوك يا “سمير” متمسكوش في بعض علشان خاطر حرمة، استهدى بالله يا ولدي .

كان “سمير” فقد عقله تماماً، الغيرة والغل والذل اللي شافه على ايد “سند” اتجمعوا كلهم قدام عيونه في اللحظة دي ،
“نغم” في الوقت ده صرخت صرخة شقت السكوت، وهي شايفة “سمير” بيتهجم عليها بالمطوة عشان يغسل عاره الزايف، بس “سند” في لمحة عين، وبقوة وحش كاسر، زق أمه بشويش بعيد عنه، ومد إيده الشمال صد بيها ضربة المطوة اللي كانت رايحة لصدر “نغم” ، فغرزت في دراع “سند” وشقت اللحم والدم بقى يسيل من كمه شلالات على جلابيته البيضا،
الدوار كله اتجمّد لما سمعوا صوت الخناق والصويت وجريوا عليهم ، ” سمير” برقت عينه بصدمة وهو شايف دم أخوه الكبير بيسيل بسببه، و”نغم” وقعت على ركبها وهي بتشهق بالبكا وماسكة ايد “سند” المضروبة:

ـ “سند”! يا مري.. آااااااه يا قلباااااااااي ، قلت لك يا “سند” الشر مهيسبناش في حالنا مصدقتنيش، اوعاك تسيبني يا “سند”، آاااه.

كل ده وهي حضناه وبتبكي وخايفة من “سمير” يكمل ضرباته، ويقـ.ـتل أخوه، والرعب والخوف جواها ازداد أضعاف وخصوصاً إنها عارفة كويس إن”سمير” غشيم ومبيهمهوش حد ومؤذي لأبعد الحدود،

وأمه جريت عليه وهي بتصـ.ــرخ جامد وسحبته لحضنها:
ـ ولــــــــــــــــدي… لااااه يا “سند” متقهرش قلب أمك عليك يا ابن عمـــــــري ، قلت لك بلااااااااش يا “سند”، مهتحملش الوجع لواحد فيكم .
وفضلت تبكي وهي بتفتش في كل جسمه وقلبها اطمن لما الطعـ.ـنة صابت دراعه،
لكن “سند” متهزش، ولا حتى ملامح وشه اتغيرت من الوجع ولا من بكاء أمه، بص لـ”سمير” بنظرة مميتة خلت المطوة تقع من إيده على الأرض برنة مرعبة، وقرب “سند” من أخوه ودمه لسه بينزف، ومسكه من رقبة جلابيته بايده السليمة ورفعه لفوق بقوة لأن بنيانه قوي، لحد ما رجلين “سمير” مطالتش الأرض، ونطق بصوت هادي لكن مرعب أكتر من الزعيق:

ـ الدم اللي سال دي.. هو دم الأخوة اللي إنت قطعت حبالها دلوك يا “سمير”، المطوة اللي دبتها في أخوك ونتشت بيها ضلعي نتشت كمان اسمي من قلبك وياها يابن أمي وأبوي ، أني مكنتش رايد توصل لكده، بس إنت اللي اخترت الدم، والدم مبيغسلوش غير الدم.

“رابحة” ارتمت تحت رجلين “سند” وهي بتصوت وتلطم:
ـ أحِب على رجلك يا ولدي! سيبه يا “سند” دي خيك الصغير، دي طيش شباب، صدقني مكنش يقصدك انت يا ولدي! ابوس رجلك يا ولدي انت الكبير متأذيهوش وتضيعنا وتضيع نفسك!

“سند” بص لأمه بنظرة فيها خيبة أمل مريرة، وزق “سمير” لبعيد لدرجة إنه خبط في العمود الرخام ووقع وعيونه برقت من الصدمة والخوف، ولف لـ”نغم” ، اللي كانت بتترعش ومنهارة، سحبها لحضنه باليد السليمة وسترها بجسمه، وبص للكل وقال بكلمات قاطعة زي حد السيف:

ـ اسمعوا يا أهل الدار كلاتكم واسمعي يا حاجة “رابحة”، من اللحظة داي، “سمير” ملوش أخ اسمه “سند”، و”نغم” بقت خط أحمر، اللي يلمح طيفها بسوء، هقـ.ــطع رقبته ولو كان من لحمي ودمي، والدم اللي نزل مني النهاردة، دي مهيعديش بالساهل وفيه كلام كَتير ، واللي قلته هو اللي هيكون، وهو اللي هكون غسلت بيه كل اتفاقاتكم القذرة على إنكم تخالفوا شرع الله اللي ضللتوني بيه في الأول ودخلتونا في لعبة أني وهي مكانش لينا ذنب فيها واللعبة قلبت بجد وهي مرتي على سنة الله ورسوله.

وكمل وهو بينهج من وجع دراعه :
ـ أني هعمل مجلس شيوخ لكبارات البلد ومهعديش أصول الأخوة والبنوة ومهكونش كيف ولدك الفاقد دي وأقاتـ.ـله لكن ويمين الله لو ماتقاش شري ورجع مطرح ما كان بعد حكم المجلس وفضل مكمل في جبروته ومفكِر اكده هيخوفنا ببطشه ما هسمي عليك يا ابن أبوي وهدخلك الحبس بيدي .

وبص لدراعه اللي بينزف بحزن ، وقطع حتة من شاله وربط الجرح ببرود، وبص لـ”سمير” المرمي على الأرض وقال:

ـ قوم يا عويل، قوم وخد بعضك وفارقنا. الدوار دي مهيلمناش سوا تاني، ليك حقك في كل اللي يملكه أبوي هيوصلك لحد عندك، بس رجلك متخطيش عتبة المكان دي تاني، وإلا وربي يا “سمير”، لهيكون كفنك متفصل على مقاسك قبل ما تلمس شعرة من مرتي.

“نغم” كانت بتشهق وهي بتبص لـ”سند” بعيون هتنطق بعشقه، فداها بروحه، وحماها بدمه، حست إن الراجل ده مش بس جوزها، ده ضلع الأمان اللي بعتهولها ربنا، “سند” أخدها ومشى بيها لدارهم، وساب “رابحة” بتولول فوق راس “سمير” ، والدوار اللي كان عنوان للهيبة، بقى ريحته دم وغدر، والشرخ اللي حصل، مفيش قوة في الأرض هتقدر تداويه تاني.

“سند” راح داره، وقفل الباب وراه برجليه، ومفيش دقايق و”رابحة” جابت دكتور يطهر جرح “سند” ويشوف اللازم وهي بتطبطب عليه بخوف حقيقي ، ومابين نظرات الرعب على ابنها بتتبدل في لمح البصر بنظرات حارقة قاتلة لـ”نغم” وفيها ألف وعيد ووعيد ليها ،
خلص الدكتور ومشي وهي اطمنت على ابنها ونزلت وهي سايبة قلبين مكويين بنار عشقهم اللي مش بإيديهم ،
وبص “سند” لـ”نغم” اللي لسه بتبكي، وقرب منها وهمس في ودنها وهو بيتحامل على وجعه:
ـ اهدي يا “نغم” اهدي يا حبيبتي متخافيش محدش هيقدر يمسك ولا ياجي ناحيتك إنتي وولادك طول ما أني عايش على وش الدنيا ، الدم اللي سال مني دي قليل عليكي، أني فداكي بعمري كله.

وكمل وهو بيقرب من وشها بشفافية ونطق بفرحة رغم جرحه اللي بينزف وهو بيفتكر إنها وقفت قدامهم وقالت إنه هو جوزها وحبيبها لحد آخر عمره:
ـ والأهم من دي كلاته إنك نطقتيها، إنك اخترتيني قدام الدنيا كلاتها، والنهاردة بس.. “سند” اتولد من جديد في حضنك، إنتي متتصوريش كلمتك داي عِملت فيا إيه ، لأول مرة هحس إن مهم واني وجودي وقلبي ليهم أهمية عند حد .

وكمل بحزن على حال أمه وأخوه ومراته”دعاء” كمان:
ـ طول عمري هتشاف على إني الكَبير اللي لازمن يتحمَل غلطات الكل، اللي لازمن ياجي على نفسَه علشان يصلح أخطاء غيره، لا أم كنت هلاقيها وقت ضيقتي اترمي في حضنها، ولا أخ كان هيشد يده بيدي ويشاركني همومي وتعبي، ولا ست أحبها وتحبني ووقت ما الدنيا تضيق بيا ألاقيها بتطبطب علي .

وبص جوة عيونها بعشق وتملك ونظرته ليها كانت كفيلة إنها تدوب في عشق راجل رماه القدر في حضنها هدية ودرع أمان، وهو بيحضن وشها بإيده السلمية وصوابعه بتلمس ملامحها برغبة كأنه زي المسافر المحروم ورجع في حضن وطنه الآمن :
ـ لازمن لما ألاقي الحب والقلب اللي يحس بيا أتمسك بيه وأدافع عنه وأفديه بروحي، متخافيش يا “نغم” حياتك قبل حياتي ، وموتي قبل موتك ولا إن حد يمس شعره منك.

حطت ايديها على ايده اللي حاضنه وشها وغمضت عيونها وهي بتسند بوشها على كف ايده اللي حمتها واحتوتها ودافعت عنه، وقبلت باطن ايديه بشفافيها الدافية بعشق ووله، هما اتنين عاشقين لبعض بيحكم عليهم الزمن بالفراق والموت في عز سعادتهم اللي يدوب ملحقوش يتهنوا بيها:

ـ بعد الشر عنك يا قلب “نغم”، أني كلي لك، وزيك بالظبط مدقتش معني الحب ولا طعم الدفا ولا السكينة والهدوء إلا على يدك.

وفي لحظة اتبدل أمانها لخوف من اللي جاي، دموعها نزلت من عينيها وحس بسخونتها على كف ايديه اللي حاضنة وشها بتملك، وكملت كلامها:
ـ شكل الزمن مرايدش إننا نعيش ونحب ونقرب يا “سند”، دلوك العدواة اللي بالكلام اتقلبت لدم، والمعارك هتُبقى كَتيرة، وأخوك بايع روحه للشيطان ومهيفوتناش نعيش لحالنا اكده من غير ما يخلص على حد فينا أو عيالنا.

والدموع الصامتة انقلبت لشهقات شديدة خارجة من روحها المجروحة مش من عينيها وهي بتطلب منه اللي صدمه:

ـ طلِقني يا “سند” ودي قرار نهائي ممنوش رجوع، أرجوك طلِقني ، احنا معدناش ننفع لبعض.
برق عيونه بصدمة وهو بيسمع كلمتها ، ده مدخلش جنتها ونال من نعيم قربها غير ليلة واحدة، كان قلبه بيدق بوجع شديد اكتر من وجع دمه اللي نزفه،
واتسمر في مكانه، والدم اللي كان بينزف من دراعه حسه فجأة كأنه تلج، مكنش وجع الجرح هو اللي شل حركته، لكن كلمة طلقني نزلت على قلبه كأنها رصاصة غدر من أقرب الناس، سهم نظره في عيون “نغم” بذهول، شفايفه اتهزت بكلمات مكنتش راضية تطلع، وعيونه اللي كانت مليانة نصر وعشق من دقيقة واحدة، انطفت وبقى فيها سواد الحزن المر،
سحب إيده من على وشها ببطء كأنه لمس نار، ونطق بصوت مبحوح، مخنوق بالوجع والكسرة وهو بيردد كلمتها:
ـ طلقني؟! بالبساطة داي يا “نغم”؟ بعد كل اللي وصلنا له اني وانتِ وعدينا بيه؟ بعد ما وقفت قدام أمي وأخوي وهقف قصاد الدنيا كلاتها واشتريت قربك؟ دلوك جاية تقولي لي معدناش ننفع لبعض؟

“نغم” كانت بتبكي بنشيج يقطع القلب، وحاطة إيدها على بقها عشان تكتم صرختها، لكن سند مقدرش يسكت، الوجع جواه كان أكبر من إنه يتكتم، فجر بركان عتابه وهو بيقرب منها بخطوات مهزوزة:

ـ إنتي خابرة الكلمة داي عملت فيا إيه؟ وأني اللي قلت لقيت السكن، قلت لقيت الحب والراحة بعد شقا العمر، أتاريكي إنتي أول واحدة رايدة تهربي واحنا في أول الطريق! إيه.. خفتي من “سمير”؟ خفتي واني معاكي يا “نغم”؟

“نغم” ردت بشهقة وجع وهي بتتمسك بكف ايديه:
ـ خايفة عليك إنت يا “سند”! خايفة الدم اللي سال النهاردة يكون أول القطر، أني مش حمل إني أشوفك ميت بسببي، ولا حمل إني أكون الغرزة اللي قطعت مودة الأخوات، سيبني أبعد يا “سند” وخد إنت الأمان والراحة بعيد عني وعن البلاوي اللي وراي انت مليكش ذنب.

“سند” ضحك ضحكة وجع عالية، ضحكة فيها سخرية من القدر، وقرب منها ومسك كتافها بإيده السليمة وهزها بعـ.ــنف ممزوج بحب جارف:

ـ أمان؟! وراحة؟! هو أني عرفت طعم الأمان والراحة غير بين إيديكي يا “نغم”؟ إنتي فاكرة إنك لما تمشي، أني هعيش؟ أني هبقى جثة ماشية على الأرض، قلبها مدفون تحت رجليكي! “سمير” ملوش عندي أخوة من وقت ما فكر يلمس شعرة منك، وانه يرفع سلاح على مرت أخوه مهما كان اللي بيناتنا يُبقى هو اللي نهى رابط الأخوة.

خد نفس طويل وهو بيحاول يهدي أعصابه علشان يخليها تستوعب أنهم بقوا قلب واحد:

ـ اني هعشقك وحياتي اللي هتخافي عليها مستعد أدفع قدها ألف مرة ولا إني أفرط فيكي ليلة واحدة.

سكت شوية وهو بيبص في عيونها اللي غرقانة دموع، ونبرة صوته اتحولت من الغضب للحزن اللي يدوب الصخر:

ـ أني طول عمري سند للكل، بس النهاردة كنت مستني أكون سند لنفسي فيكي، كنت مستني إيدك هي اللي تلم جرحي، مش هي اللي تطعني في مقتلي بكلمة الفراق يا “نغم”، وربي وما أعبد ما تخرجي من الباب دي إلا على كفني، ووقتها بس قولي طلقني براحتك.

“نغم” انهارت تماماً ورمت نفسها في حضنه، وبقت تبكي في صدره وهي بتعتذر بشهقات متلاحقة:
ـ حقك علي يا “سند” حقك على قلبي اللي خاف عليك أكتر من روحه، أني غبية أني مكنتش خابرة إن الكلمة هتوجعك اكده، بس والله من خوفي، والله من ناري اللي قايدة جواي، خايفة عليك من يد الغدر وكله بسببي .

لانت ملامحه، وضمها لحضنه بقوة بالرغم من وجع دراعه، ودفن راسه في رقبتها وهو بيستنشق ريحتها كأنه بيستمد منها الحياة، وهمس لها بصوت دافي زي الحلم:

ـ ولا كلمة واصل يا “نغم” مسمعش كلمة فراق تاني، إنتي النفس اللي طالع وداخل في صدري، حد بيطلب يقطع نفسه بيده؟ أني لولاكي مكنتش عرفت يعني إيه حب بجد، يعني إيه قلب يدق بلهفة وخوف.

بدأ يمشي إيده برقة على شعرها، وصوابعه بتداعب خصلاته السوداء، ورفع راسها بشويش بإيده السليمة لحد ما عيونهم اتقابلت في نظرة شوق دمرت كل حصون الخوف، همس لها بمكر وهو بيقرب من وشها :
ـ يكون في معلومك عاد الجرح اللي في يدي مهيخفش غير بلمسة يدك، والوجع اللي في قلبي مهيهداش غير لما أحس إنك ملكي وقربي لآخر العمر يا نغمي، أني عاشق، والعاشق مهيسيبش حقه، وإنتي حقي اللي ربنا كرمني بيه بعد صبر سنين.

“نغم” غمضت عيونها باستسلام، وحست بدفا أنفاسه بيمسح دموعها، وهمست بضعف وعشق:
ـ أني ملكك يا “سند”، ملكك لحد ما التراب يغطيني، وسامحني على خوفي، إنت الأمان اللي ملوش بديل.

طبع قبلة حانية وطويلة على جبينها، كأنه بيختم بيها عهد أبدي، وبعدين نزل لمستوى شفايفها وهمس بكلمة أخيرة قبل ما يغرقوا في سكون الليل وجمال القرب:
ـ طيب لازمن تعرفي الليلة داي مهيقطعهاش واصل دموع ولا خوف، الليلة داي ليلتنا إحنا وبس، وخليهم يضربوا راسهم في الحيط، “سند” لقى “نغمه” واللحن النهاردة لحن حياة مش لحن وداع.

قرب منها أكتر، وبلمسات رقيقة مثيرة بدأ يدوب خوفها، ويحول شهقات بكاها لآهات عشق صامتة، تحت ضوء قمر كان بيشهد على ولادة أعظم قصة حب ، قصة اتكتبت بدايتها بالفراق واتختمت بشهد الوصال.

********

ـ جرى ايه يا “يونس” بيه انت استحليت القعدة عندك؟! فوق يا سيادة الرائد، ورانا مهمة لازم تتم، اعمل حسابك ان القيادة بتبلغك ان ميعاد تنفيذ مهمتك قرب جدا في خلال يومين اعمل حسابك علشان ترجع لمكانك تاني .

بلع ريق بصعوبة قبل ما يرد على القائد بتاعه وهو بيبص للمكان حواليه بنظرات وداع بتحـ.ـرق روحه وحاسس ان أنفاسه بتتسحب منه بمجرد مابتدت المكالمة ورد بطاعة :

ـ تحت أمر سعادتك يا فندم أنا جاهز لأي وقت لتنفيذ أوامر القيادة ومستني خطة التحرك من حضراتكم.

رد عليه القائد وهو بيحذره:
ـ خلي بالك من نفسك ساعة تنفيذ مهمتك لأن العملية دي صعبة ومش زي أي عملية قبل كده، لازم تكون حذر جدا وعينك وسط راسك، عايزينك ترجع سليم لوالدك يا سيادة الرائد.

اتنفس بأنفاس بطيئة وهو بيجاوبه بضياع:
ـ تمام سعادتك يا فندم ، ربنا معانا .
*******

داخل قاعة المؤتمرات الكبيرة بالجامعة، كان الجو مشحون بالرهبة، بتناقش “مهرة” في أدق تفاصيل رسالتها، كانت واقفة ورا المنصة الخشبية، وشها شاحب من التوتر لكن عيونها كانت بتلمع بذكاء وإصرار، وصوتها كان طالع بثقة خلت الدكاترة يبصوا لبعض بإعجاب،

وفي آخر القاعة، بعيد عن زحمة الزملاء، كان واقف “نعمان” لابس قميصه البسيط المكوي بعناية، وساند ضهره على الحيطة بوقفة فيها شموخ، كان ماسك موبايله، مبيصورش القاعة ولا اللجنة، كان الموبايل متوجه “لمهرة” وبس، كأن العالم كله اختفى ومفضلش غيرها ،

بين كل جملة وجملة كانت بتقولها، كان بيبتسم ابتسامة خفيفة، ونظراته كانت مليانة فخر بيها، عيونه كانت بتقول لها كلام كتير ، وفي لحظة “مهرة” اتلاقت عينها في عينه وسط القاعة، حسيت بعزوة طمنت قلبها، كأن نظرة “نعمان” هي الدرع اللي بيشجعها وبيديها الثقة والأمان ،

نعمان استغل انشغال اللجنة، وبعت لها رسالة في لحظتها وهي واقفة، الموبايل بتاعها نور قدامها على المنصة، شافت طرف الرسالة:
ـ ارفعي راسك يا ست البنات، العلم النهاردة بيتشرف إنه انكتب بإيدك، أنا فخور بيكي لدرجة تخلي قلبي هيطير من صدري.

“مهرة” ابتسمت بحب وسعادة، والثقة زادت في صوتها لحد ما اللجنة أعلنت منح الباحثة”مهرة حناوي” درجة الماجستير بامتياز مع مرتبة الشرف، القاعة اتقلبت زغاريد وتصفيق، والكل جري يبارك، لكن “مهرة” مكنتش شايفة غير “نعمان” اللي فضل واقف مكانه، اكتفى بهزة راس مبروك، واختفى بشويش قبل ما حد يلاحظ وجوده ، علشان ميلفتش الإنتباه ليها من أصحابها اللي حواليها،

خرجت “مهرة” من الجامعة، لقت “نعمان” مستنيها عند العربية، عيونه كانت كانت بتبص لها بتركيز شديد، بتحفر ملامحها الجميلة جواه، قرب منها ونطق بصوت دافي وهادي:
ـ ألف مبروك يا دكتورة “مهرة” النهاردة الدنيا نورت بيكي صح، وربي يعلم إن الفرحة اللي في قلبي ميوصفهاش كلام ، وفخور بيكي لأبعد مما تتخيلي .

“مهرة” كانت طايرة من الفرحة، وقالت له بلهفة:
ـ الله يبارك فيك يا “نعمان” لولا وجودك وتشجيعك لي في الليالي الصعبة مكنتش وصلت لاهنه بالسرعة داي ، شكراً إنك جيت وشكراً على كل حاجة حلوة هتعملها وياي، بجد وجودك فرق معاي قوي.

“نعمان” فتح لها باب العربية اللي كان واخدها من صاحبه بفروسية وشياكة، وقال بابتسامة واثقة:
ـ الشكر لله يا حبيبي ، ودلوقتي يا برنسيس مفيش ماجستير بيعدي كده من غير احتفال يليق بمقامك العالي، إحنا النهاردة هنتغدى برة، وفي مطعم يليق بيكي وبجمالك، عامل لك عزومة أخر شياكة .

ركبت “مهرة” وهي مبسوطة، ولما “نعمان” وقف بالعربية قدام واحد من أفخم المطاعم اللي بتطل على النيل، المطعم اللي الحجز فيه محتاج فلوس كتير، شهقت بصدمة وبصت لـ”نعمان” برعب:
ـ “نعمان”! إنت وقفت اهنه ليه؟ المطعم دي غالي قوي يا “نعمان” ، دي العشا فيه يخلص مرتب شهر كامل ليك! لا يا أخوي، خلينا نروح أي حتة بسيطة، أني مش رايدة أكلفك فوق طاقتك، وإنت خابر الظروف والايجار والمصاريف، يالا بينا من اهنه أرجوك.

“نعمان” وقف العربية، وبص لها نظرة ثبات خلتها تسكت، حط إيده على طرف الدريكسيون وقال بنبرة فيها عزة نفس رهيبة:
ـ “مهرة” إنتي شايفة “نعمان” إيه؟ فقير؟ ولا علشان بواب مش هعرف أعزمك في مكان كويس ، بس النهاردة أنا عايز أحتفل بيكي ومن يوم ما اتقابلنا وعرفت إنك هتناقشي الرسالة فضلت أحوش من وقتها علشان لحظة زي دي .
وكمل كلامه وهو بيبتسم لها بنظرة دوبتها ، خلت عيونها تطلع قلوب، وكأنه ساحر بيعرف يلعب على أوتار المهرة:

ـ أنا النهاردة عايز أبقى سلطان بيكي، الظروف والفلوس دي ورق بيتحرق تحت رجليكي ، وملهمش لازمة لو مكنوش هيسعدو اللي بيتعب فيهم ، أنا لو أطول أبيع عمري كله عشان أشوف الضحكة دي في عيونك وانتي قاعدة في أحسن مكان، مش هتردد ثانية واحدة.

“مهرة” حاولت تعترض:
ـ بس يا “نعمان” ..

قاطعها بصوت حنين لكن قاطع:
ـ مفيش بس بقى النهاردة إنتي الملكة، وأنا الفارس اللي عايز يفرح بالأميرة بتاعته، المطعم ده وغيره فداكي يا “مهرة” ، وفدا ضحكتك اللي بترد فيا الروح، متكسريش بخاطري، وادخلي برجلك اليمين، خلي المكان يتشرف بيكي.

نزلت “مهرة” وهي حاسة إنها في حلم، “نعمان” كان ماشي جنبها بخطوات واثقة، مكنش باين عليه الارتباك اللي بيصيب أي حد بسيط بيدخل مكان فخم زي ده، بالعكس، كان بيتعامل مع الويتر بلهجة هادية، كأنه متعود على الأماكن دي من سنين،

قعدوا على ترابيزة بتطل مباشرة على النيل، الهوا كان بيرد الروح، و كان بيختار لها الأصناف الفخمة بذكاء وكأنه خبير، “مهرة” كانت بتبص له بدهشة، وسألته بهمس:
ـ “نعمان” إنت حد بجد جميل قوي ، انت إزاي جدع وشهم وحاجة مبقتش موجودة اليومين دول خالص بجد،
وأني جنبك هحس إني مع حد مختلف فعلاً، هحس إني مع فارس طالع من الروايات، حد مبيخافش من حد ولا بيهمه أي حاجة في الدنيا.

“نعمان” سند كوعه على الطرابيزة وقرب منها، وبص في عيونها بنظرة كلها عشق وهمس لها:
ـ القوة دي بستمدها من وجودك يا “مهرة” إنتي اللي خلتيني أحس إن الدنيا لسة فيها نقاء، وإني مستعد أحارب العالم كله عشان أحافظ على النقاء ده، متفكريش في اللي فات ولا في اللي جاي، خليكي في اللحظة دي أنا فداكي الدنيا باللي فيها، ولو طلبتي النجمة اللي في السماء، هجيبهالك لحد عندك، وإنتي عارفة إن “نعمان” كلمته سيف.

ردت عليه بــرقة وقالت بصوت مليان حب:
ـ وأني مش رايدة نجوم يا “نعمان” أني رايدة الأمان اللي هشوفه في عيونك، رايدة السند اللي حسيته وأني بناقش رسالتي وحسيت وقتها إن فيه حد في ضهري، رايدة إنك تفضل جنبي، لأنك أغلى عندي من أي مظاهر في الدنيا.

ابتسم بوجع مخفي، وجع حد عارف إنه عابر سبيل في حياة جميلة مش بتاعته بسبب ظروفه اللي صارحها بيها من قبل مايعترف لها بحبه، بس قرر يعيش اللحظة معاها ويسيب نفسه لتدابير القدر ، مسك كف إيدها خلت جسمها كله ينتفض، وقال بوشوشة:

ـ طول ما فيا نَفَس هفضل ادعمك، وهفضل جنبك ظلك اللي بيحميكي،
ممكن تاكلي بقى يا دكتورة الأكل هيبرد.
وكمل بغمزة دوبتها:
ـ ويكون في معلومك النهاردة عيد قلبي قبل ما يكون عيد نجاحك.

بدأو ياكلوا وهما بيضحكوا تحت أضواء الشموع، و”مهرة” بتعيش أجمل يوم في عمرها.

******
في مجلس مهيب الدوار كان زحمة ، والجو فيه مكتوم كأن الهوا خايف يخرج ، العمدة “منصور” قاعد في صدر المجلس وعلى يمينه شيخ البلد، وقصادهم كبارات العيلة وكم شيخ من الأزهر استدعاهم الشيخ صاحب “سند” بوقارهم وعمامتهم البيضا، في وسطهم كان “سند” قاعد ودراعه ملفوف بالشاش، وعيونه للأرض بهيبة المحترم، وجنبه صاحبه الشيخ “عبد الجليل” اللي كان عينه على “سمير” اللي قاعد وشيطانه راكبه، وجنبه أمه “رابحة” اللي بتفرك في سبحتها بغل وبصات سم لـ “نغم” اللي كانت قاعدة جنبها ،
العمدة خبط بعصايته الأبنوس على الأرض، وصوته رن في القاعة:
ـ اول شي إحنا النهاردة مش جايين نولع نار، إحنا جايين نطفيها بشرع الله، “سند الناجي” و”سمير الناجي” ولاد راجل واحد، وعيب اللي بيحصُل دي يوصل للدم والمجالس كمان ،اتفضل يا فضيلة الشيخ، قول كلمتك اللي تخلص الليلة داي في اللي الشيخ حكاه لك .

رد شيخ من شيوخ الأزهر ، وهو بيبص لـ”سمير” بنظرة هادية وقال:
ـ شوف يا “سمير” اسمع واعقل الكلام كويس الجوازة اللي حصلت بين أخوك ومراتك السابقة، أنتم كنتم فاكرينها سترة وحاجة حلال ترجع لك طليقتك ، والنيات كانت لله ومتعرفوش عن الجريمة دي حاجة ، لكن يا بني المحلل في شرع الله بيبقى تيس مستعار وملعون صاحبه لو كان باتفاق، و “سند” أخوك علشان بيخاف ربنا وانت اللي أجبرتهم بأفعالك الشيطانية على الجواز دخل بمراته بنية الجواز الصح، وبقت مرته شرعاً وقانوناً، وهي دلوقتي محرمة عليك حرمة أبدية طول ماهي على ذمة أخوك لأنها بقت مرات أخوك اللي دخل بيها بحلال الله وإنها تطلق منه وترجع لك يبقى جوازه منها باطل ورجوعها ليك باطل وده شرع ربنا .

“سمير” اتنفض من مكانه وصوته علي بوقاحة:
ـ حرمة إيه وكلام إيه يا شيخنا؟! دي مرتي! دي اللي خلفت لي عيالي! “سند” خان العهد، اتفقنا يتجوَزها ويرجعها، قام استحلها لنفسه، إزاي الشرع ينصف الخاين ويقول له مبروك عليك لحم أخوك؟! أني مريدش أسمع كلام واصل، “نغم” لازمن تطلق وتعاود لي، وإلا الأرض دي مهتشيلناش إحنا الاتنين!

العمدة زعق فيه بغضب:
ـ اقعد يا ولد! إنت بتعلي صوتك في حضرة الكبار والعلماء؟! الشرع مبيجاملش حد، والشيخ هيقول لك حرمة أبدية، يعني لو السما انطبقت على الأرض، “نغم” متبقاش ليك واصل طول ما هي على ذمة أخوك ، والاتنين معايزينش طلاق والاتنين رايدين بعضهم في الحلال ليه تفرقهم؟!
عيشكم انقطع مع بعض يا “سمير” يابني .

“رابحة” دخلت في الحوار واتكلمت بصوت واطي لكن مليان خوف ورعب من الجاي:

ـ يا حضرة العمدة، يا ناس حسوا بيا ولادي هيضيعوا مني ، يرضيكم حرمة تاجي تفرق بين ولادي؟! “سند” ضحك علينا، و خد اللي ملوش حق فيه، أني رايدة حق ولدي “سمير”، رايدة العهد اللي انكسر يرجع، هو اتفق وياه إنه هيرجِع له مرته يُبقى ميرجعش في كلمته واصل ونقصر الشر والأخين ميمسكوش في بعض عاد.

الشيخ رد عليها بحزم:
ـ يا حاجة “رابحة” العهد اللي يخالف شرع الله ملوش قيمة، فالمؤمنون عند شروطهم أه ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال إلا شرطا حرم حلالاً أو حلل حراما، “سند” مغلطش، هو لم عرض أخوه وصانه، ولما لقى المودة في الحلال كمل وخصوصاً لما عرف إنه حرام يطلقها ويرجعها له، والبنية نطقت قدامنا كلنا وقالت رايدة “سند”، والشرع مبيجبرش حرمة على راجل نَفَرته.

وكمل الشيخ وهو بيحذر “سمير”:
ـ فيا “سمير” ، لو قربت من من أخوك أو مرَته، إنت كده بتعصى ربنا قبل ما بتعصى العرف، وهتبقى منبوذ وسطنا لا حد يكلمك وهنعتبرك بتحارب شرع الله ورسوله وهنفذ فيك حكم ربنا في اللي هيحاربه.

“سمير” كان بيلهث من الغيظ، عيونه كانت حمرا وبتلف في وسط المجلس كأنها عيون ديب محبوس، بص لأخوه “سند” اللي كان ساكت بوقار، وقال بنبرة واطية ومخيفة:
ـ ماشي يا عمدة، وماشي يا مشايخ، الشرع ينصفه، والعرف يطبطب عليه. بس وحق ذلي وقهرة قلبي، وحق الكسرة اللي كسرتوها لي النهاردة، مههنيكم ببعض واصل. “نغم” لو مهتكونش لي، مهتكونش لغيري، والدوار دي لو ملمنيش بالحق، هيلمنا بالدم.

العمدة وقف وضرب الأرض بالعصاية بكل قوته:
ـ اسمع يا ولد الناجي! دي آخر تحذير ليك، لو لمحتك بس مهوب ناحية دار أخوك، أو مسمع مرَته كلمة تجرحها، هرميك في الحجز بيدي، وهخلي كبارات البلد يوقعوا عليك حكم النفى من البلد كلاتها، إنت دلوك بتهددنا في وشنا؟!
ولا رايدنا نوالس وياك ونخالف شرع الله ونطلقها منيه بالباطل وتعيش وياها في الحرام واحنا نُبقى لا مؤاخذة شرابة خرج ، خوك بينفذ شرع الله وانت اللي أجبرتهم على اكده، ولا هو كان رايد الجواز من أساسه ولا هي كماني .

“سند” قام وقف بهدوء، قرب من “سمير” وبص في عينه بجمود، واتكلم برزانة وصوت مسموع بحيث الكل يسمع:
ـ أني عفوت عن دم دراعي النهاردة عشان خاطر بوي وأمي، لكن من اللحظة دي، لو خيالك بس عدى من قدام بابي، هعتبرك غريب معتدي، وأني في داري مههملش حقي،
“نغم” مرتي، وشرفي، وأم عيالي الجايين، والي هيقرب منها يُبقى بيقرب من قبره.

“سمير” ضحك ضحكة صفرا، ولف ضهره وخرج من المجلس بطريقة غير محترمة من غير ما يسلم على حد، ووراه أمه بتجري وتنادي عليه، الكل كان عارف إن “سمير” مش بتاع صلح، وإن الشر اللي في قلبه سكن وعشش، شيخ البلد بص للعمدة وقال له بتخوف:
ـ الواد دي وراه مصيبة يا عمدة، الشر هيطقمن عينيه ، والغل مالي قلبه اللي شافه النهاردة هيخليه يعمل المستحيل عشان يحـ.ــرق قلوبهم.

العمدة اتنهد بضيق وبص لـ”سند” :
ـ خد مرتك يا “سند” وحصن دارك زين، إحنا عملنا اللي علينا وياه وحكمنا حكم الشرع والدين ووبخناه، “سمير” بايع نفسه للشيطان، والجلسة دي كانت عشان نبري ذمتنا قدام ربنا، لكن الشر اللي في النفوس مايعلم بيه غير اللي خلقها ، والغدر بياجي في لحظة لا على البال ولا الخاطر.

“نغم” قلبها طب في رجليها وهي بتسمع كلام العمدة وشيخ البلد عن شر “سمير” وغدره وبنتها على رجلها بتحضنها جامد وعيونها وقلبها زارهم الرعب و اللي مهما “سند” حاول يطمنها عمرها ما هتطمن،
“سند” هز راسه بجمود، وانتهى المجلس وعقله شغال، كان عارف إن “سمير” مش هيهدى، وإن الحرب الحقيقية لسة مبدأتش، بس المرة دي هو مستعد، ومستعد يضحي بالدنيا كلها عشان “نغمه” اللي لقاها بعد طول عذاب، وخصوصاً إن هو بينفذ شرع الله،

أما “سمير” ، فكان ماشي في ليل الصعيد، والغل بياكل في صدره، وبص لبيت أخوه من بعيد وقال بفحيح:
ـ عيشوا ليكم يومين يا عشاق الغدر والخيانة ، عيشوا وتمنوا، بس اللي جاي أسود من سواد الليل دي، و”سمير الناجي” مهيطلعش خسران واصل، حتى لو كانت التمن حـ.ــريق يحـ.ــرق الكل وأني قبلكم.

*******

عند “دعاء” في أوضة “سما” كانت كأنها ساحة حـ..ـرب، صوت تكسير الإزاز والتحف كان رنينه بيخرم الودان، و”سما” واقفة في نص الأوضة زي المجنونة، شعرها منكوش وعيونها طالع منها شرار الغل، مسكت الفازة الكريستال ورزعتها في الحيطة وهي بتصوت بأعلى صوت عندها:
ـ بيكرهني! بوي بيكرهني ورايد يدفني بالحيا! دمر حياتي وكسر بخاطري قدام أصحابي، خلى شكلي زفت والكل بيضحك علي دلوك!

“دعاء” دخلت تجري، وشها مخطوف من الرعب، ارتمت على بنتها وحضنتها بقوة وهي بتعيط ونواحها مالي المكان:
ـ اهدي يا ضنايا، اهدي يا قلب أمك، حقك علي، والله ما يرضيني كسرة قلبك داي واصل، انكسر قلبه اللي كسر فرحتك يا “سما”.

“سما” زقت أمها بعـ.ــنف وهي بتنهج بوجع:
ـ اهدي إيه يا ياماما؟! إنتي خابرة يعني إيه يسحبني من وسط أصحابي كيف العيلة الصغيرة؟ إنتي خابرة “لارا” و”بيري” هيقولوا علي إيه دلوك؟ هيقولوا بنت “سند الناجي” محبوسة في زريبة مواشي مهتخرجش منيها! أني كرهت العيشة اهنه، كرهت الصعيد وكرهت “سند” والي جاب سند! ما هما كمان صعايدة اشمعنا أني ؟

“دعاء” رجعت حضنتها تاني وبتطبطب على ضهرها بغل مكتوم، وعيونها كانت بتلمع بشـ..ـر وهي بتكلم نفسها:
ـ ماشي يا “سند” قهرت بنتي وكسرتها، والله ماهسكت لك بعد اكده واصل ، وبصت لـ”سما” وقالت لها بنبرة ناعمة زي الحية:
ـ وربي يا بنتي لهعوضك، قسماً بالله لهخليكي تسافري وتتفسحي وتعملي كل اللي نفسك فيه، هخدك وأسفرك “مصر” ولا “الساحل” لحالنا، وهنصرف وننبسط ومهخليش حد يكسر لك كلمة واصل، بس اهدي دلوك عشان خاطر أمك.

“سما” بصت لأمها بقرف ومسحت دموعها بضهر إيدها:
ـ أسافر معاكي إنتي؟! وأعمل إيه بيكي يا ياماما؟ أني رايدة أصحابي، رايدة الجيل بتاعي، رايدة أعيش سني اللي بوي رايد يدفنه في الطين دي، إنتي وبوي بتضيقوا علي الخناق، إنتي بتوافقيني في السر وتخافي منه في الجهر، وأني اللي بقع في النص!

“دعاء” اتنهدت بوجع وقالت:
ـ والله لهتكلم وياه تاني، وهقنعه يفك عنك شوية، وهخليه يسيبك تروحي وتاجي، بس اهدي عشان “سند” راسه ناشفة ودلوك هو قايد نـ..ـار من اللي إنتي عِملتيه، خلي الموجة تعدي وأني هعرف أشوف لك صرفة وياه.

في اللحظة داي، الباب اتفتح ودخل “مازن”، كان واقف مكسور ومهموم، شاف المنظر والأوضة اللي اتدمرت، فرفع إيده وسند على الباب وهو بيتنهد بضيق، و قرب منهم بخطوات تقيلة، ونطق بصوت فيه رزانة أكبر من سنه:
ـ وبعدهالك يا “سما”؟ هتفضلي تصرخي وتكسري لحد ميتى؟ بوي خايف عليكي، بوي شاف الدنيا احسن مننا وعارف إنها مهياش أمان لبنت لحالها، ليه مش رايدة تفهمي إن “سند الناجي” بيحمينا مش بيسجننا؟

“سما” لفت له بحدة وصوتها علي:
ـ إنت تسكت واصل! إنت خايف منه عشان زعق لك وهملك، جاي دلوك تعمل فيها الواعظ؟ إنت لو أخ صُح كنت وقفت جاري ودافعت عن حقي في إني من حقي أتنفس وأخرج مع أصحابي عادي ، مش تدارى كيف الفيران وتخلي بونا يتحكم فينا اكده وكاننا عبيد عِنديه، إحنا في القرن الخامس والعشرين مش في عصر أبو جهل .

“مازن” غمض عيونه بقلة حيلة من كلام أخته وقرب منها ووقف قصادها وعيونه فيها نظرة عتاب حزينة وهو بيتكلم معاها بهدوء زي ما ابوه موصيه:
ـ يكون في معلومك أني مكنتش خايف ولا زعلان من ابوي وهو بيزعِق لي بسببك وانك سافرتي من غير ما اعرِف ولا اخد بالي، أني كنت خجلان من حالي ومنيه، بوي بص لي نظرة حسستني إني عيل صغير ومنفعش أكون راجل ، اني كنت عايش في البيت وتاركه ومهملك لحالك وإنت بتخططي تخرجي من ورا ضهرنا، بوي لما زعل مني، زعل عشان أمانتي ضاعت وهو موصيني عليكي ، مش عشان هو جبار، يا “سما”، بوي شايل الدوار كلاته على كتافه، وأماننا هو همه الأول، وانتي بتدبـ..ـحي كرامته بهبالك دي!

“دعاء” زعقت في مازن بغضب:
ـ اكتم يا “مازن”! إنت طالع لأبوك في قساوته وعقله الناشف ، أختك محـ.ــروقة ودمها بيغـ.ــلي وإنت جاي تزيدها؟!
غور من قدامنا دلوك، روح شوف بوك اللي إنت فرحان بيه هيفيدك بإيه وأهو هملك ونسي إن ليك وجود أصلاً وداير ورا الست مرته ومفضيش لينا من الاساس!

“مازن” بص لأمه بذهول، وحس إن البيت ده مابقاش بيت طبيعي، بقى نفق مظلم الكل فيه بيحفر للتانيط بص لأخته بكلمة أخيرة قبل ما يخرج:
ـ براحتكم، كسروا واصرخوا، بس خدي بالك يا “سما”، بوي لو قلبه قسى بجد، مهتلاقيش حد يحميكي من غدر الدنيا بره، وأني.. من النهاردة مليش كلام معاكي، أني هحاول أصلح اللي انكسر بيني وبين بوي، عشان أثبت له إن ابنه صُح، مش خيال مآتة شكل ما إنتي شايفة.

خرج “مازن” ورزع الباب وراه، و”سما” رجعت تترمي في حضن أمها وتشهق بالبكا، و”دعاء” فضلت تطبطب عليها وعقلها شغال زي بوابير الحريق، بتفكر إزاي تخلي “سما” تسافر تاني بس المرة دي بخطة أذكى وهي مفكرة كده انها بتسعد بنتها وواثقة إن هي مربياها صح وعمرها ما تعمل الغلط أبداً.

*******

“سند” كان قاعد على الكنبة الخشبية العريضة في وسط الصالة الداخلية، شامر كم جلابيته ودراعه الملفوف بالشاش باين، و”نغم” كانت قاعدة تحت رجليه، ماسكة قطنة ومطهر وبتمسح حولين الجرح برقة تخاف تلمس الجلد، في اللحظة دي، دخلت “جليلة” اللي بعت لها “سند” علشان تشوف طلبات “نغم” وهي بتنهج، عيونها بتلف في المكان زي الرادار، و”سند” لم لمحها من طرف عينه، فابتسم ابتسامة مكر، وقرر يخليها تشوف بعينيها اللي عايز كل أهل البلد يعرفوه ،

مد إيده السليمة، ورفع دقن “نغم” بشويش لحد ما عيونهم اتقابلت، ونطق بصوت دافي ومسموع لـ”جليلة” اللي عمل نفسه مش واخد باله من وجودها وهي واقفة مسمرة مكانها :
ـ براحة يا “نغم” قلبي أني هقول الوجع مهياجيش من يدك، دي يدك هي اللي فيها الشفا.

“نغم” ابتسمت بخجل وهي شايفة “جليلة” واقفة بتبص لهم بذهول، وحاولت تسحب ايديها، بس “سند” قبض عليها بتملك وقال لها بنبرة عابثة بصوت عالي علشان يوصل لـ”جليلة” :

ـ وه لساتك هتخجلي من “سند” ، وبعدين ليه هتشيلي يدك من يدي عاد ، احنا عرسان جداد وكمان موجوع ورايد منك تطبطبي على جرحي لحد ما احس إني مرتاح عاد .

“جليلة” بلعت ريقها بدهشة، وقالت بصوت مهزوز لنفسها:
ـ يا مري.. ده إنتوا.. إنتوا صُح كيف ما بيقولوا؟! أني قلت دي جواز كلام وباترينا عشان تعاود لـ”سمير” جوزها بس اللي شايفاه دي ميقولش اكده ابدا.

“سند” ضحك بزهو، وسحب “نغم” وقعدها جنبه، وحاوط كتفها بدراعه السليم، وبص لـ”جليلة” وهو بيوجه لها كلامه وكانه لسة شايفها:

ـ وه هتقفي عندك مسهمة اكده ليه يا واكلة ناسك ، وبعدين مش قبل ما تدخلي على راجل ومرته تستأذني يا بهيمة إنتي .

ردت عليه بلجلجة:
ـ حقك علي يا سي “سند” بيه، بس انت بعت لي وقلت لي أدخل طوالي علشان الست “نغم” بتجيب طلب وانت نايم.
ـ خلاص يالا شوفي وراكي ايه عاد مفاضيش لحواراتك داي .

سابتهم ودخلت وهي من جواها فرحانة له وشمتانة في “دعاء” وهي بتكلم نفسها بصوت واطي:
ـ يالا أحسن يا بوز الاخس إنتي ، اهو فايتك وبيدلع نفسه مع ست البنات ، بت كيف القمر لاااه داي تقول للقمر قوم وأني أقعد مكانك ،
دي إنتي ولية غشيمة فيه حد يسيب راجل كيف سي “سند” بيه دي يضيع من يده .

وكملت في نفسها بنبرة فيها سخرية:
ـ بس احسن بردو إنتي مليقاش عليه خليه مع لهطة القشطة اللي برة داي .

أما “سند” أخد “نغم” ودخلوا أوضتهم ومش مبطل دلع فيها، وكان بيسمعها أحلى كلام:
ـ تعرفي إني هعشقك عشق ملوش آخر يا “نغم” روحي، ونفسي كل اللي حوالينا والدنيا كلاتها في البلد يعرِفوا قولي إن “سند ونغم” بقوا روح واحدة في جسدين، وانك فعلاً مرتي على سنة الله ورسوله، وفي قلبي السلطانة اللي ملكتيني بهواكي.

“نغم” كانت دايبة في لمساته، ونظراته ليها كانت فيها لهفة وعطش لراجل لقى ضالته بعد سنين تيهة، مالت براسها على كتفه، وهمست برقة:
ـ حاسة إني هحلم، حاسة إنك حاجة حلوة في خيالي هفوق منها في أي وقت ومهلقهاش، انت بجد في حياتي يا “سند” ولا دي حلم ؟

“سند” قرب منها وباسها برقة خلت جسمها كله ينتفض، وقال لها بهمس :

ـ حلم ! لاااه يا نغمي اني وانتي حقيقة
أني رايد الدنيا كلاتها تعرف إنك “حرم سند الناجي”، وانك بقيتي ملكه وحبيبته وروحه.

ورفع خصلة شاردة من على عينيها وهو بيثبت ايده السليمة على رقبتها وبيقرب من وشها بيشفايفه وبيتنفس أنفاسها:
ـ الحب معاكي طعمه غير يا “نغم”، أحاسيس ومشاعر جوايا عمري ما جربتها .

كان الجو حواليهم هادي، مفيش فيه غير صوت الأنفاس اللي بتعلا وتهدى مع كل كلمة حب بتتقال، “سند” كان باصص في عيون “نغم” بنظرة غرقانة لهفة، كأنه بيقرأ فيها تاريخ حياته اللي جاي، وإيده كانت بتقرب ببطء وهي بتقرب من وشها، لحد ما لمست صوابعه طرف خدها بحنية خلت “نغم” تغمض عينيها وتستسلم للسحر ده، وهمست له برقة:

ـ تعرِف كلامك دي هيخلي قلبي يدق بطريقة غريبة، كأنه بيغني لحن أول مرة يسمعه، الحب معاك مش بس مشاعر، دي حالة من الأمان عمري ما كنت أتخيل إنها موجودة.

اللمسة منه مكنتش مجرد تلامس بسيط، كانت رسالة محملة بكل الأحاسيس اللي “سند” مقدرش يوصفها بالكلام، ملمس إيده الدافي على بشرتها كان بيحسسها بأمان غريب، كأنها كانت تايهة ولقيت طريقها، مالت براسها شوية على كفه، وكأنها بتطمن لوجوده، وفي اللحظة دي مكنش فيه صوت غير دقات قلبهم اللي بقت مسموعة بوضوح وسط السكوت اللي مالي المكان، ونطق اسمها بوله دوبها:
ـ إنتي”نغمي” الرقيق الهادي .
مدت ايديها ولمست كفه ببطء، وهي بتتشابك مع كف ايده في حركة مليانة حنية، وكأنها بتحاول تحفر اللحظة دي في ذاكرة الروح، سحبت نفس عميق، وغمضت عينيها لثواني وهي حاسة بدفا كفه بيسري فيها، وهمست له بنعومة دوبته:

ـ “نغم” .. الاسم طالع منك له رنة تانية خالص لما هتقوله، بحس إن الدنيا كلها هديت، ومبقاش فيه غيرنا في الكون كلاته، ملمس إيدك، ونظرة عينك اللي مليانة لهفة، هيخلوني أنسى أي تعب أو خوف،
تعرِف بحس إن روحي بتطير في سما تانية خالص، سما مفيهاش غير حبك وبس.

قرب “سند” منها أكتر، وهمس في ودنها بكلام طالع من أعماق قلبه، نبرة صوته كانت واطية ودافية زي نسمة صيف، خلت جسمها كله يقشعر من كتر الرقة، الكلمات كانت بتطلع منه بترتيب مدهش، بتوصف إزاي حياته اتغيرت من يوم ما شافها، وإزاي طعم الدنيا بقى مختلف في عينه:

ـ أحاسيسك اللي هتقولي إنك أول مرة تجربيها، أني كمان عايشها معاكي بكل تفاصيلها، اللمسة منك هتهز كياني، والهمسة بتخلي نبضي يسابق الزمن، إحنا مش بس بنحب، إحنا بنرسم لوحة مفيش فنان يقدر يقلدها، خليكي دايمًا القريب، خليكي الكتف الحنين والضحكة واللمسة اللي بتطمن قلبي.

“نغم” كانت بتسمع وهي حاسة إنها في حلم، إيديها اتشبكت في إيده بتلقائية، وصوابعهم ضمت على بعض بقوة، وكأنهم بيتعاهدوا إن مفيش قوة في الدنيا تقدر تفرقهم، الهمسات كانت بتملى الفراغ اللي بينهم، واللمسات البسيطة على الكتف وشعرها كانت بتأكد إن المشاعر دي حقيقية وصادقة لأبعد حد، في اللحظة دي، كان الحب هو البطل الوحيد، والوقت وقف بيهم وكأن الكون كله اتلخص في ملامحهم ونظراتهم اللي بتقول كل حاجة من غير ولا حرف زيادة،
“نغم” حست بقلبها بيدق زي الطبل، ومشاعر اللهفة والشوق اتملكوا منها، “سند” بدأ يلمس وشها بايديه بجرأة وعشق، ويقرب من شفايفها ببطء خلى عقلها يوقف، وفجأة “نغم” قامت وقفت بارتباك شديد وهي بتنهج:
ـ ثواني هدخل الحمام وهعاود لك، معلش.

“سند” ابتسم لها ورجع راسه لورا وهو بيبص لها برغبة:
ـ مستنيكي يا “نغم” بس متهملنيش كتير، الشوق واكل قلبي، والدقيقة عندي بسنة.

“نغم” مشيت للحمام وقفلت الباب وراها بالمفتاح، سندت ضهرها على الباب وهي بتنهج وبتمسح على وشها بارتباك ، فتحت درج في كابينة الحمام وطلعت منه شريط برشام منع الحمل، إيدها كانت بترتعش وهي بتطلع حباية، وبلعتها بسرعة من غير مية، وعيونها كانت مليانة وجع وخوف،

بصت لنفسها في المراية وهمست بكسرة وهي حاطة ايديها على قلبها بتهدي من ضرباته وكانت متوترة جامد:
ـ سامحني يا “سند”، سامحني يا حبيب عمري، أني مقدرش أجيب عيال في نار الحـ..ـرب داي، “سمير” مهيسيبناش نعيش، وأني مش رايدة عيالي يتيتموا ولا يشوفوا اللي شفته، حقي أحميهم قبل ما يجوا، وحقك علي إني بخبي، بس الأيام جاية وهتعرف إني عملت اكدة عشان حبنا يعيش مش عشان ينتهي.

مسحت وشها، وظبطت لبسها وشعرها، وخدت نفس عميق عشان ترسم ابتسامة باهتة، وخرجت لـ”سند” اللي كان مستنيها بلهفة الأسد اللي رايد يضم فريسته، وهي شايلة في قلبها سر ممكن يهد كل اللي بناه “سند” معاها في عشقهم في لحظة لو عرفه.

*******

ـ ايه دي انت مين ياعم الحاج وفين “نعمان” ؟

جاوبها عم “عبد الله” ببسمة بشوشة:
ـ أنا حارس العمارة الجديد يابنتي ، البواب القديم ساب شغله هنا وانا استلمت مكانه.

انصدمت من اللي سمعته ، من امبارح وهو اختفى مرة واحدة وكل لما تحاول ترن عليه موبايله مقفول تماما حتى ايميله على فيسبوك اتقفل وما بقاش موجود، والواتساب بتاعه برده مقفول وبقت مصدومة مش عارفة توصل له، وحتى هو كمان ما قالهاش انه هيمشي ودخلت على شقتها بتحاول توصل له بأي طريقة مش عارفة، وعدى يوم والتاني والتالت وهي بتحاول توصل له كأنه فص ملح وداب.

الفصل التالي اضغط هنا

يتبع.. (رواية النغم الحزين) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق

error: Content is protected !!