رواية في قبضة اولاد الراوي الفصل الثالث 3 – بقلم ميفو سلطان

رواية في قبضة اولاد الراوي – الفصل الثالث

البارت الثالث.. هدر صوت جحيمي هز المندرة …. بتجول إيه يا ابن فضل حبيت إيه وعايز مين…
استدار عمر ورجف قلبه فخلفه يقف عمار بملامحه الحادة واكمل بتهكم…. ومين بقه بسلامتها اللي هتخرجك عن سلو بلدك يا ابن فضل. تبص بره وتسيب بنت عمك اللي من توبك.
بلع عمر ريقه وهتف عمر بارتباك…. إيه يا عمار سلو إيه وأصول إيه هو إحنا من أيام ساس وستك . اني بطلب الحلال.
اقترب عمار بخطوات مخيفة وهتف بقسوة وشراسه…. الهبل ده مش عندنا أنت مكتوب لندي والكلمة خلصت.
هب عمر واقفا وقد استيقظت كرامته… مش أنت اللي تجول اني مكتوب لمين ولا أنت اللي تختار لي حياتي.
هنا اشتعل الغضب في صدر عمار فهي المرة الأولى التي يقف فيها الصغير في وجهه. فصرخ فيه بصوت هز المكان…. هي حصلت يا ابن فضل؟ تجف في وشي وتعلي صوتك كمان.
رد عمر بشجاعة…. انا ماعليتش صوتي انا بطلب حجي مالك أنت ومال جوازتي انا بكلم جدي.
هتفت الأم بخوف…. براحة يا ولدي اهدى يا عمار دا أخوك الصغير.
اقترب عمار ونظراته تشتعل…. والله دي مسخرة العيال كبرت وبقت تتكلم في الحب. ومين بقه دي.. من الصعيد ومن أنهي ناحية.
هتف عمر بارتباك ورهبه …. لاه… من القاهرة.
برقت عينا عمار ونظر إليه بذهول… ايه بتجول إيه…. ثم انفجر بركان عمار… يا نهار أبوك أسود. رايح تجيب بحراوي.. بحراويه يابن فضل … مشيت معاها صوح.. بنات فاجرة مكشوفه مالهمش إلا في الحب والسهر والكلام المايع زيك مانت عيل طري وعبيط.
صرخ عمر بكرامة…. اصحك تتكلم عليها كلمة… ملك دي الأدب كله جمال وعفة واحترام.
ضحك عمار بسخرية تقطر سما…. لا والله ماشية معاك وكده هو الاحترام فعلا. تلاجيها ضحكت عليك بكلمتين لما عرفت إنت مين مانت عيل صعيدي أهبل.
صرخ عمر بقلب يملأه القهر…. أنت مالك بيها ملك محجبة ومحترمة وبنت ناس. ماهياش زي اللي في دماغك. وفوج كل ده بحبها ورايدها وماهتجوزش غيرها لو وجفت الدنيا كلها قصادي.
هنا اندفع عمار كالطلقة وأمسكه من قميصه بعنف فبهت الجد وصاح…. براحة يا ولدي على أخوك.
صرخ عمار في وجه عمر وهو يهزه…. يبقى آخر يوم في عمرك. والله أجتلك بيدي ولا أشوفك بتكسر هيبتنا أنت مفكرني إيه مره دانا عمار الراوي ماهجدرش عليك إياك ؟ بت غريبة تنسيك أهلك لااااااا.. انت تنكتم و هنكتب كتابك على بنت عمك من سكات.
دفعه عمر بكل قوته وصرخ بصوت زلزل القصر…. لااا ده لما أكون عيل فعلا وماعنديش رأي. اني مش هاخد بنت عمي اني هاخد اللي جلبي اختارها وغصب عن الكل يا عمار.
هاج عمار واشتعلت النار بقلبه واندفع نحو أخيه كالإعصار وصفعه على وجهه وهو يسبه بأفظع الألفاظ.
فصرخت الأم برعب وهي تحاول تخليص ولدها الصغير من بين يدي الوحش الكاسر.
زمجر عمار وهو يمسك بتلابيب عمر بعنف…. ده لما يكون إللي واجف قدامك مرة ولابسة طرحة يا بن أبوي. عمار لما يجول الكلمة تنسمع من سكات ورجلك فوج رجبتك.
دفع عمر يد أخيه بقوة وصرخ بوجه محتقن…. ده على نفسك أنت أنا ليا جدي وأمي يسألوا عليا. أنت ما تتحكمش فيا ولا تفرض عليا حياتك.
لم يتمالك عمار نفسه لا يصدق انه أخيه الحمل الوديع يقف له بتلك الطريقة فاندفع وصفعه مرة أخرى بقسوة.
فهتف الجد بصوت زلزل المكان وهو يضرب عصاه في الأرض…. اتجننت يا عمار إياك. بكفاية عاد ارفع يدك عن أخوك
ماتحترم حالك اني جاعد.
التفت عمار لجده وهو يلهث من فرط الغضب… اتجننت…. بتجول لي انا اتجننت… ماهو من دلعكم فيه بقى أهبل والنسوان لحست عجله وعايز يسيب بنت عمه ويصغرنا قدام الناس. أنا اللي اتجننت؟ ولما يجيبلنا العار ويجيب بت لا نعرف لها أصل ولا فصل جربوعة ما حيلتهاش اللضا يبقى إيه؟
صرخ عمر بمرارة وقهر… أنت كل اللي بتفكر فيه الفلوس والنفوذ. أنت جاحد وما بتعرفش تحس أنا مالي . مالك بيا أنا؟ أنا ليا جلب بيحب وعايز يعيش.
أمسك عمار برقبته وضغط عليها بقسوة وهو يهمس بفحيح الأفاعي… جلب إيه يا أبو جلب… جايب لي واحدة بتلفلف على الرجالة وتلاجيها عارفة إن عندك شيء وشويات وطمعانة فيك إيه.. واجع جوي للدرجة دي أكيد الهانم بندرية شاطرة لفتك علي صباعها..
هتف عمر بغل وتحد وهو ينظر في عيني أخيه مباشرة… أيوه واجع.. وبحبها وهتجوزها وإن كان عاجبك يا عمار وأعلى ما في خيلك اركبه.
فجأة قطع صوت كصوت الرعد الذي يسبق العاصفة. التفت الجميع بجسد مرتجف. فكان عامر يقف عند مدخل المندرة والغضب يشع من عينيه الصقريتين. اقترب بخطوات وقورة مهيبة ونظر إلى عمار بحدة أخافت القلوب هتف بصوت غاضب هز المكان …. فيه إيه بيحصل اهنه اتجننت يا عمار.. عامل إيه في أخوك.. سيبه حالا…
صرخ عمار وهو يشير بيده نحو عمر باحتقار…. تعالى…. تعالي يا سيادة المستشار. تعالي يا كبير يا سيد الناس. تعالى شوف آخرة دلعكم في ابن فضل الراوي. أخوك عايز يتجوز. تعالى شوف الفرح اللي إحنا فيه. شوف الفضيحة اللي عايز يرمينا فيها. أخوك عايز يتجوز من بحري ويجيب لنا العار.
صمت عامر لوهلة وساد المندرة سكون مطبق وكأن الزمن توقف عند كلماته. نظر لأخيه عمر نظرة ثاقبة مخيفة وسأله بهدوء مرعب… إيه.. يتجوز.. صوح كلام عمار ده يا عمر؟
تنهد عمر محاولا استجماع شجاعته المهزوزة امام اخيه الاكبر.. أيوه يا عامر عايز أتجوز فيها إيه دي هو أنا كفرت؟
قطب عامر جبينه ومال برأسه قليلا كأنه لا يستوعب جرأة أخيه… وبنت عمك نوديها فين والوعد اللي بينا…
هتف عمر بيأس… وأني مالي ومال الوعود دي. أني بحب وعايز أتجوز إنسانة اختارها جلبي هو ده عيب؟
هتف عامر بنبرة هادئة جحيمية نبرة رجل القانون الذي يبدأ استجوابه القاتل… تمام منين؟ وبنت مين؟ وأبوها إيه؟ وأمها وإخواتها شغالين إيه؟وعيلتها مين في مصر ؟
ابتلع عمر ريقه بصعوبة فهو يعرف عامر جيدا ويعرف أن هذا الهدوء هو القناع الذي يرتديه قبل أن يسحق خصمه فهتف بارتباك… مالك بيهم يا عامر أنا عايزها هي مش عايز عيلتها.
رفع عامر نبرة صوته محذرا فهزت جدران المندرة… عمرررر… سؤالي واضح.. انطج.
هتف عمر بقهر ودموعه توشك على النزول… بنت طيبة والله يتيمة من بحري بتشتغل هنا معايا وأمها ماتت من زمان وسابتها وحيدة وبتصرف علي روحها بت زي الدهب.
تجمد عامر في مكانه ولم تتحرك منه شعرة واحدة ثم سأل بصوت خفيض مرعب وهو يرسم على وجهه ظل ابتسامة باردة…. وابوها؟
ابتسم عمر برهبة وهو يظن أن عامر بدا يلين… لاه.. يعني.. يعني أبوها يعني فاتهم من زمان و…
هنا وفي حركة لم يتوقعها أحد انفجر عامر بالضحك… كانت ضحكة مجلجلة ساخرة تقطر كبرياء وازدراء. ضحكة جعلت عمار يبتسم بشماته وجعلت قلب عمر يسقط في قدميه. فالمستشار حين يضحك في مواقف كهذه فإنه يعلن بداية المذبحة.
.ساد صمت مطبق عقب ضحكة عامر صمت كان أثقل من الجبال. اقترب عامر من أخيه بخطوات بطيئه وعيناه مصلبتان عليه ببرود قاتل ثم همس بفحيح مرعب…
يعني بت ملجية من الآخر.. وجميع وكسر .. مش كدة؟
أدار له ظهره بكبرياء واتجه نحو مقعده وجلس واضعا قدما فوق أخرى بزهو الملوك وكأن الأمر انتهى.
هتف عمر بقهر وصوته يرتجف…
عامر ما تجولش كدة إيه ملجيه دي.. أنا رايدها.. دي بنت ناس وأصول.
التفت إليه عامر بسخرية لاذعة…
بنت ناس لا يا راجل وبنت الناس سايبة بحري وجاية تشتغل هنا ليه؟ هي بنت الناس بتشتغل أصلا بالشكل ده؟ وبعدين بنت ناس فين والناس فين أصلا؟ أم ميتة وأب طفشان تلاجيه شمام ولا فلاتي وسايبها صيد سهل قامت جررت تصطاد الهبل إللي زيك ربنا يشفيك .
صرخ عمر بانهيار…
أنت بتجول إيه حرام كدة اتجي الله في أعراض الناس.
هتف عامر بنبرة حادة..
ولااا.. اتعدل بدل ما أعدلك وانسي الكلام الفارغ ده. السيرة دي انجطعت فاهم ياخايب ياهبل ال بتشتغل.
هتف عمر بجنون وتحد لم يسبق له مثيل…
أنا معدول يا عامر وبجولكم إنا هتجوز اللي جلبي اختارها اللي حابب يبارك لي أهلا وسهلا واللي مش حابب يخليه في حاله.
في تلك اللحظة ساد صمت مرعب حتى أنفاس الحاضرين كادت تتوقف. ظل عامر ينظر إليه كـأسد يختبر ضحيته قبل الانقضاض. ثم قام بهدوء مرعب وسار نحوه ببطء وكل خطوة كانت توقع في قلب عمر رعبا جديدا. وقف أمامه مباشرة وهتف بنبرة رعدية زلزلت جدران المندرة…
أنت بتجول لعامر الراوي الكلام ده يا ابن فضل.. عامر الراوي واجف قدامه وتجول له كدة؟
ثم كبش هدومه بعنف و صرخ بقوة فجرت المكان….
ولااااااا… فوووووج… شوف بتكلم مين ياض. عامر الراوي مايتجالوش كدة.. ده أنا أخلص عليك بيدي ولا يرف لي جفن. أنت تحت طوعي ولو خرجت برة طوعي مالكش مكان في الدار دي ولا لك مليم واحد عندنا.
صرخ عمر بكرامة جريحة…
ومين جال لك إني عايز منكو حاجة؟ فلوسكم خليهالكم اشبعو بيها.
لم يكمل عمر كلمته حتى انطلقت يد عامر كالصاعقة وهبطت بصفعة مدوية على وجه عمر أطاحت برأسه جانبا وسكتت معها كل الأصوات.
صرخت الأم برعب وهي تندفع نحوهم….
يا مري يا مري… براحة يا ولدي حرام عليكم.. الواد هيضيع في إيديكم.
تنفس عامر بصعوبة من فرط الغضب وعيناه تطلقان شررا وهو ينظر لأخيه الساقط أرضا وكأنه يعلن أن مملكة آل الراوي لا تقبل التمرد حتى لو كان الثمن قلب الأخ الأصغر.
وقف عامر الجبل الشامخ لم تهتز منه شعرة بل ازداد بروده قسوة. نظر إلى يده التي صفع بها أخاه وكأنها تلوثت ثم أخرج منديلا من جيب جلبابه ومسح كفه ببطء شديد وهو ينظر لعمر الملقى أرضا بنظرة لا تحمل ذرة من الشفقة بل تحمل ازدراء لمن تجرأ وظن نفسه ندا له.
أشار عامر بسبابته نحو عمر وكان صوته منخفضا لكنه كان يملك قوة الزلزال…
الفلوس اللي بتتكلم عنها بجلة أدب دي هي اللي عملتلك جيمة وخلت البندرية تلتفت لواحد زيك. من غير اسم الراوي وفلوس الراوي أنت ولا حاجة مجرد حشرة في طريج واحدة ملجيه زي دي.
حاولت الأم التدخل وهي تبكي فرفع يده في وجهها دون أن ينظر إليها فصمتت رعبا من جبروته…
عامر… ماحدش يدخل اللي يغلط يتحمل ثمن غلطه.
ثم انحنى بجسده قليلا نحو عمر وقبض على ذقنه بعنف ليرفع وجهه إليه وقال بفحيح هادئ مخيف…
اسمع يا ابن فضل… أظن إنت عارف أنا مين… أنا المستشار عامر الراوي.. أنا اللي بكتب المصائر بيدي جبل ما تتنطج في المحاكم. فما تجيش أنت عيل بشخه وتتحداني. البت دي بكرة الصبح تكون ناسي اسمها ولو عرفت إنك كلمتها أو خطوة رجلك داست عتبة بيتها. أنا مش هحبسك ولا هحرمك من الميراث.. أنا همحي وجودها من على وش الأرض وهخليك تدور عليها في دفاتر الأموات وما تلاجيش لها أثر والظلم ساعتها هيبقى قانوني ومختوم بختم الدولة.
انتفض عمر رعبا من تهديده فأكمل عامر بجبروت وهو يتركه باحتقار…
بكرة تجهز عشان نطلب ندي رسمي والكلمة اللي تطلع من بقي تتنفذ وأنت الجزمه في بقك . وممنوع أسمع صوتك غير وأنت بتجول أمرك يا كبير. وإلا قسما برب العزه هتشوف مني اللي ما شافهوش حد جبلك وهخليك تتمنى الموت وما تلاجيهوش.
استدار بوقار مذهل وعدل هندام عباءته وحلس مستندا بعظمه ثم نظر لجده وسعفان بصمت وكأنه ينهي الجلسة.
هنا هتف عمر بجسارة وهو يقف من مكانه ويمسح الدم عن فمه.. دا في أحلامك يا سيادة المستشار.
تجمد عامر في مكانه من وقاحة أخيه التي تجاوزت كل الحدود.. وقام.. فقام الجد مسرعا ومسكه وصرخ أمرا .. اجعد إياك تنطج..
امتثل عامر لجده ونظر لعمر نظرة تميته.
فصرخ عمار بجنون.. هيا حصلت بجاحتك دي… عايزه يفضحنا يا جدي؟ عايزه يجيب زبالة مالهاش أصل ولا فصل تاخد فلوسه وتدخل دارنا لاه ده يا ينعدل يا يموت .
دفعه عمر بكل قوته وهو يصرخ في وجوههم… وانا ماعايزش حاجة منكو واصل ماعايزش فلوس خليهالك اشبع بيها وانا هتجوزها كيف غصب هتجوزها.
صرخ عمار وهو يخرج سلاحه.. أنت ساكت يا عامر؟ شايف جله أدبه أفرغ فيه الفرد دلوك وأغسل عارنا.
ضحك عامر باستهانة وهو ينظر لأخيه بوعيد بارد… بطل هبل يا عمار مالك متعصب كده سيبه أهو يلعب شويه. روح يا شاطر امشي معاها شويتين تلاته دول آخرهم كده. إنما جواز وعيله واحترام مافيش إلا بت عمك. عمر الراوي ماهيجبش بت من تحت الأرض شغالة أبوها طفشان يدخلها عيلة الراوي.. ابقى ارميلها جرشين بعد ما تمشي معاها شويه هتفرح بيهم وتسيبك.
هتف عمار ضاحكا بسخرية لاذعة… والله صوح واللا أجولك اضربلك معاها ورجة عرفي يا بن أبوي واقضي غرضك بدل ما تجيبها الجصر وتفضحنا.
صرخ عمر بانهيار وهو يضع يديه على أذنيه… أنتو إيه إيه مابتحسوش؟ مابتعرفوش يعني إيه جلب؟ بتجسمو وتجطعو فيا كني عبد عنديكو وخايفين علي فلوسكو؟ جولتلكو ماعايزش منكو حاجة خدو كل حاجة.
استدار بقهر ونظر لجده الذي كان يتابع المشهد بصمت ثقيل… اني عايزها يا جدي هو حرام أحب حرام يا جدي؟
كان يبكي من فرط القهر والظلم… حوشهم يا جدي حوشهم عني أنا ليا حج عندك..إني ولدك كيفهم يا جدي لا اني كلب ولا عويل حبيت يا جدي هو حرام.. اموت جلبي ليه عشان فلوسكو.طب طب يا جدي احرمني من الورث إني هموت واتكفن بملايه بيضه ماهاخدش حاجه. الفلوس بتكبر لحم مابتكبرش جلوب.. حوشهم عني يا جدي هما جبابرة إني مش كدهم .أبوس يدك يا جدي خوسهم اني رايدها بحلال الله أنتو مفكريني زيكو؟ أنا مش زيكو اني بعرف أحس يا جاحدين. اشبعو فلوس اديهم نصيبي يا جدي يحرم عليا جرش واحد من بيتكو. اني هتجوز ولو هشحت ماهجبلش بحاجة منكو واصل.
استدار عمر ليغادر لكن عمار هجم عليه كالوحش الكاسر قبض على ثيابه وهو يصرخ بجنون….
تتجوز مين يا واكل ناسك أنت ياض هتمشي كلمتك علينا. أنت مفكرنا هنسيبك إيه مين دي غازية ولا رجاصة. مين المرة السو اللي ضحكت عليك وهتجلبك على عيلتك؟
دفعه عمر بقوة لم يعهدها عمار فيه وصاح بصوت يملأه التحدي…
دي ست البنات ماهياش مرة سو ضحكت عليا وجلبتني عفريت أزرج مابيهداش. مش أنا اللي انجلبت يا عمار مش أنا اللي كنت طيب وحنين وصرت وحش. بص لنفسك أنت اللي انجلب قدامي أهو بتنهش فيا عشان تاخد تارك من واحدة وجعتك وموتت جلبك وموتت في عينك النسوان كلهم. ربنا خلج الحلو والوحش ربك خلج الخير والشر قابيل وهابيل يا عمار. بس أنت خدت الشر واتلفعت بيه وحكمت على صنف النسوان كله بالسو.. منهم أمك وأختك إيه… برضه صنف عويل؟
جن جنون عمار وهجم عليه يمسك رقبته بكلتا يديه…
أنت بتجول لي أنا كدة ياض أدفنك دلوقتي في مكانك.
دفع عمر يده بجسارة…
تدفني وماله اعمل ما بدالك ماللي يتجبر على خلج الله حجه يجول كدة أجول إيه فوضت أمري لله أنا هتجوز بالحلال مش عار ولا رذيلة.
تحرك عامر بخطوات ثابتة وبيد من حديد قبض على عمر ورزعه بالحائط بقوة جعلت العظام تئن ثم انحنى عليه وهمس بفحيح يرعب الحجر….
أنت ياض فجرت فاكر إن كلامك ده هيعدي على دماغي أنت مش عارفني أنت نسيت أنا مين؟
هتف عمر بدموع القهر التي لم تمنع صلابته وصاح في وجهه….
لاه مانسيتش يا سيادة المستشار ياللي واخد الكل عبيد عندك. افتكروا إني عمري ما طلبت منكم حاجة ولا خدت زيكوا افتكروا إني كنت الحنين اللي فيكم مانسيتش أنت مين. مانسيتش إنك حاطط نفسك إله هنا وبتحاسب الكل بس تقريبا الكبير في نظركم مابيعملش كبير إلا بالفلوس والنفوذ أنت المفروض تعدل بين الناس بس تقريبا أنتوا ماتعرفونيش برضه. أنا ماشي وافتكروا إني جيت لحدكم وطيبت خاطركم كأهلي اشبعوا بالفلوس يا ولاد الراوي اشبعوا أنا ماعايزش منكم حاجة واصل.
تركهم ورحل بخطوات واسعة وقلبه ينزف كرامة وقسوة بينما ظل الجد واقفا مصدوما يراقب رحيل عمر الذي أدرك الآن فقط أنه لا يشبه إخوته في شيء وأن روحه أسمى من جبروتهم.
أما الأم فانفجرت تصرخ وتنادي عليه بآهات مزقت سكون القصر لكن صدى خطوات عمر كان أسرع من نداءاتها بكثير وهو يغادر جنة آل الراوي التي لم تعد تتسع لقلبه المشتاق.
خرج عمر من باب القصر العالي بخطوات لم تلتفت خلفها كان وقعه على الأرض يوحي بأن قيود سنوات من التبعية قد تحطمت.
خلفه كان الصمت في المندرة أثقل من الجبال صمت لا يقطعه إلا نشيج الأم الذي كان يرتد على الجدران الباردة.
عامر ظل واقفا في مكانه يده التي دفع بها عمر لا تزال متصلبة وعيناه مصلبتان على الفراغ الذي تركه أخوه. لم يكن الغضب وحده ما يشتعل في صدره بل كانت صدمة الخروج عن الطاعة. فالمستشار الذي يهابه الجميع لم يتخيل يوما أن الهجوم سيأتيه من أضعف حلقات السلسلة ومن داخل حصنه.
أما عمار فكان يلهث والشرر لا يزال يتطاير من عينيه قبض على سلاحه بقوة وهو يزمجر بصوت خفيض…
سيبوه يغور مسيره يرجع لما الجوع ينخر في بطنه والبندرية تنفضه هيجي يحبى على ركبه عشان لجمة من عيش الراوي.
هنا ضرب الجد سعفان الأرض بعصاه ضربة قوية جعلت الجميع ينتفض ونظر لعامر وعمار بنظرة محملة بخيبة أمل لم يشهدها فيه من قبل وقال بنبرة مكسورة ولكن حازمة…
فرحتوا دلوك كسرتم الغصن الطري اللي كان بيلين جساوتكم. عمر مش هيرجع يا عمار. عمر اللي شفتوه النهاردة غير اللي ربيتوه وسطيكو. اللي يبيع الدنيا عشان خاطر جلبه ما بيرجعش يولاد الراوي وافتكروا كلامي ده زين.. البيوت اللي بتتبني على الجبروت بتجع على راس صحابها في الآخر.
ساد وجوم مرعب على وجه عامر الذي شعر لأول مرة بخلل في ميزان عدله الذي نصبه لنفسه لكن كبرياءه منعه من التراجع فعدل هندام عباءته بجمود وقال…
اللي يخرج بره العيلة يسجط من حساباتها والكلمة اللي جولتها مش هتنزل الأرض. عمر هيكتب على ندي سواء كان هو موجود.. أو مش موجود.
التفتت الأم بصدمة لابنها الأكبر وكأنها تراه لأول مرة بهذا الجبروت فصمتت من هول ما تسمع.
صرخ عمار وهو يروح ويغدو في المندرة كالملسوع….. أنت هتسيبه يمشي أنت هتسيبه يا عامر ده بيكسر كلمتنا.
.
هتف عامر باستهانة مغلفة بالغضب وهو ينظر نحو الباب الذي خرج منه عمر… سيبه.. سيبه لما مايلاجيش اللجمة اللي كانت بتتحط جدامه هيرجع. عمر كان متنعم في خيرنا فسيبه برة عشان يعرف جيمة جصر الراوي.
هنا تدخل الجد بنبرة لائمة… يا ولدي أخوك طيب وغلبان وجلبه اللي جابه الحب ماهواش عيب ولا كفر خدوه باللين يا ولاد الراوي.
صرخ عمار والغل يملأ صدره.. جلب إيه؟ مافيش حاجة اسمها جلب مافيش اسألني أنا… النسوان دول أنا اتعاملت معاهم وانجرصت منهم زبالة وبتوع فلوس ورجاصين نسوان مكشوفة مش بتوع عيشة ولو آخر يوم في عمري أخويا ماهياخد بندرية. أنا أجتله لك ولا إنه يبلينا بواحدة منهم يترزي يتجوز بنت عمه وينكتم.
وقفت الأم تبكي بحرقة على صغيرها وهتفت في وجههم… لاه ماحدش يجسى على ولدي ده غلبان أنتوا اللي جبابرة وجلبكم حجر.
هتف عامر بحدة وسلطوية… يا أمه اسكتي كفاية دلع ماسخ وبطلي كلام أهبل إحنا أدرى باللي يلم العيلة ويصون اسمها.
هتفت الأم بغضب جحيمي وصوت هز أركان المكان… كلام أهبل… بتجول لأمك كلام أهبل…
هبت صارخه بعنف…. ماتحترم حالك يا عامر أنت هتكبر على أمك؟ أنت مفكرني عشان ساكتة على طيحانك في الخلج أبقى مكسورة… لااا داني فؤادة بنت السماعنة أوعى لحالك واعرف مجامك كويس أني هسكت بمزاجي لحد ما الهوجة تعدي لكن تكسر ولدي وتكسرني لا يا سيادة المستشار.جانونك علي حالك واللي يخصك إنما أمك وابن جلبها لاه..
وتركته ورحلت وتركت وراها أبواب الجحيم علي مشارف الانفجار.
…….
بينما كانت جدران القصر تهتز تحت وطأة الحرب المعلنة على عمر وحكايته مع بنت بحري… كانت مها وندى الراوي في عالم آخر .. عالم لونه الذهب وطعمه الغرور. في ركنهم الخاص جلستا بكامل أناقتهما لا تشغلهما نيران القصر بل تشغلهما النميمة والضحكات الساخرة.
بعد ساعات من التبضع والبذخ المفرط عادت الفتاتان إلى القصر. كانت أكياس العلامات التجارية العالمية تحاصر الجناح فساتين حريرية.. جلود طبيعية نادرة.. وفى تلك الأثناء كان الطابق السفلي يغلي كالمرجل بمؤامرات آل الراوي لحرق قلب عمر والقضاء على أحلامه.. بينما كانت مها وندى في عالم آخر تماماً.. عالم الشوبينج والدلال المطلق.
مها بعينيها اللتين لا تريان في عامر سوى منصبه وهيبته كانت تبتسم بغطرسة وهي تتخيل نفسها سيدة المستشار تحكم بسلطته وتتباهى بجاه فالحب عندها ليس مشاعر بل هو برستيج وهيبة.
أما ندى فكانت تتمايل بدلال وهي تتحدث عن عمر.. رقة عمر وهدوئه هما غايتها ليس حباً في قلبه بل رغبة في امتلاك هذا الكيان الرقيق الذي يذوب فيه الجميع.
قطع خيالهما تلك الفتاة.. التي تجرأت واقتربت من عالمهم وأكثر من مره وقفت مع عامر إذا اتي. تعالت ضحكاتهما الساخرة وبدأت حفلة التنمر الملكي..
مها بسخريه … شايفة يا ندى دي فاكرة إنها ممكن تلمس طرف جزمة عامر. أسكتي عرفت إنها ال إيه بتحبه….
ضحكت مها عاليا… بجد المسكينة دي محتاجة مراية تعرفها مقامها.. عامر مش بس مستشار عامر ده قلعة والقلعة مش بتفتح بواباتها للي جايين تحت الأرض والله لو جولت لعامر هيفطس ضحك.
انفجرت ندى بضحكة رنانة هزت أركان المكان ضحكة تحمل في طياتها كل معاني الاستخفاف بالغير ثم التفتت نحو مها وقالت بلهجة يقطر منها الدلال…
أنا بقه بموت في عمر يا مها.. عمر الرجة والذوج. البنات هتتهبل عليه.. بجد الكارثة إنهم مصدجين نفسهم ومفكرين إنهم ممكن يوصلوا له.
رمت ندى حقيبة باهظة الثمن فوق الفراش الوثير وقالت بدلع مستفز وهي تراقب رد فعل مها…
بقولك إيه يا مها.. الفستان ده لوحده تمنه يشتري حي باللي فيه تخيلي البنت الجعانة دي لو شافته ممكن يجرى لها إيه؟ دي آخرها تلبس تيل وتمشي تبيع سمك في الشوارع.
أطلقت مها ضحكة باردة خالية من أي مودة وهي تحدق في المرآة وتعدل خصلات شعرها بغرور لا حد له…
سمك إيه يا بنتي؟ دي يا دوب تلم فضلات الجصر وتبقى محظوظة.. إحنا آل الراوي يا ندى إحنا اللي بنحط الجوانين والناس تمشي عليها. الفلوس واللبس دول هوا بنتنفسه مش رفاهية زي الغلابة دول.
اقتربت ندى منها وفي عينيها لمعة سخرية ونبرة صوتها ارتفعت لتخترق الصمت:..
بس يا خوفي عمر برجته دي يضعف قدام أي حد.. إنتِ عارفة عمر قلبه طيب وممكن يصدق تمثيل أي بنت شحاتة. أو عامر يروح لحد تاني ونموت إحنا بقه في الجهرة.
هنا انتفضت مها والتفتت لها فجأة كانت عيناها تلمعان بطموح مرعب يكاد يحرق من حولها وصرخت بصوت حاد…..
يضعف لمين يا هبلة؟ إنتِ ناسية إحنا مين؟ إحنا هوانم عيلة الراوي. أنا اللي بكرة هبقى حرم المستشار.. عامر ده ملكي أنا بسلطته بهيبته ببدلته الرسمية اللي بتهز المحاكم.. أنا اللي هكون الواجهة اللي تليج بمجامه ومش هسيب أي واحدة تجرب منه فاهمة.
انفجرت ندى في الضحك وهي تصفق بيديها في حركة مسرحية…
حرم المستشار مرة واحدة.. يا واثجة إنتِ.. بس عندك حج عامر ميلجش عليه غير سلطانة زيك.. وأنا عمر محتاج الدلع بتاعي الرطة والبهوات للي زينا يا حبيبتي والبهدلة والفجر لغيرنا.
عادت مها تضحك هي الأخرى بدلال وهي تتلمس ملمس فستانها الحريري…
طبعاً.. إحنا اتخلجنا عشان نتدلع ونأمر وننهي. وهما اتخلجوا عشان يخدمونا ويتفرجوا علينا من بعيد. بكرة لما أبقى ست الجصر ده رسمي. أول حاجة هعملها هعرف كل البنات أنا مين ومافيش بنت هترفع عينها فيا أبداً.
استمرت ضحكاتهما في التعالي والتشابك وصوت مرحهما المسموم كان يغطي على أنين الحكاية التي تحترق تحت أقدامهما ضاربين بكل آلام الآخرين عرض الحائط.
………….
بعيدا عن تلك الكائنات المقيتة في ذلك الصرح الطبي. لم تكن ملوك مجرد طبيبة جراحة تحت التدريب بل كانت تُلقب بـالمشرط البارد. كانت هي الأولى التي تصل والأخيرة التي تغادر. جسدها يبدو وكأنه مصنوع من فولاذ تتحمل نوبتجيات تمتد لـ 36 ساعة دون أن يرف لها جفن أو تهتز يدها وهي تمسك المشرط. في ممرات المستشفى كان صمتها هو هيبتها لا تضحك لا تجامل وعيناها دائما معلقتان بملفات المرضى. بالنسبة لها كل مريض هو معركة يجب ألا تخسره، لأنها ببساطة لم تعد تحتمل خسارة أخرى في حياتها.
خرجت ملوك من غرفة العمليات تخلع قفازاتها الطبية بعنف جبهتها تتصبب عرقا لكن نظراتها كانت حادة كالمشرط الذي كانت تمسكه منذ قليل. وقف أمامها دكتور ماجد يستند بظهره إلى الحائط يراقبها بابتسامة تحمل مزيجا من الإعجاب والغرور الصعيدي.
ماجد بنبرة هادئة وصعيدية واضحة..
عفارم عليكي يا دكتورة ملوك.. العملية كانت صعبة جوي وانت مساعدتك كانت تبهر. بس إنتي جلبك ميت ولا كأنك بنت بندر رجيجة ده إنتي في الجراحة بتبجي بـ ميت راجل.
لم تنظر إليه ملوك بل اتجهت نحو حوض التعقيم تغسل يدها ببرود وقالت دون أن تلتفت…
الجراحة مابتعرفش لا راجل ولا ست يا دكتور ماجد.. بتعرف اللي إيده مابتترعش واللي ضميره صاحي. ويا ريت توفر المدح ده انت عارفني.
اقترب ماجد خطوة وخفض صوته بلمحة تودد واضحة..
وليه الجسوة دي عاد إني جولت كلمة حج..
كانت الساعة قد تجاوزت الرابعة فجرا . وهيا تقف عيناها غائرتان من التعب ويدها تمسك بكوب قهوة بارد.
اقترب دكتور ماجد بخطوات هادئة وبدون استئذان سحب الكوب البارد من يدها ووضع مكانه كوبا آخر يخرج منه البخار ورائحة القهوة الطازجة.
وقال بابتسامة هادئة ونبرة صعيدية أصيلة… الجهوة المغلية دي هي اللي هتخليكي توجفي على رجلك يا دكتورة.. إنتي بقالك يومين مادوجتيش النوم والجسم له حج عليكي. وإحنا مش عايزين أشطر متدربه في القسم تجع منينا.
نظرت ملوك إلى الكوب ثم إليه لم تبتسم بل قالت بنبرة خفيضة مرهق..
شكراً يا دكتور ماجد مكنش فيه داعي تتعب نفسك.. أنا متعودة على السهر والشغل مابيتعبنيش.
ماجد بجدعنة الصعايده..
تعبك راحة يا دكتورة ملوك.. وبعدين إنتي خابرة زين إني اهنه أخوكي وزميلك. وأي حمل يثقل عليكي إني موجود أشيله معاكي. الحالة اللي في العمليات (3) أنا خلصت لها الورج بتاعها وتابعت الأشعة بنفسي عشان ترتاحي إنتي شوية.
تراجعت ملوك خطوة للخلف وكأن مساعدته لها دَين لا تريد تحمله وقالت بأدب لكن بجمود…
أنا شاكرة جدا مساعدتك يا دكتور ده كرم أخلاق منك.. بس يا ريت بعد كدة تخليني أقوم بشغلي بنفسي. أنا مابحبش أتعود إن فيه حد بيشيل عني عشان لما أبقى لوحدي ما أضعفش.
رد ماجد بلهجة تحمل عتابا رقيقا….
يا دكتورة ملوك الدنيا مش حرب.. والناس لبعضها. إنتي ليه دايمًا بتعاملي الود كأنه هجوم. إني بساعدك لوجه الله ولزمالتنا مش مستني منك غير إنك تكوني بخير.
ثبتت ملوك نظرتها عليه وظهرت في عينيها لمحة من الوجع القديم الذي تحاول إخفاءه وقالت بصوت هادئ وموزون..
دكتور ماجد.. إنت إنسان محترم جدا. وأي حد يتمنى زمالتك ومساعدتك. بس أنا في المرحلة دي من حياتي مابقتش أعرف أقبل (لود ده.. مش جحود مني بس لأسباب . خليني في شغلي وخلّيك زميل عزيز بكنّ له كل احترام.. بس من بعيد. ده هيكون أريح ليا.. وليك.
أطرق ماجد رأسه مدركا أن خلف هذا البرود جرحا لا يندمل بسهولة وقال بوقار فهو معجب بيها بشده ولكن لا يظهر…
اللي يريحك يا دكتورة.. بس خابرة زين إن ماجد السويفي مش بيسيب زميل في ضيجة. جهوتك هتبرد..
هتف ماجد بنبرة بين المزاح والجد..
من الحق.. هو إنتِ بتدربي فنون جتالية بجد.
بصت له بدهشة والارتباك غلف ملامحها للحظة….
إيه عرفت منين قصدي.. ليه بتقول كده؟
هتف بابتسامة غريبة…
أصل كان صاحبي بيكشف في المستشفى وشافك هناك وجه حكالي.. طالي الدكتورة الرجيجة بتجلب في الجيم وحش كاسر.. ليه يا ملوك؟
نظرت له ملوك ببرود ثم قالت بنبرة حادة
وإيه اللي يمنع الطب بيدوي الجروح بس القوة هي اللي بتمنع الجرح من الأساس.
رد المدرب بإستغراب…
يعني.. إنتِ مثقفة والمفروض الكلام يكون بالعجل والحكمة مش بالضرب والصدام.
هنا لمعت عينا ملوك ببريق مخيف واقتربت خطوة وهي تشد على يدها بقوة وكأنها تخنق عدوا خفيا وقالت بجده..
واللي يقل أدبه ويتطبر بالعافية والظلم.. العجل معاه يبقى خيبة. فيه ناس في الدنيا دي يا دكتور مخلوقين من طينة غبرة. فاكرين إن فلوسهم وسلطتهم تخليهم يدوسوا على كرامة الغلابة بدم بارد. النوع ده من البشر الكلام معاهم ضياع وقت.. النوع ده ما بيفهمش غير لغة واحدة.. لغة الوجع اللي بيكسر العين.
صمتت لثانية ثم أكملت بوعيد وكأنها تخاطب كل جبار في خيالها…
اللي فاكر نفسه جزار لازم يقابل اللي يسلخه وهو صاحي. بكرة الأيام تدور وتعرف إن اليد اللي بتمسك المشرط عشان تنقذ روح تقدر بنفس الدقة تنهي جبروت أي حد يفكر بس إنه يلمس شعرة من اللي يخصوني. وساعتها لا طيان ولا شركات هتحوشه من اللي هعمله فيه.
توقف ماجد فجأة وهو يسير بجوارها في الممر الشبه خالي والتفت إليها بوجه يحمل حيرة المستشفى بأكملها وسأل بنبرة خفيضة لكنها جادة مغير الموضوع… ..
دكتورة ملوك.. إني خابر إني ممكن أكون بتدخل فيما لا يعنيني بس المستشفى كلها هتتجنن.. قاسم السمنودي.. راجل الأعمال اللي بيحلموا بس يلمحوا طرف ثوبه. اللي معاه ملايين تغطي الشمس. يتقدم لك وترفضيه بكلمة واحدة.. ليه يا ملوك.. إيه اللي يخليكي تصدي الجاه والعز ده كله وانتي في بداية طريقك.
تسمرت ملوك في مكانها تجمدت ملامحها وكأنها تحولت لتمثال من رخام. ثم استدارت نحوه ببطء مرعب وعيناها تطلقان شررا جعل ماجد يتراجع خطوة لا إرادية للخلف. هدرت بصوت حاد كالمشرط يقطر عزة وعنفا…
دكتور ماجد…. انا واقفة أتكلم معاك وبحترم زمالك.. بس ده ما يديكش الحق إنك تفتح باب أنا قفلته بالشمع الأحمر.. ولا يخليك تفتكر إن حياتي الشخصية مشاع للي يسوى واللي ميسواش عشان يلوك فيها بلسانه.
ابتلعت ريقها بقهر مكتوم وأكملت بنبرة جامدة….
قاسم السمنودي معاه ملايين لروحه.. معاه جاه وسلطان يصرفهم على نفسه. أنا ملوك الهاشمي يا دكتور.. أنا اللي قيمتي في عقلي وفي المشرط اللي في إيديٍ. مش في اسم راجل أتحامى في ظله ولا في شنطة فلوس تشتريني. الملايين اللي إنت مبهور بيها دي تحت رجلي لو كانت هتمس كرامتي أو تخليني جارية في قصر حد واهم إنه بفلوسه يقدر يملكني.
اقتربت منه خطوة واحدة وعيناها تصوبان نحو عينيه مباشرة بصمود أذهله…
سبب رفضي ما يخصش حد لا إنت ولا المستشفى كلها.. والفلوس اللي بتقول عليها دي، أنا شفتها وهي بتذل النفوس الغالية.. فما تجيش إنت توزنني بميزان السوق وتتعجب أنا ليه رفضت. أنا أغلى من كل ملايين. وأكبر من كل طموحاتكم المادية الصغيرة دي.
ساد صمت مطبق كان ماجد ينظر إليها بذهولٍ تام وكأن القناع سقط وظهر أمامه بركان وليس مجرد امرأة.
أنهت كلامها بكلمة أخيرة قاطعة..
اتفضل على مكتبك يا دكتور.. ويا ريت تفتكر إن المرة الجاية لو فكرت تتدخل في مش هيكون الرد مجرد كلام.. هيكون إنهاء لزمالة كنت بكن لها شوية احترام.
استدارت بوقارها المعهود وتركت خلفها دوي خطواتها الواثقة يتردد في الممر بينما ظل ماجد واقفا في مكانه مذهولا يراقب طيفها..
……..
عند عمر…. عاد عمر إلى حبيبته والكسرة تملأ صوته لكن الإصرار يلمع في عينيه جلس أمامها وهتف بنبرة صادقة… ملك انا جايلك النهاردة من غير حد من غير عيلة ومن غير فلوس لو جبلاني بوضعي ده هكتب عليكي دلوقت وأشيلك في نني عيوني العمر كله.
صعقت ملك وهتفت بذهول.. بتقول إيه؟ تكتب إيه هما رفضوا يا عمر؟
دمعت عيونه بيأس… انا ماعايزش منهم حاجة واصل أنت بس اللي عايزها من الدنيا انت يا جلبي ترضي بيا عمر وبس من غير فلوس ومن غير سلطة وأطيان؟
نظرت إليه بحنان جارف وقالت… أنت مفكرني حبيتك عشان فلوسك اخص عليك يا عمر أنا حبيتك أنت.
اندفع بلهفة… خلاص نكتب ونتجوز وأكيد لما يعرفوا إني اتجوزت خلاص وبقيتي مرتي على سنة الله ورسوله مش هيعملوا حاجة وهيضطروا يجبلوا بالأمر الواقع.
ظلت تنظر إليه والتردد يأكلها. فكرت في أختها ملوك وكيف ستوافق فقالت بتردد….. طيب سيبني أفكر وربنا يسهل وأرد عليك.
جلسا معا يتبادلان المشاعر على أمل أن تصفو لهما الأيام وتتم الأمور على خير.
لاحقا كلمت ملك أختها ملوك وأخبرتها أن عمر يريد الزواج منها فورا ولكن بدون أهله. .
انفجرت ملوك فيها وصرخت…. أنت مجنونة انسي الكلام ده واحد عيلته مصعورة وجبابرة زي دول ماهيسيبوش أخوهم يروح لواحدة غريبة وهيخلوه يرميكي في الآخر فاهمة.. سيبي شغلك ده وترجعيلي فوراً وده آخر كلام عندي.
خافت ملك من عنفوان أختها ولجأت لعمر وهي تشعر بالذعر فهي تعشقه ولا تتخيل حياتها بدونه وقالت له والدموع في عينيها… عمر هنعمل إيه؟ أنا خايفة قوي وحاسة إن في حاجة وحشة هتحصل.
تنهد عمر وهو يطمئنها…. جومي معايا دلوقت هكتب عليكي رسمي وهتبقي مرتي شرعا عندي مطرح صغير كنت بروحه لما أحب أبعد عن دوشة الجصر وأنا بشتغل وأنت بتشتغلي وهنعيش بالحلال وماعايزش من عيلتي حاجة واصل.
دمعت عيونها وهمست بتردد… أنا خايفة قوي يا عمر خلينا نصبر شوية.
رد بإصرار…. ماهصبرش واصل لو مش رايداني عشان ماليش حد ومعييش فلوس أصرف جولي دلوقت.
نظرت إليه بغلب وقالت… أنت عارف إني بحبك يا عمر ماتقولش كدة فلوس إيه اللي تفرق معايا؟ أنا موافقة يا حبيبي بس الخوف واكل قلبي.
عمر بإصرار وتحدي… لاه ماتخافيش اني جدي طيب وهيهديهم ولما نتجوز و يلاجوهم قدام الأمر الواقع مافيش قدامهم إلا الجبول ماشي يا جلبي إني متوكد والله جدي ماهواش جليل.
وبدأ عمر في التخطيط للزواج السريع كان معه بعض المال القليل الذي ادخره بعيدا عن أعين إخوته وبدأ يجهز الشقة البسيطة بينما ملك كذبت على أختها ملوك وأقنعتها أنها صرفت نظر عن الموضوع تماما لكي تتركها لحالها ولا تجبرها على العودة .
تم الزواج وكتب عمر كتابه على ملك وأتى بها إلى عشهما الصغير وعاشا لبعض الوقت في سعادة غامرة كان عمر يعمل في أي شيء متاح وهو الشاب المرفه الذي لم يعتد التعب لكنه لم يبالِ فقلبه ينبض بعشق تلك الجميلة.
تزوجها على سنة الله ورسوله وهو يظن أن الحلال سيكون درعه وسيله في تلك الدنيا وأنه وضع إخوته أمام حقيقة لا يمكن تغييرها ولكن الأقدار لا تسير دائما كما نريد و كما نظن فخلف الهدوء كانت عاصفة
آل الراوي تتجمع لتبتلع كل شيء.
……..
في مكتب عامر…
دخل عمار عليه كالإعصار يضرب بقبضته على المكتب الخشبي العتيق حتى اهتزت محتوياته وهتف بصوت مبحوح من فرط الغل…..
إنت كيف سايبه يا عامر؟ كيف واجف تتفرج عليه وهو بيكسر هيبتنا وبيدوس على أصولنا..الواد راح وماتردش. عمر راح يرمي نفسه في حضن البندرية وإنت جاعد اهنه مبرد دمك وكأن اللي حصل ده عادي.
اكمل بهياج….
.أنت هتسيبه يا عامر.. بقالنا مدة مانعرفش عنه حاجه. هتسيبه للبت الفاجرة دي تلوف عليه وتتمسكن لحد ما تاكل عجله عشان فلوسه؟
رفع عامر نظره ببطء شديد رمقه بنظرة باردة جعلت عمار يتراجع خطوة للخلف رغم ثورته. ثم قال بصوت هادئ كفحيح الأفاعي يخفي خلفه براكين الغضب ونطق بنبرة واثقة……
ليه أنت شايفني مرة قدامك يا عمار؟ أنا بس سايبه يخبط راسه في الحيط وبكرة يرجع ذليل. عمر مش بتاع تعب ولا شجا وزمانها الحرباية دي لما تعرف إنه مابقاش معاه مليم وهدومه اللي عليه هترميه في أجرب خرابة وأنت خابر صنفهم زين.
سكت قليلا ثم سند مربعا يديه وقال بجمود…. اللي حصل ده يا عمار مش عادي بس إنت اللي لسه بتفكر بجلبك المحروج مش بعجلك. عمر فاكر إنه لما يطير بره الجفص هيبقى حر.. ميعرفش إن الطير اللي ملوش سما مسيره يجع تحت رجلينا تاني.
زمجر عمار وهو يميل بجسده فوق المكتب وعيناه تلمعان بشرر الانتقام…
عارف لو طولتها أجيب رجبتها نصين هما بنات بحري فجرة ومالهمش رادع واصل كل عينهم عالفلوس وبس ينهشوا الجلب ويمصمصوه وبعدها يرموه للكلاب. بس يمين الله يا عامر لو رحت وجابلتها لأفلجها نصين مافيش بندرية هتخط عتبة دار الراوي إلا على جثتي.
ساد صمت قليل الا ان عمار كان يغلي فصرخ يكمل بهياج أشد.. … يا فضيحتنا الناس؟ والجول اللي هيتجال على آل الراوي.. هيجولوا عيل مفعوص كسر كلمة الكبير.. لاه يا عامر.. البندرية دي لازم تتأدب. لازم تعرف إنها لو فكرت تلمس سيدها إيدها تتجطع. سيبني عليها يا عامر. سيبني أوريها إن الله حج بدل ما إنت سايبه يمرغ شرفنا.
هز عامر رأسه ببطء وعيناه تلمعان بمكر المستشار وقال بصوت خفيض….
هاتيلي بس أصل وفصل الحكاية واعرفلي هي مين ومكانها فين بالضبط ولما يتخطى حدوده ويفكر إنه انتصر علينا هجرصه جرصة ناشفة توجعهم العمر كله. أنت عارفني وعارف طبعي بيت الراوي وولاده لازم يخش عليهم هوانم وبنات أصول مش جربوعة جاية من الشارع تلم خيرنا وتتستت في جصورنا.
قام عامر من مقعده بوقار مرعب وداعب وضع الندبة التي تزيين وجهه بابتسامة خبيثة…
أنا مش بس هسيبه أنا هخليه يشبع منها لحد ما يجرف لحد ما يكتشف إن الملجية اللي اختارها أول واحدة هتبيعه لو شافت جرشين زيادة. روح يا عمار راجبه من بعيد خليك الظل اللي بيخنقه بس إياك تلمسه.. أنا عايز أشوفه وهو بيبوس جزمنا عشان نرجعه الجنة اللي خرج منها.
…………..
مرت الأيام ثقيلة كأنها دهور وعاد عمر إلى بيت جده يحدوه الأمل أن رياح الغضب قد سكنت دخل المندرة وقبل يد جده بلهفة….. ………
كيفك يا جدي اتوحشتك واصل.
هتف الجد بصوت يملؤه الحزن … اكدة يا بن الغالي. اكدة يا عمر شهر كامل تبعد عن جدك يا جلب جدك؟
اندفعت فؤادة تحتضنه بدموع حارقة…. اكدة يا جلبي اتوحشتك جوي يا ولدي الدار كانت ضلمة من غيرك.
هتف عمر والندم ينهش قلبه… وأنتِ كمان يا أمي.. اعمل إيه يا جدي ماني جيت وعملتكم كبار وقدرتكم بس الجلب عندكم مابيسواش.
ربت الجد على كتفه… واني والله كلمتهم بس سيبني شوية اني هجنعهم وهجيبهم لطوعك ماتخافش.
ظن عمر أنها اللحظة المناسبة ليضعهم أمام الأمر الواقع لعلهم يلينوا فأخرج ورقة من جيبه وهتف بتردد…. انا.. انا…انا كتبت عليها عرفي خلاص.. لحد ما توافجوا ونعمل فرح يليق بينا.
بهت الجد وشحب لونه فكانت تلك الورقة بالنسبة لعمر وسيلة ضغط فقرر ذلك ظنا منه انهم يوافقون ويعرفون انه عازم. فلم يخبرهم انه رسمي . لكنها كانت بالنسبة لآل الراوي عارا لا يغتسل. وفجأة شق الهواء صراخ هز أركان القصر كان عمار الذي استمع لكل شيء من خلف الباب….
يا نهار أبوك أسود اتجوزت البندرية عرفي يا واطي؟
هجم عمار عليه كالنمر الجائع قبض على رقبته بكل قوته وهتف بفحيح مجنون…
أنا هجتلك أنا هخلص عليك النهاردة وأغسل عارنا.. عيلة الراوي يدخلها فجرة البندر؟
بدأ عمار ينهال بالضرب على أخيه وهو يصرخ…. أنا هعرفك.. جايبلنا واحدة بالسر ممرغ شرفنا في الطين يا ناجص؟
حاول الجد الفصل بينهما وهو يصرخ… ابعد يا عمار اتجننت سيب أخوك.
لكن عمار كان قد فقد عقله… ابعد يا جدي ده أنا هاخد روحه النهاردة.
استغل عمر فرصة ابتعاد عمار عنه لثوان واستدار مسرعا وهرب من القصر فخوفه من رد فعل عامر كان يفوق أي شيء آخر. وما هي إلا دقائق حتى دخل عامر المندرة بخطوات عسكرية ووجه كقطعة من الجرانيت وعرف بما حدث.
تلبسه شيطان الجبروت ووقف أمام جده ولم ترف له جفن بعد أن استدعاه عمار.. نطق بنبرة هادئة جحيمية جعلت الدماء تتجمد في العروق..
بقى كدة بقى الصغير اللي لسه مابيعرفش يغسل وشه يمشي كلمته على عامر الراوي؟
صرخ عمار ونزل وأخذ الورقه التي وقعت من عمر عالارض وصرخ بهياج يلوح بها … دا كتب عرفي كتب عرفي الواطي.
التفت عامر إلى عمار وقال بجمود مرعب… بطل جعير يا عمار.. الورجة اللي فرحان بيها دي هتبقى كفنها وكفنه.
ضرب عامر بيده على الطاولة بقوة حطمت زجاجها وهتف بجبروت طاغٍ…
فاكر إنه كدة ربطنا والله لخليها تتمنى الموت وما تلاجيهوش والورجة دي هتبقي امضة خرجتها. من اللحظة دي عمر الراوي خرج عن طوعنا والبت دي نهايتها هتبقى درس لكل واحدة تفكر تهوب ناحية أسيادها. الجوازة دي هتتمحي والكلب ده هيعرف يعني إيه يجف قصاد عامر الراوي.
هتف الجد برهبه من منظر عامر…. يابني براحه نتفاهم.
استدار لجده ونظرة عينيه كانت غريبة نظرة تحد وجبروت… ماتتدخلش يا جدي.. المرة دي الجانون جانوني والحساب حسابي واللي هيجف في طريجي هدهسه حتى لو كان أخوي.
بينما كان القصر يشتعل بنيران التحدي وقف المستشار عامر وبنظرة لم يعرفها جده من قبل أعلن الحرب على الجميع.. حتى لو كان الثمن دهس أقرب الناس إليه.
عند ملك وعمار…. في الغرف الهادئة كان هناك قلب آخر يتمزق بصمت.. عمر الذي سكن القهر عينيه
على طرف الفراش كان يغلف كفها الصغير بين يديه كانت ملك تجلس بجوار عمر .. ملست عليه…. مالك بس قول حصل ايه.
أحني راسه بقهر…. مافيش يا حبيبتي بس زعلان علي حالنا كان نفسي اعملك فرح كبير.
هتفت بلين…. فرح ايه المهم انت يا حبيبي انا اعيش معاك في اي حته.
همس عمر وعيناه تلتمعان بصدق…
جدي طيب يا ملك والله طيب.. هو هينادينا انا خابر وهنروح له. هو بيحبني صوح وهيوافج. عشان أنا الطيب اللي فيهم.. جدي ده هعرفك عليه وهيفرح بيكي جوي ولو حصل لي أي حاجة في أي وجت روحيله هو الأمان.
انتفضت ملك والذعر ينهش ملامحها قاطعته بصوت مرتعش…
بتقول إيه يا عمر لو حصل لك حاجة إيه بلاش الكلام ده بالله عليك.
ابتسم بهدوء وحاول امتصاص خوفها وهو يكمل….
ما تخافيش واصل جدي هو السند اللي في عيلة الراوي كلها وأمي كمان طيبة جوي والله إني واثج إننا هنفرح وهتعدي على خير.
ارتمت في حضنه تتشبث به كأنها تخشى فراره من بين يديها وقالت بصوت مكتوم….
هنصبر يا عمر وهنبقى مع بعض في الآخر أنا عارفة ومصدقة حبك.
ابتعد عنها قليلا ثم مد يده ببطء وأخرج من إصبعه خاتما ضخما له هيبة غريبة وضعه في كفها وقال بحزم…..
خدي ده خليه في يدك أمانة وشرف.
شهقت ملك وهي تتأمل تفاصيل الخاتم العتيق….
إيه ده.. ده خاتم عيلتك يا عمر أنت عارف ده معناه إيه.
هز رأسه بابتسامة فخر ممزوجة بالمرارة….
عيلة سعفان الراوي فيها ست خواتم يا ملك تلاتة معانا وتلاتة كانوا لجدي ولأبوي وعمي دول بنتنجلهم من سنين وسنين جيل ورا جيل. إني ما جبتلكيش شبكة تليج بيكي لسه. بس الخاتم ده لحاله ملوش تمن ده عيلة الراوي بحالها. ده شرفنا وعرضنا يا ملك. الخاتم ده لو في يدك كأنك ملكتي عيلة الراوي كلها.
ثبت عمر الخاتم في إصبعها بقوة وكأنه يغرس جذوره في روحها ثم رفع يدها لمستوى عينيه وقال بصوت يخرج من أعماق صدره…..
الخاتم ده يا ملك رجالة سعفان واخدين عليه عهد غليظ إنه مانجلعوش واصل طول ما الجلب بينبض ومعنى إنه فارج يدي واستقر في يدك يبقى إنتي بقيتي عندي العهد والوعد.. الجلب بتاعي وبقيتي أغلى من العيلة ومن دمي اللي شايل اسمها.
سحب مطوه صغيره من جانبه ببطء وفي لحظة تجلت فيها كل هيبته الصعيدية بدأ يحفر بخفة وبراعة خلف فص الخاتم العتيق والشرر يكاد يخرج من عينيه حتى انغرس نصل المطواة الرفيع في باطن الخاتم من الداخل. يحفر بتركيز شديد وعروق يده بارزة وملك تراقبه بأنفاس لينه. حتى انتهى ورفع الخاتم أمام عينيها.
كان قد حفر ببراعة حرفين غائري….
ع & م وبينهما رسمة قلب مشقوقة بعفوية لكنها صادقة.
نظر في عينيها وقال بصوت يرتجف من العاطفة…
الخاتم ده من اللحظة دي مابقاش ملك لآل الراوي.. ده بقى صك بملكية روحي ليكي. لو الدنيا ضاقت بيكي لو أنا غبت أو الزمان جار عليكي. اجلبي الخاتم ده وبصي للحرفين دول.. وافتكري إن فيه راجل من صلب الأسياد كسر الدنيا كلها عشان خاطر نظرة من عينيكي. الخاتم ده يا ملك لو شافوه في يدك هيعرفوا إنك مش بس مرتي.. دي هتبقى رصاصة في جلب كل واحد فيهم فكر ينهي الجواز ده
لمس وجهها بحنان مفرط وأكمل بلهجة آمرة وعاشقة..
أوعي تخلعيه يا ملك.. حتى لو روحي طلعت يفضل في يدك.. ده الأمان اللي سيبتهولك وسط ديابة مابترحمش. إنتي من النهاردة ملكة على عرش عمر الراوي والتاج بتاعك اهو.. محفور بدمي قبل اسمي.
همس وهو يريها اسمها المحفور بجانب اسم عائلته…..
الخاتم ده هو العيلة هو الوتد اللي شادد سجف البيت والنهاردة اسمك اتحفر جوه معدنه زي ما هو محفور جوه جلبي. الخاتم اللي يلبسه كأنك ملك رجابنا كلنا وكأنه بقى محرم على أي حد يمسه بكلمة واصل. أنا سلمتك مفتاح الدار وسلمتك رجبتي معاهم الخاتم ده حرمة يا ملك ومعدنه غالي لأنه شرب من هيبة جدي وعرج أبوي ودلوقتي اتعطر بلمسة يدك.
استطرد وهو يضغط على يدها بحزم ممزوج بحنان…
الخاتم ده فيه سرنا والاسم اللي اتحفر جواه ده مفيش جوة على الأرض تمحيه زي ما مفيش جوة تجدر تخلعك من حياتي يا ملك. خليه معاكي ده الحارس اللي هيعرف الكل إنك ست الدار وصاحبة الشأن وبقيتي حرمه الراوي وعيلته.
نظرت ملك ليد عمر ترقب بذهول .
قالت بصوت يتهدج من فرط التأثر:
حفرت اسمي يا عمر جوه شرف عيلتك؟
أجابها بهيبة تليق بسليل الراوي…
هيفضل شاهد للزمن إنك بقيتي جزء مننا. اللي يلبسه يا ملك مابيلبسش حتة معدن ده بيلبس حماية عيلة كاملة بجيوشها ورجالتها وتاخدي تمام عيله الراوي .
استطرد وهو يضغط علي يدها وكأنه يغلق عليها دائرة الأمان…
الخاتم ده أمانة.. انك الوحيدة اللي ليها حط في رجبة عمر الراوي. خليه معاكي ده الحارس اللي مابينامش واللي يشوفه في يدك يعرف إنك ملك لراجل مايتنازلش عن ملكه واصل ولا شرفه .
أمسك عمر يدها وضغط على الخاتم الذي استقر في إصبعها وقال بنبرة هادئة…
اسمعي يا ملك.. الدنيا دي غدارة وإخواتي جبابرة مابيعرفوش الرحمة لو حد وجف في طريجهم وعامر بالذات طانون وعجل مابينامش. تاني لحولهالك تاني.. لو جرالي حاجة في أي وجت ولو ضاجت بيكي السبل وملجتيش مأوى.. ماتروحيش لأي حد واصل رجلك ماتخطيش غير عتبة سعفان الراوي.
نظرت له ملك بذعر لكنه أكمل بإصرار..
عارفة ليه عشان جدي ده هو كبير الأصول صوح. مش بالاسم ولا باللقب. جدي هو اللي شايل سر العيلة وهو الوحيد اللي عامر وعمار بيعملوا له ألف حساب وبيوطوا يدهم قدامه. جدي هو اللي لسه بيصلي الفجر ويدعي لي بقلب أبيض. روحي له وجوليله أنا أمانة عمر.. جدي عنده كلمة الشرف أغلى من الروح ولو حطك تحت عبايته لو اجتمعت ديابة الصعيد كلها عليكي ماحدش هيقدر يمس شعرة منك.
ابتسم بمرارة وأكمل:
روحي له واحكي له إننا اتجوزنا بالحلال وإنك شيلتي اسمنا بشرف. جدي ميزانه عدل يا ملك ولما يشوف صدج عيونك هيعرف إن حفيده ماغلطش لما اختارك.. هو الأمان اللي باقي لي في الدنيا دي وهو اللي هيقدر يقف في وش عامر ويجوله لاه.. والكلمة اللي بتطلع من بوق سعفان الراوي مابينزلهاش الأرض غير الموت.
قبل يدها وهمس بحنان مغلف بالتعب والقهر …. معلش إنا تعبان إنا داخل أنام.
ودخل ونام. وظلت هيا جالسة تتأمل الخاتم برهبه وبداخلها قبضة غريبه… وهي تشعر ببرودة المعدن في إصبعها وحرارة عشقه في قلبها غير مدركة أن هذا الخاتم الذي تراه أمانا سيكون هو القيد الذي سيجرها لساحة حرب لا ترحم مع الأسياد في قلب الأقصر.لتفيق من سرحانها لتسمع رزعا بالباب اتجهت وغطت شعرها وفتحت الباب لترتعب عندما………..

الفصل التالي اضغط هنا

يتبع.. (رواية في قبضة اولاد الراوي) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق

error: Content is protected !!