رواية مشاعر موقدة الفصل الرابع والثلاثون 34 والاخير – بقلم فاطيما يوسف

رواية مشاعر موقدة – الفصل الرابع والثلاثون والاخير

الخاتمة الثانية والأخيرة

كانت “حنين” تتوسد صدر “هاشم” في سكون الليل وقد خفتت الأصوات وانطفأت الأضواء من حولهما وبقيت نغمة دافئة تعزفها نبضاتهما المتقاربة كانت أنفاسها الحانية تلامس عنقه بلطف فيما هو يغمر خصلات شعرها بأنامله في حركة هادئة وكأن الزمن توقف ليمنحهما لحظة صفاءٍ لا تشوبها شائبة ،

ساد بينهما صمت مريح يشبه الصلوات المكتومة تلاقت نظراتهما كأنما تتحادث بلا كلمات وامتلأ الهواء برائحة العِطر الذي اعتاد أن يبعث فيه الطمأنينة كلما اقترب منها

ـ تعرفي يا “حنين” إن أنا حسيت معاكي بتغيير في فكرتي عن الستات عمومًا، اللي أنا عشت واتربيت عليها، يعني حسيتك حاجة مختلفة، مش شكل اللي أنا كنت بشوفه طول حياتي .

رفعت رأسها قليلًا عن صدره وعيناها تحاكيان سؤاله بنظرة مندهشة مليئة بالحنان استقرت على ملامحه التي بدأ الزمان يلين فيها:

ـ إزاي يعني؟ مش فاهمة يا “هاشم”، ممكن تفهمني أكتر؟

أطبق يده برقة على كفها كما لو كان يخشى أن تفلت منه لم تكن الكلمات وحدها ما عبّر عنه بل نظرة امتنان وراحة وحنين :

ـ أمممم… يعني مثلًا أنا وعيت على الدنيا، لقيت “ماما” من الستات اللي هي بقى بتبقى واخدة راحتها في البيت قوي، هدومها اللي بتلبسها في البيت مش أحسن حاجة، بل أقدم حاجة عندها كانت بتتلبس في البيت ،مش بتهتم مثلًا إنها تاخد بالها من شعرها، من شكلها، مش بتهتم مثلًا إنها تعمل لنا مفاجآت على الأكل والشرب، يعني الستات بتوع زمان.

ظل صوته منخفضًا يتلوى كنسيم هادئ بين جدران الغرفة بينما عينا “حنين” تمتلئان بالدهشة مرة وبالعطف مرة أخرى:

ـ أما لما أنا اتجوزتك، حسيت إن في اختلاف في العلاقة اللي بين الراجل والست، ما كنتش بشوفها بين “بابا” و”ماما” ،
بتهتمي بنفسك، بتسريحة شعرك، ببرفانك اللي بتغيريه كل شوية، المفاجآت اللي انت بتعمليها لي في البيت، سهرة حلوة، عَشوة حلوة، الحاجات دي أنا ما شفتش زيها خالص، علشان كده كنت تلاقيني بتنّح قصادك لما بلاقي الحاجات دي. فهمتيني يا “حنين”؟

هزت رأسها بخفة وكان خدها لا يزال على صدره كأنها تستمع لقلبه أكثر مما تستمع لصوته وكانت أنامله تعبث بطرف طرحتها كطفل يلهو بالحياة

ـ آه، قلت لي! وده بقى اللي مخليك يا أستاذ “هاشم” في أول علاقتنا ببعض لما اتخطبنا، كان في فتور منك ناحيتي وما كنتش بتكلمني على طول، ولا كنت حابب إن إحنا يكون في بينّا كلام من الأساس؟ كنت شايف الجواز إيه وقتها من وجهة نظرك؟

كان يسمع كلماتها في صمت مطبق كأنها تروي له ما في قلبه دون أن يعلم وابتسامة خافتة ارتسمت على وجهه كأنه يعترف سرًا :

ـ على فكرة أنا مش هكدب عليكي ولا هقول لك ما فيش الكلام ده خالص، ده حقيقي”ماما” لما كانت كل شوية تجيب لي عروسة شكل أو تفتحني في موضوع الجواز، وخصوصًا تنقيتها للبنات اللي كانت بتجيبهم لي، كنت بشوفهم وأشوف صورتهم في يوم من الأيام لما نبقى متجوزين، وأتخيل “ماما” فيهم، بهدومهم القديمة المقطوعة اللي في البيت، شعرهم اللي مش متظبط، الصوت العالي اللي مليان عصبية، حتى كنت بشوف أخواتي البنات كده برضه، مش بيهتموا بنفسهم ولا بشكلهم في البيت، مش بيهتموا بس غير وهم خارجين بأحسن حاجة، فكانوا مديني انطباع إن دي حياة الست بعد الجواز، فكنت بقول لنفسي دايمًا طب ليه أنا أتجوز كائن دي حياتُه، والشكل العام بتاعه عامل كده؟ فاهماني؟

كانت نبرته مملوءة بالصدق والخجل معًا وكانت “حنين” تغمض عينيها في لحظات وتفتحهما في أخرى كأنها تحتضن اعترافاته بعينيها قبل قلبها :

ـ ومين يفهمك قدي؟ بس على فكرة انطباعك غلط جدًا ، مش كل الستات كده، ولا كل الستات في بيوتها ما بتهتمش بلبسها ولا شكلها، البنات دلوقتي أغلبهم بيهتموا بشكلهم وبلبسهم جدًا حتى وهم قاعدين في البيت.

ضحك بصوت خفيض وعينيه تتعلقان بتفاصيل وجهها كما لو أنه يراها لأول مرة:

ـ معاكي في الكلام اللي انت بتقوليه، بس أغلب البنات اللي بتهتم بلبسها في البيت وبرّه دلوقتي، ما بيبقوش ملمين بالحياة الزوجية قوي، ولا بيقدروا يشيلوا بيت ولا مسؤولية زي ما بيهتموا بهيئتهم وبشكلهم.

وضعت يدها على وجنته ومررت أصابعها بنعومة على شعره واستمعت إليه وهو يكمل بصوت أقرب للهمس ودفء اللقاء لا يزال يغمرهما :

ـ أما انتي يا “حنين” شايف فيكي إنك بجد زوجة جميلة متغيرة ، بتهتمي بكل تفصيلة في البيت، حتى لما بتبقي متعصبة بسبب البنت وإنها تعباكي، ما بشوفش في صوتك العالي إنه بيصيّح لدرجة إنه يفقدك أنوثتك، علشان كده كنتِ دايمًا قادرة إنك تخطفيني للعالم بتاعك، رغم إن أنا من الصعب إن أنا أتعلق بحد وأتسحب ناحية حد جامد للدرجة اللي أنا تعلقت بيكي بيها. يعني لما كنت أرجع وإحنا زعلانين مع بعض، وألاقيكي لابسة أجمل حاجة عندك، وشياكة، وريحة البيت جميلة، وفي نظام في المكان وهدوء، وأدخل ألاقيكي مشغلة موسيقى هادية، ساعتها تحسي إن أنا كنت باجي ناحيتك، وأنجذب ليكي لا إراديًا، لأني كنت بشوف حاجة قدامي عمري ما شفتها ولا حسيتها ولا عشتها.

ازدادت نظرتها رقة وكأن كل كلمة تروي بها ظمأً عميقًا في قلبه ظمأ امتد لسنين من النمط والتكرار :

ـ يعني انت كنت رافض الجواز علشان خاطر السبب ده؟!طب ما دخلتش بيت خالتك أو عمتك، وشفت قد إيه إن كل ست بيت في مملكتها مختلفة عن الثانية، كل ست بيت ليها طلتها، ليها ذوقها في بيتها، في شكلها، في حياتها، في طبعها، يعني حصرت الستات في أمك وأختك بس؟

كان يغمض عينيه بين الحين والآخر وكأن الذكريات تعود إليه بلون جديد وصوت جديد ورائحة مختلفة :

ـ لو هتصدقيني، لما كنت بروح عند “خالتي” زي “ماما” بالظبط ،و”عمتي” زي “ماما” بالظبط، من النوع اللي هم بيحبوش يصرفوا على نفسهم ويهتموا بنفسهم في البيت، ويقولوا ما حدش شايفنا، نبعزق فلوس على الفاضي ليه؟ تفكير ستات زمان. علشان كده الفكرة دي انطبعت في دماغي، وتَصَوُّري كان مسبب لي أزمة نفسية بسبب الجواز والاستقرار من الأساس.

اندهشت من إجابته بشدة وهتفت بذهول :

ـ ياه! للدرجة دي؟ لسه في ناس كده؟ مع إن الدنيا اتقدمت، ودلوقتي إحنا بقينا في عصر الموضة والأزياء، وكمان في عصر إن الست بقت تهتم بنفسها وبشكلها وبنضافتها الشخصية، وحتى الراجل كمان! .

أجابها بثقل وذاكرته معبأة بصور ومشاهد لم ينساها يوماً وهو يؤكد لها :

ـ على فكرة مش كل الستات يا “حنين”، متهيألك جبت فكرة إزاي إن كل الستات بتتقدم مع العصر وبتِهتم بنفسها جوا بيوتها؟ بدليل الأمثلة اللي أنا قلت لك عليها دلوقتي، كلهم كانوا قدامي كده .

أسندت جبينها على كتفه وهمست لنفسها بكلمات لم يسمعها وابتسامة ناعسة ارتسمت على شفتيها :

ـ الفكرة إن أنا طلعت لقيت “ماما” يا “هاشم” ست بتهتم ببيتها جدًا ،بتهتم بشكلها، بتهتم بلبسها في البيت، عمرها ما لبست حاجة تحس إنها قديمة أو مبهدلة، ولو عملت كده مثلًا ولبست حاجة قديمة، بتبقى ناوية إنها هتنضف حاجة معينة وبترجع تغيّرها تاني وتلبس وتتهيأ، وكانت عاملة لنا البرندة ومظبطاها، وكانت تقعد فيها هي و”بابا” ساعة العصاري زي ما شفتنا، يعني أنا أصلًا طلعت لقيت “ماما” كده، فطبيعي إن أنا هبقى زيها، طبيعي إن أنا هبقى في البيت مهتمّة بنفسي وبنظافتي الشخصية وبريحتي إنها تكون حلوة دايمًا، مش بس علشان أنا ست متجوزة، ولا علشان هعيش مع راجل لازم يشوفني كده، علشان أنا اتعودت على كده حتى من وأنا بنت، “ماما” هي اللي علمتني كده.

شدّ على يدها برقة وكأن كلماتها منحته يقينًا جديدًا بالحياة :

ـ طب بتقدري تعملي كده إزاي مع شغل البيت والبنت وأرجع ألاقيكي وشك صافي بسم الله ما شاء الله، وضحكتك مرسومة، مع إن أغلب الستات بيشتكوا من العيال والبيت والحاجات دي. نفسي تجاوبيني بصراحة، عايز أدخل جوه العالم بتاعك أكتر يا “حنيني”.

تغير نبرتها حينها وامتلأت بالحنان الأمومي والنضج الأنثوي العميق :

ـ الحكاية كلها يا حبيبي هي في النظام يعني أنا بنظم وقتي، مش بكركب كل حاجة فوق بعضها، وكمان مش بحب إن أنا أبقى شكاية بكّاية على كل حاجة. أنا أصلًا أزهق من نفسي لو عشت بالطريقة دي، وكل شوية أشتكي وأقول الدنيا صعبة والعيشة صعبة. لا، دايمًا بقول الحمد لله، ولما بلاقي نفسي مش قادرة، بستعين بـ”ماما”. وعلى فكرة، عايزة أعرفك إن أي بنت شخصيتها بتبقى نابعة من تربية والدتها ليها، يعني أنا شخصيتي نابعة من تربية “ماما” ليا، يعني طلعت لقيت نفسي كده، فبالتالي هعيش في بيت جوزي كده.

ظلّ صامتًا يحدق في عينيها كمن يقرأ كتابًا يعرفه جيدًا لكنه يكتشف فيه صفحات جديدة:

ـ تعرفي يا “حنيني”، أنا محظوظ بيكي ، عرفتي تخليني أعرف يعني إيه حب، عرفتي تخليني أحس يعني إيه مودة ورحمة وسكينة، عرفتي تعلّقيني بيكي لدرجة إن انتِ بقيتي ليا أم وأخت وابنة وحبيبة. أنا بحبك قوي يا “حنين”.
أغمضت عينيها ببطء وابتسمت وهي تضم يده إلى صدرها :

ـ وأنا بحبك أكتر منك وقبل ما انت ما تحبني، وبحبك من قبل ما انت تفكر تحبني، تعرف ده بقى كمان من أول مرة اتعاملنا مع بعض فيها وأنا بفكر فيك وبحلم بيك، رغم إن انت ما كنتش مديني أمل خالص إنك تكون ليا، بس سبحان الله، شكله يكون ربنا وضع في قلبي تعلُّقي بيك علشان خاطر انت نصيبي يا “هاشم”.
كان قلبه يكاد ينطق من فرط الحنين وكان كل ما فيها يناديه بحروف العشق :

ـ ياه يا “حنين”، طلعتي رقيقة بصورة عمري ما تخيلت إن ربنا يكرمني بيها، مش عارف إيه الحلو اللي أنا عملته في حياتي علشان خاطر ربنا يكرمني بيكي، وعلشان تتحملي معايا كل الصعوبات اللي مرت في أول جوازنا، على ما إحنا الاتنين أخدنا على طبع بعض.

وضع قبلة خفيفة على جبينها وهو يضمها إليه كما لو أنه لا يريد أن ينتهي هذا الليل:

ـ يمكن الحلو اللي انت عملته مثلًا إنك عمرك ما شاغلت بنتولا استغليت براءة البنات في إنك تخليهم يحبوك وبعدين تسيبهم؟ أو يمكن علشان انت إنسان عملي من وانت صغير، كنت دايمًا باصص لشغلك، لحياتك، لأنك تطوّر من نفسك، فما كنتش فاضي إنك تهتم بنفسك كشاب، أو تهتم باللي انت محتاجه في حياتك تروّح عن نفسك بيه؟

هز رأسه بصمت واعترف بعينيه قبل لسانه :

ـ فعلًا، يمكن أصحابي كانوا يعرفوا بنات وليهم كلام في إطارات مختلفة، وكانت غريبة بالنسبالي، بس أنا ما كنتش حابب غير إني أكون راجل، ما أعلّقش واحدة بيا وأرجع آكل بيها. كنت بخاف على أخواتي البنات، أو يمكن كنت بخاف على مراتي في المستقبل إن حد يعمل معاها كده، أو يمكن كنت بخاف لما يكون عندي بنت في يوم من الأيام إن حد يشاغلها. أو يمكن سبب تاني!

كانت تستمع له وكأنها تحفظ اعترافاته لتحتفظ بها كنوزًا لا يفنيها الزمن :

ـ سبب تاني! يا ترى إيه هو السبب التاني اللي في بالك، وحساك من لمعة عينيك إنها حاجة مش عايز تقولها أو تتكلم فيها؟

نظر في عينيها طويلًا ثم قالها وهو يغالب نفسه كأنه يكشف بما يشعر أنه نقصاً غائرًا :

ـ أممم… يمكن علشان مثلًا كنت حاسس بالنقص في حتة التعليم، وإن كل البنات دلوقتي أكترهم معاهم شهادات عالية!

عقدت حاجبيها بدهشة طفيفة وهمست بنبرة ناعمة :

ـ معقولة يا “هاشم” ده تفكيرك؟!

أجابها وهو يبتلع أنفاسه بصعوبة وعينيه ابتعدت عن مرمى عينيها:

ـ أنا حياتي العملية عوّدتني إني أحسب كل حاجة كويس قبل ما أعملها، أفكر في خطواتي، ويمكن علشان أنا كنت عملي زيادة عن اللزوم، كنت شايف إن الموضوع بالنسبالي 1 + 1 = 2، يعني كفة الميزان لازم تكون متعادلة ما بين الراجل والست في موضوع التعليم، أو الراجل أعلى من الست. ودي الحاجة برضه اللي كانت مخلّياني أأجل أي ارتباط.
كان الصدق يعصف بينهما كريح خفيفة تحمل أوراق الحب من الماضي إلى الحاضر :

ـ بس على فكرة بقى يا “هاشم”، انت أَرجل من أي واحد معاه أعلى الشهادات. انت حبيبي اللي ياما صدرك ضمني في عز وجعي، ياما إيدك حنّت عليا في عز ما أنا كنت موجوعة ومحتاجة لحنان. عمرك حتى وإحنا زعلانين من بعض، ما خلتني قليلة أبدًا قدام أي حد في الدنيا. انت راجل قوي بجد يا “هاشم” في نظري، وبالنسبة لي انت أحسن من اللي معاهم جائزة نوبل كمان.

كان يستمع لها كأنها ترتل له أناشيد تقدير لا يسمعها إلا في حضنها :

ـ ياه يا “حنين”، قد إيه كلامك ريحني احضنيني جامد يا “حنين”، عمري ما بشبع منك، عمري ما بحس إني اشتياقي ليكي بيقل، بالعكس، بحس دايمًا إني محتاجك، محتاج ضمتك، لحنانك. أنا بحس معاكي إني كامل، بحس معاكي بالأمان اللي عمري ما حسيته في حياتي غير وإنتِ بين إيديا.

ضمّها بقوة وكأن جسده يخشى الفقد وراحت أصابعه تتحسس خصلات شعرها في نعومة وفجأة تصنم من همسها في أذنه:

ـ طب على فكرة بقى، أنا حامل .

رفع رأسه فجأة ونظراته تلمع ببريق المفاجأة والفرح :

ـ إييه! حامل؟ بجد يا “حنين”؟!

ضحكت ضحكة خجولة ودفنت وجهها في عنقه :

ـ آه والله، أنا عملت اختبار حمل،مش نفسك في أخ لـ”رقى” يا أبو “رقى”؟

احتواها بذراعيه بكل ما في قلبه من حب، وبكل ما في روحه من أمنيات، ونظر إليها كما لو أنه يرى الكون كله بين يديه:

ـ ياه يا حبيبتي، ما تتصوريش أنا فرحان قد إيه ،ما تتصوريش سعادتي بالخبر ده قد إيه!
أنا بجد بحبك قد روحي، قد الكون بحاله، قد كل حاجة حلوة في الدنيا، قد كل ذرة إحساس فيا، قد كل نفس بتنفسه، بحبك فيه.

ثم طبع قبلة طويلة على جبينها ومرر يده على ظهرها بحنو عميق وهو يهمس:

ـ ربنا يخليكم ليا يا أجمل عيلة في الدنيا .

ـ ويخليك لينا، يا أحنّ وأطيب “بابا” لينا كلنا…

وأسدلت الستائر على مشهد مغمور بالمحبة والسكينة وبقيت همسات العشق تهمي في أرجاء الغرفة كأنها دعاء لا ينتهي ولمسة لا تزول .
*********
كانت الليلة دافئة بملمسها على الأرواح قبل الأجساد حين خفّ ضوء الغرفة وتسللت من النافذة نسمات هادئة داعبت الستائر بخفة تشبه لمسة الحنين على صفحة قلب اشتاق قبل أن ينال مراده جلس “زيد” متكئًا على ظهر الأريكة وعلى وجهه ابتسامة خبيثة صغيرة توحي بنوايا لا تخفى على عين “ليلى” ثم قال وهو يراقبها بعينيه اللامعتين ببريق المزاح والرجاء الماكر :

ـ  الدوك “ليلى” فاكرة وعدك يا برنسيسة ولا عاملة نفسك مش فاكرة ؟
وحتى لو عاملة نفسك مش فاكرة انا ما يفرقش معايا يلا يا ماما آن الأوان ونفذ الأمر.

رفعت حاجبيها بدهشة مصطنعة وهي ترد بمكر :

ـ وعد إيه يا “زيد” انا عايزة انام حاسة ان انا مرهقة وحاسة بدوخة ومش عارفة كده كأن أمراض الدنيا كلها اتجمعت فوق دماغي دلوقتي ؟

تقدم نحوها بخطى واثقة وهو يشير لها بإصبعه كما لو أنه يتوعد بلطف :

ـ وعد إنك هترقصي لي أول ما نكون لوحدنا وانتِ عارفة ان انا دماغي صرمة قديمة  مش بتنازل عن حقي ولا عن اللي ليا فانسي .

وضعت كفها على فمها وهي تضحك بخجل ثم قالت بدلع جعله يلهث أمامها :

ـ يا سلام وده كان إمتى؟ ده أنا ما بعرفش أرقص أصلا انت واخد مقلب فيا يا ابني انا واحده طول عمرها خط مستقيم ما افهمش في الحاجات دي صدقني .

اقترب منها أكثر فوضعت يدها على صدره تدفعه برقة كأنها تحاول صد المداعبة وهي تهمس :

ـ الله يا “زيد” بطل دلعك بقى .

ضحك وقال بنبرة شقية:

ـ اوبا اموت انا بقى في الدلع ده اديني منه كتير، ويكون في معلومك أنا مش مصدقك،

واسترسل حديثه وقد أمسكها من كف يديها ويديرها حول نفسها وهو يغازلها :
ـ على فكرة البنت اللي بتمشي بخفة كده لازم تكون بتعرف ترقص أحسن من أي رقاصة في الدنيا .

قالت وهي تمسك طرف فستانها وتلف به في حركة خجولة:

ـ لا والله ما عمري جربت ولا حتى في المراية لوحدي فمش عارفة اعمل حاجة غير لما اكون حاسة ان انا هعرف اعملها .

ابتعد قليلاً وفتح هاتفه ثم شغّل موسيقى المزمار البلدي التي ملأت الغرفة فجأة بنبض حي ومجنون كأنها دعوة للجنون الجميل،
ثم قال بصوت مرتفع وهو يصفق بحماسة:

ـ طب نجرب بقى ونسيب نفسنا مع الموسيقى يلا يا “ليلى” وريني بقى اللي ما بتعرفيش ترقصي ده علشان انا واثق انه معايا كنز رهيب هيمزجني سيبيني اطلع الحاجات المستخبية ،
وتابع بغمزة عابثة من عينيه:

ـ سيبيني يا ماما اكتشف على كيفي حكم انا بحب الاكتشافات قوي كيميائي بقى وانتِ عارفة .

قالت بضحك متقطع من الخجل:

ـ يا مجنون وطي صوت الكاسيت افرض حد سمعنا الجيران حوالينا في كل مكان .

أجاب وهو يرفع حاجبه بمكر:

ـ ما  اللي يسمع يسمع انا اصلا واحد روش وبحب اسبب الازعاج في المكان انا اصلا انسان مزعج يلا يا ماما ما تتوهينيش .

ترددت للحظة لكن فضولها وانجذابها له كانا أقوى من تحفظها أمسكت بعصا الديكور الموضوعة في الزاوية وبدأت تتمايل على أنغام المزمار بحركات خجولة لكنها ساحرة تشبه الفراشة حين تتعلم الطيران ،
وقف “زيد” في مكانه مذهولًا لا يكاد يصدق عينيه عيناه تتبعان خطواتها بخفة ودهشة كما لو كان يرى ملاكًا يتجسد أمامه في صورة امرأة عاشقها حتى النخاع ثم هتف وهو يصفق بحماس ووجهه يغمره الذهول:

ـ أهو ده اللي ما بيعرفش يرقص؟ طب والله العظيم أنا مخدوع فيكِ يا “ليلى”.. دي انتي طلعتي ولا  “لورديانا ” يا بتاعت العصا وانت بتلفيها بمهارة تصدقي تستاهلي لقب “لورديانا زيد” يا مهلكة .

انفجرت ضاحكة وهي تحاول السيطرة على خجلها بينما تواصل التمايل بخفة بالعصا التي أصبحت وكأنها سيف من الجمال تتحكم فيه بإتقان تلقائي ، كانت عينا “زيد” لا تغادرانها أبدًا تلاحق كل ارتجافه وكل خفقة في جسدها كأنه يرى حلمًا طال انتظاره وها هو يتحقق أمامه ببطء ونعومة،
اقترب منها بخطوات بطيئة وتوقف أمامها مباشرة ثم قال بصوت خفيض يخرج من أعماق قلبه بنفس طريقته العابثة الشقية :

ـ أنا مش عايز منك أي حاجة في الدنيا غير إنك تفضلي كده قدامي طول عمرك تدلعيني وتروقيني وتديني من الحاجات دي كتير حكم انا اموت في العبث ، وانتِ عارفة بقى راجل محروم من الحاجات دي من بقى لي سنين ولما صدقت اتجوزتك بعد ما خللت جنبك فعلشان كده عوضيني فوق ما تقدري يا “لولا”

توقفت عن الرقص فجأة من أثر كلماته ونظرت له بعينين لامعتين بعشقه رغم الابتسامة وقالت بخجل:

ـ بس أنا كنت خايفة أعمل كده أحسن تضحك عليا أو تقول إن شكلي مش حلو او اني برقص بهبل او لأني ما جربتش قبل كده كنت خايفة اخوض التجربة دي قوي بس انت طلعت شقي يا مستر وعرفت تخرج من التلميذة بتاعتك مواهب دفينة كانت مغمورة طلعت مش سهل على فكرة ،

وأكملت بدلال ونعومة وشقاوة اكتسبتها من ذاك الماكر وهي تغمز بعينيها بنظرة أهلكته وأربكته :
ـ طلعت جامد موت على فكرة .

اقترب منها وأخذ العصا من يدها ووضعها جانبًا ثم سحبها إلى حضنه ببطء وهمس في أذنها

ـ لو تعرفي انتي عملتي فيا إيه دلوقتي كنتي حبيتي نفسك زي ما أنا بحبك دلوقتي ، انا كل حتة جوايا دلوقتي بتدق دقات غريبة بسبب جمالك وشقاوتك ودلالك يا بنت قلبي انا خلاص دوبت فيكي .

أحاط خصرها بذراعيه وأدارها مع الموسيقى الباقية ببطء كما لو أنهما يرقصان رقصة خيالية وسط قاعة من الأحلام كانت أنفاسه تلفح رقبتها بصوت يكاد لا يُسمع ولكنه يُحس ،ثم همست بخجل وهي تخبئ وجهها في صدره:

ـ بحبك يا “زيد” ومش مصدقة ان ده كله حقيقي واني في حضنك واني بصحى كل يوم على ريحتك وايدك اللي محوطاني ومحصراني من كل مكان .

قال وهو يطبع قبله على جبينها:

ـ حقيقي وبزياده كمان.. انتي الحياه اللي كنت بستناها يا “ليلى” .

ثم سحبها إليه أكثر حتى التصقت به وشعر بها تنساب كأنها قطعة حرير ناعم اختارت أن تسكن بين ذراعيه للأبد،

لكن فجأه توقف الزمن حين ارتجف جسدها واهتزت خطواتها شعر “زيد” أن أناملها بردت بين يديه وأن لون وجهها انطفأ كأن الحياة تهرب من ملامحها ببطء ، فهمس بخوف وهو يمسك بذراعيها :

ـ “ليلى” مالك يا حبيبي ؟

لم ترد بل ترنحت وسقطت على صدره قبل أن تنهار بين ذراعيه فصرخ مذعورًا وهو يحاول إفاقة أنوثتها الراحلة عن الوعي:

ـ “ليلى” فوقي يا حبيبتي.. فوقي بالله عليكي ما تسيبينيش كده، في ايه ايه اللي حصل ؟

كانت أنفاسه تلهث وقلبه يرتجف وهو يرش على وجهها بعض الماء من زجاجة قريبة ويدلك يدها بقوة خائفًا أن يخذله القدر في ليلته المميزة التي جمعته بحبيبته،
أسرع نحو هاتفه واتصل بالدكتورة التي تسكن بالقرب منهم وكان صوته يرتعش كطفل تائه وما إن أتاه الرد حتى نطق متلعثما برعب وهو يدلك يداي “ليلى” الغائبة عن الوعي:

ـ لو سمحتي تعالي بسرعة “ليلى” وقعت من طولها ومش بتفوق .

ثم أسرع يفتح الباب في انتظارها ويتصل في ذات اللحظة بـ الدكتورة”شهيره” والدتها :

ـ ماما تعالي حالًا “ليلى” تعبانة ومغمى عليها أنا مش قادر أتصرف .

أبدل لها ملابسها سريعاً فهي كانت بملابس النوم ولا يحبذ أن يراها أحدهم بتلك الهيئة ثم وصلت الطبيبة ودخلت وهي تفتح حقيبتها الطبية وتفحص النبض والضغط والعينان ثم قالت بلهجة طمأنة حذرة:

ـ اهدى يا “زيد” هي هتفوق دلوقتي حالًا هو غالبًا ضغطها واطي من الإجهاد .

لم تمضِ لحظات حتى بدأت “ليلى” تتحرك بخفة تحت أنظارهما فتنهّد وهو يحتضنها كأن الحياة ردت له روحه:

ـ الحمد لله.. حمد لله على سلامتك يا حبيبتي خضتيني عليكي جامد حرام عليكي يا “ليلى” .

قالت الطبيبه بهدوء بعد فحص أكثر دقة:

ـ بس يا جماعة واضح إن في سبب تاني غير التعب ،حابة أبلغكم بحاجة؟

نظر لها “زيد” بلهفه وقال:

ـ اتفضلي يا دكتورة مراتي مالها ؟

ابتسمت الطبيبة وقالت وهي تضع السماعة في حقيبتها:

ـ مبروك يا “زيد” مراتك حامل .

تجمدت ملامحه للحظة كأنه لا يصدق الكلمات ثم قال بصوت خافت:

ـ ايه؟  نعم !حامل؟ بجد؟

قالت الطبيبة مؤكدًة:

ـ أيوه مبروك.. الاعراض كلها واضحه قوي وهيكون حمل سهل بإذن الله

احتضن “ليلى” بشده وكأن الدنيا كلها اختصرت في لحظة واحدة:

ـ انا هبقى بابا.. انا خلاص بقيت أب يا “ليلى” وانتِ هتبقي أجمل مامي في الدنيا كلها .

دخلت “شهيره” في تلك اللحظة  بعد ما سمعت الخبر وهي تدمع بعين فيها فرحة وقلق وقالت وهي تحتضن ابنتها:

ـ الف مبروك يا بنتي ربنا يتمم لك على خير يا ملاكي.. اهتمي بنفسك جامد ومترهقيش جسمك وارتاحي على قد ما ترتاحي انتي دلوقتي حامل وهتبدأي مرحلة جديدة بس أجمل مرحلة في حياة كل بنت .

ردت “ليلى” وهي تتكئ على صدر “زيد” بصوت واهن وابتسامه خجولة:

ـ بحبك قوي يا “زيد” وفرحانة قوي مش مصدقة ان انا هبقى مامي .

قال وهو يقبل كفها:

ـ وانا هعيشك أميرة وهحافظ عليك وعلى النعمة اللي بين إيديا دي لحد آخر نفس في عمري يا “ليلى” انت وابننا او بنتنا اللي جايين في الطريق يا اجمل حاجه حصلت لي في حياتي انتوا الاتنين بجد .

وكانت الليله قد بدأت بالرقص وانتهت بالحياة الجديده التي زرعت في رحم الحُب ثم نامت “ليلى” بين ذراعي “زيد” بينما كان قلبه يردد بحب صامت الحمد لله ،تلك الليله كانت أكثر من مجرد لحظة حب كانت ولادة جديدة لقلبين التقيا في منتصف الرقص وتلامسا بين نغمة وضحكه وغنج خجول واشتياق قديم ،
ناما في آخر الليل وهما متعانقان في صمت سعيد عيونهما أُغلقت على همس العيون والضحكات التي لم تُقال وبقي المزمار يدندن في الأثير وكأنه يحتفل بهما في أولى ليالي مجدهما الخاص فرحة بجنينهم القادم .

*********
ـ في ساعةٍ متأخرةٍ من الليل جلس “يحيى” أمام حاسوبه منشغلًا بعملٍ يتطلب الدقة والهدوء كان وجهه يحمل علامات التركيز والإرهاق بينما كانت أنامله تتنقل بثبات على لوحة المفاتيح لم يكن يتوقع أن تُفتح عليه بوابة صغيرة من الحنين حين تسللت ابنته “ماسة” إلى الغرفة بعينين ناعستين وملامح ملائكية وعقل صغير يحوي ألف حكاية فجأة قطعت سكون المكان بنبرة صوتها الرقيقة التي تحمل في طيّاتها دلالًا وبراءة فالتفت إليها “يحيى” وقد شعرت روحه بالدفء:

ـ “بابي” انت لسه بتشتغل على اللاب ؟ انت وحشت “ماسة” خالص.

ابتسم “يحيى” لها ابتسامة الأب العارف بأسرار صغيرته والذي يدرك أن هذه الجملة ليست بداية عادية بل مقدمة لطلبٍ طفوليٍ جديدٍ يُقال بنية خالصة دون تكلّف ردّ عليها بصوتٍ خفيضٍ يحمل الحنان وفيه نبرة من ملاطفة مقصودة:

ـ حبيبه “بابي” “ماسة” القمر قدامي شويه شغل هخلصهم بنظم المجموعات ،وبعدين ايه اللي مسهرك لحد دلوقتي؟

أمالت “ماسة” رأسها ببراءة الأطفال ثم وضعت يديها خلف ظهرها ومالت بجسدها النحيل خطوة للأمام كأنها تفكر في حجة تقنع بها والدها بعينيها الصغيرتين اللامعتين نظرت إليه نظرة تجمع بين التوسل والدهاء الطفولي ثم تكلمت وهي تقلب شفتها السفلى:

ـ “ماسة” نفسه ياكل بيتزا دلوقتي و”مامي” مش هترضى تخليني اكل بيتزا تقول لي اشربي اللبن ونامي يا “ماسة” وتقعد تقول لي البنات الصغيرين القمرات بيسمعوا كلام “مامي” وبيقولوا على كل حاجه نعم وحاضر.

ضحك “يحيى” في سره من ذكاء ابنته وقدرتها على بناء الموقف وتقديم حجتها بتلك الطريقة البريئة الحاسمة اقترب منها قليلًا ومال برأسه محاولًا مجاراتها بنفس النغمة اللطيفة التي تعودت عليها منه:

ـ طب انتِ بتوشوشيني في ودني ليه يا “بابي” طب ما تعلي صوتك عادي وقولي انا عايزه اكل بيتزا يا “بابي” .

رفع حاجبيه بدهشة مفتعلة وكأن المفاجأة أصابته ثم خفض صوته بحذر متعمد وهو يرد وكأنه يشاطرها المؤامرة ضد “مامي” في جو مشاكس به الكثير من المرح الأبوي :

ـ انت كمان وطيت صوتك اهو يا “بابي” وخايف من “مامي” وانا عايزه اكل بيتزا .

نظر “يحيى” إلى الباب بخفة ومكر طفولي يتصنعه ليناسب مزاج “ماسة” التي تتقمص دور المخترقة للقوانين شعر أن عليه مجاراتها أكثر فواصل تمثيله الرائع للموقف ونبرة الجد المصطنعة:

ـ طب “مامي” فين نايمة ولا صاحية ؟

أخذت “ماسة” تدور حول نفسها برشاقة وهي ترفع كتفيها الصغيرين علامة على الحيرة ثم وضعت يدها على خدها وتساءلت بدهشة طفولية بريئة وكأن عقلها لا يستوعب تصرفات الكبار كلها:

ـ “بابي” انت ليه بتلفلف وشك يمين وشمال مش عندنا حرامي؟

انفجر “يحيى” ضاحكًا وهو يضع كفه على فمه ليمنع صوته من أن يصل لغرفة “مامي” ثم اقترب من “ماسة” وهمس لها بنغمة خافتة ليحافظ على خيوط اللعبة الساخرة التي ينسجها معها:

ـ اه يا عفريته طب انا بتلفلف يمين وشمال علشان “مامي” ما تسمعناش وتقعد تقول لي ان انا اللي مخسرك وانا اللي مخليكي تسهري لحد دلوقتي وتديني المرشح بتاع كل يوم بسبب بنت “بابي” القمر اللي تعباه وعايزه تاكل بيتزا بعد نص الليل ها ردي عليا فين “مامي” .

أشارت “ماسة” بإصبعها الصغير نحو الحمام وقالت بسرية وكأنها تكشف سرًا خطيرًا ثم رفعت يدها الأخرى لتغطي فمها وهي تحبس ضحكتها:

ـ “مامي” بتاخد شاور وبعدين هتيجي تقول لي يلا نشرب اللبن عشان ننام انت سهرت يا “ماسة” و”ماسة” عايزه تاكل بيتزا .

رمش “يحيى” بعينيه بحركة مسرحية ثم تقدم منها خطوة بخفة ليبدو وكأنه دخل في صفقة سرية معها وجعل صوته أكثر حنانًا وهدوءًا وكأنه يوقع اتفاق هدنة معها في معركة منتصف الليل:

ـ شاور قلتي لي طب بقول لك ايه طالما الحوار في شاور في نص الليل خليكي جدعه بقى مع “بابي” واشربي اللبن ونامي علشان “مامي” ما تنكدش علينا وتضيعي الليلة الحلوة .

تجهم وجه “ماسة” فجأة وأخذت تعقد حاجبيها في محاولة لإظهار الغضب ثم أخرجت كلماتها بشيء من الجدية التي لا تليق بعمرها الصغير وكأنها تطالب بحق لا يمكن التنازل عنه:

ـ “ماسة” طيبه ومش نكد عليكم يا “بابي” “ماسة” مش عيوطه وفيها ايه يعني لما “ماسة” تاكل بيتزا دلوقتي.

نظر “يحيى” إلى سقف الغرفة وتنهد وكأنه في مأزق دبلوماسي ثم عاد يحدق في ابنته بعينين شبه جادتين وهو يتحدث بنبرة الأب الذي يرى ابنته تكبر أمام عينيه في لحظة واحدة:

ـ الله هي الست البرنسيسة “ماسة” كبرت وبقت تعترض يا بنت ! يا شبر ونص ده انتِ كلك على بعضك عندك اربع سنين يعني لسه صغنونة على الاعتراض وعلى السهر وعلى الحوارات دي ، ادخلي نامي بقى علشان خاطر “مامي” بعد ما تخرج من الشاور ولقيتك صاحية هتعاقبك ومش هتخليكي تروحي “Wonderland” علشان بقى لك يومين بتنامي متأخرة وانتِ عارفة “مامي” عندها قوانين ومواعيد ثابتة للنوم وبكره على الغداء “بابي” هيجيب لك بيتزاية كبيرة خالص علشان دلوقتي احنا داخلين على الساعه واحدة بالليل وكده كتير يا قلب “بابي” ما فيش حد بياكل بيتزا الساعه واحدة بالليل .

أخفضت “ماسة” رأسها وهي تمسك بحافة قميصها وتخطو إلى الوراء بخطوات صغيرة ثم نطقت بجملة تحمل في طياتها الحزن المصطنع والاعتراض الناعم:

ـ “thank” “دادي” “ماسة” زعلت ومش هتشرب اللبن وهتدخل تنام .

اقترب “يحيى” منها أكثر وفتح ذراعيه ليمتص زعلها الصغير وهو يضحك ويحاول إخراجها من دور القماصة اللذيذ الذي تلعبه دائمًا حينما تُقابل بالرفض وهو يدغدغها بمرح :

ـ بس بقى يا قماصة انتِ لسه ما طلعتيش من البيضه وهتبقي طالعة نكودة لمين انا ما عنديش بنات نكديه اضحكي بقى .

انفرجت شفاه “ماسة” عن ابتسامة واسعة وضحكت بخفة رقيقة كشفت بها عن فرحتها الحقيقية واندفعت بالكلام معبرة عن حبها لوالدها ومحاولتها لاستعادة السيطرة على الموقف من جديد:

ـ انت عارف “ماسة” بتحب “بابي” كتير علشان بينفذ لها اللي هي عايزاه .

أخذ “يحيى” نفسًا عميقًا وهو يضع يده على صدره بتمثيل مصدوم وكأنه تلقى طعنة حب جعلته عاجزًا ثم أدار وجهه ليخفي ابتسامته وهو يرد بنبرة المزاح الذي يشبه الرجاء:

ـ لا ده انت كده بقى بتثبتي “بابي” ومش هتخلي “مامي” تحن على “بابي” بعد الشاور ما تبقيش بقى هادمة اللذات ومفرقة الجماعات وتخلي ليلتنا النهاردة مش معدية وانا وانتِ ننام في حضن بعض في الآخر حرام يا “ماسة” “بابي” مظلوم بسببك .

أشارت “ماسة” إلى الأريكة القريبة وكأنها توزع الأدوار ثم تحدثت بحماس شديد وغنج طفولي لا يُقاوم:

ـ احسن “بابي” ينام جنب “ماسة” ويسيب “نور” نام لوحدها اصلا “ماسة” بتحب تنام في حضن “يحيى” .

ضحك “يحيى” من قلبه وهو يرى مدى تعلق ابنته به ثم جلس القرفصاء أمامها ونظر في عينيها مباشرة وهو يهيئها لتقبل الواقع بلغة العلم والاهتمام بالصحة دون أن يفقد جو الدعابة بينهما:

ـ اه يا شقية انتِ “عارفه” يا “ماسة” انتِ بتخطفـي قلب “بابا” وروح “بابا” وعقل “بابا” ربنا يخليكي لينا يا أحلى بنوتة في الدنيا بس برده مش عايزين نبوظ نظام اكلنا علشان بطن “ماسة” ما توجعهاش ومش “المس” في “الكي جي” قالت لك ان احنا لازم نحافظ على الجهاز الهضمي وما ينفعش ان احنا ندمره ونظمت لنا وجبة عشاء زبادي وكوباية لبن وبعدين ندخل ننام وما نسهرش واحنا شطار وبنسمع كلام “المس” و”ماسة” شطورة وانا هقول “للمس” في الحضانة ان “ماسة” بتسمع الكلام وبتتعشى كويس وبتحافظ على الجهاز الهضمي بتاعها وهتخليكي الليدر على الكلاس، يلا بقى تعالي كلي الزبادي بتاعك واللبن عشان اصورك وابعت الصوره “للمس” ولما تشوف صورتك وانت بتشربي اللبن تخليكي الليدر .

قفزت “ماسة” بحماس كأنها حصلت على وسام الشرف ثم رفعت يدها الصغيرة بحركة قيادية وهي تعلن قرارها وكأنها حاكمة الفصل التي تنتقم من خصومها في ساحات الروضة:

ـ “ماسة” تبقى الليدر خلاص هشرب اللبن وهاكل الزبادي عشان ابقى الليدر واحكم على “مايا” انها تقف خمس دقائق زي ما خلتني وقفت خمس دقائق قبل كده علشان صاحبتي كانت بتكلمني وانا مش كنت برد عليها يا “بابي” .

رفع “يحيى” حاجبيه دهشة وفخرًا ثم مد يده نحو الزبادي وهو يهمس لها وكأنه يخشى أن يفوته هذا الإنجاز التربوي العظيم:

ـ يا حبيبي طب تعالي يلا بسرعة علشان “نور” تخرج من التواليت تلاقيكي أكلت الزبادي وشربتي اللبن وتعمل لك تسقيفة للشطار.

فيما كانت “ماسة” تحتضن كوب اللبن بيدٍ صغيرة والزبادي في اليد الأخرى، كان “يحيى” يراقبها بحنو فخور وكأنه أنهى مهمة دبلوماسية دولية بنجاح بالغ ما إن أنهت طعامها حتى حملها برفق بين ذراعيه وسار بها إلى سريرها الصغير المحاط بعرائسها المصطفّة في صفوف متناسقة تمددت “ماسة” على فراشها وقد بدأت جفونها تثقل وهمست له بصوتها الناعس الذي يشبه نسمات الفجر الأولى:

ـ “بابي” ما تنامش بعيد عني.

ابتسم لها وأخذ يلثم جبينها برقة ثم همس بجانب أذنها بصوت دافئ يحمل كل معاني الحنان الأبوي:

ـ “بابي” هنا جنبك يا قمر “بابي”.

وضع الغطاء عليها برفق شديد ومرر أنامله على خصلات شعرها الناعم حتى غفت عينها تمامًا تنفس “يحيى” الصعداء وكأنه فرغ من مهمة شاقة لكنه لم يكن يشعر بالتعب بل بشيء من اللهفة والانتظار رفع عينيه نحو الباب فرآها تقف هناك،
“نور” كانت قد خرجت من الحمام ترتدي الروب الحريري المزين بالورود والماء يتساقط من خصلات شعرها على رقبتها البيضاء ابتسمت حين رأت المشهد ثم تقاطعت نظراتهما في لحظة امتزج فيها الحنان بالغيرة،
اقتربت “نور” بخطوات هادئة ناعمة تشبه قطرات الندى على أوراق الزهر وقالت له وهي تميل برأسها إلى الجانب وتمسك بحافة الباب كأنها تستنطقه :

ـ البنت اللي خطـ.ـفت قلبك ونايم في حضنها ونسيت حضن “نور” .

أدار وجهه نحوها ببسمة واسعة وبعينين يملؤهما الحب والامتنان ثم تقدم منها وهو يضع إصبعه على فمه يطلب منها خفض الصوت وأشار برأسه إلى “ماسة” التي بدأت تتنفس بعمق وتغط في النوم همست له “نور” مرة أخرى وهي تقترب أكثر وقد بدت في عينيها لمعة غيرة محببة وملاطفة ناعمة:

ـ أنا خلاص ما بقيتش رقم واحد في حياتك يا روحي البنت اللي خطـ.ـفتك مني كبرت وبقت بتنام في حضنك بدل ما كنت أنا .

ضحك “يحيى” بخفة وهو يغلق باب غرفة “ماسة” برفق خلفه ثم استدار نحوها ونظر في عينيها نظرة ممتلئة بالشوق والاعتذار والحب،اقترب منها حتى صار على بعد أنفاس وهمس لها بصوت دافئ تتقاطر منه الكلمات تقطر حبًا وحنينًا يغلفه المكر:

ـ  عملت كده علشانك نيمتها بالعافية علشان اقدر اختلي بيكي الليلة، وحشتيني فوق ما تتخيلي كنت مستني اللحظة اللي نفضل فيها احنا الاتنين لوحدنا من غير مقاطعة من أميرة الأحضان دي.

رفعت “نور” حاجبيها بحركة مشاكسة وقالت وهي تضع يدها على صدره:

ـ بس واضح إنك كنت مستمتع بكل لحظة مع بنتك أكتر ما هتستمتع معايا يا أستاذ “يحيى” وجاي تضحك عليا بكلمتين .

ضم كفها الصغير بين كفيه وقربه من شفتيه وطبع عليه قبلة طويلة وهو ينظر في عينيها ثم قال بصوت هامس بنبرة الرجولة الحانية التي تعرف طريقها إلى قلبها:

ـ ولا لحظة معاكي تعدي عليها لحظة كل حاجة فيكِ بتسحرني يا “نور” حتى غيرتك اللي بتموتني بحبها .

وضعت رأسها على صدره وهي تهمس بضحكة صغيرة ويدها تلف حول خصره:

ـ مش قادره اصدق إن عندنا ملاك زي “ماسة” ومش قادرة اصدق إنك لسه بتحبني بنفس الشغف حتى بعد ما مر على جوازنا خمس سنين.

ضمها إليه بقوة كأنها روحه التي التقاها بعد غياب وقال لها بصوت يملأه الدفء والحب:

ـ أنا مش بحبك يا “نور” أنا عايش بيكي ومش بعرف أتنفس إلا لما بسمع صوتك أنا كنت ناسي نفسي النهاردة وسط الشغل وطلبات “ماسة” لكن أول ما شفتك بعد الشاور كده قلبي رجع يدق من جديد وقلت الليلة باينها دوبان على ايد “نوري” وهُداي.

رفعت رأسها تنظر في عينيه ثم وضعت يدها على خده تمسده بأناملها الرقيقة وهمست له بكلمات خرجت من قلبها مباشرة:

ـ وأنا كمان بحبك بنفس القوة بل أكتر كل يوم بحس إنك الراجل اللي ربنا رزقني بيه علشان أعيش الحياه وأنا مطمنة وعارفة إن ضهري مش هينكسر طول ما انت جنبي .

أخذها من يدها وسار بها إلى الأريكة الكبيرة أمام نافذة الغرفة كانت أنوار المدينة الخافتة تنعكس على وجهيهما فجلسا متلاصقين كأن لا شيء في هذا العالم يفرقهما ضمها إلى صدره ومد ذراعه حول كتفها وهمس لها كلمات ناعمة تتسرب إلى قلبها كالموسيقى:

ـ فاكره أول مره شفتك فيها بعد ما كتبنا الكتاب قبل فرحنا بأسبوع كنتي لابسة نفس لون الروب ده وشعرك مبلول كأنك خارجة من المطر مش من الشاور ومن يومها وانا بدوب فيكِ كان نفسي اجري عليك واحضنك بس خالتو كانت عاملة زي الكماشة حتى بعد ما كتبنا الكتاب .

ضحكت “نور” بخفة ونظرت له بعينين ساحرتين وقالت له وهي تقرّب وجهها من وجهه :

ـ وانت فاكر أول مرة قلت لي فيها بحبك؟ كنت مرتبك وخايف تتكلم وأنا اللي ساعدتك تبص في عيني وتقولها .

أغلق عينيه لثانية كأنه يسترجع المشهد ثم فتحهما على وسعها ونظر في عينيها وقال بصوت ممتلئ بالعشق :

ـ وأنا من يومها ما نطقتش غيرها وعمري ما هقول لحد بعدها غيرك اني بحبه .

اقترب منها أكثر حتى التصقت شفاهه بجبهتها وطبع عليها قبلة طويلة امتدت حتى تسرب الحنين إلى كل شرايينها ثم همس لها بكلمات حانية:

ـ تعالي نعيش اللحظة دي من غير كلام خالص خليني أحس بيكي خليني أرجع أتنفسك تاني .

أراحت رأسها على صدره وأغمضت عينيها ويدها تعانق كفه بقوة تنم عن اشتياق طويل لمثل هذه اللحظة ثم همست له بنغمة ناعمة:

ـ أنا كمان وحشتني لمستك صوتك دفء حضنك أنا مش بس بحبك يا “يحيى” أنا عايشه بيكِ وعلشانك ومنك.

مرر أنامله في خصلات شعرها برقة ثم سحبها إليه لتستقر بين ذراعيه أكثر همس لها قرب أذنها بكلمات لا يسمعها غير قلبها وحده ثم استقرت أنفاسهما في حضن بعضهما البعض دون أن يقولا شيئًا بعد ذلك ،
اكتفيا بأنفاسٍ متلاحقة وقبلاتٍ صغيرة ولمساتٍ صامتة تقول كل ما لا يمكن للكلمات قوله كانت الليلة قد بدأت بالفعل بين عاشقين لا يملك أحدهما قلبه إلا للآخر وكانت “ماسة” في حجرتها غافية على وسادتها تحلم بعالمها الصغير بينما “يحيى” و”نور” في عالم آخر صنعاه بأيديهما وحافظا عليه بالحب والدفء والوفاء .

*******

كانت الشمس تغرب على صفحة البحر الصافية بينما جلس الأصدقاء الثلاثة على ظهر يختهم في عرض المياه وقد أحاطت بهم نسائم المساء الممزوجة برائحة الموج الندي كانت الجلسة هادئة تنبعث منها حرارة المودة وصوت خافت للماء يضرب جوانب اليخت فتنبثق منه نغمة مريحة للأعصاب في جو من الصفاء والانفتاح تنفس “زيد” بعمق ونظر إليهما مبتسمًا وقد أسند ذراعه إلى حاجز اليخت:

ـ منورين والله يا شباب ايه ما بقيناش نتجمع إلا كل فترة بعيدة الأولاد شغلوكم قوي لدرجة ان احنا بقيناش نشوف بعض الا كل فين وفين.

مال “هاشم” برأسه قليلًا إلى الخلف وأسند ظهره إلى الوسادة بينما تقاطعت نظراته مع الأفق وقال بصوته المعتاد الذي يغلب عليه الوقار:

ـ عندك حق والله يا “زيد” انا عندي الشغل جامد الفترة دي والفروع عندي زادت وكمان مسؤولية البنات شديدة ومش عايز اتقل على “حنين” تلت بنات محتاجين مني رعاية واني اخذ بالي منهم مع والدتهم صدق المثل اللي قال الدنيا تلاهي يا صاحبي

أومأ “يحيى” برأسه وهو يستمع باهتمام ثم رفع حاجبيه بشيء من الاستغراب الممتزج بالحنين وتحدث بنبرة هادئة ملؤها الود:

ـ ما كنتش متخيل إن انا هقدر اقعد فترة كبيرة كده ما اشوفكش يا “هاشم” انت و”زيد” بجد المسؤولية بعد الجواز والخلفة حاجة تانية خالص.

التفت نحو “هاشم” وعينيه تلمعان بالفضول والمحبة وسأله وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة دافئة:

ـ بس قول لي يا “هاشم” الاستقرار حلو والبنات بناتك ما شاء الله عليهم زي القمرات طمني عليك لسه والدتك و”حنين” دايما مختلفين مع بعض ولا الحال هدي شوية ما بينهم؟

عدل “هاشم” جلسته ومد ساقيه أمامه ثم نظر للأسفل كأنه يستدعي ذكرى قبل أن يبتسم ويقول بهدوء فيه عمق التجربة:

ـ مش عايز اقول لك يا “يحيى” ان هما اغلى حاجة في حياتي هما نور عيوني فعلا تحس ان ملايكة عايشين معايا في البيت حاجة كده منتهى اللذة انا مش عارف انا لو كنت فضلت معاند وما اتجوزتش ولا شفت ولا عشت اللي انا عشته مع مراتي وبناتي كنت هفضل دافن نفسي جوه قوقعة بنتها جوايا بالغلط اما بالنسبه لمراتي وامي يا عزيزي دي مشكلة كل الأجيال لا امي بتبطل تناكف ولا “حنين” اتعودت و اخدت على كده نفس اللي بيحصل بس الحمد لله بقدر أسيطر برده واديني بسايس هنا وادادي هنا واهي ماشية يا صاحبي.

تحرك “يحيى” في مكانه قليلًا ثم مال بجسده ناحية “زيد” ورفع حاجبيه بتساؤل خفيف يتخلله دعابة خفيفة:

ـ طب وانت يا استاذ “زيد” الاستقرار حلو بالنسبة لك ولا العبث اللي كنت بتعمله زمان مع البنات طبعا دكتورة “ليلى” قامت بالواجب معاك وزيادة وخليتك مستقيم؟

ضحك “زيد” وهو يحك رأسه وكأن الذكريات تدغدغه ثم نظر إليهما نظرة ممتنة وتكلم بصوته المرح المعتاد:

ـ على الآخر والله يا استاذ “يحيى” ده الخط المستقيم ممكن يحيد الا انا بس بصراحة والحق يقال انا حابب كده حابب عيلتي وحابب الاستقرار وكمان انا تعبت قوي علشان استقر وبصراحة انا زيكم بالظبط بيتي ومراتي وابني “عمر” أغلى حاجة عندي في الدنيا وادينا اهو مستنيين المولد الجديد وهرمونات الحمل مخلية الدنيا ضايعة خالص وصاحبكم مش عارف يعيش حياته.

رفع “هاشم” حاجبيه وضحك بصوت منخفض ثم التفت نحو “يحيى” وقد بدا في عينيه حنين ممزوج بدهشة الأبوة وسعادة الرجل الناضج وقال:

ـ ياه يا شباب والله بقينا ابهات وبقى لينا بيت واولاد فعلا الاستقرار احسن حاجة في الدنيا ربنا يخلي لنا بيوتنا وحياتنا واستقرارنا ومهما كانت المشاكل والهموم بس كفايه ان احنا بنيجي اخر الليل ونلاقي صدر حنين نرتمي عليه.

أومأ “يحيى” موافقًا وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة راضية بينما طأطأ رأسه قليلًا كأنه يسترجع سنوات الصداقة ثم رفع عينيه نحو “هاشم” مبتسمًا وهو ينصت:

ـ فعلا والله يا “يحيى” كان عندك حق دايما لما كنت بتنصحنا كنت الصاحب الجدع العين اللي دايما بتشوف الغلط فين وتوجهنا ان احنا ما نعملهوش انت كنت لينا زي المراية بالظبط بتكشف عن اخطائنا وعمرك ما بعدت عننا ولا زهقت مننا انا والواد “زيد” بجد انت تستاهل لقب صاحبي يا جدع يا قوي.

أخذ “زيد” نفسًا عميقًا ومال برأسه ناحية “يحيى” ثم ضربه بكفه على كتفه بحنان وقال بنبرة عميقة نابعة من القلب:

ـ فعلا عندك حق يا “هاشم” ما فيش حد في الدنيا ياخد اللقب ده وبزيادة قوي زي “يحيى” وعلشان كده يستاهل كل الخير اللي في الدنيا وتستاهل يا صاحبي المكانة والنجاح اللي وصلت لها في شغلك وتستاهل انك تبقى احسن دكتور جامعي في الدنيا ربنا يخلي لك مراتك وبنتك وابنك يا رب.

هز “يحيى” رأسه بتأثر واضح بينما ابتسامة امتنان ترتسم على ملامحه ثم تحدث بنبرة امتزج فيها التواضع بالحب:

ـ والله كبرتو الموضوع يا شباب انا كمان كنت بستفيد منكم كنت بستفاد من اخطائكم واحاول اصلحها مع نفسي دايما انتم كمان كنتم بتحاولوا تقفوا جنبي وبتسندوني في مشاكلي في شغلي وعمركم ما خذلتوني ابدا وزي ما انتم ممنونين لي انا كمان زيكم بالظبط والحمد لله على نعمه اجتماعنا مع بعض

ظل المشهد محتفظًا بدفئه العاطفي وبين الأمواج التي تهمس للنجوم القادمة كان قلب كل واحد فيهم يعرف تمامًا أن هذه الصداقة كانت ملاذًا نقيًا في عالم امتلأ بالضجيج والخذلان .

*********
ها هي الأفئدة التي طالما اضطربت واحترقت بنـ.ـار الانتظار والتقلب، قد هدأت أخيرًا على ضفة الأمان، وما عاد في القلب خوفٌ من الغد، ولا في العيون رجاءٌ مكسور، كل ما كان موقدًا قد خمد، لا لأنه اختفى، بل لأنه نضج، واكتمل، وتطهّر بالصدق والاختبار،
لقد مرّوا بالعناء كأنهم يعبرون صحراء بلا ظل، يتخبطون ما بين ظنونٍ وخيباتٍ ونيـ.ـران لا تُرى، لكنهم لم يستسلموا، وساروا، ورمموا ما انكسر، واحتضنوا ضعفهم حتى صار قوة، وها هو الحب، بعدما كان سؤالًا مؤجلًا، صار يقينًا لا يُشك فيه،
استقامت الأفئدة لأنهم اختاروا أن يكونوا لأنفسهم سكنًا قبل أن يكونوا لبعضهم مأوى، تعلّموا أن العلاقات السوية لا تُبنى على الاحتياج، بل على الوعي، لا تشتعل لتأكل، بل تتوهج لتنير ،
في النهاية، لم تكن الحكاية عن الحب فقط، بل عن النضج الذي يسبق الحب، وعن الإيمان بأن كل وجعٍ مرّ، لم يكن إلا خطوة نحو هذا السلام العميق،
هكذا انتهت الرحلة، أو بدأت من جديد، ولكن هذه المرة بقلوبٍ مستقيمة.

*******
وهي كذا انتهت رحلة مشاعر موقدة معكم حبيباتي اتمنى ان اكون اسعدتكم بها وكالمعتاد انتظر منكم اراء عن خاتمتي وعن الرواية وكالمعتاد في نهاية كل رواية تسعدوني بكلمة اسعدتي قلوبنا يا فاطيما ..

اقرأ ايضا روايات كاملة من هنا

الفهرس .. (رواية مشاعر موقدة) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق

error: Content is protected !!