رواية لقاء خط بمشرط وقلم الفصل التاسع 9 – بقلم جاسمين محمد
بمجرد أن خطت أقدام آسر وليلى ردهة المنزل، انفتح باب المكتب بحدة. خرج والده بوقار طاغٍ، لكن ملامحه كانت تحمل نذيراً بالعاصفة. توقف مكانه وعيناه مثبتتان على آسر بحدة غير معهودة.
الأب (بصوت جهوري وهادئ بشكل مخيف): آسر.. عايزك في المكتب.
تجمدت الدماء في عروق آسر للحظة، لكنه حاول الحفاظ على ثباته. التفت إلى ليلى التي بدا عليها القلق، ضغط على يدها بخفة ليطمئنها.
آسر (بصوت منخفض): حاضر يا بابا.. ثواني وهكون عند حضرتك.
التفت لليلى وقال بهدوء: “ليلى، اطلعي استنيني فوق، مش هغيب عليكي.”
أغلق آسر الباب خلفه، ليجد والده يقف خلف مكتبه الضخم، مديراً ظهره له وهو ينظر من النافذة، قبل أن يلتفت فجأة ويرمي بملف صغير على الطاولة.
الأب (بانفعال مكتوم): مكنتش متخيل إن يجي اليوم اللي أعرف فيه أخبار ابني المهمة من بره.. مبروك يا آسر، عرفت إنك اتجوزت!
آسر (بثبات يحاول الحفاظ عليه): كنت ناوي أقول لحضرتك في الوقت المناسب يا بابا، الموضوع جه بسرعة و…
الأب (مقاطعاً بصراخ): الوقت المناسب؟! لما الخبر يوصلي بالصدفة يبقى ده الوقت المناسب؟ آسر.. أنت من إمتى بتعمل تصرفات زي دي؟ تتجوز من ورايا؟ ومن مين؟ أنت عارف كويس العواقب اللي ممكن تحصل من خطوة زي دي؟
آسر (يقترب خطوة): أنا مكنش قصدي أهين حضرتك أو أقلل من وجودك، بس ليلى مكنش ينفع تتدخل في حسابات تانية، أنا اخترت حياتي يا بابا.
الأب (بسخرية): حياتك؟ أنت كدة هديت كل اللي كنت برسمهولك. أنت عارف إن الجواز ده مش مجرد ورقة، ده تحالفات، ده اسم عيلة.. وأنت بكل بساطة ضربت بكل ده عرض الحائط!
آسر (بلهجة قوية): والاسم ده مش هيتأثر لو ابنه اختار الإنسانة اللي بيحبها. أنا مش طفل يا بابا عشان تختار لي شريكة حياتي، أنا آسر، وأظن إني أثبت كفائتي في كل حاجة طلبتها مني.. إلا دي، دي تخصني أنا لوحدي.
اتسعت عينا الأب غضباً من نبرة آسر الحاسمة، وضرب بيده على المكتب بقوة وهو يهتف:
الأب: والكلام اللي واعدنا بيه عمتك؟ والبنت اللي مستنية؟ “لوجين” ذنبها إيه في استهتارك ده؟ أنا قايل لك من زمان إن لوجين هي اللي هتبقى مراتك!
آسر (ببرود تام وثبات): وأنا كمان قايل لحضرتك من زمان إني مش هتجوز لوجين.. لا هي ولا غيرها. أنا كلامي كان واضح وصريح من الأول يا بابا، وحضرتك اللي صممت تبني آمال على اختيار أنا رافضه.
الأب (بصوت يملؤه الحرج والغضب): والعمل دلوقتي؟ أقول لعمتك إيه؟ أقول لها ابني كسر كلامي واتجوز من ورايا ولبّسنا كلنا في الحيط؟ أنت معشم البنت بالجوازة دي بقالك سنين!
آسر (يقاطع والده بحدة هادئة): أنا معشمتش حد.. لوجين هي اللي كانت بتجري ورا سراب، وحضرتك اللي كنت بتغذي العشم ده عندها. أنا دلوقتي راجل متجوز، وليلى هي مراتي الوحيدة وما يلزمنيش أي كلام تاني.
ساد صمت ثقيل في الغرفة، آسر كان يعلم أن والده لن يتقبل الأمر بسهولة، لكنه قرر إنهاء النقاش قبل أن يتفاقم أكثر.
آسر: بعد إذنك يا بابا.. مش عايز أتكلم في الموضوع ده تاني، هطلع أشوف مراتي لأنها أكيد قلقانة.
استدار آسر واتجه نحو الباب بخطوات واثقة، تاركاً خلفه والده الذي لم ينطق بكلمة واحدة، بل اكتفى بنظرة حادة جمدت الهواء في الغرفة، نظرة تحمل وعيداً بأن الأمر لن ينتهي عند هذا الحد.
بمجرد أن فتح آسر الباب وخرج، تجمد مكانه.. كانت لوجين تقف في الصالة، يبدو أنها سمعت أطرافاً من الحديث، وعيناها تلمعان بدموع الغيظ والصدمة.
خرج آسر من المكتب والشرر لا يزال يتطاير من عينيه، ليجد لوجين واقفة أمامه مباشرة، ملامحها المصدومة تحولت سريعاً إلى مزيج من الغل والعتاب.
لوجين (بصوت يرتجف من القهر): “جوزت يا آسر؟ بالبساطة دي؟ يعني كل اللي كان بيننا، وكل الوعود اللي أهالينا رتبوها، رميتها وراك عشان… عشان “دي”؟”
صلي علي النبي
توقف آسر مكانه، لم يحاول حتى الاقتراب منها، بل ظلت لغة جسده باردة ومنفصلة تماماً عنها.
آسر (ببرود قاسي): “لوجين، أنا عمري ما وعدتك بحاجة، ولا كان فيه بيننا حاجة أصلاً غير إننا قرايب. اللي كان بيترتب ده كان في خيالك أنتِ وبابا بس، وأنا حسمت أمري خلاص.”
لوجين (تقترب منه وهي تصرخ بصوت مكتوم): “بس أنا بحبك! أنت عارف إني استنيتك سنين، تروح تتجوز واحدة لا نعرف أصلها ولا فصلها وتكسرني قدام الكل؟”
آسر (بنبرة حادة ونهائية): “مراتي خط أحمر يا لوجين، أصلها وفصلها يخصوني أنا بس. ويا ريت توفري دموعك دي لأنها مش هتغير من الواقع حاجة.. ليلى هي اللي بقيت شايلة اسمي، وده وضع لازم تحترميه غصب عنك.”
لم ينتظر آسر منها رداً، ولم يمنحها حتى نظرة وداع. تخطاها ببرود تام واتجه نحو السلم بخطوات سريعة وواثقة، تاركاً إياها تشتعل قهراً في مكانها.
فتح الباب ودخل الغرفة، ليجد ليلى تقف خلف الباب، ملامحها يكسوها القلق الشديد. بمجرد أن رأته، ارتمت في حضنه ونست نفسها وهي تسأل بهمس:
ليلى “آسر.. صوتكم كان عالي، هو في إيه؟ وبابا قالك إيه؟”
أغمض آسر عينيه وهو يشدد من ضمتها، وكأنه يستمد منها الهدوء بعد العاصفة التي خاضها بالأسفل.
آسر (يهمس في شعرها): “متقلقيش يا ليلى.. مفيش حاجة في الدنيا تقدر تبعدك عني، أنا معاكي ومحدش ليه دخل بينا.”
ابتعدت ليلى عن حضن آسر فجأة وهي تشعر بحرارة تخترق وجنتيها، خفضت رأسها لتنظر إلى الأرض بخجل شديد، وأخذت تعبث بأطراف أصابعها والارتباك يسيطر عليها تماماً.
ليلى (بصوت هامس ومتقطع): “أنا.. أنا آسفة يا آسر، بس من خوفي وقلقي عليك مكنتش عارفة أنا بتصرف إزاي.. بجد مكنتش أقصد.”
ابتسم آسر ابتسامة هادئة أذابت بعضاً من توترها، واقترب منها خطوة ليرفع رأسها برفق حتى تلاقت أعينهما.
آسر (بنبرة حنونة): “تعتذري على إيه بس؟ مفيش داعي للأسف خالص، ولا يهمك يا ليلى.. بالعكس، دي أحلى حاجة حصلت من ساعة ما دخلنا البيت ده.”
حاول آسر أن يكسر حاجز الخجل ويخرجها من حالة التوتر التي سببتها المواجهة مع والده، فقرر أن يشغلها بتفاصيل عالمه الخاص.
آسر (بمرح ليغير المود): “طيب تعالي بقى سيبك من اللي حصل تحت، خليني أوريكي أوضتي.. المكان اللي بهرب فيه من الدنيا كلها.”
بدأ يتجول بها في أرجاء الغرفة الواسعة، يشير بيده إلى ركن الكتب تارة، وإلى الشرفة الكبيرة التي تطل على الحديقة تارة أخرى. كانت الغرفة تعكس شخصيته؛ مزيج من الفخامة، والهدوء، والألوان المتناسقة التي تريح الأعصاب.
ليلى (بإعجاب حقيقي وهي تتأمل التفاصيل): “جميلة أوي يا آسر.. بجد ذوقها راقي جداً.”
ابتسم آسر بغرور محبب وقال: “طبعاً.. مش أوضة آسر!”
ليلى (بفضول وهي تلمس قطعة ديكور مميزة): “بس قولي.. مين اللي مختار لك التصاميم دي؟ ذوق اللي عملها بجد ملوش وصف.”
سكت آسر فجأة، واختفت ابتسامته المرحة تدريجياً ليحل محلها نظرة شاردة، وكأن السؤال لمس وتراً حساساً أو ذكرى لم يكن مستعداً لفتحها الآن. ساد صمت قصير جعل ليلى تشعر أنها سألت سؤالاً ربما لم يكن عليها طرحه.
قرأت ليلى الحزن الذي غلف عينيه في لحظة، فخفت بريق الفضول في وجهها وحلّ محله تعاطف عميق. اقتربت منه خطوة وقالت بصوت يملؤه الأسى:
ليلى: “مامتك.. مش كدة؟”
هز آسر رأسه ببطء، وعيناه لا تزالان شاردتين في أركان الغرفة وكأنه يرى طيف والدته في كل زاوية.
ليلى (بنبرة اعتذار رقيقة): “أنا آسفة جداً يا آسر.. مكنتش أقصد أبداً إني أضايقك أو أفكّرك بذكريات توجعك.”
التفت إليها آسر، ورغم الحزن، كانت نظرته مليئة بالتقدير لها.
آسر (بصوت خافت ورخيم): “أنتِ مفكرتنيش بيها يا ليلى.. لأن أنا أصلاً منسيتهاش عشان أفتكرها. أمي محفورة في قلبي وفي عقلي، وفي كل ركن في المكان ده.. هي موجودة فيا وفي كل حاجة بلمسها.”
ليلى (بصدق): “ربنا يرحمها يا رب، ويجعل مثواها الجنة.. باين جداً إن روحها كانت جميلة من ذوق المكان ومن كلامك عنها.”
شعر آسر بغصة في حلقه؛ فهو الرجل القوي الذي لا ينهار أمام أحد، لكن سيرة والدته هي نقطة ضعفه الوحيدة. لم يرد أن تلمح ليلى لمعة الدموع التي بدأت تتجمع في عينيه، أو يظهر أمامها بمظهر الضعف في أول يوم لهما معاً في بيت والده.
أدار ظهره لها متظاهراً بأنه يعدل بعض الأوراق على مكتبه، أو يبحث عن شيء ما، ليواري عنها ملامحه التي أرهقها الحنين.
آسر (وهو يحاول استعادة نبرة صوته الطبيعية): “بقولك إيه.. سيبك من الكلام ده دلوقتي. تعالي شوفي أهم ركن في الأوضة، المكان اللي بجد هتحبيه لو حبيتي تقرئي أو تهربي من دوشة البيت كله.”
ترك آسر ليلى أمام مكتبته الضخمة، محاولاً الهروب من مشاعره المضطربة تحت مياه الدش الباردة.
آسر: “ليلى، خدي راحتك اتفرجي على الكتب، هدخل آخد دش سريع وأطلع.”
ابتسمت له ليلى بهدوء، وبمجرد إغلاق باب الحمام، شعرت بالحنين لعائلتها. أخرجت هاتفها واتصلت بوالدتها.
ليلى (بصوت منخفض): “أيوه يا ماما.. وحشتيني. أنا كويسة، متقلقيش عليا، آسر معايا وممشيني أحسن مشية.. ادعيلي يا أمي.”
بعدما اطمأنت على والدتها، أخرجت ملابسها وبدأت ترتب أفكارها. في تلك اللحظة، خرج آسر وهو ينشف شعره بالمنشفة، فالتقت أعينهما.
ليلى: “نعيماً يا آسر.. أنا كمان هدخل آخد دش.”
آسر (بابتسامة): “نعيماً مقدماً يا ليلى، اتفضلي.”
في الجناح الآخر من القصر، كان الوضع مختلفاً تماماً. كانت الغرفة عبارة عن ساحة معركة؛ قطع الزجاج المتناثرة من “الفازة” التي حطمتها لوجين تملأ الأرض، وصوت أنفاسها المتلاحقة يملأ المكان.
لوجين (بفحيح الأفاعي): “وحياة أغلى حاجة عندي لأدمرك يا آسر! بقى حتة البنت دي هي اللي تفضلها عليا؟ هي اللي تكسر كلام عمي وتتجوزها من ورا الكل؟ ماشي.. ميبقاش اسمي لوجين لو ما حرقت قلبك عليها وخليتك تندم على اليوم اللي فكرت فيه تلمس إيدها!”
مسحت دموع الغيظ بعنف، وأمسكت بهاتفها. لم تتصل بأي شخص من العائلة، بل ضغطت على رقم “غريب” غير مسجل في قائمة أسمائها.
بعد ثوانٍ من الانتظار، جاء الرد، فابتسمت ابتسامة خبيثة:
لوجين: “أيوة.. أنت لسه فاكرني ولا نسيت؟ عندي ليك شغلانة هترجع لك حقك القديم من آسر، وتبرد ناري أنا كمان.. اسمعني كويس اللي هقولهولك ده يتنفذ بالحرف!”
خرجت ليلى من الحمام وهي ترتدي بيجامة رقيقة، ملامحها كانت نضرة للغاية وقطرات الماء لا تزال عالقة بخصلات شعرها التي بدأت بتنشيفها بالمنشفة.
كان آسر يجلس على طرف السرير، وبمجرد أن وقعت عيناه عليها، تاه تماماً. ساد الصمت في الغرفة، ولم يعد يسمع آسر سوى دقات قلبه وصوت حركتها الهادئة. ظل سارحاً في تفاصيل وجهها وكأنها لوحة فنية يراها لأول مرة.
ليلى كانت منشغلة بتسريح شعرها أمام المرآة، لكنها شعرت بنظراته التي تخترقها. التفتت ببطء لتجده لا يزال على وضعيته، يراقبها بهيام.
ليلى (بخجل شديد وارتباك): “آسر.. أنت بتبصلي كدة ليه؟ في حاجة في وشي؟”
لم يرد آسر بكلمات، بل قام من مكانه ببطء وكأنه في حلم، واقترب منها حتى لم يعد يفصلهما سوى أنفاسهما. مد يده برقة وأمسك “طراطيف” شعرها المبلل، وهو يمرر أصابعه بين خصلاته.
آسر (بصوت منخفض وذايب): “شعرك جميل أوي يا ليلى.. أنتِ أصلاً جميلة كلك على بعضك، مكنتش أعرف إن الجمال ده كله هيكون ملكي وفي أوضتي.”
احمر وجه ليلى حتى أصبح بلون الفراولة، وانخفضت برأسها للأرض وهي لا تقوى على الرد من شدة خجلها. اقترب آسر منها أكثر، وكأنه أراد أن يهمس لها بشيء آخر، لكن في تلك اللحظة، تحول السحر إلى رعب!
لمحت ليلى “صرصاراً” كبيراً يتحرك بسرعة على الحائط خلف آسر مباشرة.
ليلى (بصوت هز أركان الغرفة): “آآآآآآآآآآآآآآآآآآآه!”
وبدون أي مقدمات، قفزت ليلى من مكانها بجنون، وبحركة لا إرادية دفعت آسر بعيداً وطارت لتستقر فوق السرير، وهي تشير بإصبعها المرتعش نحو الحائط وتصرخ.
آسر (بفزع وهو يحاول استيعاب ما حدث): “في إيه؟! ليلى مالك؟ حصل إيه؟ حد دخل الغرفة؟”
كان آسر يلتفت حوله بجنون وهو يظن أن هناك خطراً داهماً، بينما ليلى كانت منكمشة فوق السرير وهي تصرخ بصوت متقطع: “وراك.. وراك يا آسر! شيله بسرعة!”
انفجر آسر في الضحك لدرجة أنه وضع يده على بطنه وهو يحاول التقاط أنفاسه، بينما كانت ليلى تنظر إليه بغيظ وهي لا تزال متشبثة باللحاف فوق السرير.
آسر (من بين ضحكاته): “صرصار؟ كل الصريخ ده والقفزة الأسطورية دي عشان صرصار يا ليلى؟ أنا افتكرت حد اقتحم الأوضة أو في كارثة حصلت!”
ليلى (بخوف حقيقي وهي تشير بإصبعها): “م تضحكش يا آسر! ده كبير ومقرف وشكله بيطير.. شيله بسرعة بدل ما يجي عندي، بجد أنا ممكن يغمى عليا!”
حاول آسر التمالك، وتقدم بخطوات “بطولية” وهو يغمز لها: “خلاص يا ستي، البطل آسر هينقذك من الوحش المرعب ده.”
أمسك بقطعة من الورق وبسرعة واحترافية تخلص منه، ثم اتجه نحو الحمام لغسل يده، وعاد وهو لا يزال يبتسم بمكر. وقف أمام السرير وقال لها: “خلاص، الوحش انتهى.. تقدري تنزلي بسلام من القلعة بتاعتك.”
ليلى (وهي تتأكد أن الطريق آمن): “بجد مشي؟ مش هيطلع لي واحد تاني من تحت السرير؟”
آسر (يقترب منها ويجلس على طرف السرير): “مشي خلاص.. بس بجد شكلك وأنتِ بتنطي كان يفطس من الضحك، ضيعتي كل اللحظة الرومانسية اللي كنت بحاول أعملها.”
ضحكت ليلى بخجل وهي تنزل من فوق السرير: “أعمل إيه طيب، دي فوبيا.. وبعدين أنت اللي كنت واقف في مكان غلط!”
بينما كان الجو في الغرفة قد عاد للمرح والضحك، كانت لوجين تقف خلف باب الغرفة في الممر، تسمع صوت ضحكهم الذي يخترق قلبها كالسكاكين.
صلي علي النبي
لوجين (بهمس حاقد): “اضحك يا آسر.. اضحك دلوقتي على قد ما تقدر، لأن قريب أوي الضحك ده هيتحول لدموع، وهتتمنى لو كنت سمعت كلام باباك من الأول.”
تسللت خيوط الفجر الأولى لداخل الغرفة، ومعها بدأ فصل جديد من التوتر. آسر كان نائماً بعمق لأول مرة منذ فترة طويلة، وكأن وجود ليلى بجانبه منحه الأمان الذي افتقده لسنوات. أما ليلى، فكانت مستيقظة تتأمل ملامحه الهادئة، وتتساءل في سرها: “يا ترى يا آسر، هنقدر نواجه العواصف اللي مستنيانا ورا الباب ده؟”
في المطبخ ، كانت لوجين واقفة بملابسها الأنيقة رغم باكر الوقت، في المطبخ تتحدث بصوت خفيض بحذر مع الخادمه
لوجين: اللي قولتلك عليه ينفذ اياك تغلطي في حاجه انتي سامعه
الخادمه:سامع ياهانم
لوجين هتسيبها وتطلع من المطبخ قبل ما حد يشوفها
نزل آسر وليلى سوياً، وكان والده يجلس على رأس الطاولة يقرأ الجريدة بجمود. ساد صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت ارتطام ملعقة “لوجين” بطبقها وهي تنظر لليلى بنظرة لم ترتح لها الأخيرة.
الأب (بدون أن يرفع عينه عن الجريدة): “آسر، جهز نفسك.. النهاردة فيه اجتماع مهم مع الوفد الألماني، مش عايز أي تأخير.”
آسر (بهدوء): “عارف يا بابا، هخلص فطاري وأتحرك فوراً عشان اخلص الاجتماع واروح المستشفي ابص عليها.”
التفت آسر لليلى وهمس لها: “ليلى، لو احتجتي أي حاجة وأنا بره، كلميني فوراً.. متمشيش في البيت لوحدك كتير، خليكي في أوضتنا أو في الجناح بتاعنا، ماشي؟”
ليلى (بقلق فطري): “حاضر يا آسر.. بس متغيبش عليا، أنا حاسة إن البيت ده جدرانه بتراقبني.”
ضغط آسر على يدها ليطمئنها، ولم يلحظ أن لوجين كانت تراقب هذه اللمسة وعيناها تلمعان بغلّ مكتوم، .”
ليلي اول ما آسر مشي طلعت علي اوضتها فضلت راقده غلي السرير بملل
بليل
ليلى أول ما سمعت صوت عربية آسر، طلعت تجري من الأوضة وهي فرحانة عشان تقابله. وهي نازلة بسرعة على السلم، فجأة رجلها اتزحلقت بسبب “الزيت” اللي كان مكسوب، وصرخت صرخة عالية وهي بتقع: “آآآآآه.. آسر!”
آسر كان لسه داخل من الباب، أول ما سمع صوتها وقلبها بينادي عليه، جري بجنون ناحية السلم وشافها واقعة وماسكة رجلها وبتعيط بوجع يقطع القلب.
آسر (بصوت مخنوق من القلق): “ليلى! مالك يا حبيبتي؟ حصل إيه؟ ردي عليا يا روحي، قوليلي الوجع فين بالظبط؟”
ليلى كانت بتنهج من الوجع والدموع مغرقة وشها، مش قادرة تنطق غير كلمة واحدة: “رجلي.. رجلي يا آسر.”
آسر (وهو بيمسح دموعها بإيده): “اششش.. اهدي، اهدي يا ليلى أنا جنبك، مفيش حاجة هتحصلك طول ما أنا موجود. خدي نفسك براحة، أنا معاكي.”
على صوت صرختها العالية، البيت كله اتلمّ. نزل والده من المكتب بسرعة، ولوجين وقفت من بعيد بتراقب المشهد ببرود وشماتة، والخدم كلهم وقفوا قلقانين.
والد آسر (بلهفة وقلق): “في إيه يا آسر؟ ليلى حصل لها إيه؟”
آسر مكنش شايف حد غير ليلى، فوالده قرب منه وحط إيده على كتفه يحاول يهديه.
الوالد: “شيلها يا آسر، متخليهاش نايمة على الأرض كدة. اطلع بيها فوراً على الأوضة وخلينا نشوف فيها إيه،.”
آسر هز راسه وهو بيحاول يتماسك، وشالها بين إيديه برقة شديدة كأنها أغلى حاجة في حياته، وبص لها وهو طالع بيها السلم وقال لها بهمس: “اهدي يا ليلى.. اهدي يا حبيبتي، والله ما هسيبك، وجعك ده في قلبي أنا.”
وضعها على السرير وجلس عند قدميها، بدأ يتحسس كاحلها المتورم بحذر شديد. كانت ليلى تصرخ كلما لمسها، فكان قلبه يعتصر مع كل صرخة.
آسر: “باين عليه التواء شديد يا ليلى، الحمد لله إنه مجاش في العضم مباشرة.. هجيب تلج وحاجة ألفها بيها فوراً عشان الورم يهدى.”
أحضر آسر “رباط ضاغط” وبعض الثلج، وجلس يلف قدمها بمهارة وحنان فائق، وبين الحين والآخر يرفع عينه لينظر إليها ويقبل يدها ليطمئنها.
قعد قدامها على السرير وأخد نفس طويل عشان يطمنها، وبدأ يلمس رجلها بحذر شديد وهو بيراقب تعبيرات وشها.
آسر (بنبرة مطمئنة): “اهدي يا ليلى.. خدي نفس عميق وبصيلي. الحمد لله يا حبيبتي، ده مش كسر، ده مجرد التواء شديد وتأثير الوجع هو اللي مخليكي مش قادرة تتحركي، بس العضم سليم.”
ليلى بدأت تهدى شوية لما سمعت كلامه، وآسر كمل وهو بيبتسم لها عشان يطمنها: “أنا هلفها لك بحاجة دلوقتي وهتبقى زي الفل، متخافيش أنا جنبك ومش هسيبك.”
في الوقت ده، كان والده واقف عند الباب وبيراقب لهفة ابنه وخوفه الحقيقي على ليلى. التفت والده للكل وقال بصوت حازم:
الأب: “خلاص يا جماعة، اطمنا عليها.. كل واحد على أوضته، وأنت يا آسر خليك جنب مراتك وشوف لو محتاجة أي حاجة تانية.”
لوجين كانت واقفة بتغلي من جواها، مكنتش قادرة تتحمل نظرات الحنان والخوف اللي شافتها في عين آسر لليلى. الغيرة أكلت قلبها وهي شايفة “الدكتور آسر” اللي كان دايماً بارد وقاسي معاها، بيتحول لكتلة من الحنية والاهتمام عشان خاطر ليلى.
خرجت لوجين من الأوضة وهي بتخبط رجليها في الأرض من العصبية، ودخلت أوضتها وقفلت الباب بعنف، وقعدت تكلم نفسها بغل: “بقى كل ده عشان حتة وقوعة؟ بقى آسر اللي مبيتهزش، يترعب عليها كدة قدامنا كلنا؟ ماشي يا ليلى.. الوجع اللي في رجلك ده ولا حاجة جنب اللي ناويالك عليه!”
لوجين: “قلت لك مش عايزة غلطة.. آسر النهاردة هينزل الشركة، وليلى هتفضل هنا في البيت لوحدها. دي الفرصة اللي استنيناها.”
الطرف الآخر (بصوت أجش ومستفز): “اعتبريه حصل.. بس أنتِ عارفة الثمن يا لوجين، آسر مش سهل، ولو كشف اللعبة دي، مش هيرحم حد فينا.”
لوجين (بابتسامة باردة): “آسر لما يتكسر في شرفه وفي البنت اللي اختارها، مش هيبقى فيه حيل يرحم حد. نفذ اللي قلت لك عليه، والصور لازم توصل لعمي في الوقت المناسب.”
أغلقت الخط وهي تتنفس بعمق، وشعور بانتصار زائف يملأ قلبها.
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية لقاء خط بمشرط وقلم) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول