رواية فرصة ثانية الفصل الثاني 2 – بقلم ملك عبد الله احمد

رواية فرصة ثانية – الفصل الثاني

عايزاني أطلّقك كده؟
قالها وهو بيضحك بسخرية باردة.
_ليه؟ أنا مجنون عشان أسيب حاجة تخصّني؟!
“رفعت عيني فيه، وشيء جوايا كان بيتكسر بهدوء حاجة كانت آخر خيط بيربطني بالأمل.”
_أنت مش مـجنون وبس
أنت أنـاني، وإنسان غير سـوي.
أنا مش مصدومـة فيك والله طبيعي تكون كده.
“وسحبت نفس طويل، وكأن الحقيقة مُرة بس لازم تتقال.”
_أصـل إحنا عيلة كلها زبــ’الة.
“في لحظة…
انقلب الجو كله.
قرب ياسر مني بخطوات سريعـة، الغضب كان مالي عينيه
وقبل ما أستوعب حتى اللي بيحصل—
ضربني.
_أخـرسي!
رجعت خطوتين لورا بذهول… مش من الألـم بس، لكن من الصدمة.
من فعلته ومن سكوت الكل.
ولا جفن اترفّع ولا نفس اعترض وكأنهم كانوا مستنيين اللحظة دي.
رفعت عيني عليهم واحد واحد…
ووقتها فهمت’دي مش صدمـة دي شماتـة.
عيونهم كانت خليط غريب من الراحة والفرحة وحتى الفخر.
فخر بابنهم اللي أهان مراته قدامهم.
في اللحظة دي اكتشفت إن أقصى أحلامي كانت صغيرة جدًا.
كنت بس عايزة حد يقف جنبي حد يفهمني حد يشوف إني إنسانـة مش حـيـ’وان.
ضحكت بسخرية مُرة حتى الـحيـ’وان ليه ناسه بيتلمس بحنان بيتحوط بقلوب رحيمة.
الحيوانـ’ات لاقية رحمة وأنـا لا.
يبقى العيب فيّ أنا؟!
قطع صوت يـاسر أفكاري وهو بيبص لأمه بتبرم:
_مالها البت دي يا أمي؟ مش متربية ليه؟
كانت محتاجة تتربى أكتر من كده وتتعلم إزاي تحترم جوزها.
وسكت لحظة، قبل ما يكمل ببرود جارح:
_كانت بتعمل إيه طول السنة اللي سيبتها فيها؟
أنا قلت يمكن تتعظ يمكن تبقى ذليلة هنا
ابتسم ابتسامة قاسية.
_بس لأ لسانها طول ويحتاج يتقص زي زمان.
ساعتها حسيت كأن جروح سنين كاملة بتتفتح مرة واحدة.
ذكريات’ إهانات’ صمت’ كسرة نفس.
كل حاجة رجعت بس أقسى.
“رفعت عيني فيه، والغضب أخيرًا سبق دموعي”
_بتقول إيــه؟!
أنت مختل فـاهم؟ مـختل!
“خطوة قربت منه رغم الخوف اللي بيشد رجلي لورا”
_إزاي بقيت كده؟
إزاي بقيت إنسان قاسي بالشكل ده؟
“ضحكت بمرارة”
_أنا لما وافقت عليك كنت فاكرة إنك مختلف عنهم.
رغم قسوتك رغم جرحك ليا كنت بقول لنفسي عادي يا هنا عادي.
مفيش حد كامل هتعرفي تتأقلمي هتعدي.
ما أنتِ يا هنا عدّيتي قبل كده كتير.
من أب… وأم… وأهل.
“رفعت عيني فيه وسألته بصوت ضعيف فيه خبايا حُزني”
_قلت لنفسي هيكون أقسى منهم يعني؟
أنـا والله كنت فاكرة إنك هتتغير هتحاول عشاني.
عمري ما قسيت عليك ولا حمّلتك فوق طاقتك.
سيبتك تعمل فيّ اللي أنت عايزه وافقتك في كل حاجة.
سيبتك تسافر سنة كاملة وأنا محتاجالك.
وتغاضيت عن إنك ما سألتش عني ولا مرة.
“بلعت الغصة اللي في صدري”
_كنت مكتفية إنك تكون بخير وبس.
حتى أحلامي تنازلت عنها.
آمـالي , سعـادتي
أنا رضيت وقلت حتى لو ما حبنيش مش مهم.
“رفعت عيني حواليّا على البيت على الوجوه اللي حواليّا”
كفاية أعيش في بيت, بيت يحميني من أذى البشر.
“نظرت ليه مباشرة” ومن عـيلتك.
“وهمست بضياع”ومـنك
سكت لحظة قبل ما أكمل بـألم هادي:
_بس في الآخر… أنا اللي طلعت المؤذية.
أنا اللي الأذى كله جاي مني.
_ما كفاية درامـا ومسرحية بقى!
“التفت لمصدر الصوت بذهول، ملامحي متجمدة من وقع كلماتها.”
— درامـا؟!
شايفة اللي بيحصل ده دراما ومسرحية؟!
أنا كنت شفقانه عليكِ…
بنت لسه صغيرة، مكملتش حتى الـ18 سنة، وداخلة في حـ’روب مش قدّها.
وفي الآخر شايفة اللي بيحصلي أنا دراما ومسرحية؟!
يبقى تستاهلي والله
تستاهلي إن عقلية غبية زيك يحصل فيها كده.
اسمعي كويس أهلك موافقين، تمام.
بس أنا؟ أنا هطلق وهَمشي من هنا.
مش باقية في المكان ده.
إنما أنتِ…
أنتِ اللي هتفضلي جوا سجن أهلك.
آه، هم وافقوا لكن في الآخر أنتِ اللي هيتداس عليكِ.
وأنا هبرأ ذمتي وأقولك الحقيقة
_دي عيلة ما يتأمنش عليها ولا على اللي فيها.
زمان أبويا سابني تاني يوم ولادتي حتى ما مهانش عليه يسمّي بنته.
اتجوز… وسافر.
متخيلة؟!
أب يرمي بنته كده من غير حتى ما يعرف مين هياخدها ومين هيربيها.
بس تعرفي إيـه؟ حتى أمي وأهلها محدش عبرني.
كلهم رموني ولقيت نفسي هنا بتربى وسط أعمامي وولادهم.
لكن… ولا مرة حسيت إني بنتمي للمكان ده.
ولا شفت يوم حنية ولا راحة ولا أمل يخليني أتمسك بيه.
بس عشت.
عارفة ليه؟عشان أنا اتولدت هنا.
وما كانش عندي فرصة أختار طريق تاني.
ولو كنت لقيت الفرصة كنت تمسكت بيها بكل عمري.
بس الحقيقة؟
ده هيفضل مكاني يا نور لأني لقيت فيه القسوة
اللي غيري بيتحامى فيهـا من قسوة الدنيا.
— طلّق البت دي يا ياسر وسيبك منها، دي دماغها ناشفة وقليلة الأدب ومتنفعش لعيلتنا. إحنا مش عايزين منها حاجة، وهي كده كده هتتنازل عن حقها… مش صح يا هنا؟
— طلاق إيه يا أمي! اللي أطلقها مستحيل.
— اسمع كلام أمك يا ياسر.
— إزاي ويتقال عليّا الدكتور ياسر الحنفي طلق قبل كده؟
ليه… مش عارف يكفي مراته ويسيطر عليها؟
صفّقت بتسلية وأنا شايفة نظراتهم ليّ.
ساعتها فهمت أنا إزاي هتحرّر من العبء ده.
قربت أكتر منه، وصوّبت عيني عليه وقلت:
_فاكر لما قولت لو لقيت الفرصة همسك بيها؟
جه الدور عليك يا ابن عمي تحارب بس المرة دي هتحـ’ارب في أرض خسرانة وأوعدك.
“رجعت خطوتين تلاتة لورا، وبعدين وقفت قصادهم كلهم واحد واحد.
واتكلمت بحضور قوي معنديش فكرة اكتسبته منين.
وأنا أصلاً شخصية اتبنت حياتها على الخوف والذل طول عمرها…
لكن يمكن زي ما بيتقال اتّقِ شرّ الحليم إذا غضب.”
— أنا هتطلق وهتنازل عن حقي…
مش عشان خايفة، ولا ببيع حقي، ولا مغلوبة على أمري.
لكن عشان لو أخدت حقي هفضل فاكرة قساوة السنين،
والذل وقلة القيمة اللي عيشتها.
عشان أنا مش عايزة أعيش على مال فيه غل وحقد ونفوس مريضة.
عشان أنا أول ما هطلع من البيت ده
هنسى أنا كنت مين، وبنت مين، ومين أهلي.
— بس أنا بقى مش هطلق يا بنت عمي وورّيني هتعملي إيه.
“قالها وهو بيقرب بخطواته ناحيتي.
مش هنكر إني خوفت وجوايا اتهز.”
لكن كملت بابتسامة واسعة.
— حضرة الدكتور، والعيلة الكريمة اللي بتخاف على سمعتها صح؟ مطلقنيش يا ياسر عادي، خلّيني على ذمتك.
بضحي صح؟ ما أنا ياما ضحيت، وأكتر من كده كمان.
بس المرة دي هضحي وأنا مبسوطة.
خلّيني على ذمتك واتفرّج واسمع وشوف سمعتك وهي بتتهان، سمعة عيلة الحنفي وهي على كل لسان.
متقلقوش أنا مش هقول كلام من عندي وظلم خالص.
أنا بس هقول الحقيقة وهفضحكم واحد واحد.
بس يعني ميضرش لو قولت سر صغير كده مثلاً
إن العيلة اللي عاملة نفسها مثالية، وكلها دكاترة ومهندسين، وليهم اسمهم ونضجهم وتفكيرهم الباهي
اللي بيتباهوا بيه قدام الناس سابوا أبوهم، يا عيني، يمـ’وت قدام عيونهم.
ومحاولوش ينقذوه من مرضه عشان يمـ’وت ويتوزع الورث عليهم.
قال يعني هما كده شايفين إن دي مـ’وتة طبيعية…
متدخلش تحت حكم قتـ’ل النفس دي!
ها؟
تفتكر يا عمي أو معلش، المهندس جواد الحنفي
اللي الكل بيعملك ألف حساب الناس هتقول عليكم إيه؟!
— إنتِ بتقولي إيه يا بت؟!
وجبتي الكلام ده منين؟! إنتِ مجنونة!
طلّق البت دي بسرعة يا ياسر مش ناقصين جنان.
دي طلعت عيلة ناكرة للجميل وقليلة الأصل!
ابتسمت بسخرية خفيفة وقلت:
— صح عندك حق أنا كده فعلًا.
يلا خلي ابنك الدكتور الأصيل يطلقني حالًا.
“ساد صمت تقيل للحظات
صمت كأن الجدران نفسها بتسمع وبتحاكم.”
العيون اتنقلت بيني وبين ياسر وبين الكـل
ملامحهم اتشدّت واتحوّلت من ثقة لارتباك واضح.
ياسر شدّ فكه بعصبية، وصوته خرج محشور بالغضب:
_إنتِ اتهبلتي؟! إنتِ عارفة إنتِ بتقولي إيه؟!
ابتسمت ابتسامة هادية وقلت بهدوء غريب:
_ أيوه عارفة’ وعارفة كمان إن الحقيقة لما بتتقال بتوجع.
الكل بصّ لـِ ياسر كأن القرار كله بقى في إيده.
لكن ياسر قرب مني خطوة وعينيه مليانة تحدي وغِل.
_فاكرة إنك كده هتكسري عيلتي؟
ميلت راسي شوية وقلت بهدوء:
لا أنا مش هكسرها هي اللي هتكسر نفسها.
“اتشدت ملامحه أكتر لما كملت”
_وأنا قولتلك قبل كده لو لقيت الفرصة همسك فيها.
بصيت حواليّا لكل الوجوه اللي كانت بتبصلي زمان باستعلاء لكن اتبدل الحال “وابتسمت ابتسامة أوسع” دلوقتي الفرصة جات.
صوت أمه طلع مرتعش بالخوف لأول مرة:
_يـاسر خلّصنا من البت دي.
لكنه فضل واقف, ساكت, عينه في عيني.
وبعدين قال ببطء:
_ولو مطلّقتكيش؟
ضحكت ضحكة خفيفة, ضحكة فيها ثقة غريبة حتى عليّ أنـا.
_يبقى استعد الناس تسمع الحكاية كاملة
“وقربت خطوة منه، وهمست بصوت مسموع للجميع”
_وأول فصل فيها… هيكون عن اللي حصل ليلة مـ’وت الحاج الحنفي.
اتبدلت ملامحهم فجأة والهدوء اتحوّل لفوضى
لما يـاسر قرب مني، مدّ إيده ومسك إيدي، وضغط عليها بشدة كأنه بيحبسني جوّه قبضته.
وعلى وشّه ارتسمت ابتسامـ ة غريبة’ ابتسامـة ما كانتش مريحة أبدًا.
قرب أكتر، وقال بصوت واطي:
— أنتِ…

الفصل التالي اضغط هنا

يتبع.. (رواية فرصة ثانية) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق

error: Content is protected !!