رواية بين الردى والهدى الفصل العاشر 10 – بقلم نوري

رواية بين الردى والهدى الفصل العاشر 10 – بقلم نوري

كان طول الطريق بيحاول يهدي نفسه عشان مبعملش حاجة تخليها تخاف منه وتنفر، لكن اول ما وصل، فتح باب الشقة وقفله بعنف هز الحيطان، فاطمة كانت قاعدة في الصالة اتخضت من الحالة اللي دخل بيها لكن منطقتش لأنها عارفة السبب، دخل وهو بيتلفت حواليه زي الديب اللي بيدور على فريسته وزعق بصوت جهوري
فين بنتك؟ ليلى فين يا فاطمة؟
حاولت تبان هادية ومتماسكة ف قالت
في إيه يا مصطفى داخل كدة ليه؟ البنت في المحل، لسه ميعاد رجوعها مجاش
خبط إيده في الترابيزة اللي قدامه بقوة خلت الفازة تتهز
في المحل؟ ماشي، أنا رايحلها اعرف هناك إيه اللي اتقال من ورا ضهري وخلى الراجل يجيلي المكتب الصبح ويقولي مفيش نصيب
اتحرك بأتجاة الباب ف جريت وقفت قدامه قبل ما يخرج وحطت إيدها على الترباس وقالت
بلاش فضايح يا مصطفى، رايح للبنت وسط المحل والناس عايز تعمل إيه؟ عايز الحارة كلها تتفرج علينا؟ أهدى واحكيلي بالراحة إيه اللي حصل
زق إيدها بغضب وزعق
اللي حصل إنه جالي وشه متغير وقال مش متفاهمين، مش متفاهمين من أنهي ناحية؟ وهو شافها كام مرة أصلاً؟ دي ليلة غبرة، أكيد بنتك عملت حاجة او أنتي وزيتيها
اتنهدت وقالت بمكر عشان تداري معرفتها
وجت من عند ربنا يا مصطفى، يمكن فعلاً مش نصيبها، والبنت مش مرتاحة وأهو ربنا استجاب لدعواتها، ليلى ملهاش ذنب
بصلها بنظرة شك وغل وقرب منها لحد ما بقى وشه في وشها وقال
ماشي يا فاطمة، عاملة نفسك مش عارفة؟ فاكرة يعني إن كدة الطريق فضي؟ يكون في معلومك أنتي وهي لو الدنيا اتطربقت فوق بعضها ولو سيف ده بقى آخر راجل في الدنيا برضو مش هجوزهولها ولا هيدخل بيتي تاني، سامعة؟
بلعت ريقها ومردتش، سأل ايديها من على الترباس وفتح الباب وخرج ف قالت
رايح فين دلوقتي يا مصطفى؟ استهدى بالله بس
مبصلهاش وهو نازل على السلم وقال بحدة
ملكيش دعوة بيا
سابها واقفة على الباب قلبها بيدق رعب، مش عارفة هو رايح لليلى يفرغ غضبه فيها، ولا رايح يدور على سيف يخلص قديمه وجديده معاه
المسجد كان هادي فاضي بعد ما الأطفال مشيوا، ريحة الحصير وصوت مروحة السقف اللي بتزن بانتظام كانوا هما الونيس الوحيد لسيف، كان قاعد ساند ضهره على العمود وعينه شاردة في الفراغ، ملامحه شايلة تعب السعي بتاع النهار كله وكسرة القلب اللي بيحاول يداريها عن الناس
حس بحركة جنبه ف رفع عينه لقى منصور بابتسامته الرزينة بيقعد جنبه وهو بيسند بإيده على الأرض
والله ورجعت لمكانك من تاني
* اذيك يا عم منصور
في نعمة الحمد لله، اذيك انت
* الحمد لله
مالك؟ حاسس إنك شايل هم كبير، احكيلي
* لا مفيش الحمد لله انا كويس
يا واد عيب، هتخبي على عمك منصور؟ تحكي يلا
اتنهد تنهيدة طويلة وقال بصوت مهزوز
* الحمد لله على كل حال يا عم منصور، بس والله الحال واقف خالص، لفيت النهاردة كأني بلف في ساقية، الأبواب كلها مقفولة في وشي وكأن الدنيا بتحاسبني على سنين فاتت وراحت، وحتى ليلى .. ليلى اللي كنت بحارب عشانها اتقرى فاتحتها من كام يوم، حاسس إن كل الطرق اتسدت في وشي ومش عارف أعمل إيه ولا أروح فين
فضل منصور باصصله بهدوء وهو مبتسم ابتسامة فيها حكمة السنين وقال
إيه يا شيخ سيف؟ جرى إيه يا راجل يا مؤمن؟ أنت متعرفش إن الإنسان لما بيبدأ في طريق التوبة والاستقامة ربنا بيبتليه؟ الشيطان دلوقتي قاعد جنبك وبيقولك شوفت جرالك إيه لما توبت؟ الدنيا اتقفلت لما استقمت، وعايزك ترجع لورا، بس ده اختبار، اختبار من ربنا عز وجل بيشوف صدق قلبك
هز سيف راسه بصمت وكأنه بيستوعب الكلام، كمل منصور بصوت حنين وقال
عارف، مرة سيدنا عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه؟ راح للنبي ﷺ يشتكيله وجع كان بيحس بيه في جسمه من ساعة ما أسلم، تفتكر النبي قاله إيه؟ قاله ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل
بسم الله ثلاث مرات، وقل سبع مرات أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر، سيدنا عثمان بيقول ففعلت ذلك فأذهب الله عز وجل ما كان بي، الوجع اللي في قلبك ده يا سيف دواه إنك تلمسه بيقينك في الله
ابتسم سيف بخجل من نفسه وحس إن كلام منصور زي البلسم على جرحه فقال
* كلامك ريحني أوي يا عم منصور، والله كنت محتاج أسمع ده
طبطب على كتفه وقال
كمل سعي يا ابني ومتشيلش هم، الرزق بييجي في وقته المعلوم، ولا حتى تشيل هم ليلى، ادعي ربنا وفوض أمرك ليه، هو سبحانه اللي بيقلب القلوب وبيرتب الأسباب
بصله بمرارة وقال
* المشكلة يا عمي إني لسه مش مصدق إن ده حصل، يعني حتى لما عرفت الخبر لقيت ودورت على شغل وانا كل همي إني ألاقي حاجة كويسة وأروح لأبوها وأتقدملها تاني وأثبتله إني اتغيرت، زي ما يكون عقلي مش عايز يصدق
لو ليك نصيب فيها والله لو ميت شخص قري فاتحتها مش هتكون غير ليك، ربنا لما بيريد يجمع قلبين بيجمعهم، خلي يقينك في اللي خلقها أكبر من خوفك من اللي خطبها
هز سيف راسه وسكت، قام منصور بهدوء من جنبه وسابه ومشي، فضل قاعد مكانه في المسجد في كلامه، أخد نفس عميق ورفع إيده ومسح على صدره وهو بيهمس
* أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر
وبدأ قلبه يهدى وكأن فيه نور جديد بدأ يظهر في آخر النفق
الشارع كان زحمة و الناس حوالين مصطفى كانت بتجري عشان تلحق تروح قبل الأذان، لكن هو كان ماشي بخطوات تقيلة وتايهة، ايديه كانت محطوطة في جيوب جاكتته وعقله شغال زي المفرمة مبيوقفش
انا غلطت في إيه بس يا ربي؟
همس لنفسه بمرارة وهو حاسس بالضيق
يعني لما أكون عايز لبنتي واحد ملوش ماضي وسيرته زي الصفحة البيضا أبقى ظالم؟ يحيى كان أخلاق وعيلة وتربية ومحاسب أد الدنيا وبيصلي وعارف ربنا، يعني ولد ميتخيرش عن سيف اللي هي ماسكة فيه دة
وقف فجأة في نص الشارع بعد ما الكلمة رنت في ودنه بصدى غريب
ميتخيرش عن سيف
بص للفراغ وهو بيستوعب اللي لسانه نطقه من غير وعي، الحقيقة المرة اللي كان بيداريها ورا غضبه بدأت تظهر، هو عارف إن سيف في الأصل ابن أصول وإن معدنه نضيف و راجل، لكن السنين اللي ضاعت من عمره والسُكر، والسهر هتروح فين؟ هو أب ومن حقه يخاف، اللي شرب مرة يشرب تانية، واللي ضاع مرة ممكن يضيع ألف
قعد على دكة خشب في جنينة عامة صغيرة وبدأ يفتكر شكل سيف وهو وسط الأطفال في المسجد وكلام الناس في الحارة عن توبته
ماشي، التزم وحفظ العيال قرآن والحارة كلها طايرة بيه، بس ده لوحده مش كفاية، ده ميطمنيش على بنتي، الماضي ده عامل زي الخيال هيفضل ملاحقه وملاحقها طول العمر، وأنا مش حابب أناسب بيت الماضي فيه بيطارد الحاضر
” الله اكبر .. الله اكبر ”
صوت الأذان فوقه من أفكاره، بص حواليه لقى الشوارع بدأت تفضى والناس بتروح بيوتها تفكر وسط اهلها، حس بغصة في حلقه، لأول مرة في حياته يجي المغرب وهو برا بيته بعيد عن سفرة فاطمة ودلع ليلى
الموبايل في جيبه بدأ يتهز، بص عليه لقى فاطمة بتتصل، كنسل وحطه في جيبه تاني، الرنة اتكررت مرة والتانية والتالتة كأنها بتنادي عليه يرجع، بس كرامته وعِنده كانوا لسه حاجز بينه وبينهم
قام وقف وشاف من بعيد مائدة رحمان منصوبة في شارع جانبي، مشي بخطوات مكسورة وراح قعد فيها اتحط قدامه كوباية البلح والأكل والناس حواليه بدأوا يفطروا إلا هو فضل يبص لكل واحد فيهم شوية ويسأل نفسه
يا ترى هما كمان هربانين من بيوتهم؟ ولا أنا بس اللي اخترت الغربة في وسط أهلي؟
رن موبايله تاني، والمرة دي فضل يتهز في جيبه لحد ما سكت لوحده
في مكان تاني ساكنه القلق وتأنيب الضمير، السفرة كانت مفروشة والأطباق مرصوصة بعناية، والبخار اللي طالع من الشوربة بدأ يختفي تدريجيًا وبدأ الاكل يبرد تماماً
فاطمة كانت رايحة جاية في الصالة وماسكة الموبايل في إيدها بتضغط على زرار الاتصال للمرة العشرين، عينيها كانت بتلمع بالقلق وكل ما تسمع صوت الرنة تطول وميردش قلبها يتقبض
ليلى كانت قاعدة على الكرسي سانده راسها بإيدها، وهي حاسة بتأنيب الضمير من ناحيته، بصت لأمها وقالت
– مبيردش برضو يا ماما؟
نفخت فاطمة بضيق وقالت
ولا الهوا، بيكنسل وساعات يسيبه يرن لما يفصل، أبوكي عمره ما عملها، عمره ما ساب البيت لا في رمضان ولا في غيره، أنا خايفة يكون جراله حاجة ولا ضغطه علي و وقع في أي حتة
قامت ليلى وقفت وحطت إيدها على كتفها
– اهدي يا ماما إن شاء الله هيكون بخير، هو بس تلاقيه مضايق من اللي حصل، وأنتي عارفة بابا لما بيقفل من حاجة بيحب يفضل لوحده
يفضل لوحده فين والناس بتفطر؟ يفضل لوحده واللقمة محرمة علينا من غيره؟ أنا اللي واجع قلبي إنه مشي زعلان
نور الموبايل في إيدها فجأة ف فتحت السكة بلهفة
أيوا يا مصطفى، أنت فين قلقتنا عليك
جالها صوته من الناحية التانية، بس مكنش الصوت الحنين اللي متعودة عليه، كان صوته طالع ناشف و خالي من أي مشاعر وكأنه بيكلم حد غريب
انا كويس يا فاطمة، ملوش لزوم القلق دة كله
سكتت لحظة من صدمتها في نبرته وكملت بلجلجة
طب انت فين
في ارض الله، عموماً أنا فطرت والحمد لله، كلوا أنتوا ومحدش يستناني ولا يشغل باله بيا، أنا هقعد شوية مع نفسي ومش راجع دلوقتي
حاولت فاطمة تجنن قلبه ف قالت
البيت ملوش طعم من غيرك يا مصطفى، ارجع وان شاء الله كل حاجة هتتحل..
قاطعها بحدة وهو بيقفل الكلام
قولتلك قفلي على الموضوع ده يا فاطمة، أنا مش عيل صغير عشان تطلبي مني أرجع والقرار اللي أخدته مبرجعش فيه، سلام
وقبل ما تلحق ترد كانت السماعة أعلنت عن انتهاء المكالمة، نزلت إيدها ببطء وهي بتبص لليلى بكسرة
– قال إيه يا ماما؟
قعدت فاطمة على أقرب كرسي بقلة حيلة
بيقول فطر وخلاص، ومش عايز حد يسأل عليه، أبوكي بيعاقبنا ببعده
سكتت ليلى وبصت لسفرة الفطار اللي لسه زي ما هي، رجع الصمت تاني للبيت بس المرة دي وهي شايلة ذنبه، اما فاطمة، ف متوقعتش إنه في يوم يقسى عليهم كدة
في شقة سيف، كان قاعد في اوضته بيمارس هوايته المفضلة وبيصلح راديو صغير قديم كان باظ من كريمة، قاعد على طرف السرير ولابس نضارة القراءة اللي بتبرز تركيزه وحواليه مفكات ومسامير رفيعة مرصوصة بدقة تامة، هوايته دي كانت دايماً هي الملاذ لما الدنيا تضيق بيه، بيحب يفكك الأشياء ويصلحها كأنه بيحاول يصلح اللي انكسر جواه
من ورا الباب الموارب، صوت التليفزيون في الصالة كان واصل لعنده، كريمة كانت قاعدة بتتفرج على فيلمها المفضل “الباب المفتوح”
سيف في الأول مكنش مركز مع الصوت، كان كل همه ترس صغير معصلج معاه، لكن فجأة، نبرة الصوت اللي طالعة من التليفزيون خطفت قلبه قبل ودنه، سكتت إيده عن الحركة تماماً لما سمع صوت صالح سليم الهادي وهو بيقرأ الجواب بإحساس عالي
“عزيزتي ليلى .. ماذا أفعل؟ ماذا أفعل في الفكرة المجنونة التي سيطرت عليّ؟ فكرة أنكِ لي .. وأنا لكِ .. مهما طال الزمان
الاسم لوحده كان كفيل يخليه يحس بكهربا سارية في جسمه، غمض عينيه بقوة والراديو اللي في إيده مبقاش له وجود، الكلمات كانت بتنزل على قلبه زي المطر على أرض صابها الجفاف، كمل الصوت وهو بيقول
” إن الخطأ الوحيد الذي ارتكبتيه، هو أنكِ جعلتيني أراكِ .. وأنكِ جميلة ”
ساب الراديو ببطء وسند ضهره على السرير وهو بيبص لسقف الأوضة، حس إن الكلام ده مكتوب له هو مخصوص عشان يتقال لليلى بجد، افتكر أول مرة شافها فيها بعد ما رجع، وافتكر جمالها اللي زاد رغم الحزن اللي في عينيها
* الفكرة المجنونة
همس لنفسه بوجع
* فعلاً يا ليلى، فكرة إنك ليا وأنا ليكي هي اللي مخلياني صامد لحد دلوقتي، هي اللي مخلية النفس بيطلع ويدخل رغم كل البيبان المقفولة
فضل تايه في صوته الداخلي والفيلم لسه شغال برا، بس هو مبقاش سامع غير صدى اسمها، افتكر فاتحتها اللي اتقرت على واحد تاني غيره، وان هي دي زي الحيطة السد اللي بينهم، نزلت دمعة من عينه مسحها بسرعة بضهر إيده الخشنة، بص للمفك وقال بمرارة
* أنا بعرف أصلح أي حاجة يا ليلى، أي تروس معصلجة بعرف أرجعها تمشي تاني، إلا حياتي وحياتك
اتنهد تنهيدة طويلة وحاول يرجع يركز في الراديو اللي قدامه، بس إيده كانت بتترعش، الكلمات سابت فيه أثر مبيتمحيش وجددت جواه يقين غريب، إن ليلى جميلة لدرجة إنها تستاهل إنه يحارب الدنيا كلها عشانها، حتى لو كان السلاح الوحيد اللي في إيده هو الصبر
الصباح كان لسه في بدايته ونور الشمس المتسلل من مناور السلم كان رقيق وهادي، خرجت من شقتها وهي بتعدل شنطتها على كتفها، ملامحها كان باين عليها السهر بس عينيها كانت صافية لأول مرة من أيام، نزلت السلم و نفس اللحظة باب شقة سيف اتفتح وخرج وهو لابس قميصه المكوي بعناية وماسك ملف أوراقه في إيده وعزمه متجدد رغم خيبات الأماني بتاعة الأيام اللي فاتت
اتقابلت نظراتهم والوقت كأنه وقف لثواني، اتسمر مكانه وقلبه بدأ يدق بعنف، أما عنها، ف حست برعشة خفيفة بتمشي في جسمها، النظرة كانت طويلة ومليانة عتاب وشوق وكلام كتير محبوس، لكن بسرعة سيف فاق لنفسه ونزل عينه للأرض احتراماً لحرمة الجيرة والوضع الجديد، هي كمان بصت في الأرض وهي بتعدل طرحتها بتوتر، لكن المرة دي اتشجعت وكسرت الصمت بصوت رقيق ومبحوح وقالت
– صباح الخير يا سيف، عامل إيه؟ طمني على حالك
رد وهو لسه باصص للأرض وصوته كان هادي ورزين
* صباح النور يا ليلى، الحمد لله في نعمة كبيرة من ربنا
سكت لحظة وكمل وهو بيلف عشان ينزل السلم
* عن إذنك عشان متأخر على ميعادي
كان خلاص هينزل أول درجة والمسافة بينهم بدأت تبعد، لكنها حست إنها لو ممسكتش اللحظة دي ممكن تضيع منها للأبد، نادت عليه بصوت مسموع لكن فيه لهفة
– سيف
وقف مكانه من غير ما يلف كأنه خايف يواجهها، قربت خطوة وقالت بسرعة وكأنها بتخفف حمل عن قلبها
– انا .. أنا نهيت الموضوع .. مفيش عريس خلاص، ويحيى مشي ومبقاش فيه خطوبة
الكلمة وقعت عليه لجمته، لفلها ببطء وعينيه كانت واسعة من الصدمة، ملامحه اتجمدت وهو بيحاول يستوعب اللي سمعه وفضل ساكت لثواني طويلة بيبصلها وكأنه بيسألها بعينه
أنتي بتتكلمي بجد؟
الفرحة بدأت تتسلل لوشه بس كان لسه مذهول مش قادر ينطق ولا كلمة، لما شافته كدة ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالتله برقة
– انا حبيت أقولك بس عشان تبقى عارف
وقبل ما يلحق يرد أو يجمع شتات نفسه سبقته ونزلت السلم بخطوات سريعة وسابته واقف مكانه في الطرقة مذهول، بس قلبه كان بيرقص من الفرحة
فضل واقف مكانه لعدة دقايق بيبص للفراغ وهو مش مصدق إن الجبل اللي كان سادد طريقه انزاح، حس بطاقة غريبة بتجري في عروقه وبص لملف الأوراق اللي في إيده بنظرة تانية خالص، أخد نفس عميق وطلعه بابتسامة نصر ونزل السلم بخطوات واسعة وسريعة والحماس كان مالي قلبه وروحه وقرر إن النهاردة مش هيرجع غير وهو لاقي شغل بأذن الله، الأمل رجع يفتح شبابيك قلبه من تاني، وصورتها وهي بتقوله الخبر بقت هي الوقود اللي هيخليه يهد الصخر عشان يوصلها
المحل كان مبهج بشكل ملفت للنظر، أشعة الشمس داخلة من الإزاز ومنعكسة على نقط الماية اللي ليلى كانت بترشها على الورد بحب، كانت بتتحرك في المحل زي الفراشة، وشها فيه نضارة غريبة وابتسامتها مش مفارقة شفايفها
نرجس كانت واقفة بتراقبها وهي مستغربة، شافتها وهي بتمسك المقص وبتقص فروع الزرع الزيادة بسرعة ونشاط وبترص البوكيهات بذوق عالي وكأنها بترسم لوحة مش مجرد بتأدي شغلها وخلاص
قربت منها وحطت إيدها على كتفها وهي بتضحك
دة إيه النشاط والحلاوة دي كلها؟ ده أنتي من يومين كنتي حاسة باليأس، والنهاردة كأنك شربتي إكسير الحياة، قوليلي إيه اللي حصل قلب حالك كدة؟
لفتلها وعينيها بتلمع بلمعة نرجس ماشفتهاش من سنين، ضحكت وقالت وهي بتنضف ورقة وردة بإيدها
– قابلته الصبح على السلم وأنا نازلة
اوعي يكون ابوكي شافكم
طمنتها وهي بتكمل شغلها بهمة
– لا مشفناش، اللقاء كان سريع أوي، واستغليت الفرصة وقولتله، قولتله إن موضوع يحيى انتهى ومبقاش فيه خطوبة ولا عريس، وسيبته ونزلت قبل ما ينطق بكلمة
سكتت نرجس شوية وملامحها قلبت لجدية وهي بتبصلها
طيب وبعدين؟ فرحانة إنك قولتيله، بس أنتي متوقعة إيه اللي يحصل بعد كدة؟ أبوكي لسه قافل دماغه، وسيف لسه بيخبط في الدنيا إيه اللي هيتغير يعني؟
سابت الورد من إيدها وبصت لنرجس بنظرة كلها ثقة ويقين وقالت بصوت هادي بس قوي
– مش متوقعة .. انا متأكدة، أنا شوفت الصدمة في عينه وبعدها شوفت الأمل اللي رجع نور وشه في ثانية، سيف كان محتاج يعرف إن الطريق لسه مفتوح عشانه، وأنا واثقة فيه، واثقة إنه مش بس هيحاول، ده هيحفر في الصخر عشاني وعشان يثبت لبابا إنه يستاهلني
نرجس هزت راسها وقالت
يا خوفي من عشمك ده يا ليلى، بس يا رب يكون قد ثقتك دي
رجعت ترش الماية على الورد وهي مبتسمة بـ هدوء
– هيكون قدها، الحب لما بياخد فرصة تانية بيبقى أقوى بكتير من المرة الأولى، وسيف مش هيضيعني من إيده المرة دي
الشقة كانت هادية زيادة عن اللزوم بطريقة تخنق، فاطمة كانت قاعدة في الصالة بعد ما خلصت شغل البيت، التليفزيون شغال بصوت واطي ملوش ملامح، وهي عينها على كرسي مصطفى اللي بيقعد عليه دايما
اتنهدت تنهيدة طويلة وحطت إيدها على خدها وسرحت في حالهم
أخرتها إيه في القسية دي يا مصطفى؟
همست لنفسها بمرارة، هي عارفاه وعارفة إن قلبه أبيض زي البفتة، بس عِنده جبل مبيتهدش بسهولة، شريط العمر مر قدام عينيها، سنين طويلة شالوا فيها الشيلة مع بعض، الحلوة والمرة، مكنش بيعدي عليهم يوم وهما مخاصمين بعض كدة، حتى لما كانوا بيختلفوا كان بيجي بكلمة طيبة أو هي تروحله بكوباية شاي ويخلص كل شيء
بصت لصورة فرحهم القديمة اللي متعلقة في الصالة وقالت
كبرنت واتغيرنا يا مصطفى، ولا الدنيا هي اللي قسّت قلوبنا على بعض؟
هي حاسة بوجعه وعارفة إن كسر كلامه قدام الناس في موضوع يحيى وجعه في كرامته، بس هي كمان أم ومكنتش تقدر تشوف بنتها بتتدبح قدام عينيها وتسكت
قامت ببطء ودخلت المطبخ شافت اطباق الرز بلبن اللي هو بيحبه، كانت عاملاها من يومين وملمسهاش، طلعتها وحطتها على الرخامة وفكرت
الخصام ده بياكل من عمرنا، وإحنا مبقاش في عمرنا قد اللي فات، لبنت ومستقبلها حاجة، و ودنا وعشرتنا حاجة تانية خالص
بدأت ترتب في دماغها هتقوله إيه لما يرجع، مش هتعاتبه ولا هتجيب سيرة سيف ولا يحيى، هي بس هتروح تقعد جنبه وتطبطب على كتفه وتقوله حقك عليا، فكرت إن القسية مبتولدش غير قسية، وإنها لازم تكون هي الميه اللي تطفي ناره
في شقة سيف، كان قاعد على الكنبة ساند ضهره ورافع راسه للسقف ورجليه مفرودة قدامه بتعب، اليوم عدا زي اللي قبله مشي وتدوير ورفض، لكن الغريب إن قلبه المرة دي مكنش مقبوض
لأول مرة ميحسش باليأس اللي كان بياكل روحه، كان بيفكر فيها وفي الفرصة التانية اللي ربنا بعتهاله على طبق من دهب لما موضوع يحيى انتهى، همس لنفسه وقال
* مش هسكت يا ليلى .. ميت شركة، ألف باب، هخبط عليهم كلهم لحد ما واحد فيهم يتفتح، لازم أقف على رجلي قبل ما حد تاني يجي يطلب إيدك، المرة دي مش هسيبك تضيعي مني
قطع حبل أفكاره أدهم وهو داخل الصالة بابتسامة رمى نفسه جنبه على الكنبة بخفة وقال
سرحان في إيه؟ يا رب يكون في اللي شاغل بالنا كلنا
ضحك خفيف وطبطب على كتفه
* سرحان في كرم ربنا اللي ملوش آخر
عدل ادهم قعدته وبصله بجدية فجأة
بقولك يا سيف، انا عايز أسألك على حاجة من زمان ومكسوف، هو أنت حبيت ليلى إزاي؟ يعني لا كان بينكم كلام ولا خروجات ولا تعامل مباشر، الحب ده جه منين؟
سكت لحظة وابتسامة دافية اترسمت على وشه وهو بيفتكر
* الحب مش محتاج كلام كتير يا أدهم، ليلى كانت قدام عيني من سنين، من واحنا صغيرين، كنا قريبين من بعض اوي لحد ما كبرنا وبعدنا، شوفت أدبها، أخلاقها، مشيتها في الحارة وهي حاطة عينها في الأرض، وتدينها اللي ظاهر في أبسط تصرفاتها، كل ده خلاني أحترمها قبل ما أحبها، وبعدين يا سيدي اللهم بارك، ربنا خلقها جميلة قلباً وقالباً، يعني تتحب من أول نظرة ومن غير ولا كلمة
أدهم غمزله بهزار
يا سيدي يا سيدي على الرومانسية، ده إحنا وقعنا بجد بقا
كان لسه هيرد لكن الباب خبط وقطع كلامهم، قام ادهم يفتح وهو بيبرطم
مين الفصيل اللي بيخبط دلوقتي دة؟
أول ما فتح الباب ملامحه اتغيرت 180 درجة واتحولت لغضب واضح
انت؟! إيه اللي جابك هنا؟
كان مازن، واقف وشه باهت وباين عليه التردد
اذيك يا ادهم، سيف هنا؟
وقف سد الباب وقال
عايزين منه إيه تاني؟ ما تسيبوه في حاله بقا، وابعدوا عنه بشركم
قام سييف من مكانه وراح ناحية الباب
* في إيه يا أدهم؟ مين اللي على الباب؟
أول ما شاف مازن استغرب وساد صمت بينهم لثواني، اتكلم مازن بلهجة فيها رجاء وقال
سيف .. أنا عايزك في كلمتين ضروري، ومش جاي أضرك والله
بصله بتمعن وبعدين بص لأدهم وقال بهدوء
* اتفضل
أدهم اتنرفز وبصله بصدمة
أنت هتدخله بجد يا سيف؟ اللي زي ده المفروض يتطرد برا
سيف بصله بحدة وقال
* ادهم عيب
سكت ودخل الأوضة وهو مضايق، شاور سيف لمازن يقعد، قعد على اقرب كرسي وقال
سيف .. أنا مش جاي عشان حاجة غير إني أنبهك، وليد مش سايبك في حالك وعايز يرجعك السكة تاني بالعافية
* يعمل اللي يعمله، ميهمنيش
كمل بأسف وقال
انا عارف، بس هو فعلا مش سايبك في حالك، انت عارف ليه كل الشركات بترفضك؟ وليد هو اللي مسلط عليك ناس، أخوه الكبير شغال في مكتب توظيف وعلاقاته واسعة، وهو اللي مطلع عليك سمعة في كل الشركات عشان مفيش شركة تقبلك فتضطر تطلب مساعدته لما تضيق بيك
اتصدم و حس إن الأرض بتلف بيه، كل التعب والمشي تحت الشمس ونظرات الرفض الباردة كانت بفعل فاعل، كمل مازن وقال
أنا حبيت أحذرك بس، أنت نضيف و مش شبهنا، ومتستاهلش اللي وليد بيعمله فيك ده، انا قولت اللي عندي، وربنا معاك
فضل مكانه مذهول مش عارف ينطق، مازن انسحب بهدوء وخرج وقفل الباب وراه، وساب سيف وسط دوامة من الغضب والذهول، عرف أخيراً إن عدوه مش الماضي، عدوه هو وليد اللي لسه بيحفر تحت رجليه بكل قوته
يتبع..

الفصل التالي اضغط هنا

يتبع.. (رواية بين الردى والهدى) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق

error: Content is protected !!