رواية سيد الكبرياء الفصل الخامس عشر 15 – بقلم ميفو سلطان
.كانت فلك قد وصلت إلى حافة الانهيار تشعر بوحدة رهيبة تنهش روحها كانت تطلب مجرد نفس أو صدرا يشعر باوجاعها المكتومة التي لم تعد قادرة على حملها وحدها. وما إن وضعها صهيب فوق الفراش وهم أن يستدير ليرحل حتى فاجأته يدها المرتجفة وهي تقبض بكفه تلتمس فيه لحظة حنان ضائعة تتمسك بآخر أمل لها في الحياة
همست بوجع نفذ إلى اعماق قلبه لشدة صدقها هز كيانه…. وبرعشه برزت في صوتها
ممكن تخليك لحد ما أنام أنا.. أنا خا… خايفة ممكن؟
تسمر صهيب في مكانه ونظرات الارتباك تنهش ملامحه فهذه هي المرة الأولى التي يرى فيها انهيارها التام. المرة الأولى التي تطلبه هو بالذات ليكون امانها. ابتلع ريقه بصعوبة وقد تلاشي اي عنفوان لديه.
أما هي فقد قرأت تردده كأنه صفعة جديدة فشعرت بوجع أكبر يمزق كرامتها الجريحة. سحبت يدها بسرعة وقهر وهمست بصوت مذبوح….
آسفة.. روح شوف حالك.
استدارت بعيدا عنه وانكمشت على نفسها كعصفور جريح في مهب الريح واحتضنت روحها المكسورة بيديها. كان منظرها يخلع القلب جسد هزيل ينتفض تحت قوه شهقات مكتومة تخرج منها كأنها انتزاع للروح.
في تلك اللحظة ذاب جبروت ابن الشامي تحت حرارة دموعها. وجد نفسه وبدافع لا شعوري يكسر كل حواجزه واندس بجوارها فوق الفراش. وحين شعرت به حاولت أن تبتعد برعشة أخيرة. لكنه شدها إليه بقوة حانية محيطا إياها بذراعيه .
انحنى ودفن وجهه في ثنايا عنقها وهمس بلين غريب….
… انا جنبك… اهدي.. ونامي.
حين اشتد نحيبها وشعر بصدرها يضيق من فرط البكاء لم يحتمل صهيب رؤية هذا الانهيار فقد كانت شهقاتها تطعن كبرياءه في مقتل. مد يده ببطء ومسح دموعها بطرف أصابعه ثم همس بنبرة هادئة دافئة غريبة تماما عن قسوته المعهودة…
بس.. اهدي.. مش عايز أسمع صوت بكاءك ده تاني.
رفعت عينيها الحمراوين إليه بتيه فاستطرد وهو يسحبها لتستكين تماما في حضنه واضعا يده خلف رأسها ليدفن وجهها في صدره…
غمضي عينيكي يا فلك.. مش عايز تشوفي الوجع دلوقتي. حاولي تفتكري أي حاجة بتحبيها.. أي ذكرى حلوة كنت بتهربي ليها زمان. عيشي فيها لحد ما تنامي وسيبي الدنيا دي بره الأوضة. داعب شعرها ويده تغوص بداخله هامسا… انسي فلك بتاعه دلوقتي.
توقفت أنفاس فلك للحظة شعرت وكأن كلماته غطاء دافئ يُلقى فوق روحها المذبوحه. أغمضت عينيها بالفعل وبدأت تستحضر طيف والدها وهو يبتسم لها وشعرت بيد صهيب تمسد شعرها بانتظام كأنه ينومها مغناطيسيا.
استسلمت فلك لهذا الدفء الغريب وبدأت شهقاتها تهدأ تدريجيا وهي تشعر بأنفاسه تتغلغل اروحها تسري كالهلام تذيب أي مخاوف بداخلها.
بدأ يمسد على جسدها برفق وشعرت هي بنبضات قلبه تحت أذنيها كانت تلك الدقات كأنها لغة سرية تحنو عليها أكثر منه. فاندست بين أضلعه وتوسدت صدره تسترق لحظة أمان مسروقة من زمن لم يُقدر لها فيه الطمأنينة.
أما هو فقد أحس بزلزال صامت يجول في صدره. يداه اللتان اعتادتا البطش صارتا الآن تحاوطانها وتمسدان عليها بحنان . أغمض عينيه واستسلم للحظة لم يعد يشعر بما حوله فالكون قد تقلص ليصبح هو وهي وفقط كأن الزمان توقف ليمنحهما هدنة في ساحة معركة لا تنتهي.
كان يراقب ملامحها وهي هدأت تدريجيا وانامله تجوب وجهها وجبهتها بحنان. وأحس برغبة غريبة في أن يقبل جبينها. رغبة لم تنبع من غريزة بل من شيء بداخله يدفعه لا يفهمه . همس لنفسه وهو يرى استكانتها بين ذراعيه
معقولة دي فلك.. دي
ظل يراقبها وهي تغوص في نومها وتخبطه يزداد فهو الآن يمنحها الأمان الذي سلبه منها بيديه ويشعر بلذة خفية في كونها لا تجد ملاذا من وجعها إلا في صدره نفسه.
كانت تنتفض بين الحين والآخر في نومها وكلما لمسها ازدادت انغماسا في دفئه وتململت فوق صدره لا اراديا حتي صار كل انش من جسده يلامس جسدها . شعر بحرارة جسدها تشتعل في عروقه وقربها يوقظ فيه رغبات حاول قتلها طويلا. رفع خصلات شعرها عن وجهها وظل يتأمل سكونها بابتسامة حانية فبدت في نومها كأنها طفلة حالمه. .
ظل يداعب ملامحها لفترة ثم اقتربت أنامله من وجهها ولمس شفتيها برقة متناهية فانفرجتا تحت لمسته مما أثار في أعماقه عاصفة لم يستطع صدها. استسلم لنداء غريزته وانحنى يلثمها بلين لمسات هلاميه رقيقه مس يلهب قلبه ويداه تملكانها يحاوطها يشعر بكل انش بجسدها. تاه هو في رقه تلك الشفايف إلي أن شدته رغبته بجنون فلثمها باجتياح محموم.
بدأت هي تستعيد وعيها..اندفع للخلف برعب. فتحت فلك عينيها بذبول فوجدته قريبا منها بشدة. في تلك اللحظة تجمدت أنفاس صهيب وأغمض عينيه فورا متصنعا النوم بهروب فهو لم يقو على مواجهة عينيها وهو في هذه الحالة خشي أن تقرأ في نظراته هزيمة كبريائه أمام ضعفها.
أما هي فلم تبتعد. ظلت تتأمله بضياع كانت ملامحه وهو مغمض العينين تبدو أقل قسوة كأن القناع الذي يرتديه أمام الناس قد سقط وهو نائم. شعرت بصراع مرير يمزق أحشاءها عقلها يصرخ بأن هذا الرجل هو جلادها وقلبها المنهك يهمس بأنه الصدر الوحيد الذي شعرت فوقه بدفء افتقدته لسنوات.
كان شعورا غريبا يسيطر عليها. مزيجا من الأمان المسموم والاحتياج القاتل.
تنهدت بعمق وهي تشعر بغصة في حلقها لم تجد القوة لترحل. مالت برأسها وعادت لتغفو فوق صدره وظلت يداها تداعب قميصه لا إراديا في حركة عفوية زلزلت كيانه.
صهيب الذي كان يحبس أنفاسه أحس بلمساتها كأنها جمرات نار تخترق صدره. يغلي من فرط القرب ومن رقة حركتها التي جردته من كل أسلحته. شعر برغبة عارمة في أن يفتح عينيه ويضمها بقوة أكبر لكنه ظل صامد،يداري جريمة لين قلبه الذي بدأ يتشكل تجاهها.
أخرج زفرة حارقة مكتومة حين تأكد من استكانتها التامة وشعر بأنه في مأزق لم يحسب له حسابا ففتح عينيه وأخرج زفرة حارقة وانسل من الغرفة مسرعا كمن يهرب من قدره.ومن شيء مرعب يدور بداخله
نزل إلى الأسفل يحاول ترتيب أفكاره المبعثرة يجلد نفسه جلس يشعر بهياج أنفاسه لاهثه ……
عادي يا صهيب.. ست حلوة وقربت منك يعني إيه المشكلة؟ أي راجل مكانك كان هيحصله كده.. أنت أهبل دي رغبة عادية ما تفتكرش إنها جريمة.. أنت لا عايزها ولا هتخليها.
سهم قليلا ثم حدث نفسه بمرارة… ما تمشيها يا صهيب مقعدها ليه ما أنت كسرتها وخدت حقك مشيها وريح بالك.
قطع حبل أفكاره رنين هاتفه فرفع حاجبيه باستنكار حين رأى الاسم…. عماد
فتح الخط وهتف بضيق…. نعم خير يا رب بتطمن على إيه أنت مال اللي خلفوك؟ دي مراتي
اشتعل غضبه حين سمع كلمات الطرف الآخر فصرخ بهياج…..
نعم يا أخويا وأنت مالك هسيبها إمتى تاخدها… خدك ربنا في ساعة واحدة. أنت هتاخد مراتي وأنا قاعد…. أنت متفق.. بس ما اعتقدش الاتفاق ده هيتنفذ أبداً… أنت بتعلي صوتك ليه آخدها ولا أهببها.. مش بعتها عايز إيه.. ألمسها.. أبلعها.. أنا حر
هاج وعلا صوته.. انت ازاي حيوان كده انت متخيل انها هترجعلك بعد ماتسيبني …وعشان مالهاش حد ترجع وتنذل ليك انت وامك صح. انتو عيله انتو.. انتو قرف واعرف كويس ان فلك مش ليك ولا هتكون ليك ،،انت مال اهلك هتكوت لمين. حلت في عيني والا ماحلتش مالكش فيه ..اخدان مش هتاخد حتي لو سيبتها هعمل اللي مايتعمل عشان ماترجعلكش عشان انت ماتستحقهاش. اعصيها.. هيا عاصيه خلقه والله لو إيه ماهخليها تقرب منك تآني وهتشوف يا زباله انسي فاهم. اصرف تآني. هصرف مال أهلك برضه آه هصرف وهجيب لها قصر مالك برضه إنما تخش حياتك ماهيحصلش فلك أنضف منك ومن صنفك.
رزع الهاتف في الحائط وهو ينفخ كالثور الهائج، وصوته يعلو في أرجاء المكان بمرارة….
عيل زبالة.. خدك ربنا جاي ياخد مراتي؟
ظل ياكل في نفسه والغيرة تشعل داخله لم يستطع النوم وقلبه يغلي. وجد قدميه تقودانه للأعلى مجددا وقف يطالع وجهها الساكن وباندفاع وبلا تفكير اندس بجوارها وشدها إلى صدره بقوة مستشعرا دفء جسدها الذي أخمد نيران تعبه ليغرق في نوم عميق من فرط الإرهاق.
استيقظت فلك مع خيوط الصباح الأولى لتجد نفسها مسجونة بين ذراعيه. تنهدت بعمق واستعجبت من حالها كيف طلبت منه القرب بالأمس… وكيف استسلمت لهذا الحضن…
انسلت بهدوء ونزلت للاسفل جلست فوق الأريكة ورفعت قدميها تضم نفسها بضياع تفكر في مصيرها المجهول….
إيه يا فلك؟ للدرجادي ماعتش ليكي حد. إزاي تطلبي منه ينام جنبك… هيقول عليكي إيه دلوقتي… .
اعتصر الألم قلبها وهي تجيب نفسها….
مانا ماكنتش متحملة.. كنت هموت.. كان نفسي حد يحس بيا كنت لوحدي قوي.
اقترب منها عصام برفق متسائلا…..
مالك؟.
لمح الدموع في عينيها فتنهد بحزن….
سيبيها لله.. الدنيا لسه بخير.
ردت بصوت مخنوق…..
دنيا… هي فين الدنيا.. ماعتش ليا دنيا خلاص يا عصام.. كل حاجة راحت.
ابتسم عصام بصدق…
ما تقوليش كده أنا جنبك والله.. قولي يا رب وهتفرج.
همست بوجع هز كيانها….
يا رب.يا عصام تعبت.
تنهد وابتسم… فكري أن ده ابتلاء وثواب وان ربنا هو إللي خالقنا واخر إللي إنت فيه خير ربنا ما بيجيب حاجه وحشه لحد.
ابتسمت ونظرت إليه بامتنان… ربنا يخليك يا عصام إنت عارف إن أنا ماليش حد يحن عليا غيرك دلوقتي. مش عارفه أشكرك إزاي.
زادت ابتسامته… انا جنبك ومهما حصل هفضل جنبك.
في تلك اللحظة دخل صهيب وبنظرة واحدة صرف عصام من المكان. جلس بجوارها يراقب انكماشها وسكونها الغريب. لم تكن هذه هي فلك التي يعرفها. اقترب أكثر وهمس بلين لم يعتده…
مالك؟.
أحنت رأسها ولم تنطق بحرف. ابتلع ريقه وأكمل بمحاولة لاستفزازها…
من امبارح وفلك مش موجودة.. أنت جرالك إيه؟.
لم ترد فتنهد بغضب مكتوم فهذا الهدوء يقتله أكثر من صراخها. قال بلهجة آمرة…. طب قومي نفطر في المطبخ.. قومي.
هزت رأسها بجمود مميت…
شكرا.. ماليش نفس.
اشتعلت حدته وهو ينهض…
قومي بقولك ما تعترضيش.
ابتسمت بقهر شحب له وجهها وقامت بصمت…
تحت أمرك.
مشى خلفها وهو يشعر بالقلق ينهش صدره هي مالها عاملة كده ليه.. وإيه تحت أمرك دي… دي مش فلك.
دخلا المطبخ وأمر الخادمة بإعداد الطعام وظلت هي ساهمة غائبة عن الوجود كأن روحها غادرت جسدها . وضع الطعام أمامها وهي لا تشعر اقترب وقال بحزم….
يلا افطري. لم تسمعه مد يده إليها هاتفا…… فلك.
انتفضت بذعر كأنها استيقظت من كابوس فقال على الفور لتهدئتها…
براحة مافيش حاجة.. ده الأكل كلي
.
نظرت إليه نظرة ميتة خالية من أي بريق ثم بدأت تأكل بآلية وهي في عالم آخر. ظل يراقبها بضيق أراد أن يستعيد فلك المتمردة التي تشعل حواسه فهتف بخشونة مفتعلة…. لعله خير يثيرها… ولما تخلصي أكل المطبخ يتمسح ويتروق.. مش هنخدمك إحنا هنا.
رفعت عينيها ببطء ونظرت إليه بهدوء مخيف ثم قالت بنبرة مسلوبة الإرادة…..
حاضر.. اللي تشوفه ؟
خفق قلبه حين احنت راسها وتركت الطعام واتجهت تنظف المطبخ..
صعقه الرد كانت الكلمات تخرج منها كأنها طعنات في كبريائه. لم يكن يريد عبدة كان يريد خصما يشعر من خلاله بأنه حي. خفق قلبه رزع الكرسي وقام بحدة وهو يصرخ….
أنت إيه جرالك إيه فين لسانك فين عندِك
نظرت إليه ببرود شديد وقالت
مش ده اللي كنت عايزه من الأول إني أسمع الكلام وما أنطقش أدي أحلامك اتحققت..
وأكملت تنظيف المطبخ
أحس بقلبه ينغزه وكأن نصلا اخترق ضلوعه لم يصدق ما وصلت إليه كيف استكانت هذه الفرسه الجامحة وما الذي مرت به حتي يجعلها تستكين بهذا الشكل.
اندفع نحوها وقبض على يدها فجأة فنظرت إليه بدهشة باردة .
صاح بصوت يحاول به طرد شعوره بالذنب:
ارمي اللي في إيدك ده فورا.
قطبت جبينها بآلية واستنكار باهت….
ليه؟ مش قولت هنضف؟
رد بهياج وهو يحاول مداراة ارتباكه وفشله…..
لا مش هتنضفي ومش هتعملي حاجة.. أنا كنت، كنت بهزر معاكي.
ثم تابع بغضب مكتوم ولهفة لا يفهمها..
قومي اجهزي عشان هخرجك أنت بقالك كتير محبوسة هنا.
ابتسمت بسخرية مريرة رسمت على وجهها ملامح ذابلة….
نخرج… مين… أنا أخرج؟
رد بإصرار وكأنه يحاول إحياء شيء مات داخلها….
آه هخرجك.. شكلك بقى صعب قوي.
اتسعت ابتسامتها بمرارة وقالت بصوت ملىء بالخيبة….
إيه صعبت عليك… ما تحملش هم أنا مش مضايقة ما تشغلش بالك خلاص ماعتش حاجه توجع تآني .
همت بالقيام لتكمل عملها فقبض على ذراعها بقوة وهو يهتف بإصرار…
بقولك هنخرج اسمعي الكلام وما تخلينيش أفقد أعصابي….
استكانت لثوان وسكنت تحت وطأة استسلام مخيف ثم نكست رأسها مطت شفتيها بلا مبالاه وهمست بنبرة جردته من كل لذة للقوة…..
تحت أمرك.. اللي تآمر بيه.
نزلت كلماتها عليه كالصاعقة لم يكن يتخيل أن كلمه تحت أمرك ستكون أقسى من كل صرخات التحدي التي كانت تقذفها في وجهه وكأنها تخبره بصمت أن الجسد الذي يملكه الآن صار بلا روح.
ظل ينظر إليها بضيق ينهش صدره فالسكون الذي يلفها كان ثقيل علي قلبه. انطلق بها في السيارة والصمت يطبق على المكان وكلما سرق نظرة إليها وجد عينيها ساهمتين بنظرة ميتة وكأنها غادرت الحياة وهي لا تزال تتنفس.
هز راسه بيأس… هو فيه ايه مالها كده.
وصل بها إلى شاطئ البحر حيث كانت الأمواج تداعب الرمال كان يشعر أن البحر هو ملاذه كي يخرجها من تلك الحاله.وكانت هيا بالفعل تعشقه منذ كانت مع والديها
توقف وهتف بخشونة ليخفي قلقه….. انزلي.
نزلت بصمت جنائزي فجذبها نحو أحد المراسي وهو يقول….. يلا تعالي.عندما حان وقت النزول كانت فلك لا تزال غارقة في حزنها وتتحرك بوهن. مد صهيب يده ليساعدها وحين وضعت كفها الصغير في يده لم يكتفِ بمساعدتها بل أطبق أصابعه على يدها بقوة تملكية زائدة. أحست فلك بالألم وحاولت سحب يدها لكنه لم يتركها وظل يسير بها وهو يشدد قبضته وكأنه يرسل رسالة غير مرئية وللعالم ولنفسه قبلهم…. كلك ملكي أنا. .
نظرت إليه بتعجب فمد يده وشدها بقوة لم يحسبها لتتعثر وتقع في أحضانه.
للحظة التقت عيناهما وكانت نظراته حانية بشكل مريب مما أربكها فابتعدت عنه مسرعة وهي تلملم شتات نفسها.
انطلق المركب يشق عباب الماء فجلست فلك على السطح، تستنشق هواء البحر العليل وتغمض عينيها. بدأت تستعيد ذكريات أبيها وأمها فارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة وموجعة ورفعت يدها تلقائيا لتتلمس مكان سلسلتها المفقودة تشعر بوحدة تنهش أركان قلبها.
كان صهيب يشعر بوخز في جيبه حيث يخبئ تلك السلسلة المحطمة. كان يريد أن يخرجها ويقذفها في وجهها. لكن كبرياءه كان يمنعه ويحول هذه الرغبة في الاحتواء إلى غضب ونظرات نارية.
اقترب صهيب ووقف يراقبها بصمت يحاول اختراق أسوار أفكارها. شعور غريب بالغيرة بدأ يغلي في عروقه هل تفكر في عماد؟ أم في ذلك الطبيب؟ لماذا تبدو هائمة هكذا؟
وضع يده على قلبه الذي بدأ يخفق بدقات مضطربة لم يعهدها ثم اندفع متسائلا بلهجة تقطر سما……
لسه بتفكري فيه لسه بتحبيه.
استدارت إليه وقطبت جبينها بتعجب فأكمل بحرقة ….. إيه لسه بتحلمي بيه؟
سرحت فلك في الأفق البعيد وغامت عيناها بذكريات طموحها المحطم وقالت بصوت هامس كأنه آت من عالم آخر:
طول عمري بحلم بيه.. طول عمري عايشه عشانه عشان أحقق حلمي.
لم تكن تقصد رجلا بل كانت تقصد كيانها نجاحها الذي صار رمادا. لكن غيرة صهيب العمياء جعلته يفسر الكلمات كما يهوى قلبه المشتعل فاقترب منها بخطوات تهديدية وعيناه تشرر غضبا.
هتف بغضب وقد أكلت الغيرة المكتومة قلبه وصوته خرج مخنوقا…..
حتى بعد ما راح منك لسه بتفكري فيه. لسه ليه مكان في خيالك؟
نظرت إليه بذهول استنكرت وقالت بنبرة جافة….
وأنت عرفت منين إنه راح مني؟ ثم قامت وابتعدت عنه تاركة المكان لتتجنب بركان غضبه الذي لا يهدأ.
وقف صهيب يضرب أخماسا في أسداس وعقله يصور له أبشع السيناريوهات…
هي هبلة… أيوه راح وغار في داهية أومال ماراحش ليه.. لتكون متفقة معاه؟.
اندفع خلفها كالإعصار وقبض على ذراعها بعنف وهتف بمرارة…..
لا راح خلاص ولا عاد هيخش دنيتك تاني أنت إزاي رخيصة كده… بعد اللي عمله فيكي لسه متمسكة بيه؟
كان الغليان يسيطر على عروقه وظل يهزها بعنف زلزل كيانها وهو يصرخ….
هترجعيله بعد كل ده.. لسه بتحلمي بيه وبتحبيه بعد ما باعك وقبض الثمن؟
كانت تنظر إليه ببلاهة تامة فقد كانت غارقة في حلمها المهني وطموحها الذي اغتاله هو ليعيدها صوته الأجش إلى واقعها البشع بصدمة. دفعته عن صدرها بكل ما تملك من قوة وصرخت بجنو…..
أنت بتقول إيه أنت. مين ده اللي هرجعله؟
صرخ بجنون وهياج أعمى بصيرته….
اللي لسه بتحلمي بيه يا هانم. لا وعاملة فيها شخصية وفلك اللي ماحدش يجي عليها. وأنت واقعة لشوشتك للبيه اللي باعك وبتحلمي بيه قدام عيني…
توقفت أنفاسها للحظة من فرط الذهول وهمست وهي لا تصدق أذنيه….. مين؟ أنت بتتكلم عن مين بالظبط؟
فصرخ بصوت هز أركان المركب…. هو فيه غيره.. المحروق اللي اسمه عماد.
ساد صمت مفاجئ وجمدت ملامح فلك لثوان وهي تستوعب حجم الفجوة بين تفكيرها وظنونه السوداء ثم رفعت حاجبها بسخرية مريرة وهتفت بنبرة تقطر وجعا وتهكما….
أنت فاكر إني بتكلم عن عماد. .
أحس بنبضات قلبه ستنفجر من فرط الغيظ فهتف بصوت أجش…..
نهارك أسود… أمال مين اللي بتحلمي بيه ليكون الزفت الدكتور. انت إيه بتنقلي في لحظة من واحد للتاني.
قطبت جبينها وظلت تتأمله بصدمة وكيف يسوء ظنه بها دائما فصرخ فيها بغيظ…. أنت بتبصيلي كده ليه إنطقي.
تنهدت وهتفت بهدوء ممزوج باليأس وهي تهز رأسها…. بفكر أنت إزاي كده. وجايب تفكيرك ده منين بحاول أفهمك بس حقيقي مش عارفة. أنت فاكر إني هرجع لعماد أو بحلم بيه. أنت ده عقلك اللي صورلك كده.
ابتسمت باستهزاء وتابعت…. تخيل كده تحب حد ويرسملك دنيا جميلة تعيش فيها عمر ويجي يبيعك بالرخيص. على فكرة الفلوس اللي دفعتها مش غالية ده اسمه رخص. رخص أخلاق ومشاعر وعماد رسم نهايته من حياتي بإيده وبأبشع طريقة.
أخذت نفس كبير و فرت تنهيده موجعه… بس على فكرة أنا بحمد ربنا إن ده حصل. لأن أنا اتأكدت إني عمري ما حبيت عماد.
نظر إليها بدهشة شلت حواسه فابتسمت بسخرية مريرة كأنها تفتح جروحها أمامه…. آه والله أنا حبيت في عماد إنه الوسيلة اللي هتخرجني بيها من البيت ده البيت اللي شفت فيه غلب ماحدش شافه. عمي راجل مالوش كلمة ومراته ست جاحدة. ماعرفش كانت بتكرهني ليه مع إني معملتلهاش حاجة. أنا عمري ماعملت حاجه لحد كنت دايما في حالي. كل نفسي أعيش والاقي حد يطبطب عليا. لدرجة إني كنت بصرف في البيت عشان أخزي عينيها وأجيبلها هدايا بس برضه مش طايقاني.
لما ارتبطت بعماد كنت بتمنى أخرج من البيت كل تفكيري أخرج منه لدرجة إني كنت بساهم في فلوس الشقة وأدفعله. كان كل مرتبي رايح عليه ومرتبي كان كبير ماهمني عشان أخلص. ابتسمت بسخريه… وأهوه اديني الحمد لله خلصت. بص هيا درجات اخلص من عماد وبعدين….
صمتت فجأة وأشاحت بوجهها نحو الأفق البعيد.
احس بكلبشه في صدره فاكمل هو بسؤاله اللي كان خنجر في صدره….. وبعدين تخلصي مني أنا كمان مش كده
تنهدت وقالت بجمود…… ماهو هيجي يوم نخلص من بعض.
رد صهيب وقد ابتلع ريقه بصعوبة وشعر بشيء ينسحب من روحه….. يعني مش هتروحيله ماهو ماهيبقاش ليكي مكان على فكرة ممكن تقعدي هنا يعني مش شرط تمشي.
ذهبت فلك إلى طرف المركب ووقفت أمام الريح وعيناها معلقتان بالأفق….. هو أنا عشان ماليش حتة فاكر إني هروحله. دانا لو هشحت في الشارع مادخلش عماد وأمه في حياتي تآني.
ثم سهمت قليلا وتابعت بلهجة تقطر سما ووجعا……. عايزني أقعد هنا إيه هتشغلني خدامة ولا هتشغلني إيه يا صهيب بيه.
اندفع لا شعوريا وبدون تفكير….. لا والله أبدا ما تحصل. ما قصدت أنت تقعدي كل طلباتك مجابه عادي.
قاطعته بغرابة ودهشة أخرجتها من سكونها….. عادي بمناسبة إيه هبقى مطلقة هقعد في بيت واحد غريب.
تنهدت بعمق وأكملت….
اطمن ربنا بيحن ع الحيوان مش هيحن على بني آدم أنا اه زمان الشغل مشوني بسبب الحبسة بتاعتك بس هيجي غيره شالله أشتغل أي حاجة.
أحس بوجع في قلبه كأن أحدا يعتصره بيده فقال بصوت خافت يحمل تساؤلا قديما…..
أمال ليه قولتي إنك كنتي بتحلمي بيه.
لم تنظر إليه وظلت شاخصة ببصرها نحو الأفق البعيد وابتسمت ابتسامة هادئة أضفت على محياها جمالا يأخذ العقل جمالا حزينا يمزق الروح ثم هتفت بهدوء …..
ماجاش في بالك إني ليا حلم زي البني آدمين. ولا أنت مش شايفني من جنس البشر.
اردف هو برهبه… حلم.
قالت بابتسامة صافية تقطر وجعا…. آه حلم.. تصدق فلك الجربوعة ليها حلم؟ أو بالأصح كان ليها حلم. حلم من يوم ما وعيت ع الدنيا وهو بيكبر معايا لحد ما تمكن مني وكنت عايشة عشانه.
هتف هو بفضول ينهش صدره…. حلم إيه ده؟
قالت بقهر وهي تبتعد عنه وكأنها تخشى أن يلمس بقايا أملها…
خلاص.. ده كمان راح، كل حاجة راحت. ركنت بجسدها على طرف المركب ونزلت دمعة وحيدة من عينيها.
هبت نسمة هواء قوية طيرت خصلات شعرها الحريري لتغطي وجهها الباكي. وجد صهيب نفسه يرفع يده بآلية ودون تفكير ليزيح الخصلات عن عينيها. تلامست أصابعه مع بشرتها الباردة. فشعر بكهرباء تسري في جسده جعلته يتصلب. فلك تجمدت ونظرت إليه. أما هو فقد سحب يده بسرعة وكأنه لمس نارا واشتعلت داخله غيرة مجنونة حتى من الهواء الذي يلامس وجهها
فرجف قلبه واقترب منها وأدارها لتواجهه وهو يقول… إيه هو؟ شاركيني.. عايز أعرف.
نظرت إليه والدموع تلمع في عينيها كاللؤلؤ الجريح… ماعدش ينفع خلاص.. بقولك كل حاجة راحت.
فاكمل بإصرار غريب… لا أنا عايز أعرف شاركيني وأنا أقدر أحققلك كل حاجة.. أنا معايا كل حاجة تتخيليها.
نظرت إليه بنظرة هزت كيانه… أنت ليه دايما بتتكلم عن نفوذك وفلوسك وسلطتك؟
رد بزهو يحاول به مداراة عجزه أمام دموعها…
ماهي دي الدنيا.. بطلب يُجاب.
قالت بمرارة…. آه دنيا السيد والعبيد صح؟ تنهدت بعمق وتابعت…. أشاركك حلمي؟ ماهو ماينفعش.. أولا أنا تعبت وماعدت هدور على حاجة… ثانيا أنت وأنا مفيش بينا حاجة أشاركك بيها وأكلمك عن حياتي وأحلامي أنت حد غريب عني ببعد عنه.
نظرت إليه بصدق وقالت….. أنا مش هشارك حياتي مع حد بخاف منه.
رجف قلبه بشدة فهمست… أنا مش بخاف منك اللي هو خوف إنك تعمل فيا حاجة.. لا الروح للي خالقها. أنا بخاف منك ومن اللي جواك.. الإنسان لما يبقى من غير مشاعر بيوجع من غير ما يحس.
قالت بقهر ووجع ظهر في نبرتها… بتقولي أشاركك ليه هتفرح بحلمي مثلاً… هتحبه وتحبلي الخير؟ أنت جايبني هنا تذلني أقوم أشاركك حلمي؟.
ابتسمت بسخريه… هتدخلني حياتك مثلا؟ إذا كنت أنا ماعرفش عنك أي حاجة. كل اللي أعرفه إني متجوزة واحد اسمه صهيب الشامي وللأمانة مش عايزة أعرف عشان يوم ما أخرج من هنا أنسى ماعرفش عن دنيتك حاجة تخليها تعلم فيا.. تقولي أشاركك؟ حلمي مابيتحققش بالنفوذ. حلمي هيتحقق بالإحساس وبإن اللي قدامي يحس بيا وباللي بعمله وينبهر بيه.. إنما فلوس؟
رد بمقاطعة… مين قال إن الأحلام ماتتحققش بالفلوس؟ أنا أقدر أديكي..
فقاطعته بصرخة مكتومة… بطل من فضلك أنا آخر واحدة تتكلم معاها ع الفلوس. أنا بقيت أكره الفلوس لأنها سبب وحلتي.
شعر ببعض الغضب من رفضها المستمر لهيبتهو سلطته…. عارفة.. ناس كتير يتمنوا ويحلموا يبقوا مكانك.
نظرت إليه وهمست بوجع يفتت الصخر…. مكاني…. ماتمناش لحد يبقى مكاني أبدا.
اقتربت منه وهمست وقد سالت دموعها بحرقة هزت كيانه…… ماتمناش لحد يحس بالوحدة اللي أنا فيها. يحس بالوجع إن مفيش إيد تطبطب عليك في عز قهرتك.. ماتمناش حد يحس إنه راحت منه كل حاجة بأبشع طريقة.. ماتمناش لحد إنه يبص للي قتله ويقوله حن عليا.
انت متخيل انا في إيه. أنا إمبارح من وجعي وقهرتي طلبت منك تخليك معايا.. شفتش غلب أكتر من كده. إني مش لاقية حنية لوجعي بطلبها من اللي وجعني؟
تابعت بنحيب مزق نياط قلبه…من يوم ما اهلي ماتو وانا بحس بوحده رهيبه. كنت دايماً لما أتوجع أضم نفسي وأمسك سلسلتي وأغمض عيني وأقعد أحس إن بابا وماما معايا.كنت بصرف في بيت عمي عشان يحنو عليا. أنا إمبارح كنت محتاجة حضن أهلي لأن ماليش حد ماعرفتش ماحدش يحضني.. لقيتك أنت حتى لو أنت الوجع نفسه.
شعر صهيب وكأن الأرض تميد به. كان كلامها كالماء الذي أذيب فيه الملح فوق جرحه المفتوح.
تراجع الغضب في عينيه وحل محله ارتباك طفولي لم يختبره منذ زمن. اقترب منها خطوة واحدة كانت كافية لتلفح أنفاسه وجهها الباكي. ومد يده ببطء شديد كأنه يخشى أن تنكسر بين أصابعه إذا لمسها. وبأنامل مرتعشة رفع ذقنها لتنظر إليه فغاص في بحر دموعها الذي عكس انكسارها.ثم يكفيه أحاط وجهها ملامسة عنقها بانامله
همس بصوت مبحوح لم تدرك هي أهو اعتذار أم حشرجة كبرياء…
تفتكري أنا كنت عايز أكون الوجع ده يا فلك؟
قطبت جبينها لم تفهم ماذا يعني.
وقبل أن تجيب وجد نفسه يضم وجهها بين كفيه بخشونة حانية وبإبهامه بدأ يمسح دموعها برقة مباغتة جعلت قلبها ينتفض. مال برأسه حتى لامست جبهته جبهتها وأغمض عينيه بقوة وكأنه يحاول استجماع شتات نفسه المتخبطة.
في تلك اللحظة لم يكن صهيب الشامي صاحب النفوذ بل كان رجلا تائها أمام امرأة سلبت منه قوته بضعفها. استشعر دفء وجنتيها فخفق قلبه دقة غريبة زلزلت كيانه وهمس بتوهان وهو مغمض العينين…
أنا موجود جوزك .. حتى لو كنت أنا الوجع أنا هنا.
ثوان من السكون الرقيق مرت بينهما غابت فيها الدنيا ولم يبقَ إلا صوت أنفاسهما المضطربة فوق سطح الماء. كاد يغرق في سحر تلك اللحظة كاد يضعف ويشدها لصدره ليمحو كل قهرها لكن فجأة.. لمعت في عقله صورتها وهي تتحدث عن حلمها وكرامتها التي داسها فانتفض قلبه خوفا من هذا الضعف.
سحب يديه فجأة وكأن نيران الحقيقة قد لسعته وتراجع خطوة للخلف وهو يتنفس بصعوبة، محاولا استعادة قناع الجمود الذي سقط منه. نظر إليها بنظرة تائهة يمزقها التخبط بين رغبته في احتواء حطامها وبين خوفه من أن تملك هي زمام أمره.
كانت تشعر التخبط ولكن كلمه جوزك كانت تتردد بعنف بداخلها… همست بقهر جوزي… انت متأكد من الكلمه دي. هزت راسها بيأس…
أنا مشكلتي دايماً إن لما بتوجع ببقى عايزة حضن بحس إني بموت. لما حد يلمسني ويحن عليا بحس بشوية أمان.. بتقول جوزي هتحن عليا مثلا.. انا كنت بوهم نفسي إمبارح عشان ماموتش من القهر. مافيش ده مفيش أنا ماليش حد.. تقولي مكاني وأمله وجوزي. هو فين مكاني ها قولي؟ أنا هنا ولا حاجة.. مرات صهيب الشامي بس مش مراته بيستعر منها عشان مش أد المقام.. أنا إيه قولي؟ هكون زوجة مثلا ليك ولا عمرها هتحصل.
أنا ماليش مكان ولا هبقى.. أنا عايشة كده حاجة تتأخد وتتجاب من خلق الله.. أبشع إحساس إن اللي سابني ماليش قيمة عنده واللي خدني هو كمان ماليش قيمة عنده. بطل الله يخليك.. كلها شوية وترميني من حياتك لأن ماليش ولا هيكون استحالة.
بينما كانت تهمس بوجع وقربها منه كاد يلامس صدره لم يسمع صهيب فقط صوت بكائها بل تسللت رائحة عطرها المختلطة بنسيم البحر إلى رئتيه. للحظة تشتتت أفكاره الغاضبة ووجد عينه تتركز لا إراديا على شفتيها المرتجفتين وشعر برغبة عارمة في أن يجذبها إليه ليصمت هذا الوجع. ليس حبا – كما يقنع نفسه – بل لأنه لم يعد يحتمل رؤية هذا الشتات في امرأة يملكها.
قبض على يده بقوة خلف ظهره حتى كادت أظافره تغرس في جلده ليمنع نفسه من لمس وجهها.
الا انه اندفع صهيب قائلا بصوت يرتجف من أثر كلماتها التي جلدت روحه… إيه.. مش ممكن تحبيني؟
ضحكت هي بمرارة وسخرية لاذعة فرد بحدة وغيظ…. إيه.. حاجة تضحك قوي؟
هتفت من وسط ضحكتها الباكي…. تضحك ده تموت من الضحك.. أحبك.. أنت متخيل إن الضحية ممكن تحب جزارها أنت متخيل إن البنت اللي أهنت كرامتها وكسرت حلمها وحبستها ممكن في يوم تفتحلك قلبها؟
لقد كانت كلماتها كالرصاص الذي اخترق غروره..
بص لبعيد وهو بيجز على سنانه وقال بغرور جريح…
على فكرة أنا لو عايزك تحبيني هخليكي تحبيني.. صهيب الشامي ما فيش حاجة بتقف قدامه.
ابتسمت بمرارة وبصت للبحر… ليه هتتعب نفسك ليه وتضيع وقتك. هتستفيد إيه بقلبي. قلبي عندك مالهوش قيمة.. غير إني أصلا استحالة أحبك.
انفعل بجنون وقرب منها… ليه إن شاء الله؟ دا غيرك بيتمني نظرة بس.. إيه اللي فيكي زيادة؟
تنهدت بيأس… تاني يا سيدي أنا بقى مش بتمنى.. أنا لو فكرت تاني أو من الأساس أدخل حد حياتي لازم يكون قد الحب ده.. فلك مش لأي حد. أنا عايزة سند قلب يحب من جواه قلب يراعي ويطبطب.. قلب يحس بوجعي وبس. لما يكون موجود أبطل أخاف.. دانا بقيت أخاف قوي من يوم ما أبويا مات والخوف حط عليا وزاد لما عملتوا فيا كده.. تقولي أحبك؟
بصت في عينه بصدق وجع قلب… أنا ماعرفش أحبك لأن قلبي بيخاف منك. إنت من جوه صعب وقاسي ومالكش عزيز.. لو وقفت قدام كبرياءك مرة هترميني وتدوسني وتخطيني. كبرياءك مابيتلمسش.. إنت عندك كِبر ماينفعش يتحب لأن الكِبر مابيمشيش مع الحب. الحبيب بيفضل حبيبه عليه وبيحب مصلحته إنما إنت صهيب الشامي.. دايما إنت الأول وأي حاجة بعدك.
كملت بقهر وهي بتبعد عنه..انا عايزه حضن ماتعرفوش. اسكت والنبي ومشي دنيتك يابن الناس.. أحبك عشان تخلعلي قلبي في يوم؟.
استدارت وتركته يقف بيغلي كلامها كان زي السياط اللي بتجلد غروره. مسك طرف المركب وشد عليه لحد ما عروق إيده برزت وهو بيكلم نفسه بحرقة… استحالة تحبني ليه دانا ماحدش يطولني.. أنا أصلا كتير على أي واحدة. تيجي دي وتقول استحالة؟ فلك مش لأي حد.. مالها متفرعنة كده ليه؟ أمشي دنيتي وأنساكِ وتمشي وتروحي تحبي وتعيشي عشان ماخلعلهاش قلبها مانا بالنسبالها ولا حاجة.
ظل ساهما لفترة والغليان بيفور في عروقه.. فكرة إنها ممكن تكون لغيره إن قلبها يملكه راجل تاني وهي بترفض حبه هو كانت بتجننه. أغمض عينه وهو بيتخيلها مع واحد تاني بتديله الحنية اللي رفضت تديهاله.. هز راسه بعنف وغضب…. لا ماينفعش.. ماينفعش تكون لحد.
سهم للحظه فجأة لمعت عينيه ببريق غريب وقبض على طرف المركب بقوة وارتسمت على شفايفه ابتسامة ساخرة باردة وتحولت نظراته لخبث رهيب.. ضحك بمرارة وهز راسه بتحدي وأطلق ضحكه عاليه … هنشوووف يا فلك.. هنشوف.
استدار واتجه ناحيتها بخطوات واثقة وهادية هدوء ما قبل العاصفة علي ثغره ابتسامه تحمل كل خبث الدنيا وكأنه قرر تغير خططه كلها لتلك الجميله. ……
……
هتعمل إيه يا بقره مهجنه مش مرتحالك
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية سيد الكبرياء) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.