رواية ليلة بلا خروج – الفصل الرابع
صرخت بكل قوتي، كأن صوتي ما كنش مجرد كلمات، كان وجع حقيقي… كسرة صاعقة!
سحبوني بعيدًا، جسمي بيقاوم، بصرخ، بركل، بحاول أفلت… لكنهم كانوا أقوى!
الظلام بدأ يبتلعني ، وآخر حاجة شفتها كانت…
عينه مليانة دموع، ورأسه بيقطّر دم…!
“صوت خافت، كأنه بيحاول يخرجه من الإغماء”:
-حمدلله على سلامتك يا موري.
“يهمس، صوته مبحوح بالكاد يُسمع”:
_ بتووول.. بتـــــــــول.
” يضحك بسخرية، يحاول يستوعب كلامه”:
-لا يا أخويا، أنا مالك أخوك… مين بتول دي؟ يايلا صحيح؟
“يحاول يرفع رأسه، الألم يشده للخلف، يئن بصعوبة”
_أنا فيــــن..
– في المستشفى… الجيران لقيوك غرقان دم، جابوك هنا، وكلموا أبوك… وكلموني علشان نلحقك.
“يتنفس بعمق، وجهه يشتد بالغضب”:
_لازم ألحق بتول بسرعة… آه!
– يا شيخ اتنيل! دا انت واخد كمية غرز في دماغك، مش هتعرف تمشي حتى للحمام!”
_ عايزك في خدمة بس مش بصفتك أخويا بصفتك حضرت الظابط.
“يرفع حاجبه، ينظر إليه بتركيز”
-أخوك سداد… بعيدًا عن إني ظابط، متستغلش الوطن.
“ضحك بسخرية، رغم الألم في صوته”
_قال يعني انت الوطن؟! أنا عايز أعرف مكان بتول… وكل حاجة عن عاصم القاضي.
يحاول يخفي رد فعله، لكن نظراته تفضحه:
-عاصم القاضي؟!!.
_أيوة، الجار اللي سكن جنبي من كام شهر.
“يتنفس بعمق، ثم يقول بصوت ثابت :”
-بتول تبقى بنته؟!
“يهز رأسه ببطء، عينه مليانة غضب مكبوت:
-لا، دا عمها… ظالم، مفتري… واكل ورثها!..على الرغم أنه الواصي عليها.
” يبتسم بسخرية مُرة:”
-نهايته قربت، ومتسألنيش مينفعش أحكي أي حاجة خارج إطار الشغل.
“يحاول ينهض، يضغط على ذراعه، الألم يقاومه، لكنه يصر:”
_ أنا عايز بتول تبقى في شقتي النهاردة.
“يرفع حاجبه بصدمة: “
-انت عبيط؟! وأنا هجيبها منين؟!
_ بالقانون.
– ماشي كلامك، بنت وعمها هتبلغ إزاي…القانون هيتدخل إزاي وانت لسه بتقول دا الواصي.
“يضع يده على جبينه، يحاول يفكر… لكن الألم ينهشه، ذهنه ضبابي:”
_مش عارف… بحاول أفكر… بس الألم مش مخليني مركز.
“ينظر إليه بتركيز، يبتسم بسخرية طفيفة:”
-ألم الفراق؟! مين البت اللي سحرتك في يوم وليلة دي؟!
“عينيه تلمع، مزيج من التشتت والانجذاب.
يغمض عينيه للحظة، كأنه يستعيد صورتها”
_بتول مش مجرد بنت… هي حالة، شيء غريب لكن مألوف، حاجة تخطفك من أول لحظة بدون ما تعرف السبب.
كان فيها شجاعة مش عادية، القوة اللي مش محتاجة إثبات، الجميلة اللي جمالها مش بالكلام، لكنه في طريقة نظرتها، في هدوئها وسط العاصفة، في ضحكتها اللي تهز أعمق مكان فيك بدون صوت عالي.
كانت زي أول نسمة بعد صيف طويل… مش بس جميلة، مش بس قوية، لكن فيها حاجة مستحيل تسيبها… حاجة تخليك عايز تفضل قريب، وانت مش عارف إيـه هي الحاجة دي، لكن تفضل قريب، مهما كان الثمن.
| على الصعيد الآخر |
“مكنتش متخيلة إن الخوف له طعم، لكنه سايح في فمي دلوقتي، مرّ زي العلقم، ناشف زي التراب اللي بيغطّي الأرض حواليا.
حاولت أفك إيدي، لكن القيد كان غارس في جلدي، كل حركة بتسيب علامة، كأن الحبل بيتوعدني إنه مش هيسيّبني إلا وعلامته محفورة في لحمي.
عينيا كانت مفتوحة نص فتحة، كأني لسه بين الصحيان والغيبوبة، لكن الحقيقة إني شايفة كل حاجة، سامعة كل حاجة، وحاسة بكل وجع بيتسرّب لعضمي.
المكان مهجور، مغطّى بزيوت محترقة وريحة الصدأ، حيطانه رمادية كأنها بتشهد على الذنوب اللي ارتُكبت هنا ، وكأن الزمن نفسه وقف مستني الجريمة اللي جاية.
سمعت صوت خطوات تقرب، الأرض نفسها كانت بتئن تحتيه، زي ما أنا بصرخ جواي من غير صوت.
_ بقى أنا يتلعب معايا اللعبة القذرة دي؟!
” شعرت بيده تغوص في شعري، شدّني، جمجمتي وجعتني كأنها هتنخلع من مكانها، الألم كان أكبر من أي حاجة تقدر توصفه.
شد اللاصق عن فمي عرفت معنى الألم الحقيقي لما حسيته بيفتح جُرحي، صوتي خرج منّي بدون سيطرة، صرخة ممزوجة بكل وجع جوّايا.”
= ألحقوني… ياناس أنا بكرهك… بكرهك…
“عينيه كانت بتراقبني، فيها غِل مش طبيعي ، كأنه بيحاول يحكِم قبضته عليّ، كأنه مستني اللحظة اللي استسلم فيها.”
_أنتِ عارفة اللي يعصي كارم عاصم يتعمل فيه إيه؟
“ما رجعتش، فضلت عينيي ثابتة عليه، فيها غضب أكبر من خوفي.”
= مين كارم؟ مين عاصم؟ أنتوا ولا حاجة من غير فلوس بابا…
“حسيت بيه بيرفع إيده علشان يضربني، لكن صوتي سبقها.”
=قطع إيدك… إياك تمد إيدك عليا! موتني، ادفني هنا، لكن مستحيل أتجوزك! أنت تالف، خسران، وسُكري!
“شاف الصدمة في عينيا، بس ابتسامته قالتلي إنه مش ناوي يتراجع.”
_ دا على كده، أمير بقى سيطر على القلب خالص… طبعًا، واحدة باتت مع واحد يوم كامل وليلة…
” الغضب اللي انفجر جوايا كان أكبر من الألم، أكبر من القيود اللي على إيدي، أكبر من أي حاجة كنت حساها قبل كده.”
= أخرس! أنا أشرف منك ومن عاصم أبوك! وأمير أشرف منك، على الأقل صان واحدة وخاف عليها، وهي لا من لحمه ولا من دمه!
“لكن الكلام كان أضعف من إنه يأثر فيه.”
=لكن اللي من دمي ولحمي عملوا إيه؟ سرقوني، نهبوني، وأجبروني على جوازة أنا مش عايزاها.
“نظرت له، شفت اللحظة اللي ضعف فيها، الشرخ الصغير اللي ظهر في عينه، كأنه للحظة واحدة فقد السيطرة.
لكنني مش هرحمه ، مش هتهاون، ومش هضعف قصاده مهما حاول يلعب على وتَر الخوف اللي حواليا.
وفجأة، لقيته عند رجلي، مشهد غريب، شخص كان شايف نفسه سيد الموقف بقى منهزم، لكن الغريب إن صوته كان لسه قوي، كان لسه بيقاوم الهزيمة”
_أنا عايز أتجوزك … وبحبك… ليه بتعملي كده؟ ليه؟ وانتِ عارفة من زمان إني بحبك… خدي الشنطة اللي معاكِ، كل فلوسي تحت رجلك … هرجع لك حقك…بس وافقي..خليها برضاكي أحسن “
“كنت ببصله وكأنه مش قدامي، كأنه مجرد ذكرى سيئة لشخص عمري ما كنت جزء من حكايته.”
= انت لو آخر واحد في الدنيا يا كارم، يستحيل أبص لك.
لو خيروني بين الموت وبينك… هختار الموت.
“الصفعة ما كانتش مفاجئة ، كنت متوقعة إيده تطولني، لكن قوتها سحبتني مع الكرسي، وقعت، والوجع شرخ عضمي…
وصرخت.”
_يااااااارب!
“كان واقف فوقي، عينيه بتلمع بافتتان زائف بالانتصار، كأنه لما أسقطني تحت رجله بقى أقوى، أشد، وأكتر سطوة.
لكنني كنت عارفة شيء واحد…
أنا مش هنكسر.
شفت ابتسامته تتسع، كأن انهياري تحت رجله كان أكبر إثبات لوهم قوته.
لكن اللي ميعرفوش، إن السقوط مش هزيمة، الضعف مش استسلام ، وإن القهر عمره ما كان دليل قوة… مجرد خدعة بيعيشها أصحاب النفوس الفارغة.”
قرب مني أكتر، صوته بارد، كأن الموت نفسه بيتكلم:
_ وأنا هخليكي تتمني الموت… ولا تطوليه.
لو كنتِ فاكرة ابن المستشار هينقذك تبقي عبيطة وساذجة فعلًا.
“حاولت ابتلع ريقي، لكن حلقي ناشف، كأن الخوف كان بيتسلل لجسمي رغمًا عني.
لازم أفكر، لازم أتحرك، لكن القيود بتضغط أكتر، والوقت بيجري أسرع مما توقع.
مستشار!! أمير يبقى أبوه مستشار.. “
|في قسم الشرطة |
_مساء الخير يا فندم.
– مساء النور.
_أنا المحامي أمير صلاح إبراهيم… أتمنى حضرتك تكون عارفني..وفاكرني.
– طبعًا، ابن معالي المستشار صلاح إبراهيم، وأخو الظابط مالك صلاح إبراهيم… معدن طيب وأصل راقي.
_دا من ذوقك يا معالي الباشا.
_أنا جاي أقدّم بلاغ ضد كارم عاصم القاضي، وعاصم القاضي… بتهمة اختطاف ابنة أخيه، بتول القاضي.
– بتول؟!… آه دي بنت المرحوم أمين بيه، صاحب شركات الأدوية…
_بالضبط، وأنا جاي أقدّم بلاغ رسمي… لأن مراتي اتخطفت على يد عمها وابنه.
– مراتك؟!
_أيوه يا فندم، وده العقد… احنا اتجوزنا عند محامي من خمسة أيام… الزواج مش رسمي لحد دلوقتي بسبب عمها.
كمان بقدّم محضر رسمي بالاعتداء عليا في شقتنا… والكاميرات مسجلة كل حاجة
ودا تقرير طبي معتمد..يثبت الإصابات الناتجة عن الأعتداء عليّ.ولسه كمان معرفش حصل ايـه لمراتي.
دي أرقام العربيات بعد تفريغ التسجيلات، واللي بيثبت إن واحدة منهم تابعة لكارم.
حضرة الظابط… أنا مش هيغمض لي جفن إلا لما تبقى مراتي في بيتي.
– متقلقش… مراتك هتكون النهاردة في بيتك.
وطمن سيادة المستشار.
“كانت آخر لحظة واعية عندي، لما حسّيت أول نقطة دم بتنزل من جبيني.
بعدها، مفيش وقت، مفيش إحساس بوجودي، بس فيه صراع بين جسمي اللي بيقاوم وروحي اللي بتتعلق بالذكريات.
أنا متسطحة على الأرض، الكرسي مقيّدني، مش عارفة حتى أفكر
كل مرة بحاول أتحرك، الحبل بيغرس أكتر في معصمي، الألم بقى جزء مني، لكن الأمل… الأمل هو اللي مخليني مكملة.
عدّت ثلاث ساعات.
ثلاث ساعات بحاول أفك الحبل، بحاول أخليه يحتك في خشب الكرسي، بحاول أستغل أي تفصيلة عشان أحرّر نفسي.
ثلاث ساعات، وأنا بحس كل ثانية كأنها سنة، كل لحظة كأنها اختبار لصبري، لقوتي، لآخر ذرة مقاومة عندي.
لكن الدم بينزف… ومش بيوقف.
حسّيت به وهو بينساب على وجهي،ومن أنفي، نازل ببطء، كل نقطة كانت بتحكي حكاية ألم، كل قطرة كانت بتسرق مني جزءًا من إدراكي.
نفَسي بقى أضعف، عينيا بقت مشوشة، الدنيا بدأت تضلم.
وفي لحظة ما بين الغياب والصحوة… فكرت في أمير.
كأن روحي رجعت لي فجأة، كأن صورة وشه قدرت تسحبني من عمق الضياع اللي كنت داخلة فيه.
افتكرت ضحكته، افتكرت صوته، افتكرت عناده معايا، افتكرت كل لحظة كانت بينّا.
كأن اللحظات دي كانت أحلى حاجة حصلت لي في حياتي، وكأنها كل اللي باقي لي دلوقتي.
لكن الظلام بيزيد… وعينيي بتتقفل ببطء…”
|خارج الجراج…|
السيارات وقفت، الأبواب اتفتحت بسرعة، رجال الشرطة تحركوا بحزم، لكن كان في شخص واحد بيجري أسرع منهم كلهم.
أمير.
عنياه بتدور على حاجة واحدة…’بتول.’
وداخل الجراج
كارم واقف، توتره واضح، بيحاول يفهم إيه اللي بيحصل.
لكن قبل ما يلحق يتحرك، الصوت كان واضحًا، حاسمًا،
“افتح الباب فورًا! الشرطة!”
‘الباب اتكسر’
دخان خفيف ملأ المكان، صوت خطوات مسرعة، لكن وسط كل الفوضى دي، أمير كان هناك.
كان هناك… بيبص لبتول وهي واقعة، غرقانة في دمها، مقيدة، فاقدة الوعي.
لم يشعر بأي شيء آخر.
كل شيء تجمّد في اللحظة اللي شافها فيها.
_”بتووول!!!”
صوته كان أعلى من صوت الشرطة، أعلى من صوت الصدمة اللي حصلت للكل،
“كان صوت راجل بيشوف أغلى حاجة في حياته بتتسحب منه قدام عينيه.
اندفع ناحيتها، وقع على ركبتيه، إيديه بتشتغل بسرعة، بتفك الحبال، بتضغط على جرحها، بيحاول بأي طريقة يوقف الدم، كأن لو نزفت نقطة زيادة، هتاخدها منه إلى الأبد.
بتول اتنفضت، عينيها فتحت ببطء، شافت ملامحه قبل ما تدرك المكان.
نفَسها ضعيف، صوتها بالكاد مسموع، لكنها همست:
=”أمير…”
كان كفاية إنه يسمع اسمه، كان كفاية إنه يعرف إنها هنا، إنها لسه عايشة، إنها لسه في حضنه.
لكن الصراع ما خلصش.
كارم واقف، بيقاوم، بيصرخ، لكن الشرطة شدّته بعيد،
المجرم بقى مقيّد، زي ما كان بيقيد غيره.
أمير شال بتول، دمها كان دافئًا على قميصه، لكنها كانت خفيفة في إيده،
كأنها كلها وجع، كلها خوف، لكنها أخيرًا… حرة.
خرج بيها برا، وسط الضباط، وسط الصخب، لكنه ما سمعش حاجة،
كل اللي كان سامعه نبض قلبها البطيء، آخر خيط بيحافظ عليها موجود.
_ أنا مش هسيبك، مش هسمح لأي شيء ياخدك مني.
بتول حركت أصابعها بضعف، كأنها بتحاول تطمّنه،
لكن الحقيقة، هي نفسها كانت مش واثقة إنها هتعيش.
| يوم جديد.|
“كان أول إحساس رجع ليّ، هو الدفء.
مش دفء الشمس ولا الهوا، لكن دفء مكان آمن… دفء حضن رجعت ليه بعد رحلة رعب طويلة.
عينيي فتحت ببطء، الضوء كان ناعم، مش مؤلم، كأنه عارف إني لسه مش مستعدة أواجه العالم مرة تانية.
الهدوء كان غريب، مفيش صرخات، مفيش أصوات مخيفة، بس صوت نَفس هادئ جنب السرير.
لفيت وشي ببطء، شفته.
أمير كان قاعد جنبي، راسه منحني قدام، كأنه كان لسه بيحارب النوم بس غلبه التعب.
ماحركتش جسمي، كنت بس ببصله، براقبه، كأن اللحظة دي كانت أكتر لحظة واقعية عشتها من ساعات، أو يمكن من أيام.
الدم اللي كان مغرقني اختفى، جروحي متغطية بشاش، وأنا مش متكتفة، أنا حرة، أخيرًا، حرة.
نفَسي كان ضعيف، خرج مني بالكاد، لكنه كان كفاية علشان يحس بيه.
رفع رأسه فورًا، عيناه اتسعت، كأنه ما كانش متأكد إني هنا فعلاً، لحد ما شافني بفوق قدامه.”
_”بتول.
“مكنتش عارفة أرد، كأن الكلمات نفسها مش قادرة تخرج،
لكن ابتسامتي كانت كفاية، كفاية علشان يعرف إنه نجح، إنه قدر يرجعني.
مد إيده بسرعة، لمس وجهي بأطراف أصابعه، كأنه كان بيختبر لو كنت حقيقية، لو كنت مش مجرد وهم قعد يتمنى يكون حقيقي طول الليل.”
– فوقتي… أخيرًا، فوقتي.
“أنا مشيت عيني على ملامحه، شفت الإرهاق، شفت القلق اللي كان محبوس فيه، شفت خوفه اللي لسه متخفي ورا ابتسامته، لكن أكتر حاجة شفتها…كانت الراحة.
هو نجح… وأنا رجعت ليه.”
| بعد مرور ساعتين|
“لحظة صمت عبرت بيننا…بعد ما عرفت كل التفاصيل منه لحظة كلها أسئلة، كلها حاجات لازم تتقال… لكنها مش لاقية طريقها للخروج.
تنفست بعمق، وبمجرد ما خرجت الكلمة، سمعت صوتي لأول مرة من ساعات طويلة… وأنا ببتسم .
= ياااه… انت اتجوزتني من غير ما أعرف؟!
عنياه اتسعت للحظة، وبعدها ابتسامة صغيرة ظهرت على شفاه، مزيج غريب من الإحراج والراحة والسخرية.
_ كنت مضطر… دي الطريقة الوحيدة.. كان لازم أحميك.
” رفعت حاجبي، شدت الغطاء أكتر حواليا، لمست الجروح اللي لسه على بشرتي،
شفت انعكاسي في المرآة، شفت آثار اللي حصل، شفت حاجات محدش غيري هيقدر يفهم قد إيه كانت صعبة.
لكن رغم كل دا، الفكرة الوحيدة اللي مسكت فيها هي
‘أنا على اسمه، في بيته، في حياة مفيهاش خوف.’
نظرت له، صوتي كان هادي لكنه مليان أسئلة.
= كنت شايف إن الحل الوحيد إنك تاخدني لنفسك؟!
“أمير مال براسه، ملامحه كانت بتقيس رد فعلي، كأنه بيحاول يفهم لو كنت غاضبة ولا بس مصدومة.
_كنت شايف إن الحل الوحيد إني أحميك، بأي طريقة.”
“كلامه وقع عليا بشعور مش مفهوم…
مش بين الحزن أو الغضب، لكن بين الذهول والأمان، بين التسليم والبحث عن تفسير منطقي لكل دا.
لحظة صمت عبرت بينا، لحظة مليانة بذكريات كل اللي حصل، كل مرة كان بيحارب علشاني، كل مرة قرر إنه مش هيهرب، مش هيخاف، مش هيسيبني.
عضّيت شفايفي، صوتي طلع ضعيف لكنه مليان يقين.”
=أنا مش عارفة إيه أصعب… اللي حصل، ولا إنك كنت مستعد تعمل أي حاجة علشان تنقذني.
“أمير رفع حاجبه، ابتسامته اتغيرت، بقت أهدأ، فيها شيء من الراحة، من الفهم الحقيقي لما بقوله.”
_أنا فعلاً كنت مستعد أعمل أي حاجة… وهعمل أي حاجة تاني لو احتاجتي.
“مشيت بأطراف صوابعي على قماش الغطاء، عقلي بيحاول يرتب المشاعر اللي أنا مش عارفة حتى أسميها جوايا.
لكن الحاجة الوحيدة اللي كنت متأكدة منها…
إن الحياة اللي جاية مش هتكون زي ما كانت قبل كد
” حرك راسه، صوته كان منخفض، لكنه مليان يقين.”
_كدا كدا الجواز سوري…
“رمشت بسرعة، الكلمات وقعت جوايا بدون ما أفهم، جواز سوري؟
قلبي ضرب أسرع، لكنني انتظرت، استنيت أسمع، استنيت أفهم.
أمير ابتسم ابتسامة بالكاد كانت ابتسامة،فيها وجع أكتر مما فيها راحة.”
_أنا أكبر منك بكتير…حوالي 13 سنة، أنا في مكانة أخوكي الكبير يعني، فا متخفيش، الورقة هتتقطع، كأنك متجوزتيش.
“مش عارفة ليه الكلمة دي وجعتني… زي أخوكي؟!
بعد كل اللي حصل، بعد كل اللي مرينا بيه،
ما كنتش قادرة أرد، كل حاجة كانت بتتحرك جوايا أسرع مما أقدر أستوعبها، لكن أمير كمل بنفس النبرة الهادئة، لكنها حزينة بطريقة صعب تتشرح.
_وبعد اللي عمله عاصم وابنه، غير أن عاصم طلع بيتاجر في الأسلحة ممكن نلجأ للمحكمة بكل سهولة، نشيل الوصاية، والقانون معاكي…وأنا هترافع.
شد نفس، قرب مني، لكنه حافظ على مسافة صغيرة، كأنه مش عايز يحسسني بأي ضغط، لكنه عنده حاجة لازم يقولها… حاجة لازم توصل لي.
_وأهل والدتك ووالدتك، على وصول.”
“سرت قشعريرة في جسمي، سمعت صوتي يخرج مني قبل ما أفكر، قبل ما أستوعب.
رفعت عيني، لقيته بيبص لي بثبات، شاف الصدمة اللي كانت بتغلي جوايا، شاف الخوف، الحيرة، والعتاب اللي بيتكوّن بين كل كلمة والتانية.”
=وكانوا فين أهلي من يومين؟
“كان السؤال اللي طلع بدون تفكير، بدون تجهيز، لكنه كان أهم سؤال في اللحظة دي.
أمير تنفس ببطء، حسّيت إنه بياخد وقته علشان يقولها، كأنه مش سهل عليه زي ما هو مش سهل عليا.”
_مامتك كانت مريضة جدًا… وده كان سبب تأخرهم.
“كانت أصعب لحظة…
وأنا بنزل من بيته، عنيا مغرقة بالدموع، مش قادرة أشوف الطريق قدامي بوضوح،
لكن حاسة بكل خطوة كأنها بتبعدني عن شيء كان المفروض يبقى لي، يبقى معايا، يبقى حياتي.
بمجرد ما العربية اتحركت، ما قدرتش أسكت…
حكيت لماما، قلت لها إني حبيته،يمكن جنون…يمكن تعلق…بس مش عارفة أمشي..أدي لقلبي فرصة يحس بالآمان وياه..
أنا مش عايزة أبعد، أنا عايزة أكمل معاه.
سمعتني بهدوء، ما علّقتش فورًا، كأنها كانت بتستوعب كل كلمة،
بس بعد كام دقيقة، حسّيت إيدها بتتحرك على المقعد قدامها،
وبدون أي كلمة… خلت العربية تلف.
كأن قلبي بدأ ينبض من جديد.
وأول ما وصلنا العمارة.
جريت بسرعة… كأني لو تأخرت ثانية، كل شيء هيختفي.*
طلعت، وصلت لبابه، بخبط عليه بكل قوتي، وخلفي ماما،
مش عارفة إذا كنت ببكي ولا بضحك، كل اللي عارفاه إني لازم أكون هنا، قدامه، دلوقتي.
سمعت صوته من جوه… متردد، مستغرب، كأن اللي بيحصل مش منطقي بالنسبة له.
-“مـيـن!”شهقت، اتنفس بسرعة، حاولت أقولها بأهدأ طريقة ممكنة،
لكن صوتي كان مليان بكل المشاعر اللي مش قادرة أتحكم فيها.
– “شششش… أهدى يابني آدم.. وافتح الباب.
” لحظة صمت…
لحظة بين انتظار ورد فعل، بين خوف وأمل، بين كلام المفروض يتقال…
ولحظة بعدها… الباب فتح.
مسك إيدي بفرح…
إحساسه وصل لي قبل كلماته، دفء أصابعه كان بيحكي عن راحة، عن فرحة غامرة،
لكن فجأة، شفت عينيه اتبدلت، ملامحه تغيرت، القلق تسلل لصوته.”
_ هو حصل حاجة… انتِ كويسة؟
“ابتسمت، ابتسامة خفيفة لكنها مليانة خبث خفي،وبنبرة شبه حزينة، قلت:”
= هو الجواز اللي اتجوزتهوني عند محامي دا اسمه جواز عرفي؟
“رفع حاجبه باستغراب، كأن السؤال ما خطرش على باله قبل كده.”
_ آه.
“اتصنّعت الحزن، تركت نظرتي تهيم بعيد، نفخت شوية وكأني مصدومة من الحقيقة وبصوت مكسور شوية، قلت:
= تيتا قالت لي زمان إن دا عيب وحرام… أنا كدا سمعتي باظت.
نظر لي بذهول، كأنه مش قادر يستوعب الجملة، راقبني وأنا بواصل تمثيلي بمهارة، وبعد ثانيتين من الصمت، قلت:
= أنت لازم تصلح غلطتك، أنا بقول نخليه رسمي.
” تراجع شوية، عينيه كانت بتقيسني، مش متأكد إذا كنت بجد ولا بلعب.”
= مين هيلم الورق بتاع القضايا وانت سهران عليه؟
بلاش دي، مين هيشيل منك النضارة اللي بتنام بيها.
أنا خايفة على مصلحتك.
مين هيسيح لك جبنة رومي، ويعمل لك شاي بلبن؟!.
“ضحك أخيرًا، ضحكته اللي كنت مستنياها، اللي فيها كل الراحة والدهشة والفرحة.”
_ أكيد حرامية كريمي…
رجعت أبصله بثبات، شفت ابتسامته بتتغير، بتبقى مليانة إحساس مش جديد، لكن أعمق من الأول.
– “تخيلي… انتِ الأميرة اللي كنت بدور عليها زمان.”
“رفعت حواجبي بخبث، لكن ردي كان أسرع:”
_ تخيلي انت المرعوش اللي أنقذ حياتي.”
“لحظة صمت قصيرة عبرت بينّا، لحظة فيها اعتراف، فيها بداية، فيها نهاية لكل الشكوك.”
_هتصدقيني لو قلت لك بحبك..وعايزة أتجوزك.
“شديت إيده ، ابتسامتي كانت مليانة رضا”
= هصدقك لو اتجوزتني.
“وَبينَ الفَوْضَى كُنتَ سَكِينَتِي، وَبينَ الجَمِيعِ كُنتَ استِثْنَائِي، فِي حُضورِكَ يَهدَأُ العَالَمُ، وَفِي قُربِكَ تَتَّضِحُ الطُّرُقُ.”
- اقرأ ايضا روايات ترند – كوكب الروايات
يتبع.. (رواية ليلة بلا خروج) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.