رواية ارض الدوم – الفصل التاسع 9
الفصل التاسع [تصرفات غير محسوبة ]
كان الصمت يعم المكان لا شيء غير صوت قطرات المياه التي تصطدم بالارضية أسفل جسد ساڤا، وصوت انفاس احمد، وصوت صراخ والده على الطرف الآخر وقد رسم له شيطانه اسوء وأكثر المشاهد القذرة التي يمكن أن ترتسم في عقل إنسان بعد سماع صرخة أنثوية تصدر أثناء حديثه مع ولده .
_ أحمد أنطق فيه ايه !!
وعلى هذه الكلمات استفاق أحمد وهو يستدير بسرعة يعطي ظهره لسافا التي ركضت وهي تلتقط معطفها الذي جاءت به، تنظر له نظرة مرتعشة وقد ارتفعت مرارة داخل حلقها تخفي جسدها بالمعطف بسرعة .
_ أنت…هنا …بتعمل ايه ؟؟ وهنا من امتى ؟؟
وصوت والد أحمد هو ما أجاب عليها :
_ تعمل ايه وفين ؟؟ أحمـــــد ..
وأحمد يحاول أن يتمالك نفسه وهو يهتف بصوت منخفض :
_ مفيش حاجة يا بابا هو بس …حصل سوء فهم .
– سوء فهم ايه، ده سوء تربية وأنت الصادق، النهاردة يا أحمد الاقيك أنت وأختك قدامي واتفضل روح شوف بلاويك وشوف هتستر عليها ازاي .
ختم حديثه يغلق الهاتف بقوة وقد شعر به أحمد وكأنه يصفعه بكلماته تلك، ينظر للهاتف بصدمة :
_ استــ…استر ايه ؟؟
كان يراقب الهاتف بصدمة وقد خشي حتى الاستدارة ليقرر الرحيل دون حتى الاستدارة بفضول لينظر خلفه لما آلت إليه الأمور، يتحرك بسرعة بعيدًا عنها وقد قرر الرحيل من أمامها بسرعة .
لكنها فجأة أوقفته بسرعة وهي تهتف بجدية :
_ أنت بتهرب ليه ؟؟ اقف مكانك .
توقفت أقدام أحمد وهو يغمض عيونه يجاهد نفسه كي لا يستدير، وصوت تنفسه أصبح واضحًا :
_ آسف مكانش قصدي، أنا مكنتش اعرف أنك موجودة في المكان اساسًا .
_ أنت هنا من امتى وبتعمل ايه ؟؟
اغمض أحمد عيونه بضيق وقد كره الوقوف بهذا الشكل يعطيها ظهره مخافة الاستدارة .
أما عنها ابتسمت بسمة بسمة صغيرة وهي تتحدث بجدية :
_ مش مكسوف لما تقف وتفضل تتفرج على البنات بالشكل ده ؟!
اتسعت عيون أحمد بصدمة وهو يستغفر ربه من كلمات هذه المرأة التي يبدو أنها لا تراقب ما يخرج منها ولا تدرك ما تقوله :
_ لا مش مكسوف لأني ببساطة معملتش اللي أنتِ بتقولي عليه دلوقتي، ده بس في خيالك المريض .
رددت سافا الكلمة ببسمة متعجبة :
_ خيالي المريض !؟
ابتسم على نبرتها التي خرجت وكأنه للتو سبها أو ما شابه، لكنه لم يهتم وهو يهز رأسه ومازال يعطيها ظهره، لتقرر هي أنها اكتفت من هذا العبث تتحرك دون كلمة واحدة تقف أمامه بلا مقدمات لينتفض هو للخلف يطلق صرخة مرتفعة متسع الأعين، قبل أن يهدأ حينما أبصرها وقد ارتدت ثوب علوي فوق ثوبها المبتل تقف متخصرة مبتسمة بسخرية :
_ أنت عندك فوبيا من البنات ولا ايه ؟؟
نظر لها بعدم فهم وهي اقتربت منه بسرعة خطوات تراجع هو ضعفها للخلف بسرعة، يشير لها بيده محذرًا :
_ مكانك ومتقربيش خطوة كمان لو سمحتي، ثم الغلط هنا غلطك أنتِ ده مش مكان ممكن حد ينزل يعوم فيه بالشكل المستهتر ده، احتمالية أي راجل يجي ويشوفك كبيرة و…
قاطعت كلماته وهي تغمز له ببسمة صغيرة :
_ بتغير ولا ايه؟؟
وأحمد توقف عن الحديث بصدمة كبيرة من طريقتها وكلماتها:
_ نعم !!
اقتربت منه وهي تنظر له بمزاح حاولت أن تخفيه خلف نظرات لطيفة جادة :
_ لو وعدتني بحمام سباحة في بيتنا بعد الجواز مش هاجي اعوم هنا تاني .
_ نعم ؟!
_ ها هتيجي امتى ؟!
_ اجي ؟!
_ تطلب ايدي .
_ اطلب ايدك ؟!
ابتسمت وهي ترى نظراته وقد شعرت أنها إن ضغطت عليه ثواني قد ينفجر من الاحراج من الموقف برمته، لذا تراجعت للخلف تحرر وثاقه الذي كانت تكبله بنظراتها، تمسك خصلاتها الحمراء وهي تنفضها بقوة في المكان، ومن ثم رفعت رأسها له :
_ على العموم يعني أنا بكون فاضية كل يوم العصر حدد ميعاد وهات الحاج وشرفني، تحب اسيبلك عنواني ولا تعرف توصلي ؟!
كانت هذه طريقة رائعة لتخفي بها خوفها الفطري من نظرات الرجال .
نظر لها أحمد بضيق شديد من طريقتها في الحديث وقد شعر بصدره ينبض بالغضب منها وملامح الصدمة ما يزال أثرها ظاهر على وجهه :
_ أنتِ بتقولي ايه ؟؟
– هترجع في كلمتك يا أحمد ولا ايه ؟!
نظر لها أحمد بغضب ولم يكد يتحدث، حتى انتزعت هي الهاتف الذي كان يمسكه بين كفه منذ ثواني تضغط على بعض الأزرار بسرعة، ومن ثم صدح صوت رنين يأتي من حقيبة معلقة في شجرة جانبهما، لتتحرك صوب الهاتف تخرجه تبتسم وهي تغلق الرنين :
_ هسجلك، ابقى سجلني بقى عندك، فاكر اسمي ؟!
نظر لها برفض لما تتحدث به، ينظر بطرف عيونه لرقمها الذي يعلو هاتفه، ومن ثم نظر لها ببرود شديد، وهي ابتسمت له بسمة بسيطة :
_ أنت طيب اوي يا أحمد تعرف كده ؟؟ عمري ما شوفت رجالة طيبين زيك كده في حياتي كلها .
ابتسم بسخرية شديدة من كلماتها وهو يدس الهاتف داخل بنطاله يؤجل التفكير في حديثها في هذه اللحظة :
_ وده عرفتيه بقى من مشيتي ولا من وقفتي ؟؟
ابتسمت على سخريته وهي تقترب منه تهمس بجدية مشيرة بطرف عيونها لجيبه حيث يستريح هاتفه :
_ لا من تليفونك، مفيش راجل دلوقتي مش بيعمل باسوورد على تليفونه يا أحمد، بجد طيب وعلى نياتك، اتمنى الحياة متغيركش يا بني .
تشنجت ملامح أحمد وهو ينظر لها من طرف قدمها لجذور شعرها، قبل أن يردد برفض وسخرية :
– ابنك ؟؟
ابتسمت له بهدوء ولم تتحدث بكلمة وهي تحمل الحقيبة تنظر في ساعة الهاتف الخاص بها :
_ كان نفسي استمر في الحوار الجميل ده كتير، بس بعتذر مشغولة حاليا، اشوفك على خير، ابقى كلمني لو احتجت حاجة، سجلني متنساش، سيڤو، أو ساڤ اللي تشوفه .
ختمت حديثها بغمزة وهي ترتدي الحقيبة تهرول بسرعة بعيدًا عنه ببسمة واحدة ولو جاء أحدهم وواجها بسؤال بسيط ” لماذا فعلت هذا وتحدثت معه بهذا الشكل ” ستقول أنها…لا تعلم ببساطة.
فقط شعرت …وفعلت .
أما عنه فظل ينظر لاثرها بتعجب وصدمة من افعالها، يتنفس بشكل غير منتظم يحرك يده بخصلاته وهو يلتفت حول نفسه مغمضًا عيونه وكأنه يتحضر لمعركة .
_ يارب خرجنا من المكان ده بعقلنا …..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ شو ذنبي أنا؟ كنت بس بحاول أساعدك وأفوقك.
كان مسلم يمسك ثوب حاتم بغضب وضيق لا يدرك كان من نفسه أو من حاتم أو من أفعاله ولؤمه مع فروشكا ؟!
_ مش أنت اللي قولت أبعدها عني ؟!
_ولك، أنا بدي أتحمّل مصايبك؟ قلتلك تأكّد من مشاعرك، شو دخلني فيك أنت وياها ؟؟
تدخلت نورهان في هذه اللحظة بعدما خرجت من المطبخ لتبصر ما يحدث منذ الصباح، لا تفهم سبب غضب مسلم بهذا الشكل الغريب :
_ مسلم فيه ايه ؟؟ مالك ماسك صاحبك كده ليه ؟؟
اعتدل حاتم بسرعة وهو يدفع يد مسلم عنه بضيق، قبل أن يستدير صوب نورهان يتحدث بجدية مطلقة :
_ أخوكي يا آنسة مجنون، بنصحكم تلحقوه بالمساعدة بسرعة.
رفع مسلم حاجبه وهو يجلس على الأريكة خلفه، بينما شعرت نورهان بالغضب والشرارات التي كانت منتشرة في المكان بأكمله، تقترب من مسلم بعدم فهم :
_ مسلم مالك ؟؟ أنت كويس ؟!
ومسلم فقط تحدث بكلمة واحدة وصفت كل ما يعصف برأسه:
_ فروشكا .
ورغم أنه من داخله كان يدرك أن ما فعل كان الصحيح، وأن هذا ما كان يجب أن يحدث منذ البداية، لا يمكنه تعليق فتاة لا ذنب لها به لأجل أمراضه النفسية وشعوره القذر بالذنب تجاه أي امرأة مقهورة .
تنفس بصوت مرتفع بينما نورهان نظرت صوب حاتم الذي جلس على الأريكة بعيدًا عن يد مسلم .
_ لا تطّلعي فيّ هيك، هو مجنون من حاله، أقسم بالله هاد بدون أي تدخّل بشري.
ابتسمت نورهان وجاهدت ضحكتها وهي تقترب من مسلم أكثر تربت عليه بحنان :
_ مالك بس يا مسلم أنت ايه اللي معصبك دلوقتي ؟!
اشاح مسلم بيده في ضيق واضح :
_ مش متعصب ولا حاجة .
_ لا واضح فعلا .
مسح مسلم وجهه، يتنفس بصوت مرتفع، دافنًا وجهه بين يديه وصمت طويلًا وكأنه يفكر في شيء، يحاول الوصول لهدوء يجعله يستمر .
بينما نورهان تعجبت من جدية الموقف وهي من كادت تمازحه ظنًا أن الأمر لا يتعدى مجرد شجار مع حاتم.
حركت عيونها بهدوء صوب الأخير الذي تفاجئ من نظرتها، لكن المفاجأة التي أوقفت قلبه لثواني هي نطقها لاسمه مجردًا وبهدوء :
_ حاتم ؟؟؟
اعتدل حاتم ببطء وكأنه يرفض أن يتلقى اسمه منها منحنيًا على عقبيه، يرفع عيونه لها ببطء يحاول أن يظهر لها بمظهر محايد متجاهلًا قلبه الذي كان يرتجف كما المشرد في شتاء ديسمبر.
_ نعم ؟!
_ ايه اللي بيحصل بالظبط؟! مسلم ماله ؟! حصل حاجة ؟!
ظل حاتم ينظر لها ثواني قبل أن يستفيق على ما يفعل يبعد عيونه عنها ببطء ومن ثم هز رأسه بهدوء وهو ينظر لمسلم :
_ لا تخافي، بكثير من الأحيان بحتاج قعدة صمت طويلة مع حاله عشان يعيد التفكير بشغلة معيّنة، رح يكون بخير إن شاء الله.
ظلت تنظر له ثواني وكأنها لا تثق بكلماته، لكنه اكتفى من أن يكون تحت مجهرها ينهض من مكانه يتحرك صوب مسلم بعدما أبصر ابتعادها عنه بهدوء، يجلس القرفصاء أمام مسلم يتحدث بصوت هادئ :
_ مسلم ما الذي تريده أنت الآن ؟! إذا كان الأمر يحزنك بهذا الشكل يمكنك الذهاب لها واخبارها أنك لم تقصد ما قلته .
ومسلم استمر بالصمت، وكل ما كان يوجعه في هذه اللحظة، ليس كلماته التي نطق بها، بل نظراتها عقب كلماته، لماذا كان من الصعب رؤية نظرتها هذه ؟؟
نظرت له وكأنه….خذلها، حطمها ؟ وهل فعل حقًا ؟!
يحاول إقناع ذاته أن هذا أفضل شيء لهما، كي لا تجرفه شفقته بعيدًا، ولا يجذبها تعلقها أكثر، هذا أفضل لهما .
لذا أبعد يده عن وجهه ينظر لوجه حاتم، الوجه ذاته الذي كان يبصره بعد كل موجة غضب تتملكه، كل انكسار يمر به، نفى وهو يبصر خوف حاتم في عيونه :
_ لا، فقط …كرهت…كرهت أنني بدوت للحظة كما لو أنني…خذلتها .
وتفهم حاتم ما يريد فما أقسى من خذلان شخص كان يتوسم بك خيرًا .
_ لا تقلق سينتهي كل هذا وتنسى .
_ نعم وبخصوص هذا، أين الجميع ؟! نحتاج لرؤية ما سنفعله لقد تعطل الأمر بشكل كافي بالفعل .
رفع عيونه صوب نورهان التي بدا أنها أدركت ما يقبع خلف حزنه، تهز كتفها بعدم علم :
_ معرفش، أحمد راح يجري بيقول هيفرغ طاقة، ويحيى …
صمتت وهي لا تتذكر سبب خروج يحيى فهي لم تبصره على أية حال .
ابتسم مسلم بقلة حيلة :
_ راح يفرغ صبري أكيد .
ابتسمت له بقلة حيلة، بينما مسلم، نهض وتحرك صوب الداخل يردد بكلمات هادئة:
_ هروح اصحي عيسى، وأنت يا حاتم روح شوف يحيى فين خلينا نخلص من اللي بيحصل ده .
هز حاتم رأسه وهو يراقبه يتحرك صوب الداخل وقبل التحرك للخارج كي لا يظل وحده معها، سمعها تردد بهدوء :
_ شكرًا ليك .
رفع حاتم عيونه لها بعدم فهم فابتسمت بسمة صغيرة جعلته يشرد دون شعور، قبل أن تفيقه صفعة حقيقة ما هو وما هي وما وضعهما يهز رأسه بهدوء .
_ كنت قلقانة طول السنين دي على مسلم أنه لوحده، أنت متعرفش كان هادي ازاي والكل بيخاف عليه حد يأذيه، لأنه مكانش بيرد الأذى بأذى وكان بيعديها، كنا خايفين يكون لوحده .
ابتسم حاتم بسمة ساخرة، ليس من وصفها لمسلم القديم فهو بدأ يتقبل تلك الصورة وإن كانت لا تتفق مع شكل مسلم الحالي، لكنه قد يتماشى مع الأمر يومًا ما .
لكن تلك البسمة الساخرة كانت لقولها، تشكره هو لانه كان بجوار مسلم .
_ بالحقيقة، إنتِ لازم تشكري مسلم، لأنه كان معي طول الوقت. هو اللي كان يحميني منهم، وكان جنبي مش العكس. لو إني واقف قدّامك هلّق وحيّ، فهالفضل للله أولًا، وبعدين لوجود مسلم معي. عشان هيك… الشكر أنا بوجّهه لمسلم.
ابتسمت له نورهان بسمة واسعة جعلته يبتسم بدوره بسمة شبه ملحوظة، وهي فقط رددت بجدية :
_ ربنا يديمكم لبعض يارب .
_ آمين .
_ هروح اشوف أكل اجهزه، تحب شيء معين؟؟
ابتسم بسمة مؤدبة وهو يتحرك صوب الخارج وقد رأى أن وقوفه معها قد طال بشكل غير مقبول :
_ أي إشي منك بكون طيب، وتسلم إيديك سلف، اسمحيلي أستأذن وأروح أدوّر على يحيى.
ويبدو أنه كان معتادًا على الجمل المجاملة لدرجة أنه لم يستوعب حتى ما نطق، تاركًا جملته في الهواء تحدث صدى داخل عقل نورهان، تلك المرأة التي تلقت لتوها …قطرة من غيث اهتمام .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت تجلس في غرفتها وما تزال صدمة ما أخبرتها به شيما يتردد في أذنها، لا تصدق أن والدها فعلها، بعد كل ما حدث فعل الأمر دون إرادتها .
لكن هل تغضب منه ؟! والله تخطت هذه المشاعر السطحية منذ زمن طويل، تحديدًا منذ أدركت أن والدها مغلول اليدين أمام عمها وعز الدين، والدها لم يكن بهذه القسوة هو فقط كان …سلبيًا، ويا ليته كان قاسيًا عليها، فالقاسي يلين احيانًا، لكن السلبي يظل طوال حياته تابعًا لغيره، وفي حالتها ورغم رفض والدها الذي يقفز من نظراته، وخاصة بعد ما تلقته البارحة من ضربٍ، إلا أنه خضع مجددًا لرغبة عمها وعز الدين .
_ رايانا…
كانت كلمة مترددة خرجت من فم شيما التي نظرت لها بخوف وعدم ثقة للقادم، تمسك بين يديها ثوب من اللون الأحمر مع بعض الخيوط الذهبية، ثوب يضيق من الخصر ويتسع من التنورة :
_ عز الدين بعتلك الفستان، وأكد تخرجي بيه اليوم .
نظرت صوب الثوب وشعرت به يخرج لسانه لها، بالطبع سيخاف عز الدين من إعادة ما حدث سابقًا في آخر عقد قرآن لهما، حينما افلتت منه بفضيحة كارا التي دبرت لها، واليوم كيف السبيل للنجاة من قيده ؟!
_ أنا…قلبي واجعني عليكِ يا بنتي يشهد ربنا إني بعتبرك بنتي، بس نعمل ايه، البارو قال كلمته، لو فيه أي شيء أقدر اساعدك بيه أو…
قاطعتها رايانا وهي ترفع عيونها لها وقد هبطت دمعة على خدها دون شعور تهتف بصوت منخفض وهي تتحرك صوبها :
_ قولي للبارو إني هجهز على الموعد يا شيما، وشكرًا ليكِ لوقفتك معايا، بس من هنا مفيش حد هيقدر يساعدني من اللي هيحصل .
ختمت حديثها تأخذ الثوب بهدوء وهي تتحرك صوب المرحاض الصغير الذي خصصته في ركن غرفتها تغلق الباب بهدوء وهي تستند عليه بظهره وقد شعرت بكره أكثر وغضب يتضخم داخل صدرها، تكره عز الدين، بل تمقته، وفكرة أن تحيا معه المتبقي من حياتها، كانت مرعبة .
لثواني ثواني فقط شعرت برغبتها على الموت أهون لها من لمس عز الدين لها تحت مسمى زوجته.
أغمضت عيونها وقد ازداد انهمار دموعها أكثر وأكثر، حتى شعرت أنها لم تعد قادرة على البكاء أكثر، تنهض من أرضية المرحاض تتحرك صوب المرآة الصغيرة تنظر لوجهها ساخرة.
هل ظنت أن الابتسامة تلك كانت لها، بل كانت الحياة تضحك عليها في الواقع .
سمعت صوت شيما من الخارج يهتف بهدوء :
_ رايانا تليفونك بيرن يا بنتي، مش عارفة مين رقم غريب …
رفعت رايانا عيونها صوب الباب، تتحرك للخارج وهي تفكر فيمن يمكن أن يتصل بها في هذا الوقت وقد كان القليل فقط يمتلك رقم هاتفها، وحين أبصرت الرقم أدركت هوية صاحبه والذي كانت لا تحتفظ به على هاتفها مخافة أن يقع بين يدي والدها .
استقبلت المكالمة بسرعة ولهفة وهي تهتف بصوت متقطع :
_ ساڤا …البارو هيجوزني لعز الدين اليوم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان نائمًا بعمق شديد وهو يتحرك على الفراش مبتسمًا وكأنه يرى اجمل أحلامه تتحول لواقع، كان هذا قبل أن يشعر بيد تربت على خصلاته بلطف وحنان، وفي الواقع لم يكن ليشك ثواني أن هذه يد يحيى .
بل كان مسلم وقد صدق حين سمع صوته يصدح بهدوء :
_ عيسى، عيسى اصحى أنت مصلتش الفجر امبارح، قوم صلي .
فتح عيسى عيونه بصعوبة وهو ينظر حوله ثواني، لتعود له ذاكرته في ثواني ويتذكر ما يحدث، ينتفض عن نومته ينظر حول نفسه :
_ فيه ايه ؟؟ حد هجم تاني ؟!
ابتسم له مسلم بسمة حنونة وهو يربت عليه بلطف :
_ متقلقش حتى لو حد هجم مش هسمح ليهم يقلقوا منامك يا عيسى، يلا فوق عشان تصلي ونشوف هنعمل ايه .
ولم يكد يتحرك حتى أمسك عيسى يده بسرعة وهو يتحدث بصوت خافت وكأنه وجد أخيرًا فرصته لنطق ما أراد قوله منذ أبصر مسلم ذلك اليوم أمام المنزل يدافع عنه .
_ مسلم .
توقف مسلم بعدم فهم وهو يعود مرة أخرى للجلوس على الفراش أمامه:
_ نعم يا عيسى، فيه حاجة ولا ايه ؟!
ابتسم عيسى بسمة صغيرة مترددة، قبل أن يرفع عيونه له يتحدث بصوت خافت وكأنه يجد مشكلة في التعبير عن مشاعره بسهولةء يخجل من الأمر ربما .
_ أنا….يمكن كنت صغير لما مشيت بس …. أنا عمري ما نسيتك وعمري ما حسيتك غريب في يوم، دايمًا كنت موجود بينا، ودايمًا كنت بقول لصحابي إني عندي اخويا مسلم اكبر من الكل واحسن حد في الدنيا، من صغري كنت قدوة ليا ولسه نفس الشيء، يمكن لما جيت مرحبتش بيك زي يحيى بس ….أنا عمري ما نسيتك يا مسلم .
امتلئت عيونه بدموع وهو يبتسم بسمة صغيرة حزينة :
_ أنت طول الوقت كنت معايا في المدرسة وفي كل مكان، كل كلمة كنت بنطقها كانت فيها اسمك، بلاش تمشي تاني يا مسلم .
تأوه مسلم من كلمات عيسى الصغير والذي تركه طفل في التاسعة من عمره، وغفل عن مراحل كثيرة في حياته كان يمكنه التواجد بها معه، ضمه له بحب شديد وهو يقبل رأسه بحنان شديد :
_ يا عيسى أنت عمرك ما كنت اخويا، من صغرك وأنت ابني، من أول ما كنت بتتشعلق بيا عشان اشتري ليك أي حاجة حلوة، ولما كنت بتستخبى فيا من ابوك عشان متنضربش .
سقطت دموع عيسى وهو ينفجر في بكاء حار يردد من بين بكائه في محاولة للخروج من شجنه وكأنه لا يصدق أن مسلم قد عاد بالفعل :
_ من وقت ما أنت مشيت ملقيتش حد استخبى فيه من ابوك، يحيى كان بيسلمني ليه عشان مينضربش.
ابتسم مسلم وهو يزيد من ضمه بيد مرتجفة، يحرك يده صعودًا وهبوطًا، يعتصر قلبه حسرة على سنواته التي اضاعها وحياته التي فقدها، فلا هو حقق شيئًا بغربته، ولا هو عاش حياته مع عائلته، ويقسم بالله حتى لو كان عاد من غربته ناجحًا، فلا الغربة ستغنيه عن عائلته، ولا الأموال ستعوض حياته …
_ متقلقش خلاص محدش هيقرب منك تاني يا عيسى.
_ حتى يحيى ؟!
كانت كلمة ممازحة خرجت من بين دموعه، ليضحك مسلم بصوت خافت :
_ حتى يحيى، لو رفع صباع في وشك تاني تعالى قولي .
_ والله وده على أساس أن يحيى ده ابن مرات ابوك أنت وهو، ولا ابن جوز امكم ؟؟
وبالطبع لم يكن أحدهم بحاجة لرفع رأسه ليدرك المتحدث، فلا أحد سوى يحيى قد يخرج هذه الكلمات أو يقتحم جلستهم بهذه الطريقة .
_ طب تعرف أنت وهو، والله خسارة فيكم الطعمية السخنة اللي جبتها ليكم .
رفع عيسى عيونه صوب يحيى وقد كانت ملتمعة بالدموع، ليعتدل يحيى بتعجب وهو يقترب منهم يحضر ما أمسك جانبًا :
_ ايه ده ؟؟ عيسى أنت بتعيط عشان ابوك بيلسوعك”يضربك” بتوكة الحزام وأنا مش بدافع عنك ؟!
رماه عيسى بغضب، ليبتسم له يحيى باستفزاز ولم يكد يتحدث بكلمة إضافية حتى اصمته مسلم وهو يضربه على رأسه بضيق :
_ بلاش ترخم على اخوك يا يحيى، أنت عايش حياتك تقرف اللي حواليك، والله العظيم أنا مشفق على بنت الناس اللي هتضطر تعيش معاك أنت ولسانك في بيت واحد .
رفع يحيى حاجبه بتشنج، ثم سحب قرطاس ” الطعمية ” التي حصل عليها بصعوبة من البائع الذي كان يرفض بيعه أي شيء .
ألقى القرص الساخن في فمه بتلذذ :
_ اللي هترضى بيا، ترضى بيا زي ما أنا كده بلساني، بعدين لساني ده مش هيبقى ليها، هيبقى لأي ابن…
صمت حين أبصر نظرات مسلم المحذرة من نطق أي كلمة خارجة وقد كان يكره أن شقيقه لا ينفك ينطق كلمة دون إهانة، ليتراجع يحيى بضيق :
_ استريح يا مسلم لأن اكيد مش هعمل حاجة لمراتي، لساني ده هيكون لأي واحد تسول ليه نفسه يقرب منها .
_ وأنت بقى هتحميها بلسانك ؟؟
كانت جملة مسلم بعدما نهض وهو يتحرك للخارج ساخرًا ويحيى يلقي الجملة في أعقابه بضيق :
_ سيبنا ليك العضلات يا حبيبي، ابقى أضرب اللي هيقرب من مراتك .
توقف مسلم ينظر له من فوق كتفه مبتسمًا:
_ ده اللي هيحصل فعلًا، و يا ريت تيجي على قد الضرب يا يوحا.
_ ايه هتقتله ؟!
_ أمنية بعيدة عنهم يا حبيبي .
ختم حديثه يخرج من المكان تاركًا يحيى ينظر لاثره بصدمة من كلماته، ويبدو أنه كل ثانية يعيش الصدمة ذاتها لتغير مسلم بهذا الشكل .
_ اخوك ده مش مظبوط من وقت ما رجع تحسهم كده بدلوه، تفتكر ابوك هيرضى لو اقترحنا عليه يحلل لمسلم DNA و….ولا سيب قرص الطعمية يا حيوان .
كانت كلمات قاطع بها أفكاره حول مسلم حينما وجد يد عيسى تمتد لقرطاس ” الطعمية ” الساخنة بين يديه، ليلتقطها عيسى بسرعة وهو يهرول خارج الغرفة ويحيى يتبعه وصوت صرخات الاثنين تصدح في المكان وقد أقام يحيى قيامتهم جميعًا في هذه اللحظة لأجل قرص طعمية ساخن …
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وصلت للمنزل بسرعة تنظر له ولم تكد تخطو داخله حتى سمعت صوتًا في الخلف يصدح بنبرة مشمئزة :
_ اقفي عندك، أنتِ فاكرة نفسك رايحة فين ؟!
أغمضت ساڤا عيونها وهي تتنفس بعمق تحاول أن تهدأ، كان هذا اسوء من تقابله في هذه اللحظة، كانت قادمة لرايانا تخشى الاصطدام بعز الدين ويا ليتها اصطدمت به، على الأقل كانت ستصمته ببضع كلمات وينتهي الأمر، لكن هذه ….لا قبل لها بالتحدث مع أمثالها الذين ينحدرون اخلاقيًا أكثر من الراقصات .
_ خير، تم تعيينك حارس لبيت البارو ومحدش بلغنا ؟!
ابتسمت والدة عز الدين وهي تنظر لها من أعلى لاسفل باستحقار :
_ بتعملي ايه هنا يا ساڤا، معتقدش إن ليكِ حاجة تخصك هنا .
مالت ساڤا على عقبيها وهي تنظر في عيون المرأة بنظرة مرعبة، قبل أن تهمس :
_ سُكينة، عشان تعيشي في القرية دي بسمعتك اللي بتحاولي تفرضيها بين الناس عشان ينسوا اصلك، هما حاجتين المفروض تعمليهم، أول شيء تستمري في سحرك لزوجك، وتاني حاجة تتلاشي التعامل معايا، لأن يا سُكينة مبروم على مبروم ميلفش .
ختمت حديثها تعتدل في وقفتها وقد تركت رسالة واضحة للمرأة التي ارتجف جسدها بقوة من الكلمات، تحاول أن تتماسك، ترفع عيونها صوب ساڤا تهمس بصوت خافت محذر :
_ صدقيني اللعب معايا مش آمن يا ساڤا، اللي بتعمليه ده مش هيقدم من مكانتك ولا يأخر من مكانتي.
ابتسمت لها ساڤا بسمة مرعبة وقد بدا أن السواد بينهما لم يكن وليد اللحظة أو اليوم، بدا أن هناك غيمة سوداء قديمة تحلق فوق الرؤوس .
_ الغريب أنك فاكرة إن مكانتك اتغيرت عشان بس اتجوزتي أخو البارو، لكن يا سُكينة، في مهنتنا الرقاصة هتفضل طول عمرها رقاصة، والـ….
صمتت وهي تنظر لها من أعلى لأسفل لتشعر سُكينة برجفة على عمودها الفقري، وتراجعت شاحبة الوجه، لتبتسم لها سافا بسمة صغيرة :
_ أعتقد أنتِ فهمتي قصدي، مش محتاجة اوضحكلك مين تاني ممكن افهمه قصدي لو لمحتك قريبة مني، أو فكرتي تقربي من رايانا .
رفعت سُكينة حاجبها بعدم فهم :
_ رايانا ؟! أنتِ مالك برايانا ؟؟
_ ميخصكيش، اتعدلي لأحسن تلاقي نفسك بكرة شغالة تلمي النقطة من تحتي يا سُكينة .
ختمت حديثها تتحرك بسرعة داخل منزل البارو دون اهتمام لأحدهم، فالبارو لا بد أنه خارج المنزل في هذه اللحظة لأجل ترتيبات عقد القرآن المزعوم اليوم، وداخل المنزل لا خطر سوى البارو .
رحلت تاركة سُكينة تقف مكانها وهي تتنفس بصوت مرتفع تحاول أن تتجاوز ما قيل منذ ثواني، وقد اسودت عيونها بشكل مرعب تلاحق ساڤا بنظراتها وقد بدا أنها في هذه اللحظة قادرة على إحراقها حية .
ـــــــــــــــــــــــــــ
_ مش فاهم أنت عايز مننا ايه ؟!
نظر مسلم صوب يحيى والذي بدى أنه المتحدث الرسمي للجميع هنا، فكلما أرادوا الاعتراض على شيء كان هو أول من يصرح به من الجالسين .
_ ولا حاجة أنا مش عايز منكم غير أنك تسكت والله يا يحيى .
انكمشت ملامح يحيى بضيق من كلمات مسلم، ينظر صوب أحمد وكأنه يشكو له بصمت، ليجد أن أحمد شارد بعيدًا عن الجميع، فنسيّ أمر مسلم وتحول صوب أحمد يضيق عيونه وهو يتحدث بجدية :
_ ولاا انت بتحب يا أحمد؟!
انتفض أحمد ينظر له بصدمة بينما نورهان اتسعت عيونها وهي تنظر صوب شقيقها بتسائل :
_ بيحب ؟! بجد يا أحمد ؟!
كان الأمر صدمة فشقيقها الذي انعزل وزهد النساء منذ سنوات طويلة ها هو الآن يحب امرأة أخرى.
_ بحب ايه ؟؟ أنتِ هتصدقي يحيى ؟!
ختم حديثه وهو يهبط بكفه على رقبة يحيى الذي انتفض يصرخ بعصبية، وقبل احتدام الموقف، تدخل مسلم بسرعة :
_ بس أنت وهو، مالك يا احمد فيه ايه ؟؟
_ ابويا أتصل النهاردة وعرف كل حاجة حصلت ومصّر نرجع أنا ونورهان القاهرة انهاردة .
نظرت له نورهان بخوف شديد، بينما مسلم نظر له ينتظر أن يخبره ما حدث بالتحديد، فأخبرهم بالفعل كل شيء وقد تجاهل ذكر ما حدث مع ساڤا .
تنهد مسلم بصوت مرتفع وهو يخرج هاتفه، ينهض من المكان :
_ أنا هكلم جوز خالتي وأنتم اهدوا شوية ..
وبالفعل اختفى تاركًا إياهم جالسين وحدهم، وكلهم ينظرون لبعضهم البعض بصمت، نورهان تشعر بالريبة والخوف من العودة الآن.
تخشى الاصطدام بطليقها، ليست مستعدة بعد، وتخشى مواجهة أهلها بفشلها في الاختيار الوحيد الذي اتخذته بنفسها .
بينما كان هو يجلس بعيدًا ينظر ارضًا يحاول ألا يتدخل في حديثهم، يبصر بطرف عيونه خوفها وارتجافة يدها، ورغم أنه لم يشارك في ضرب زوجه كي لا يظهر أي اهتمام بالأمر، فهو من المفترض أنه لا يعنيه، إلا أن ضربه بالسيارة اطفأ الكثير من نيرانه .
دقائق مرت قبل أن يسمع الجميع صوت مسلم وهو يتحرك للداخل :
_ حاضر يا عمي، متقلقش كلهم في عيوني، هنخلص الحوار ونرجع، كلها ايام بس وهتلاقيهم قدامك، في أمان الله مع السلامة .
ختم حديثه يغلق الهاتف وهو ينظر للجميع وقد حلقت العيون صوبه، وأحمد يراقبه باهتمام :
_ عملت ايه ؟!
_ خلاص الموضوع انتهى، قولتله تفضلوا هنا لغاية ما الدنيا تهدى ونخلص الموضوع .
_ واقتنع عادي ؟!
_ أيوة لأني بلغته إن الحوار خلاص خلص .
نظر له الجميع بعدم فهم :
_ وهو فعلا خلص ؟!
كانت جملة عيسى التي نطق بها بعدم فهم ليجيبه مسلم بهدوء شديد وقد جلس أمامهم، ينظر لهم يستدعي كل لحظة انتباه حتى نطق واخيرًا .
_ اليوم هندخل بيت البارو، بس المرة دي غير، ولهدف تاني خالص ……
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت تراقبها بصدمة وهي تمسكها عن التحرك خطوة واحدة لا تصدق أن رايانا قد استسلمت للأمر الواقع بالفعل، لا تصدق أنها الآن تقف أمامها ترتدي فستان عقد قرآنها على عز الدين .
_ رايانا أنتِ بخير ؟؟
_ لا .
كانت كلمة نطقت بها وهي تراقب نفسها في المرآة، لا تصدق أنها صبرت كل ذلك وحاربت لأجل نفس النهاية التي فُرضت عليها منذ البداية .
لا تدري أكان العيب بآمالها العالية، أم الخطأ في القتال لأجل شيء سيحدث في كل الأحوال، كانت معركة خاسرة منذ البداية لكنها اختارت الاكمال بها .
_ هو ممكن حفيد المريدي الـ…
_ لا، لا يا ساڤا، دي مش معركة حد غيري وانا خلاص خسرتها، ثم هيعمل ايه حفيد المريدي؟! هيجي يوقف زواجي ده منطقي يعني ؟!
ترددت ساڤا ولم تكن تدرك ما يجب فعله في الواقع، كان الأمر معقدًا، وكان عز الدين خنزير لا كرامة له .
_ ممكن يخطف عز الدين أو يخطفك، أو يقتل عز الدين .
ابتسمت بسخرية وهي تنظر لنفسها بحسرة، وقد تذكرت كلمات جدتها حينما أخبرتها أن عز الدين ليست اليد التي ستعتني بها، عز الدين ليس الشخص الذي سيعتني بنبتتها، لكن اتضح في النهاية أن مصيرها كان الذبلان منذ البداية.
_ طيب ….طيب هتسيبي روحِك وتسلّمي؟ هترمي حالِك فـ نار عزّ الدين بإيدِك؟
نظرت لها رايانا بعدم إدراك لما ستفعل، لكنها تدرك من داخلها أن هذه معركتها هي، وأن انتظار فارس أو أمير ليخرجها من هذا المأزق هو مجرد مشاهد في التلفاز أو الروايات، هنا في الواقع هي المنقذ الوحيد لنفسها، لكن ماذا تفعل وقد وضع الجميع قدرها بين قبضة عز الدين .
_ هخوض معركتي للنهاية، وهتكون محاولتي الأخيرة.
_ أنا ممكن أتدخل واخرب الجواز على دماغهم لو تحبي ولو هضرب عز الدين بالنار بين الكل .
ابتسمت رايانا وكم تمنت أن يحدث ما قالته ساڤا، لكنها ليست حقيرة لتقلب كبار عشيرتها على ساڤا وهي تدرك أنهم سيحيلون حياتها لجحيم إن فعلت ما تقول .
_ لا يا ساڤا الموضوع المرة دي هينتهي للمرة الأخيرة، المرة الأخيرة اللي هيحاول فيها عز الدين يقرب مني، ويا يبعد عني للأبد، يا تنتهي الليلة وأنا زوجته .
_ مش فاهمة رايانا متخوفنيش ناوية على ايه ؟!
ابتسمت رايانا بغضب شديد وحسرة والحزن كان أقرب لها من الغضب، تحاول أن تهدأ:
_ هعمل الحاجة الوحيدة اللي بعرف اعملها .
ستحيل الليلة لجحيم على الجميع وأولهم عز الدين .
اليوم ستكسره أمام الجميع وتحرم نفسها عليه، وإن كان عز الدين يمتلك ذرة رجولة، فاليوم ستكون نهاية محاولاته للحصول عليها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في ظلام الليلة وحينما بدا أن أهالي أرض الدوم خلدوا لنومهم، تحرك مسلم وحده مع أحمد وحاتم صوب منزل البارو، تاركين خلفهم يحيى مع نورهان وعيسى تحسبًا لتعدي أحدهم عليهم، وقد كان جنون يحيى في القتال كافيًا ليحمي الجميع إلى جانب عيسى بالطبع .
توقف أمام المنزل بتعجب حينما أبصر الكثير حول المنزل والتجمعات تملئ المكان .
_ عشان هيك كانت القرية شبه خالية، الكل مستنّينا هون.
تحدث أحمد بعدم فهم للوضع الحالي :
_ طب ايه نرجع ونيجي يوم تاني ؟!
ومسلم الذي كان يرافقهم مرتديًا الأسود بالكامل مع قبعة تخفي نصف ملامحه وعلى ظهره حقيبة بها كل ما يمكن أن يحتاجه لليوم .
– بالعكس، دي فرصتنا .
_ إزاي لا مؤاخذة ؟!
_ واضح إن فيه مناسبة والكل مجتمع فسهل ندخل .
صمت يستدير صوبهما يغمز لهما بجدية وبسمة واسعة :
_ الاندماج أسهل من التخفي .
ختم حديثه وهو يخفض القبعة يتحرك صوب الباب الأمامي للمنزل تحت أعين الاثنين المتسعة من جنون مسلم، حتى أن أحمد نظر صوب حاتم بتسائل ليحرك الأخير كتفه :
_ لا تطلّع عليّ هيك، هاد أخوك.
ختم حديثه يلحق بمسلم يدعو ربه أن يخرجوا سالمين دون خسائر، وأحمد لم يجد بد من اللحاق بهم .
وبالفعل وبسبب كثرة الاعداد لم يلحظ أحدهم تقريبًا دخول الثلاثة، والذين بمجرد أن وطئوا للبهو حتى ابصروا الاضواء في كل مكان ونصف القرية تقريبًا مجتمعة للاحتفال بمناسبة ما، ولم يهتم أحدهم بالتفكير في سبب اجتماعهم، وقد أشار مسلم بعيونه لهم أن ينتشروا لتنفيذ الخطة .
وبالفعل تحرك كل واحد منهم في اتجاه لذرع كاميرات المراقبة ومسجلات الصوت، فهم لن يغامروا بالدخول هنا والتفتيش بين أوراقهم، بل سيعلمون قبلًا أين يخفي ذلك الرجل ما يخصهم قبل الهجوم .
كان أحمد يتحرك في المكان وهو يبحث عن مكان يزرع به أول ميكرفون مع كاميرا، ليبصر بطرف عيونه تجمع الرجال في أحد الأركان وتحدثهم بحماس حول راقصة اليوم وكأنهم على وشك الحصول على وليمة ينهالون عليها .
وفي الحقيقة لم يهتم أحمد بالأمر كثيرًا وقد نبذ منذ مراهقته هذه الأمور المثيرة للاشمئزاز، لكنه توقف فجأة حينما تناهى لمسامعه اسمًا خُيّل له أنه يعلمه جيدًا .
_ ساڤا ؟؟
أبعد عيونه عن المكان الذي ذرع به الميكرفون، وهو يحركها بهدوء صوب منتصف الساحة حيث تقدم في هذه اللحظة امرأة تتزين بثوب طويل بدى تقليديًا مع تنورة من ألوان متعددة، ورغم أن الثوب كان يبدو ساترًا ليس كما ألف عن الراقصات، إلا أنها كانت …..ترقص بحركات غريبة خمن أنها رقصات تخصهم.
أما عن ساڤا فهي لم تكن تقبل الذهاب لإحياء أي زفاف ولم تكن تقبل بالرقص خارج المقهى، لكنها اليوم تحديدًا قبلت عرض عز الدين الذي هدف به لإذلالها، فقط لتكون جوار رايانا التي لا تعلم حتى الآن ما تنتوي عليه .
لذا ومع انطلاق صوت الموسيقى الفلكلورية تحركت بين الجميع وقد صدح صوتها القوي الساحر يرن بنغمات احتفالية بين الجميع وهي تدور في حركات سريعة، كانت راقصة غجرية ترقص كما يرقص الغجر في القوافل عادة، حركات رشيقة خفيفة لكنها كانت كافية لإثارة بعض الرجال الذين لا يفكرون سوى في شهواتهم القذرة .
توقفت في منتصف الساحة وهي تحرك كتفها بخفة كبيرة، تنظر بنظرات ربما ظنها الجميع مغرية صوب عز الدين الذي كان يتوسط البهو كملك ينتظر جاريته لتركع أمامه .
ابتسمت وهي تتحرك صوبه وهي ما تزال تغني بصوت مرتفع وتحرك كتفها وقدمها بحركات معروفة، حتى وصلت أمامه ترفع قدمها تضعها على الطاولة أمامه بشكل جعل أعين الأخير تلتمع وهو يميل للمس قدمها، لكنها رفعتها تضرب بها يده في حركة مهينة أخفاها هو بإطلاق ضحكة صاخبة حاول إظهارها مستمتعة .
بينما هي تجاهلته والغضب والاحتقار ينمو داخل صدرها تكمل عرضها تنتظر حضور رايانا لمعرفة الخطوة التالية، وبينما كانت تدور راقصة في المكان ابصرته يقف في أحد الأركان وهو يراقبها مصدومًا مما تفعل، لتتوقف ثواني فقط قبل أن تتجاهله بهدوء وتكمل فقرتها .
أما عن أحمد فابتسم بسخرية لاذعة، وهو يتحرك في المكان بسرعة ينتهي مما جاء لأجله .
وعلى الطرف الآخر كان حاتم يدور بين الجميع يبتسم لهذا وذاك وهو يدس يده يضع ميكرفون تحت طاولة، وكاميرا في ركن بعيد جوار مزهرية .
ومسلم كذلك كاد أن ينتهي وهو يتحرك صوب ممر يمتد جوار الدرج لينتهي كما جاء لاجله، لكن فجأة توقفت أقدامه حينما سمع صوت المرأة يصدح في المكان :
_ العروس وصلت .
ومن ثم انطلقت الزغاريد في المكان بأكمله، كان زفافًا إذن، حسنًا هذا يبرر هذه الزينة والأضواء المبالغ بها، وكاد يتحرك غير مهتمًا بما يحدث لولا أن أبصرها تهبط الدرج بهدوء والنساء يحفونها .
توقف قلبه فجأة وشعر بعدم قدرته على التنفس وهو يحاول فهم ما يحدث، هذه ….هذه …العروس …هي العروس …العروس كانت .
_ فروشكا ؟؟؟؟
ورايانا في هذه اللحظة كانت كما لو أنها تقاد لحبل المشنقة، ترى القاضي والجلاد ينتظرونها لتنفيذ حكم الاعدام .
اقتربت وهي تهدأ ضربات قلبها التي بدأت تصم جميع الاصوات حولها، الموسيقى والغناء والتصفيق والزغاريد، كل شيء اختفى ولم يبقى سوى صوت المأذون الخاص بالقرية الذي هتف بصوت قوي بمجرد أن ابصرها.
” الحمدُ لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلّ له، ومن يُضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾
﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة﴾
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا﴾
أما بعد… فقد قال رسول الله ﷺ: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج…»
كانت جمل متقطعة تصل لها وهي تتحرك صوبهم ببطء وكأنها تؤخر موتها فقط، لكنه كان حتميًا في النهاية .
جلست واخيرًا أمام عز الدين وصوت المأذون يصدح في المكان بكلمات جعلت أعين مسلم تتسع أكثر بجنون لا يصدق أنها تفعلها، تتزوج الرجل الذي كانت تردد قبل أيام قليلة فقط أنها تكرهه، أنها في صف من يكرهه.
الآن يجبرونها على الزواج منه ؟!
نظر لوجهها وابصر جمود ارعبه، تسليم بما يحدث، كانت …تشبهه أكثر مما ظن .
_ عز الدين هل قبلتَ الزواج بـ رايانا بنت عزيز على كتاب الله وسنّة رسول الله، وعلى الصداق المسمّى بينكما.
ابتسم عز الدين وقد شعر في هذه اللحظة أنه أمسك بنجمة من السماء حلم طفولته ومراهقته وشبابه وحياته بأكملها يتحقق، رايانا ستصبح زوجته، خرجت كلماته مرتجفة محبة :
_ أقبل.
تراجع مسلم للخلف وقد شعر بأنه على وشك الاختناق مما يرى، كانت الفتاة مستسلمة بشكل مرعب، نفس الاستسلام الذي أظهره حينما أدرك أن لا مفر من العذاب .
ارتجفت يده وهو ينظر حوله بعجز يبحث عن شيء يوقف به ما يحدث، لا يمكنها، لا يمكنها أن تفعل، أن تتزوج به، أن تُجبر عليه، أن…لا يمكن لفروشكا أن تكون زوجة لهذا الرجل الذي لا تبغض شخص آخر بقدره .
لا يمكنها أن تستسلم كما فعل هو مسبقًا، لا يمكنها أن تقتل نفسها بهذه الطريقة .
_رايانا هل قبلتِ الزواج بـ عز الدين على كتاب الله وسنّة رسول الله، وعلى الصداق المسمّى بينكما؟!
صمت وصمتت كل الأصوات حولهما، تجمدت عيونها وهي تحدق في الأرض أمامها دون كلمة واحدة .
الجميع ينتظر منها كلمة، مسلم وساڤا، والدها وعز الدين والجميع فقط يترقب الموافقة .
حتى نطقت أخيرًا وبكل هدوء :
_ لا، مش موافقة يا شيخ .
وفي ثواني ارتفعت الهمسات في المكان وقد على الاستنكار وانتفض عز الدين وهو يصرخ بجنون لا يصدق أنها تفعلها للمرة الثانية، ترفضه صراحة هذه المرة أمام الجميع .
_ أنت اتجنيتي بتقولي ايه أنتِ، رايانا مش وقت هزارك البايخ، ردي على الشيخ اخلصي .
نظرت رايانا للشيخ بهدوء وبرود شديد :
_ وأنا رديت عليه، مش موافقة على الجواز من عز الدين يا شيخ، هل هتقبل على نفسك تجوزني ليه بالغصب زي ما هو قبل على نفسه يتجوزني غصب .
استغفر الشيخ بصوت خافت وهو ينظر للجميع، لينتفض البارو وقد بدأت العيون تتحرك صوبه، يتحرك صوب ابنته، وقد شعر بالعار يملئ نظرات الجميع صوبه .
_ رايانا يا بنتي ايه اللي بتقوليه ده ؟!
_ اللي سمعته والكل سمعه، ولو لسه محدش سمعه فخليني اسمع الكل .
صمتت تحرك عيونها بين الجميع قبل أن تصيح بصوت قوي وقد أدركت أن لا منقذ لها من هذا سوى نفسها :
– أنا برفض الزواج من عز الدين، ولو هو هيقبل على نفسه يعيش مع ست كرهاه وكارهة شوفته، والشيخ هيقبل على نفسه يزوج بكر دون رضاها فكملوا في الجواز لأن على جثتي اتجوز عز الدين برضايا.
ختمت حديثها وهي تخرج بسرعة من ثوبها سكينها المفضل توجهه صوب رقبتها وهي تصرخ :
_ على جثتي اكون زوجة ليه يـــا بــــارو .
أما عن مسلم فكان يتابع ما يحدث وقد اهتز قلبه داخل صدره بقوة مما أبصر منذ ثواني، لقد فعلتها، فعلت ما عجز هو عنه قديمًا اعترضت مصيرها الذي وضعه لها الجميع .
شعر بارتجافة صدره، هذه المرأة كانت مبهرة أكثر مما ظن يومًا، يتابعها ببسمة فخورة وكأنه يبصر ابنته تخطو أولى خطواتها، حتى أبصر السكين الذي وضعته على رقبتها فانتفض برعب وكاد يتحرك صوبها بتهور لولا يد أحمد الذي امسكه يتحدث بحدة :
_ أنت رايح فين ؟؟ مسلم اتجنيت؟! خلينا نخرج من هنا قبل ما حد يشوفنا .
ومسلم فقط كان يحدق بها، برعب لم يدركه سوى في هذه اللحظة، يراقب يدها التي ورغم نظراتها الجامدة كانت ترتجف .
ابتلع ريقه يحاول الإفلات من يد أحمد لا يعلم ما سيفعل، لكنه لن يتركها تهدد حياتها لأجل شخص كعز الدين .
تقدم حاتم حينما أبصر ما يحدث يهتف بصوت منخفض :
_ مسلم بالله عليك لا تفعل، هيا لنرحل ودعهم يحلون مشاكلهم .
ومسلم فقط استدار ينظر لحاتم بشر يهمس من أسفل أنفاسه وقد كان فكرة ترك الفتاة تواجه الجميع وحدها شيء يمكن أن يفعله ميتًا فقط:
_ لن اتركها وحدها بينهم حاتم.
اتسعت عيون حاتم من الشر الذي سكن وجهه مسلم، في اللحظة التي أعلن بها الشيخ أن الأمر انتهى .
_ وأنا مش هخالف شرع ربنا وازوج واحدة دون رضاها، الزواج هيكون باطل، عن اذنك يا بارو ولما تتأكد أن العروس موافقة يبقى لينا كلام تاني .
ختم حديثه يرحل وقد كان رحيله بمثابة إعلان صامت لانتصار رايانا، أما عن عز الدين فنظر لرايانا نظرة جعلتها تدرك أن عز الدين سيقتلها بعدما تنتهي هذه الليلة .
وبالفعل رفع عز الدين ذراعيه وهو يصرخ في الجميع حوله :
_ رفضتي الزواج مني يا رايانا، ماشي براحتك بس قسمًا بالله ما هتكون لغيري، رايانا من اليوم متحرمة على أي راجل فيكم، وأي حد هيتجرأ ويقرب بس منها هعتبره بيعاديني .
تشنجت ملامح أحمد بصدمة من الهراء الذي سمعه، لا يصدق أن أحدهم قد يصل بالدناءة لهذه المرحلة، والغريب أن الجميع صمت ولم يجادله أحد في كلماته، حتى والدها.
أما عن عز فنظر لرايانا التي كانت ترتجف بصدمة ودموعها متجمدة في عيونها يهمس لها بشر :
_ عيشي وحيدة حقيرة مفيش راجل هيقرب منك يا رايانا، دي كانت فرصتك الأخيرة، بس اقسم بالله ما هقرب منك تاني ولا هيقرب منك راجل، خلاص يا رايانا، خلصنـــا .
ارتجفت يد رايانا التي تحمل السكين وقد سقطت دموعها دون شعور، ليس حزنًا على رجال تنبذهم من الأساس، بل قهرًا على مستقبل ضاع منها فقط لأنها وُلدت بينهم .
اقترب منها عز الدين لترفع السكين بسرعة تهدده بها، فتوقف مبتسمًا بسخرية :
_ مصيرك بقى اسود من الليل يا رايانا هتتمني لو كنتِ وافقتي تتجوزينـ…
وقبل إكمال جملته انطلقت رصاصة تستقر في ذراعه في ثواني، هدر بصرخات متوجعة على إثرها وهو يسقط ارضًا صارخًا وقد على الهرج والمرج من حوله والجميع يركض في كل مكان .
أما عن رايانا فقد أطلقت صرخة مرتفعة وهي تلقي السكين بسرعة مرتعبة، تتراجع للخلف بصدمة تتحرك بعيدًا عنه للخلف، لتقع عيونها فجأة عليه .
اتسعت بصدمة تدرك وجوده هناك، جوار الدرج يحمل مسدسه وتعبير أسود غطى وجهه وهو ينظر لجسد عز الدين، قبل أن يسحبه من معه بالقوة للخارج، وكان آخر نظرة موجهة لها، نظرة شعرت بها …وعدًا وعهدًا صامتًا .
وفي هذه اللحظة تنفست رايانا وقد شعرت أن اليد التي كانت تخنقها، قد شُلت .
حركت عيونها للمنزل حولها، تراقب الجميع يركض ويصرخ وقد حدث ما توعدت به، تحول زفافها لكارثة وللمرة الثانية ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أنت اتجننت، اتجننت يا مسلم ايه اللي هببته ده، بتضرب على الراجل نار ؟؟ ضربــــــتــــه رصــــاصـــة ؟! عشـــــان ايــــه ؟!
كانت صرخات أحمد بعدما استقر الجميع داخل المنزل، بينما مسلم فقط يجلس على المقعد بهدوء يستند بيديه على قدمه، ينظر أمامه دون كلمة، وقد سأل نفسه السؤال ذاته، لأجل ماذا ؟!
والإجابة في الواقع لم تكن مجهولة، بل كان يدركها جيدًا، لكنه خشي الاعتراف بها بصوت مرتفع .
ولم يدرك أنه بالفعل نطقها وانتهى الأمر:
_ كان بيبص ليها بشكل مش كويس، كان هيأذيها بعد كده .
جُن جنون أحمد وهو يصرخ بعدم فهم لطريقة تعامل مسلم التي لا تشبههم :
_ فقولت تشغله عنها برصاصة، يا زين ما فكرت فيه يا ابن خالتي .
ومسلم لم يهتم بالرد، يعلم أنه أخطأ وتهور، للمرة الأولى يتخذ خطوة دون تفكير، لأجلها، لكنه لو عاد به الزمن يقسم أنه لم يكن ليغير شيئًا، هو وإن كان قد رحل بهدوء بعدما رفضت فروشكا الزواج به، يدرك يقينًا أن ذكر بصفات عز الدين لن يوقفه شيء عن ضربها، لم يستطع المغامرة بذلك .
_ مسلم أنت واعي باللي عملته ؟!
وكانت تلك الجملة من يحيى الذي يبصر شقيقه لأول مرة بهذه الملامح السوداوية، بدا أن هذه نسخة لم يكن أحدهم مستعد لرؤيتها عن قرب، الجميع _ عدا حاتم_ ينظرون له باستنكار .
لذا نهض مسلم من مكانه دون كلمة واحدة يتركهم وهو يتحرك خارج المكان بسرعة تاركًا إياهم يحدقون في أثره بصدمة وعدم فهم .
وأحمد يحرك خصلاته بجنون :
_ هنعمل ايه في المصيبة دي؟؟ ده لو كان حد لمح مسلم يبقى خلاص ركبنا كلنا الغلط وبقى عندهم حجة يرمونا في السجن كلنا .
تحدث حاتم بصوت منخفض وهو يحاول تهدئة الأوضاع .
_ لا تخاف، ما رح يصير شي.
نظر له الجميع وقد حلقت الأسئلة واضحة فوق رؤوسهم ليتنفس هو بصوت مرتفع :
_ الموضوع بسيط لا تعقدوها، ما رح يصير شي .
ولم يفهم أحدهم سبب هذا الهدوء والثقة وكأنه يتحدث عن شيء مألوف وليس رصاصة أخرجها مسلم من مسدس لا يعلمون من أين احضروه، نعم لم تكن الرصاصة الأولى وقد أصاب قبلًا أحد المعتدين على منزلهم رصاصة سطحية لإنقاذهم، لكن وقتها كانت الرصاصة مبررة، ماذا عن الآن ؟؟
أما عن حاتم فكان يراقب خروج مسلم بصدمة كبيرة وفي عيونه نظرة فزعة مما رأى في نظرات مسلم .
_ يارب سلّم .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبينما كان السكوت يسبق العاصفة في منزل مسلم، كانت العاصفة نفسها تضرب بمنزل البارو ومن به .
التوتر يعلو في المكان وصرخات عز الدين تهز ارجاء المنزل، الهرج والمرج في كل مكان، والحكيم يحاول إخراج الرصاصة، والبارو يشاهد بصدمة ما يحدث، لا أحد يفهم ما حدث فجأة وكأن سحابة سوداء اصطدمت بالمنزل لتفسد الاحتفال بكارثة .
بدأ الجميع يخرج من المنزل ويرحل برعب شديد مخافة أن يمسهم سوء وكأن الاقتراب من هذا المنطقة يعني هلاكهم .
وهذه كانت تمامًا أفكارها، إذ اندفعت سُكينة فجأة صوب رايانا ترفع كفها لصفعها بقوة وهي تصرخ :
_ الله يحمينا منك يا شوم، ابني ..ابني كان هيموت بسببك، خلصتي على جوزك الأول والدور على ابني .
ولم تكد ترفع يدها لتصفعها الصفعة الثانية حتى تلقت هي الصفعة في المقابل، رايانا والتي كانت ما تزال في صدمتها لم تحرك إصبعًا واحدًا، بل راقبت بصدمة ساڤا التي انقضت عليها بالصفعات وهي تصرخ بوجهها :
_ الشوم دي تبقى الدجالة اللي سحرت لراجل غبي عشان يتجوزها وينسى أصلها الزبالة يا سُكينة .
ختمت حديثها ليعم الصمت فجأة في المكان وقد شحب وجه سكينة وهي ترى نظرات زوجها والجميع عليها، ارتجفت يدها وهي تحرك عيونها بتوتر بين الجميع قبل أن تصرخ :
_ الرقاصة …الرقاصة دي تبقى أنتِ، ومفيش رقاصة غيرك في المكان كله، كلنا في القرية عارفين أصلك وعارفين أنكِ بتبيعي نفسك للي يـ….
ومجددًا اصمتتها صفعة عن إكمال الحديث، وهذه المرة لم تكن ساڤا، بل كانت رايانا التي جذبتها من حجابها بجنون وهي تهمس في وجهها بنبرة منخفضة مرعبة :
_ خدي ابنك وامشي من هنا، بدل المرة دي والله ما هتكون أرضكم بس اللي هتولع يا مرت عمي .
نظرت لها سُكينة برعب شديد من نظرتها، ارتجفت وقد تراجعت للخلف بسرعة تنظر صوب زوجها بخوف كبير:
_ خلينا …نمشي من هنا، أنا مش …مش قادرة اقف في البيت ده اكتر من كده، خلينا نمشي .
وبالفعل تحركت بسرعة صوب زوجها تجذب يده وتشير له بمساعدة ابنها وتتحرك معه للخارج، وعز الدين لم يكن ينتبه لكل ما يحدث ولم يهتم بشيء سوى التخلص من الوجع بكتفه، لكن والده لم يكن كذلك، كانت نظراته لسُكينة مريبة وغريبة .
وبمجرد أن فرغ المنزل إلا من أهله وساڤا، نظرت الأخيرة لهم وتوقفت نظراتها على وجه رايانا التي هزت لها رأسها لترحل.
لذا تنهدت بصوت منخفض وهي تحرك خصلاتها بهدوء :
_ أعتقد الليلة انتهت، اعتبروا الرقصة هدية لرايانا، ليلة سعيدة يا بارو .
وهكذا رحلت بكل بساطة وكأن لا شيء حدث، كانت لليلة بمثابة كارثة على الجميع تقريبًا .
رحل الجميع ولم يتبقى سوى أصحاب المنزل، وكل ذلك والبارو صامت لا يتحدث بكلمة، لكن هل تلومه رايانا ؟؟ بل تلوم ضعفه وقلة حيلته أمام عمها وابنه .
نظرت له بخيبة أمل قبل أن تتحرك بهدوء خارج المنزل ليوقفها البارو بصوت ميت وكأنه قادم من بئر سحيق :
_ على فين ؟!
_ أي مكان اقدر اتنفس فيه يا ….بارو.
ختمت حديثها وهي تتحرك بسرعة خارج المنزل تاركة الجميع في صمت قاتل، حاولت شيما التحدث لكسر هذا الصمت، تتحرك صوب زوجها تشفق عليه من نفسه :
_ بارو تحـ
لكن قاطعها صوت الجدة وهي تبتسم بسمة متحسرة :
_ اتمنى تكون ليلتك انتهت النهاية اللي استنتها يا بني .
نظر لها البارو بأعين شاردة وقد بدا أنه ليس في هذا العالم معهم، يفكر في سؤال واحد، ما الذي جناه الليلة ؟؟
هو البارحة ذهب بالفعل لعز الدين ليخبره عن رفضه صراحة لهذا الزواج ويقطع أي سبيل له، هذا كان قبل أن يلقي عز الدين اوارقه بقذارة مهددًا بمستقبله مقابل زواجه من ابنته .
نهضت الجدة وهي تتحرك ببطء صوب باب غرفتها تردد بصوت مرتفع :
_ أوكلت امري لله في أولادي، ربي يهديكم لنفسكم قبل أولادكم، ربي يهديكم، ربنا ياخدني قبل ما أغضب عليكم ليوم الدين .
تبع حديثها صوت اغلاق الباب بقوة، وشيما تراقب البارو بتردد قبل أن تقرر التحرك لتنظيف المنزل بصمت، تاركة إياه وحده مع أفكاره وضميره ..
جلس بقلة حيلة ارضًا ينظر حوله في المنزل يبحث عن شيء، لا يدرك ما هو من الأساس، لكنه في النهاية استسلم أن ذلك الشيء الذي يبحث عنه قد أضاعه هو كما أضاع كل شيء في حياته .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت تقف أمام المنزل مع جارتها تسمع آخر أخبار القرية، لا تصدق ما حدث .
ابتسمت بسمة واسعة تردد بحماس شديد :
_ يعني الزواج محصلش ؟؟ عز الدين متجوزش رايانا بجد ؟
_ أيوة، الزواج كله من أوله خرب فوق دماغهم، اساسا الكل عارف إن ده مصير أي شخص يفكر يقرب من رايانا، ربنا يسترها علينا و…..
صمتت الفتاة عن الحديث وهي تتحدث بعدم فهم :
_ أنتِ مبتسمة وسعيدة ليه ؟؟ معقولة لسه بتحبي عز الدين يا كارا ؟؟
رفعت كارا حاجبها بسخرية لاذعة :
_ لسه بحب عز الدين ؟؟ أنا محبتش عز الدين من البداية، الله يجحمه مع أمثاله، أنا سعيدة إن رايانا مدخلتش جحيم عز الدين .
رفعت الفتاة حاجبها بضيق من كلمات كارا، لكنها أرجعت الأمر ربما لما سبق وحدث بينهما في نهاية زواجهما، لذا لم تهتم كثيرًا واكملت حديثها بفضول شديد :
_ بس تعرفي الرصاصة اللي صابت عز الدين في الاحتفال دي غريبة، اراهنك أما كان واحد من أحفاد المريدي اللي عمل كده عشان يفسد الاحتفال، اصل مين يتجرأ ويوقف زواج بالشكل ده غيرهم في القرية ؟!
كادت كارا تقلب عيونها بضيق من الأقاويل التي تتمحور حول اولاد المريدي وقد بدا أن بالقرية منافس لرايانا لينسبون له أي كارثة تحدث حتى لو كانت كارثة طبيعية، لكنها فجأة أدركت شيء وجملة جارتها تتردد في أذنها بقوة جعلتها تفكير في شيء بصمت.
_ مين يتجرأ ويوقف جواز في القرية غيرهم ؟؟!
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
توقفت أمام منزلهم وقد كانت تعلم أن وجودها الآن في هذه اللحظة خاطئًا خاصة بعد النظرة التي تلقتها في منتصف صدرها حينما كانت تتراقص في حفل الزفاف .
نظرت للهاتف بين أصابعها بتردد، هي تدرك أن هذا الهاتف ما هو إلا حجة غبية فقط لتأتي وتراه، ولا تعلم السبب لكنها بدت كما لو كانت تتطلع لرؤية نظرة شفقة أو اشمئزاز في عيونه .
طرقت الباب بهدوء وقد كان البهو بالكامل ظاهرًا أمامها بسبب الباب المفتوح على مصراعيه، تحركت جميع الأنظار نحوها في ثواني، لتفرد ظهرها وهي تنظر لهم ببسمة صغيرة :
_ آسفة لو ازعجتكم في وقت غير مناسب .
نظر لها الجميع بعدم فهم وقد كان التوتر الذي تركه مسلم ما يزال قائمًا، لكن أول من استفاق كان نورهان التي نهضت تتحدث ببسمة صغيرة :
_ لا ابدًا اتفضلي، فيه حاجة نقدر نساعدك فيها ؟!
كانت نورهان تتعامل كما لو أنها تجلس في منزلها في القاهرة وجاءتها جارة تطلب مساعدة .
مسح أحمد وجهه بضيق شديد مما يحدث، وقد أصبح المكان بمن فيه كصخرة مستقرة على صدره، لذا تحرك يجذب نورهان للخلف يقف أمامها مخفيًا عنها ساڤا، وهو يتحدث بصوت هادئ بارد بعض الشيء وعيونه التي تشبه خاصة شقيقته كانت تلتمع بنظرة لم تفهمها ساڤا ولم تتعب نفسها في تفسيرها :
_ اتفضلي، نساعدك ازاي ؟!
ابتسمت ساڤا بسمة صغيرة وهي ترفع حاجبها :
_ تساعدني ؟؟ وأنا لو محتاجة مساعدة هجيلكم ليه ؟!
تشنجت ملامح أحمد وقد شعر الجميع باندلاع شرارات وشحنات مجهولة في الهواء، كانت النظرات تتقازف بين الاثنين.
_ ايه السبب اللي يخليكِ تشرفينا في وقت زي ده في الليل ؟؟ معتقدش فيه بنات محترمة تخرج في وقت زي ده .
كانت كلماته الأخيرة مبطنة بسخرية لاذعة ولا يدرك السبب في نطقها، لكنه لم يستوعب ما نطق به إلا بعدما خرج من فمه، فاتسعت عيونه وهو ينظر للجميع خلفه، يتنحنح يحاول تحسين ما قال :
_ قصدي يعني مش …
لكن هي قاطعته وهي تتحرك صوبه تمسك كفه ليشعر أحمد برعشة في يده يحاول جذب يده بسرعة لكنها غافلته وهي تضع هاتف بين يديه بسرعة كبيرة تبتسم له وهي تقرب وجهها بعض الشيء منه :
_ لما تعملوا مصيبة مرة تانية، ابقى بص وراك يا أحمد.
نظر أحمد ليده يبصر هاتف عرفه في ثواني وقد كان هاتف مسلم، ربما سقط أثناء جذبهم العنيف له للخارج .
أما عن ساڤا فحررت يده بهدوء شديد وهي تستقيم مبتسمة :
_ كنت سعيدة بوجودكم في الزفاف انهاردة وقت عرضي بالمناسبة، وشكرا على اللي عملتوه مع عز الدين .
ضغط أحمد على الهاتف بقوة غاضبًا من برودها ووقاحتها في التحدث عن عرضها بهذه البساطة أمام الجميع الذين لا يفهمون ما تتحدث عنه، حتى حاتم الذي لم يلتفت للراقصة ولم يبصرها حتى .
رفع عيونه لها وهو يهمس بصوت منخفض :
_ العفو، واحنا مشوفناش عروض ولا غيره، معلش أصل احنا مش من مشجعي الرقص .
كانت الجملة الأخيرة لها فقط بالكاد وصلت لمسامعها، لتبتسم له بسمة باردة موجوعة جعلته يشعر بالحقارة فجأة، لذا أخفى الهاتف في جيبه يبعد عيونه عنها :
_ شكرًا عامة على مساعدتك .
توقف عن الحديث وقد شعر بالتوتر من نظرتها وهو يقول أول ما خطر في رأسه في هذه اللحظة بعدما أبصر نظرتها له :
– تحبي اوصلك ؟؟
رفعت ساڤا حاجبها بصدمة من كلماته، وهو نفسه صُدم بما قال منذ ثواني، وقد ادرك أنه لا يصلح بأي حال من الأحوال في التحدث مع النساء .
وساڤا التي تفاجئت بعرضه هزت رأسها بسخرية شديدة، لكنها ابتسمت ببراءة جعلته يراقبها متسع الأعين:
_ يعني أنا مش حابة …مش حابة ازعجكم، لكن لو تكرمت يعني ممكن بس توصلني لمركز البلد لأن المنطقة اللي قبل البيت دي فاضية وانا بنت لوحدي في الوقت ده وخايفة على نفسي .
ختمت حديثها وهي ترمش له بشكل جعله يكاد ينفجر ضاحًكا لولا صدمته التي عرقلت الضحكات في حلقه .
مسح وجهه لا يصدق ما تقول، لا يصدق …يقسم بالله أنه صدقها لثواني .
نظر خلفه ببسمة غير مصدقة، لكن لا أحد كان يبصر ما يبصره هو، وقبل التحدث بكلمة انتفض يحيى يعرض بكل رجولة وفداء :
_ لا طبعا ازاي ميصحش أنا هروح اوصل القمر دي وبالمرة اشوف مسلم و….
قاطعه أحمد وهو يستدير مشيرًا له بإصبعه:
_ اقعد …اقعد، خليك هنا مش ناقصين قرف منك أنت كمان .
رفع يحيى حاجبه وارتفع طرف شفتيه بتشنج :
_ قرف مني أنا كمان ؟؟ ليه قولتلك تعالى غيرلي البامبرز ؟؟
ضحكت ساڤا بصوت مرتفع ليستدير لها أحمد يتحدث بعصبية من تصرفات يحيى اللامسؤولة، يشير لها بصوت خرج غاضبًا دون إرادته :
_ اتفضلي قدامي .
نظرت له ساڤا ببسمة صغيرة لا تصدق أنه وافق بالفعل، يبدو أن الرجل كان يمتلك من الأخلاق أكثر مما تعتقد هي .
مالت برأسها تنظر له ببراءة :
_ مش هتعبك معايا كده ؟؟
_ اتفـــضـــلي .
كانت كلمة خرجت من أسفل أسنانه، لتهز رأسها بهدوء وهي تتحرك أمامه، بينما هو تبعها وهو يزفر بصوت مرتفع ينظر للسماء يطلب العون من ربه على هذه الحياة التي سقط بها بعدما كان يحيا بهدوء في عالمه الخاص ….
وبمجرد خروجهم تحدثت نورهان ببسمة واسعة :
_ هي دي اللي أحمد بيحبها ؟؟؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت تتحرك بشرود ورأسها لا ينفك يعيد عليها نظراته الأخيرة لها، كانت تشعر برجفة قوية في جسدها بالكامل، ورغم كل أفكارها السوداء انتهت الليلة نهاية …جيدة نوعًا ما .
توقفت واخيرًا عند البحيرة التي كانت تحب الاختلاء بنفسها عندها، ولأول مرة تقترب منها مساءً بعدما كانت تخشى التواجد جوارها في ذلك الوقت .
لكن الآن بدت البحرية أكثر أمانًا لها، تنفست بصوت مرتفع وهي تفتح ذراعيها تغمض عيونها بهدوء شديد تحاول أن تُهدأ ضجيج عقلها وكلمات حادة تتردد داخل أذنها .
” عيشي وحيدة حقيرة مفيش راجل هيقرب منك يا رايانا، دي كانت فرصتك الأخيرة، بس اقسم بالله ما هقرب منك تاني ولا هيقرب منك راجل، خلاص يا رايانا، خلصنـــا .”
“مصيرك بقى اسود من الليل يا رايانا ”
” رفضتي الزواج مني يا رايانا، ماشي براحتك بس قسمًا بالله ما هتكون لغيري، رايانا من اليوم متحرمة على أي راجل فيكم، ولي حد هيتجرأ ويقرب بس منها هعتبره بيعاديني .”
شعرت بدموعها تهبط دون شعور منها وقد بدأت شهقاتها ترتفع، والله لا تحزن عليهم، والله لا تعترض على قدرها، لكنها فقط حزينة أن حكم عليها بالوحدة فقط لأجل افكار وأوهام لا يد لها بها .
أما عنه ..
يجلس وهو يحدق بها دون أن يصدر صوتًا يقدر لحظات صمتها ورغبتها بالانعزال ذاتها، لذا صمت وظل يراقبها ولا يدري السبب في عدم ذهابه من المكان بأكمله، لكنه فقط يرفض ….
يرفض تركها في هذا الليل وحدها، وبهذه الحالة، لم تكن تبدو له متزنة و…
وقبل أن تكتمل أفكاره في عقله حول ماهية قدومها في هذا الوقت شعر بجسده يتجمد فجأة والحياة تتوقف حوله، وانفاسه توقفت كذلك داخل صدره حتى شعر بأنه سيختنق، كانت لحظة ارتجف بها كامل جسده قبل أن ينتفض يصرخ بجنون وهو يركض صوب المياه يرى جسدها الذي سقط لتوه فيه …
يتبع.. (رواية ارض الدوم) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.