رواية الماسة المكسورة الجزء الثاني 2 – الفصل التاسع عشر 19
الفصل التاسع عشر♥️🤫
[بعنوان: في لحظات الصمت والدموع]
رفعت كوب العصير، وبدت على شفتيها ابتسامة واسعة، بينما ضوء الليزر يلمع فوق جبينها بين ضحكاتها، كان القناص يثبت يده وإصبعه يقترب من الزناد، واللحظة تتجمد كأن الهواء نفسه امتنع عن التنفس.
وفي اللحظة التي أوشكت فيها سبابته على الضغط، ظهر سليم فجأة، كأن الأرض انشقت وأخرجته!!
اشتعلت عينيا القناص بالغضب، وضغط على أسنانه بشراسة تنذر بإنفجار؛ فلم تكن هذه المرأة الأولى التي يكاد أن يقتلها ويظهر سليم فجأة من عدم.
ضرب الجدار بكفه، وتعالت أنفاسه بحدة قبل أن ينسحب من المكان بهدوء بارد.
على الجانب الآخر
كانت ماسة لا تزال تضحك مع صديقاتها، غير مدركة لما يحدث حولها، وحين توقف سليم أمامها، رفعت عينيها نحوه بتساؤل.
سليم بقلق: مبترديش على التليفون ليه؟
ثم ألقى نظرة سريعة على الفتيات وقال بتهذب: مساء الخير.
وقفت أمامه، اعتذرت من صديقاتها وسحبته من يده بخفة، وابتعدا جانبا.
ماسة بصوت خافت ومنزعج: إنت إيه إللي جابك؟! في ايه؟!
سليم متعجبا: كلمتك كتير ومردتيش فقلقت عليكي، وعرفت من راويه انك هنا فجيت.
رفعت حاجبها باستغراب وهي تخرج هاتفها: إنت رنيت عليا؟ ثانية واحدة…
تفحصت الشاشة، فرأت عشر المكالمات الفائتة منه.
ابتسمت ووضعت يدها على شفتيها بخجل: يا نهار أبيض، أنا آسفة يا سليم! كنت في محاضرة والتليفون كان صامت، أصل الدكتور دى رخم ولازم يخلينا نعمل الفون صامت.
ضحكت بخفة وقالت بمداعبه: ماتستخدم سلطتك، وقوله مراتي استثناء.
اومأ ضاحكا: بس كدة عيني.
ننظرة اليها بتساؤل: بس ليه جيتي الكافيه من غير ماتقولي؟!
ضمت شفتيها بلطف: محسيتاش مستاهلة أقول، أصل الكافيه قدام بوابة الجامعة، عديت الشارع وخلاص، وكنت محتاجة أشرب حاجة قبل المحاضرة التانية، أنت أضايقت؟!.
ابتسم وهز رأسه: لا مضايقتش بس قلقت عليكي… ضيق عينيه اضاف متسائل: وبعدين هو لازم تحضري المحاضره التانيه؟!
ماسة بدهشة: إزاي يعني؟
ابتسم وقال بمداعبه: أصلي بدأت أقتنع إن وقتي مينفعش أفرط فيه؟ وبصراحه عاملك مفاجأة هتعجبك أوى.
لمعت عيناها بتساؤل: مفاجأة ايه؟!
قرص خدها بمداعبه: لو قولتلك هتبقي مفاجأه أزاي، تعالى وأنتِ تعرفي.
ضحكت وهي توميء برأسها: ماشي يا كراميل، نكنسل المحاضره.
اومأ برأسه: أيوه كده، يلا تعالي.
رفعت إصبعها: ثواني أسلم على البنات الأول.
عادت إلى صديقاتها، سلمت ودفعت الحساب، ثم عادت له، فشبك أصابعه في يدها بثبات، وخرجا معا.
أثناء تحركهم نظر لها قائلا: هنركب عربيتي، والحراسة هتجيبلك عربيتك.
أومأت موافقة، واستقلوا سيارته، وانطلق الي وجهتهم.
💞_________________بقلمي_ليلةعادل
فيلا عائلة هبة، 12:00ظهرا.
دخل زيدان الفيلا وهو يغلي من الداخل من الغضب والمهانة التي تلقاها من عزت وفايزة، وما أن اجتاز الباب حتى وجد سامية وهبة في انتظاره.
هبة بقلق شديد: إيه يا بابا؟ طمني قالولك إيه؟
ألتفت لها بنظرة حادة، وصوته خرج لازعا: رفض، واتهانت بسبب عندك وغبائك! وهددوني…
قلب وجهه وهو يشير بيده: أسمعي أنا مليش دعوة، ومش هروح تاني! حلي مشكلتك لوحدك.
شهقت ببكاء: يعني إيه يا بابا؟ يعني مش هشوف بنتي تاني؟
زيدان بحسم قاطع: إللي سمعتيه، استني لما ينسوا اللي عملتيه، وياسين يهدى، بقولك هانوني وهددوني!
حاولت سامية تهدئته: أهدي يا زيدان، ده كان متوقع أصلا.
صرخ بغضب مكبوت: لا أنا متوقعتش إنهم يكلموني بالشكل ده! ولا إني أستنى ساعتين برا زي الكلب! مستني يدخلوني!
هبة بصوت ينفجر ألما: أنا مش هستحمل أبعد عن بنتي أكتر من كده! ولا هتنازل عنها ولو علي جثتي! علشان تعرف إن كان عندي حق لما قولت إني مش عايزة أخلف من العيلة دي! دول مافيا، وفاكرين نفسهم فوق الكل!
اقتربت منها سامية بسرعة: أهدي يا هبة! ياسين مستحيل يبعدك عن بنتك، سيبيه يهدى وأنا هروح أكلمه، وبعدين ماتكلمي فريدة أو سليم، هما محترمين وغير عزت وفايزة واخواتهم خالص، أو كلمي ماسة مرات سليم؟ مش صاحبتك؟!
تنفست بعنف وهزت رأسها بعناد، ودموعها تتساقط: أنا مش هكلم حد ولا هستنى ثانيه كمان من غير بنتي! أنا هروح أشوفها غصب عنهم.
اندفعت للخارج تركض كالمجنونة.
صرخت سامية خلفها: يا هبة! أصبري يا هبة أرجعي!ألتفتت نحو زيدان، تستغيث: قول حاجة يا زيدان! البنت هتتجنن!
قال ببرود موجع: مش هعمل حاجة، خليها تتحاسب على الخراب إللي عملته بإيدها.
سامية بصدمة: أحسن يعملوا فيها حاجة!
رفع يده بلا مبالاة: مش هيعملوا حاجة، قولي للحراس يمشوا وراها.
مسحت وجهها بتعب، وقالت وهى تلهث: أنا رايحة مع بنتي مش هسيبها لوحدها…
ركضت خلف هبة التي انطلقت بسيارتها كالسهم.
صرخت سامية في الحراس: اطلعوا وراها بسرعه.
قفزت سامية إلى سيارتها، وانطلقت تلاحق ابنتها، والطريق يقودهم مباشرة إلى قصر الراوي.
فندق الهرم، 12:00ظهرا
إحدى القاعات الكبيرة.
وقفت مي ولوجين في منتصف القاعة الواسعة برفقة منسق الحفل، يتفقدون التفاصيل الأخيرة ويتفقون على الديكورات.
نظرت لوجين حولها بتدقيق: أعتقد كده كله تمام، أنا عايزة كل حاجة تتعمل من غير ولا غلطة.
أضافت مي بجدية: وأهم حاجة، مش عايزة البوفيه يكون فيه أي أكل فيه خمور، ولا حتى يتقدم خمور، الموضوع ده ممنوع.
هز الرجل رأسه: طبعا يا فندم، زي ماتحبوا.
ألتفتت لوجين إليهما: إحنا هنعدي عليكم بعد بكرة نشوف التظبيطات وصلت لإيه، يلا يا مي.
أومأت برأسها، وتحركتا معا نحو الخارج.
وأثناء سيرهما، قالت لوجين بابتسامة: بقولك إيه، تعالي نكمل الحاجات إللي لسه عايزين نشتريها.
اومأت مي ايجابا بصمت، فأضافت لوجين: وأعملي حسابك، إحنا هنقابل مهندس الديكور، وبعدها نروح القصر، أو ممكن بكرة نروح القصر، نشوف الدنيا ماشية إزاي.
هزت مي رأسها : تمام مفيش مشكله.
لوجين بضجر: والله أنا مش عارفة، ياسين ورشدي دول حاطين إيديهم في المية الباردة كده ليه؟!
مي بتوضيح راقي: بيخلصوا شغل مهم علشان يكونوا فاضيين لفترة الهاني مون، أصل رشدي أخيرا أخد مشروع كبير اوي وعمله لوحده فلازم يثبت وجوده مينفعش أي غلط فهو عايز يظبط كل حاجة علشان وهو مسافر ميحصلش أي مشكلة.
اومأت لوجين: طيب يلا إحنا نشوف ورانا إيه.
سيارة سليم، 12:30ظهرا.
جلسا معا في المقعد الخلفي للسيارة، والهدوء يلف الطريق من حولهما.
عدلت جلستها في زاويته متسائلة بفضول: هنروح فين؟
أجابها بصوت منخفض غامض: في حاجة كان المفروض تحصل من أول ما رجعتي، بس أنتِ كنتي مقفلة دماغك، وبعدها فقدتي الذاكرة، دلوقتي جه وقتها.
ضيقت عينيها بتساؤل: طب ماتفهمني؟
أجابها بإبتسامة هادئة: هتعرفي لما نوصل.
هزت رأسها، ثم تنهدت.
ماسة بدلال: طب المفاجأة بتاعتك دى فيها أكل؟! أصلي جعانة أوي، ونفسي في كباب وحمام.
سليم مازحا: بقيتي بتاكلي كتير الفترة دي، بس ده ميمنعش إنك بتبقي أمورة لما بتتخني.
ضحكت وهي ترفع يدها في وجهه: خمسة! الله أكبر! كان عندنا كتكوت ومات.
ضحك بصوت عالي، فأضافت بثقة: بعدين أنا أمورة في كل حالاتي.
هز راسه بإيجاب بنظرة غزل: مقدرش أقول غير كدة ياقطعة السكر.
ضحكا معا، وهما يتبادلان النظرات ويتذكران الأيام الخوالي، ثم انطلقت السيارة مسرعة، يتعاقب الطريق من حولهما حتى وصلوا إلى بوابة الفيلا، توقفت السيارة أخيرا، فنظرت ماسة حولها بدهشة واضحة.
ماسة باستغراب: أنت جايبنا الفيلا؟
راقبها بنظرة هادئة، ثم أومأ إيجابا.
رفعت حاجبيها: والله العظيم أنا ما فاهمة حاجه.
أوما بصوت منخفض: أنزلي بس.
نزل الأثنان معا، وكان عشري واقفا عند باب الفيلا، ينتظر بصمت.
سليم تسأل: هي جوة؟
تلتفت له بمزاح وهي تعقد ذراعيها بمزاح: هي مين دي إللي جوه؟! مراتك إللي متجوزها عليا ولا إيه؟
لم يبتسم، ظل وجهه ثابتا، أما عشري فأومأ برأسه إيجابا فقط، كأنه يعلن أن الأمر جدي.
أمسك سليم يدها بثبات، وسحبها للداخل بخطوات محسوبة.
وما أن تجاوزا المدخل حتى وجدوا صافيناز واقفة في الانتظار، تنظر إليهما بترقب لا تخطئه العين.
تجمدت ماسة مكانها، واتسعت عينيها بذهول مفاجئ، الخوف تسلل إلى قلبها كالسم فاهتز جسدها للحظة، فتراجعت خطوة للخلف، وأمسكت بكفي سليم بشدة، كأنها تبحث عن سند أو أرض تقف عليها.
ألقى سليم نظرة سريعة على قبضتها المشدودة فوق يده، ثم رفع عينيه نحو وجهها، يتأمل ارتباكها باستغراب خفيف، ضغط على يديها بلطف، ومرر بأنامله على ظهرها برفق، بحركة هادئة تحمل في طياتها الطمأنينة، كأنه يحتضنها بين ذراعيه وسط الفوضى المحيطة بها، يحاول أن يخفف عنها رهبة اللحظة ويمنحها شعورا بالأمان.
سليم بنبرة منخفضة: مالك في ايه؟ أهدي أنا معاكي.
ابتعلت ريقها، وحاولت أستعادة أنفاسها، واستجماع قواها التي تلاشت عند رؤية صافيناز، تلك المرأة التى بسببها انهارت وتدمرت حياتها مع سليم، والتي جعلتها تعيش ثلاثة أيام من الرعب بالشارع.
فجأة اندفعت براسها، ذكريات الثلاثة أيام القاسية التي مرت بها والستة أشهر التى تليها، بل كل ما عاشته بسببها خلال العامين الماضيين؛ قلق وخوف وشيء يشبه الغصة القديمة المرة عاد يخنق صدرها، لكنها قاومته بكل مابقي فيها من جلد، في ارادت ألا تظهر ضعفها أمامها رغم كان مايعتمل في قلبها من مخاوف.
أما صافيناز، فوقفت تتأملها بنظرة ممتلئة بالضجر، وبشيء أعمق يشبه الكراهية التي تتخفى خلف قناع مجاملة هشة واعتذار كاذب، تحاول أن تبدو طبيعية، لكن ملامحها فضحت ضيقها بوضوح.
كل هذا مر في ثانية، لكن أثره أمتد في قلب ماسة كالدهر.
أشار سليم بيده نحو صافيناز وهو يقول بنبرة لازعة، وابتسامة لها معنى: صافيناز جاية تعتذرلك على المقلب السخيف إللي عملته يوم الحفله، وهي بتحاول تستخف دمها التقيل.
اقتربت صافيناز بخطوات محسوبة، وابتسامة مصطنعة تتدلى من شفتيها محاولة أن تبدو نادمة: أنا آسفة يا ماسة، والله مكنتش أقصد، كنت بهزر معاكي، بس سليم شرب العصير بالغلط.
رفعت ماسة عينيها نحوها للحظة، تأملتها لوهلة بدهشة، نظرت بعيدا وكأنها لا تريد أن تراها، وتخشى مواجهتها.
بينما كان سليم يحدق فيها بحدة لا ترحم وعينين لا تتحرك، نظراته كانت تحمل معاني كثيرة؛ تهديد، تحذير، وأمر صامت تفهمه صافيناز جيدا.
اقتربت صافيناز أكثر، وهي تحاول أن تبدو منكسرة: حقك عليا يا ماسة، عارفة إن الاعتذار جه متأخر، بس أنتِ اختفيتي فجأة، معرفش ليه؟!
وفجأة، مدت يدها وأمسكت بكف ماسة بقوة خفيفة، ارتعشت قلب ماسة وتسارعت دقاته، فهي لم تستطع فهم ما الذي يحدث، حتى فاجأتها صافيناز في اللحظه التاليه بانحناءة مفاجئة، ثم وضعت قبلة خفيفه على كفها.
اتسعت عينا ماسة بصدمة، بينما رفعت صافيناز راسها، ووضعت قبلة على جبينها بإبتسامة مصطنعة خلفها كراهية وحقد دفين.
حاولت ماسة الثبات، لكنها لم تستطع اخفاء الارتعاش الذي سيطر على جسدها، الدموع تكاد تنفجر من عيناها، ليس خوفا، بل صدمة واشمئزازا وفرحة أنها تأخذ حقها الآن.
ظلت عيناها معلقتين على وجه صافيناز، وهي تري تمثيلا رخيصا يخفى خلفه شيئا أعمق.
ظل سليم يراقب المشهد بصمت بنصف ابتسامه جانبيه ارتسمت على وجهه قبل أن يتساءل بدقئ: ها يا عشقي سامحتيها ولا؟!
ارتبكت ماسة ونظرت إليه بإرتباك واضح، أعادت نظرها لصافيناز، تحاول قرأت ما وراء التمثيل والاعتذار، فهي تعرفها جيدا، وتعلم أن هناك كره مختبئا خلف ذلك المظهر المنكسر الوديع، لكنها شعرت بثقل القرار: هل تسامحها، حتى بالكذب أمامه، لتمنع وقوع كارثة أكبر؟!
ترددت بين القبول والرفض؛ فكيف تسامح من دمرت حياتها، وهدمت كل ما كان لها؟ وكيف تتغاضى عن تلك الأهوال التي خلفت في روحها ندوبا لا تمحى؟ لكنها رغم ذلك، شعرت بانقباض عميق، وخوف لم تستطع تجاهله.
تعلم أن سليم، إن سمعها تقول “لم أسامحها”، فلن يكتفي بقبلة على اليد.
تعرفه جيدا، وتعرف كيف يأخذ حقها، وكيف يؤدب صافيناز ويجبرها على الخضوع، مهما كلف الأمر، وقد يدفعها إلى أن تنحني أكثر وربما يجبرها على تقبيل قدميها أمامه.
وصافيناز تلك التي لا تقبل إهانة ولا تطيق الانكسار إن وصلت الأمور إلى هذا الحد، فستتحول إلى وحش كاسر، سينقض عليها وعلى عائلتها بلا رحمة.
ارتجف قلبها، فهي ما زالت تخشاهم، ولم تمتلك بعد الشجاعة لمواجهة انتقام صافيناز إذا انكسرت كرامتها أكثر.
مسحت وجهها بكف مرتجف، بينما مرر سليم يده على ظهرها بلطف، وصوته منخفض لكنه يحمل قوة لا تقبل تحديا: ها يا حبيبتى مسامحاها؟! لو مش مسامحاها قولي، وأنا أخليها تعتذر صح لحد ماترضي.
ابتلعت غصتها، وأغمضت عينيها لحظة طويلة، كأنها تحاول حبس خوفها داخل صدرها، ثم همست بصوت خافت يكاد يسمع: مسامحاها..
هي لم تسامحها ولم تنس، ولكن حاولت تدارك الموقف، لكى تبعد نفسها عن سم صافيناز.
مرر يده على ظهرها، يمسح بخفة مهدئة: لو مش مسامحاها عادي براحتك.
أومأت برأسها، وقالت ببطىء كأنها تضغط على الكلمات لتخرج: خلاص يا سليم، قولت مسمحاها. المسامح كريم.
ابتسم ابتسامه جانبيه، وقال بمزاح خفيف: شوفتي بقى مراتي طيبة إزاي؟ وسامحتك.
صافيناز بإبتسامة باهتة: ماسة طول عمرها قلبها كبير.
سليم ببرود حاد: أنا كنت معاقبك، وواخد منك كل أسهمك، ومانعك من دخول المجموعة، حاليا ممكن أرجعك المجموعة تاني، لو ماسة وافقت، لكن الأسهم؟ لا.
ثم نظر إلي ماسة متأملا وجهها بإبتسامة: ها يا حبيبتى، إيه رأيك أرجعها المجموعة؟!
نظرت له ثم لصافيناز، وهمست بتوتر: رجعها.
هز رأسه بعدم اكتراث: تمام، من بكرة ممكن ترجعي المجموعة تاني، لكن أكتر من كده متحلميش…
أضاف بنبرة صارمة، وتهديد صريح: ولو فكرتي تستخفي دمك تاني؟ أنا كمان هستخف دمي، وأنتِ عارفة دمي قد إيه خفيف.
خفضت صافيناز رأسها بسرعة، وحاولت رسم الابتسامة: تمام يا سليم حاضر.
التقطت حقيبتها، واستدارت لتغادر، وفي اللحظة التي مرت فيها أمام ماسة رفعت عينها إليها بنظرة سوداء، ممتلئة بالحقد والوعيد، نظرة إعلان حرب جديدة.
ثم غادرت بخطوات ثقيلة تسمع وكأنها تسحق الأرض تحت قدميها، كانت أنفاسها متسارعه، وقلبها يغلي غلا وكرها وغضبا مكتوما يكاد يفيض من عينيها.
فكيف لابنة الباشوات أن تنحني لخادمة؟ كيف تجبر على طلب السماح ممن كانت تعتبرها لا شيء؟ ممن كانت تراها يوما أقلّ من ظلها؟
ذلك الإذلال كان أثقل من أن يحتمله كبرياؤها، لكنها اضطرت لابتلاعه مرغمة؛ فعودتها إلى المجموعة لن يتم إلا بهذا الخضوع، خضوع تمقته كما تمقت اسم ماسة نفسها، بل وسليم أيضا الذي أجبرها على هذا الانكسار.
بينما سكنت ماسة في مكانها عقب مغادرتها، كأن الهواء تجمد حولها، شهقت نفسا خفيفا، تحاول استيعاب ماحدث، بينما الرجفة الصغيرة في أطرافها مازالت تخونها.
لم تمر ثواني حتى اقترب منها سليم بخطوات هادئة، ثابتة، ووقف أمامها مباشرة، وأخذ يتفحص ملامحها بدقة، تساءل بصوت هادئ: بجد راضية ولا لأ؟!
زم شفتيه بضيق: بصراحة أنا مش راضي، وكان نفسي أعمل فيها أكتر من كدة، زي ماعملت فيكي، وأعرضها لكل إللي اتعرضتيله، بس أنا عارف إخواتي وعارف إيه إللي بيوجعهم.
حول نظره نحو الباب الذي خرجت منه صافيناز؛ وابتسامة باردة مرت على شفتيه، قبل أن يعود ببصره إليها أضاف: ولما ترجع المجموعة هخليها مجرد عسكري طيشة، مكانها الطبيعي إللي تستحقه.
ماسة بصوت صغير، يكاد يختفي: ليه؟! ليه مقولتليش قبل ماتعمل كده؟
رفع حاجبه بخفة، وملامحه فيها لمحة استغراب دافئ: إيه المفاجأة وحشة؟
هزت رأسها ببطء: لا، بس كنت عايزة أكون عارفة، أحضر نفسي على الأقل.
اقترب خطوة، ونظر إليها بنظرة ثابتة تبحث عن ذرة رضا، ثم تساءل بابتسامه: طب بجد راضية؟
تنفست ببطء، كأنها تتحدى الخوف الذي داخلها: آه خلاص، بس أنت عارف يعني إيه صافيناز تعتذرلي أنا ماسة ال…
وقبل أن تكمل، وضع أصبعه برفق على شفتيها: هششش…
سكنت للحظة، تنظر إليه بصمت، وعينين تترقرق بالدموع، أزاح يده من شفتيها ووضعها على خدها، يمر بأنامله عليه بلطف كأن لمسته وعد أمان لا ينقطع.
سليم بنبرة عميقة، تحمل حزما وحنانا: متقوليش الكلام إللي بيغيظني ده، أنتِ مقامك كبير يا ماسة، وأوعي تفتكري إن علشان كنتي فقيرة ووالدك ووالدتك زمان كانوا بيشتغلوا عندنا، يبقى صافيناز ولا غيرها ميعتذروش لما يغلطوا في حقك؟! لا تعتذر وتبوس الأيد كمان، وأنتِ من حقك تقبلي يا متقبليش.
هزت رأسها، وقالت بنبرة مرتجفة: بس صدقني هي كبيرة؟ علشان مغرورة، وأنت كسرت غرورها.
توقف لحظة عيناه تنخفضان نحوها بنبرة صوت أخفض، أقرب لتهديد لا يوجه لها بل للعالم كله: وأكسر أي حد يفكر يأذيكي يا ماسة، أنا عندي استعداد أحرق العالم كله، لو نزلت دمعة منك.
رفعت عينيها اليه بإرتباك واضح، وعينيها تترقرق بدموع محتبسة، نظرت له ثانية أطول من اللازم، كأنها لحظة اعتراف غير منطوق بتأثر وضعف.
وفجأة ألقت بنفسها بين أحضانه، وضمته بقلب يبحث عن أمانه الحقيقي.
رفع ذراعه ببطء، وأحاطها بالكامل، يحتويها بحنانه، وكأن حضنه هو الجدار الأخير الذي لن يسمح لشيء أن يمسها بعد الآن.
وبعد دقائق من ذلك العناق، أبعدها عنه قليلا، ومازالت كفاه تضمان كتفيها، وعيناه تغوصان في بحور عينيها بحنان، وقال بنظرة حماسة: بقولك إيه أنتِ مش كنتي جعانه؟! إيه رأيك نخلي سحر تعملنا غدا حلو، ونطلع نتغدى بره في الجنينة، قصاد النيل؟
نظرت إليه بصمت للحظة؛ فالتوتر الذي سيطر عليها افقدها شهيتها للطعام، لكنها حاولت أن تبدو طبيعية وألا تظهر ارتباكها حتى لا تثير شكه بها.
اومأت بهدوء: ماشي.
تنهد ثم نادى: سحر!
جاءت سحر بإحترام: أفندم؟
سليم بتهذب :من فضلك أعمليلنا الغدا في الجنينة برة.
هزت رأسها بإيجاب، بينما أمسك هو بيد ماسة وسحبها برفق، متجهين نحو الحديقة المطلة على النيل،جلسا هناك، وبدأ الخدم في تجهيز الطعام.
♥️_______________بقلمي_ ليلةعادل
قصر الراوي، 1:00ظهرا
وصلت هبة إلى القصر، وما إن توقفت أمام البوابة حتى تقدم أحد الحراس ليمنعها
الحارس بصرامة: مدام هبة، ممنوع الدخول.
صرخت بإنفعال: يعني إيه ممنوع الدخول؟ أفتح الباب!
الحارس بتهذب: يا فندم دي أوامر، حضرتك ممنوعة من دخول القصر في الوقت الحالي.
تساءلت بغليان: ياسين جوة؟
الحارس: أيوة يا فندم، ياسين بيه جوة.
تحركت بعصبية، هبطت من سيارتها، وأمسكت هاتفها تتصل بياسين لكنه لم يرد، وفي اللحظة نفسها
وصلت سيارة أخرى، ترجلت منها الحراس وسامية.
اقتربت سامية ومعها الحراس: يلا يا هبة، متعمليش مشاكل.
الحارس الآخر كان يتصل بالداخل، ليبلغ عن ما يحدث: شاكر هبة هانم بره ومعها حراسة وعايزة تدخل بالعافية.
صرخت هبة بعصبية: روح بلغ ياسين! وقوله إني بره! بدل ما أكسر البوابة دي!!
تحركت وأخذت تضرب بيدها على البوابة بقوة وغضب، وصوتها يتردد في المكان.
بينما سامية كانت تحاول إيقافها: هبة أرجوكي كفاية..
في الجهة الأخرى من الحديقة
جلست فايزة بهدوء تحتسي قهوتها، اقترب منها أحد الحراس، وقال بإحترام: فايزة هانم هبة هانم بره وعاملة مشكلة كبيرة، وعايزة تدخل بالعافية.
صمتت لحظة، ووضعت الفنجان بهدوء، ونهضت: محدش يبلغ ياسين، أنا جاية.
تحركت بخطوات ثابتة في الحديقة، وصعدت إلى السيارة الجولف وقالت بصوت حازم: وديني على البوابة يلا!
بينما كانت هبة على اتجاه اخر
تضرب على الباب بيدها بقوة، جسدها مشدود، وعيونها متسعة من الغضب، تصرخ محاولة لفت الانتباه، ويدها الأخرى ممسكة بالهاتف بأصابع مرتجفه من الغضب تحاول الاتصال بياسين الذي لم يرد!
على إتجاه اخر في غرفة ياسين
كان الهاتف موضوعا على الفراش والغرفة فارغة، وصوت المياه يتسرب من المرحاض.
عند البوابة
هبطت فايزة من السيارة الجولف بخطوات واثقة، وأشارت للحراس أن يفتحوا البوابة، وما أن فتحوها، حتي حاولت هبة الدخول بسرعة، لكن فايزة اوقفتها ودفعتها من صدرها بقوة.
فايزة بصرامة قاطعة: أوعي، تعدي الخط ده.
هبة بصياح غاضب: أنا هدخل أشوف بنتي غصب عنك! ومعايا القانون!
ابتسمت فايزة ببرود: تمام روحي للقانون وخليه ياخدلك بنتك..
وجهه نظراتها لسامية وقالت بنبرة غليظة: خدي بنتك وأمشي.
سامية غاضبة: هي من حقها تشوف بنتها! إللي بتعملوه ده عيب للعشرة حتي!
ابتسمت فايزة بسخط، وقالت بجفاف قاتل: العيب إللي بنتك عملته يا سامية، وده رد فعل قليل على إللي هي عملته، كويس إننا سيبينهالك عايشة.
قلبت هبة وجهها بغضب وتحدي: متتحدينيش يا فايزة هانم! أنا عندي كتير أقوله، وهفضحكم في كل حته، اتقي شري، أنا عايزة بنتي وبس.
اقتربت فايزة خطوة، وعينيها تلمع قسوة: أعملي إللي أنتِ عايزاه وشوفي أنا ممكن أعمل إيه.
على اتجاه آخر في غرفة ياسين
خرج من المرحاض مرتديا ملابس منزلية، يجفف شعره بالمنشفة، في تلك اللحظة، تعالي طرق الباب، ودخلت إحدى الخادمات، وعلى ملامحها توتر واضح.
الخادمة بارتباك: ياسين بيه
رفع رأسه ونظر إليها بإستغراب: في إيه؟
الخادمة بإرتباك: هبة هانم واقفة على البوابة، وعايزة تدخل بس الهانم مانعاها.
انقبض فكه بغضب مكبوت، واندفع خارج الغرفة وهو يقول بحدة: طب خلي بالك من البنت، ومتخليهاش تحس بحاجة.
عند البوابة.
صاحت هبة بغضب وهي تتحدي فايزه: هدخل غصب عنك وعن أي حد
حاولت الاقتحام، لكن فايزة صدتها ودفعتها للخلف، وأمرت الحراس بإخراجها.
كاد الحراس أن يمسكوها، لكن سحبها أحد حراسها للخلف وهو يصرخ ويصوب مسدسه: خليك مكانك أنت وهو.
تدخل حراس القصر، وكاد الأمر يتطور لمشاجرة حقيقية، حيث رفع الحراس أسلحتهم في مواجهة بعضهم البعض، إلى أن وصل ياسين مسرعا في تلك اللحظة.
اقترب بصوت جهوري غاضب: بس!! نزل سلاحك أنت وهو!! بسرعة! قولت نزل سلاحك
صمت الجميع فورا، وبدأوا في هبوط أسلحتهم
تقدم ياسين خطوة: أنتِ بتعملي إيه يا ماما؟
فايزة ببرود: بعمل الصح.
زفر بضجر: من فضلك يا ماما، أدخلي جوة.
فايزة بإصرار: مش هدخل.
ياسين برجاء: ماما لو سمحتي، مش عايز أشوف حد واقف هنا، يلا.
بدأ الجميع بالانسحاب، وبقيت فايزة ثابتة تنظر له بغضب
اقترب ياسين من هبة، وتساءل بنبرة جامدة: إيه إللي جابك؟
ردت من بين اسنانها: عايزة أشوف بنتي!
تدخلت سامية بهدوء: ياسين، هبة غلطت، بس أوعى تغلط بغلط أكبر البنت محتاجة أمها، متحرمهاش منها، أنت زعلان؟ حقك بس البنت ملهاش ذنب.
نظر إليها وزفر بضيق: أنا أصلا كنت هكلمها تيجي تشوفها، علشان البنت سألت عليها، وأنا مكنتش هسيب بنتي زعلانه، بس إللي هي بتعمله دلوقتي، مش طبيعي برضه.
هبة بضجر: أنا كلمتك ومردتش.
أجابها مفسرا دون أن ينظر إليها: كنت في التواليت، اتفضلي أدخلي.
ضيقت فايزة عينيها بضجر: أنت هتدخلها؟
هز رأسه بهدوء: آه هتدخل.
رددت بنبرة لازعة من بين أسنانها: متبقاش عاطفي يا ياسين! البنت دي لازم تدفع التمن!
نظر إليها بعينين صارمتين: ماما بعد إذنك، علشان خاطر نالا.
دخلت سامية وهبة، وأشار ياسين نحو السيارة، فجاءت سيارة الجولف لتأخذهم إلى الداخل، جلسوا فيها بهدوء مشوب بالتوتر، أما هبة فجلست تفكر بضجر، وعيناها تحدقان في الطريق بشرود وكأنها تزن كل خطوة ستتخذها بعد ذلك.
نظرت ساميه إلى ياسين بامتنان: شكرا يا ياسين.
ابتسم بخفة: العفو
ثم رفع عينه نحو هبة قائلا بنبرة جامدة: البنت متعرفش أي حاجة ولسة متكلمتش معاها، أنا قولتلها إنك مسافرة ومشغولة الفترة دى، ياريت متعمليش أي حاجة تخليني أندم إني سمحتلك تشوفيها.
لم ترد، وبقيت عيناها مثبتتان إلى الأمام، وجسدها متماسك لكن فيه توتر خفي في قبضتها على المقعد.
وبالفعل، دخلوا إلى الداخل، وبقيت هبة وسامية في الحديقة بينما دخل ياسين الى الفيلا لكي يجلب نالا.
وضعت سامية يدها بلطف على كتف هبة: شوفتي بقى مكانش هيحرمك من بنتك، فايزة وعزت هما السبب، انما ياسين راجل محترم، مهما كان متعصب ومتضايق منك، مش هيعمل كده.
لم ترد عليها، فقط اخذت تنظر نحو باب الفيلا بصمت.
غرفة نالا
دخل ياسين الغرفة، كانت نالا تجلس على الأرض تلعب بالعابها.
ياسين بنبرة مرحة: نالا الحلوة
رفعت عينيها نحوه بإبتسامة: بابي.
ياسين بإبتسامة وهو يداعب شعرها: هو أنتِ مش قولتلي ان مامي وحشتك وعايزة تشوفيها؟
نالا بحماس: أيوه يا بابي! هي هترجع من السفر إمتى؟
ضحك بخفة: هي رجعت تحت، يلا تعالي نشوفها.
قفزت بحماس وفرحه، فحملها وهبط بها إلى الحديقة، وفور أن رأتها هبة انهارت، وركضت نحوها تضمها بقوة، وتقبلها في وجهها ويديها مرارا بلهفه وشوق: حبيبتي، وحشتيني، وحشتيني أوي.
تساءلت نالا بعينيها الصغيرتين القلقتين: مامي أنتِ هتسيبيني وتسافري تاني؟
هزت رأسها، وقالت ببكاء: لا مش هسيبك.
تدخل ياسين سريعا: مامي دلوقتي مشغولة، وبتسافر كتير علشان شغلها، فمش هتبقى معانا كتير الفترة دي، زي ما قولتلك، لكن لما تيجى من السفر أكيد هتيجي وتشوفك زى دلوقتي.
هزت نالا رأسها باستسلام.
مدت سامية ذراعيها نحو نالا بإبتسامة دافئة: نالا مفيش وحشتيني لنانا؟
نظرت لها نالا بعينيها الواسعتين، وركضت نحوها بضجة طفولية: وحشتيني يا نانا! عاملة إيه؟
ضحكت سامية بخفوت، حملتها وضمتها لصدرها بقوة: الحمد لله يا حبيبتي.
أشار ياسين نحو المقاعد: اتفضلوا أقعدوا.
تحركوا وجلسوا في الحديقة.
جلست هبة على العشب، تضم نالا كل دقيقة، تقبل خدها ويديها، وكأنها تحاول تعويض غياب الأيام كلها في لحظة واحدة، أصابعها ترتعش وهي تمسح على شعرها، وعينيها لا تفارقها لحظة.
على بعد خطوتين، جلس ياسين على كرسي منفصل، يراقب المشهد بشيء من الوجع والضيق.
وهنا دخلت فايزة بخطوات واثقة ووجهها متجهم، وقفت بجانبه، وقالت بضيق واضح: مكنتش أعرف إنك عاطفي أوى كده يا ياسين؟
ياسين بعقلانية: مصلحة بنتي عندي أهم من أي حاجة في الدنيا، البنت كانت بتسأل عليها وبتعيط، وبعدين لازم نفهمها إن لوجين هتيجي وتعيش هنا.
تنفست فايزة بضجر وقالت بشدة: أوعى تكون فاكر إني هسمح إنك تودي البنت لهبة في الهاني مون.
توقف ياسين بجانبها وهو ينظر لها: أكيد لا.
ثم مسح على ذقنه موضحا: بس ممكن أخليها تيجي تقعد في الاستراحة مع البنت، بس مش هتخرج بيها، ولا هتعمل حاجة، حتى بعد كده، لما تيجي تشوفها في الويك إند، هتقعد معاها في الجست هاوس برضه.
ضحكت فايزة ضحكة قصيرة فيها اتهام: طيبة قلبك دي هي إللي عاملة فيك كده، أنا مش موافقة، وباباك برضه مش هيوافق، هبة مستحيل تدخل القصر بعد كل إللي عملته، إنسى إن ده يحصل، المفروض تتحرم من بنتها طول عمرها.
نظر لها نظرة فيها إنذار صريح: متضطرنيش آخد بنتي وأروح أعيش في الفيلا لوحدي، وهناك أعمل إللي أنا عايزه، بنتي مش هتدخل في حساباتكم.
لفت فايزة وجهها له بسرعة، وقالت بضجر: إللي أنت بتدافع عنها أوى دي، وزعلان إنك هتحرمها من البنت؟قتلت ولادك الاتنين! وإللي تعمل خطوة زي دي ممكن تقتل بنتك عادي، أوعى تنسى إن أنت هتتجوز وممكن غضبها والغيرة، يخليها تعمل حاجه في البنت، في ستات بيعملوا كده!
توتر وشد فكه بقوة: أنتِ بتخوفيني؟
رفعت كتفيها ونظرت داخل عينه بقوة: أنا بفوقك.
رد بثبات: هبة عمرها ماهتعمل كده.
ردت بسرعة، وعينين متسعتين: ومكانش متوقع إنها تقتل وتعمل إللي عملته برضه، بلاش الثقة دي.
هز رأسه معترضا بعدم اقتناع: في فرق كبير، وبعدين أنا أخدت قرار خلاص، وكنت هقولك أنتِ والباشا.
تنفست بحدة، وقالت باستسلام: ماشي يا ياسين براحتك، بكرة تندم.
نظر لها بصمت، ثم تحرك واقترب من هبة ونالا، انحنى إلى مستوى نالا، وسألها بابتسامة خفيفة: مبسوطة إنك شوفتي مامي؟!
هزت رأسها بحماس: مبسوطة أوي يا بابي.
وجه نظراته لهبة وقال بجدية منخفضة: هبة، تعالي ثواني.
وقفت في مكانها للحظة، تنفست بصعوبة، ثم تحركت بخطوات بطيئة نحوه
ياسين بصوت هادئ، ونبرة فيها قرار نهائي: أنتِ أكيد عرفتي إني هتجوز يوم الخميس، البنت ممكن تفضل معاكي، بس بشرط، هنا في الجست هاوس، محدش هيقربلك، ودى وعد مني.
نظرت له بإستغراب وضجر: أنت عايزني أقعد هنا؟ دول محدش فيهم بيطيقني.
أجابها بهدوء: أنا بوعدك، محدش هيقربلك ولو عايزة تجربي تعالي التلات أيام إللي فاضلين لو حد عملك حاجة، كلميني فورا…
أضاف وهو ينظر نحوها وكأنه يذكرها بالحقيقة: وبعدين محدش هانك هنا يا هبة، أنتِ إللي كرهتيهم فيكي من كلامك عليهم، حتى لو كلام حقيقي بس عمرك ماشوفتي منهم حاجة وحشه تجاهك…
تنهد وأضاف بحزم:
المهم، قدامك اختيار من اتنين، يا إما تقبلي تعيشي مع بنتك الشهر كله هنا في الجست هاوس، ياهتشوفيها كل ويك أند هنا برضه، عايزة تباتي براحتك، مش عايزة تيجي الصبح وتمشي بالليل،
بس البنت مش هتخرج بره القصر، ولازم نفتح معاها موضوع جوازي وطلاقنا النهاردة.
رفعت ذقنها، وقالت بصوت مهزوز لكنه متحدي: أنت فاكر إني هقبل بالأوامر دي؟ القانون معايا.
ضحك بسخرية: لسه برضه مصره على عنادك؟ تمام أعملي إللي أنتِ عايزاه.
قالت بحدة، والدموع تلمع في عينها: طبعا مش فارق معاك، عارف إني مش هكسب القضية.
رد دون تردد: أكيد.
تساءلت بضجر حزين: وهتستفيد إيه؟ لما تاخد بنتي مني؟
رد بحدة وازدراء: علشان خايف عليها منك، مش هعيش بنتي بعيد عنى مع واحدة زيك، ممكن تفسد عقلها؟ وتطلعها حقودة، ومتعرفش الرحمة زيك بالظبط.
رمقته بنظرة طويلة باردة: آه بس لو طلعت زي أهلك مجرمة، عادي؟!
قلب وجهه بضجر، وحاول الحافظ على هدوءه: أحترمي نفسك يا هبة، لإني والله واقف قدامك ومتحملك بالعافيه علشان البنت، بس متنسيش أنا في لحظة ممكن أبقى زي أخلاق أهلي إللي مش عاجبينك دول.
تراجعت خطوة، وقالت بضجر: متهددنيش يا ياسين.
اقترب نصف خطوة، وقال بصوت منخفض لكنه قاطع: وأنتِ احترمي نفسك، ومتخليش الحوار بينا يوصل لكده.
صمتت ثواني ثم قالت: هفكر، وهرد عليك.
حرك يده بإشارة إنهاء: طب يلا علشان نقول للبنت.
هبة بتردد: مش هينفع، لازم نصبر لحد ما نقعد مع ثيرابست، ويقولنا نبلغها ازاي.
هز رأسه واقفا: تمام.
ثم نظر لسامية قائلا بابتسامه: منورة يا هانم، ووقت ماتحبي تشوفي حفيدتك تعالي.
رفعت سامية عينيها نحوه بحزن: تسلم يا ياسين، بس زيدان زعلان جدا، عزت وفايزة كلموه بطريقة مش لطيفة.
ياسين بهدوء: طبعا زعلانين، حضرتك عارفة هبة عملت إيه، ومع ذلك قوليله ياسين بيبلغك اعتذاره، وأنا هبقي اتكلم معاهم، عن أذنكم.
أومأت براسها، فتركهم مع نالا وابتعد بهدوء.
جلست هبة مجددا قرب ابنتها، تضمها بقوة، فتمتمت سامية بحسرة وهي تنظر إليها: شايفة؟ ضيعتي واحد مش هتعرفي تعوضيه، رغم إللي عملتيه فيه، محرمكيش من بنتك، لو حد غيره مع عيلة زي دي كان زمانه دفنك، أنا هقوم أكلم زيدان أطمنه.
رفعت عينيها نحو والدتها، بنظرة فيها وجع وانكسار، ثم مسحت دموعها سريعا وعادت للعب مع نالا، وكأنها تحاول صنع لحظة أمان أخيرة قبل أن تنهار.
أماكن مختلفة، 2:00 ظهرا.
نرى مي ولوجين تتنقلان من محل لاخر لشراء باقي اللوازم التي تحتاجانها، وبعد الانتهاء، وضعتا المشتريات في السيارة، ثم توجهتا إلى أحد مطاعم الوجبات السريعة.
جلستا تتبادلان الأحاديث وهما تتناولان الطعام، في أجواء خفيفة تخفف من إرهاق اليوم الطويل.
تساءلت لوجين بحذر: هو أنتِ حبيتي رشدي إزاي؟ لإني حاسة إنكم مختلفين خالص، لو ميضايقكيش يعني ممكن تحكيلي.
ابتسمت مي بخجل، وأجابت وهي تلتقط لقمة من الطعام: لا هضايق ليه، هحكيلك عادي.
وبدأت تروي لها قصتها مع رشدي من بدايه تعارفهما.
اتسعت عينا لوجين بدهشة: واو، قصتكم تحفة، متوقعتش إن رشدي ممكن يكون كده! بس فعلا شكله حبك خالص.
ارتسمت ابتسامة رقيقة على وجه مي، ولمعت عيناها بوميض الحب: أنا كمان حبيته أوي، لإنه اتغير علشاني، وبيحاول يعمل كتير علشان يخليني مبسوطة.
صمتت لحظة، ثم تساءلت بفضول: وأنتِ بقي إزاي عرفتي تحبي ياسين، خصوصا إنه كان متجوز؟
تنهدت لوجين ونظرت للأمام لحظه، ثم ألتفتت إليها بارتباك، وقالت بخفوت: هتصدقيني لو قولتلك إني، لما قربت واتعرفت على ياسين، مكنتش حاطة في دماغي إني أحبه أو أقرب منه، كل حاجة حصلت بالصدفة، ده أنا كنت بحاول أزقه علشان يكمل في جوازته، ولما فهمت مشاعري قررت أبعد رغم إنه حاول يقرب مني، وكنت فاهمة مشاعره، بس رفضت أكون سبب خراب حياته وبيته…
تنهدت وهي تومأ برأسها بنبرة متأثرة: لحد اليومين إللي فاتوا لما عرض عليا إننا نتحوز بعد انفصاله من مراته رفضت، لدرجة إني روحتلها واتحايلت عليها، بس هي كانت إنسانة…
صمتت للحظة وهي تشد على اسنانها الأمامية فهي لا تريد أن تقول شىء عليها، تنهدت واضافت: ربنا يهديها، بس استفزتني لدرجة إني في نفس اللحظة قررت أروح لياسين وأقوله إني موافقه إننا نتجوز.
اختلطت مشاعر مي بين الدهشة والحيرة، وضغطت بيديها على الطاولة: أنا كنت معاها لحد ما رشدي فهمني إنها أجهضت مرتين!! اتصدمت! يعني علشان متضايقة شوية من والدته ووالده؟ تعمل الجريمة دي، بصراحة كل تعاطفي معاها انتهى، وحسيت فعلا إنها متستحقش ياسين، أنا للأسف متعاملتش معاها خالص، بس من كلام رشدي وإللى عملته حسيت إنها متستحقش الفرصة.
ابتسمت بخفة، وهزت رأسها بتساؤل مرح: يعني أنتِ مش شايفاني خطافة رجالة!
ضحكت، وهي تهز كتفيها بتوضيح وعقلانية: لا أبدا ! أنتِ شكلك إنسانة محترمة، وبعدين خطافات الرجالة دول بيبانوا، لو أنتِ خطافة رجالة مكنتيش سبتيه ولا رفضتي ولا روحتي لمراته، بس التوقيت وطريقة جوازكم هتخلي الناس تتكلم لأسف، فلازم تكوني مستعدة.
هزت رأسها ببطء، وهي تبتسم بتفهم: عندك حق، بس أنا عارفة نفسي وياسين عارفني كويس، الناس كده كده هيتكلموا، اتجوزنا بعد شهر اتجوزنا بعد سنه هيتكلموا، لأن في الفترة دي هنتكلم ونتقابل، حتى لو حاولنا نخفي الموضوع، بس بعد مانتجوز صورنا هتملا السوشيال ميديا والناس هتتكلم، وصورنا القديمة هتنتشهر لأن لينا صور كثيرة مع بعض، فاللي هيتقال دلوقتي هو نفسه إللي هيتقال بعدين، فخلاص بقى، مش فارقة، التأجيل مش هيفيدنا بحاجه غير إننا هنضيع وقت من عمرنا وأحنا مش سوا.
مي بإبتسامة، قالت بعقلانية وتشجيع واقتناع: صح، عندك حق، مادام مبتعمليش حاجة غلط وواثقة في نفسك، كملي.
ابتسمت لوجين، ورفعت يدها بخفة: بقولك إيه غيري الموضوع، وخلينا نتكلم في حاجات تفرح؟ مثلا بكرة نروح نبص على الفساتين، إيه رأيك؟ أنا أعرف مصمم أزياء حلو أوي، شريف درغام.
مي بحماس، وهي تمدغ الطعام: آه طبعا، ده مصمم مشهور جدا.
أكملت لوجين، وهي تلوّح بيدها: خلاص، نروحله ونشوف الكوليكشن إللى عنده ونتفق معاه عشان نظبط موضوع الفساتين.
هزت مي راسها بإيجاب حماسي: اتفقنا.
أخذتا يتبادلان الأحاديث والضحك مجددا، حتى انتهيا من الطعام.
أوصلت لوجين مي إلي المنزل، وأشارت بيدها مودعة بابتسامه، ثم رحلت.
قصر الراوي، 2:00 ظهرا.
دخلت صافيناز بخطوات ثابتة، تحمل حقيبتها بين كفيها بقوة، كأنها تشد عليها لتمنع نفسها من الانفجار، كانت ملامحها متوترة، يكسوها الضجر والغضب، وفي داخلها نار تشتعل بلا رحمة.
اقتربت إحدى الخادمات بخوف: أجيبلك حاجة يا هانم؟
ألتفتت إليها بحدة، وصاحت بغضب: أمشي من وشي!
تراجعت الخادمة بسرعة وهي ترتعش، بينما تابعت صافيناز سيرها، دخلت المصعد وضربت الزر بعنف، كأنها تريد أن تسكت شيئا يضج داخل صدرها، وما إن وصل المصعد إلى الطابق الأخير، خرجت مسرعة نحو غرفتها.
اندفعت إلى داخل الغرفة، وبدأت تكسر كل ما تصل إليه يدها، كأنها تحاول أن تسقط غضبها على الأشياء قبل أن يلتهمها، تتمزق من الداخل، فالاعتذار الذي قدمته لماسة، أثقل من قدرتها على الاحتمال، أكبر من كبريائها الذي شيدت عليه، اخذت تصرخ كمن أنكسر جزء من روحها.
صاحت بصوت يتشقق من القهر: أنا صافيناز الراوي! أعتذر للخدامة دى؟!
واستمرت في الصراخ والتكسير، والدموع تتساقط من عينيها بغزارة، كأنها تطفئ نيرانا اشتعلت فيها منذ سنوات.
حتى فقدت قوتها تماما، فانهارت على الأرض، تبكي بصوت موجوع، لأول مرة، بدا كبرياؤها محطما مثل الأشياء التي مزقتها حول
فتح الباب فجأة ودخل عماد بخطوات سريعة، وعيناه متسعتان من الصدمة وهو يرى الفوضى التي ملأت الغرفة.
قال بصوت يحمل قلقا واضحا: في إيه يا صافيناز؟ أنا سامع صريخك من تحت!!
رفعت رأسها إليه بملامح منهارة، وأنفاس متقطعه، لم تستطع حتى الكلام، فاقترب منها وجلس أمامها، وقال بنبرة منخفضة تحاول تهدئتها: في إيه يا صافي أهدى بس وفهميني بالراحة.
هزت رأسها بعنف، الدموع تتساقط بلا توقف: خلاني أبوس أيد الخدامة يا عماااااد، بقي أنا صافيناز الراوي أبوس أيد الزبالة دييي.
حاول كتم ضحكته بصعوبه، وقال وهو يربت على كتفها بحنان زائف: أهدي بس يا صافي، وأحمدى ربنا إنها جت على قد كدة؟!
ابتعدت عنه وهي تضرب الأرض بكفها وتصيح بغضب: أهدي اييييه، بقولك خلاني أبوس إيديها، قسما بالله لأحرق قلبه عليها.
تنهد عماد وقال محاولا تهدئتها: أهدي يا صافيناز، إللي عمله سليم ده حاجة بسيطة، مش روحتي واعتذرتي؟ خلاص.
نهض من مكانه، وقال بعدم اكتراث: معلش لازم أمشي دلوقتي، عندي اجتماع مهم، أهدي كده وأغسلي وشك، وأحمدي ربنا إن الموضوع عدى على خير.
رمقها من أعلى إلى أسفل يشعر بسعادة داخلية منه لإذلالها، ثم غادر بينما بقيت هي تحدق في الفراغ بأنفاس متلاحقة، وعينين تشتعل بالغضب.
💞_____________بقلمي_ليلةعادل
فيلا سليم وماسة، 3:00 ظهرا.
الحديقة.
جلسوا على الطاولة أمام ضفاف النيل، أسفل البرجولة الخشبية التي تتوسط الحديقة، تحيط بهم الأشجار والزهور، والهواء العليل الذي يتسلل حاملا رائحة العشب والماء، ليغمر المكان بهدوء دافئ.
لكن داخل ماسة مازال يوجد فوضى كاملة، أخذت تتناول الطعام ببطء، أصابعها تلعب في طبقها بالشوكة، تضربه برفق فيصدر صوتا خافتا متوترا، عينيها لا تستقر؛ تارة تنظر إلى الطعام، وتارة ترفع نظرة سريعة لسليم، ثم تعود إلى طبقها مره أخري سريعا كأنها تخشى أن يقرأ ما يدور في رأسها، ترغب أن تساله، كيف أحضر صافيناز؟ وكيف أرغمها على الاعتذار وتقبيل يدها؟ ربما يطمئنها حديثه، وربما تفهم ما يدور في داخله.
كان سليم يراقب كل حركاتها بالطبع، لاحظ ارتباكها، وحركة يدها، وأنفاسها المضطربه، فرفع رأسه نحوها وهو يضع ما في الشوكة في فمه قائلا بنبرة هادئة لكنها مباشرة: فيه إيه، عايزه تقولى ايه، سامعك؟!
أشاحت بوجهها سريعا، وقالت بارتباك: مفيش.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة واسعة، ومال للخلف على مقعده براحة، وطوى ذراعيه وكأنه يعطيها مساحة للاعتراف: قولي يا قطعة السكر عايزة تقولي إيه؟ أنا حافظك.
نظرت اليه بتردد، وتنفست بعمق قبل أن تنطق: كنت عايزة أعرف، أقنعت صافيناز أزاى إنها تعتذرلي وتبوس إيدي؟
ضحك بخفة، ورد بثقه تليق بشخصيته: ده أسهل حاجة ممكن أعملها.
تساءلت باستفسار: إزاى برضو؟!
ضحك ضحكة قصيرة، فيها مزيج من اللامبالاة والغرور والثقة المفرطة، ومد يده يمسح فمه بمنديل، ثم قال: ماشي يا فضولية هحكيلك، بصي يا ستي، أول ما عرفت بعملتها يوم الحفله أنا ضربتها، وبعدها سحبت منها الأسهم وخرجتها من المجموعة والباشا طردها من القصر، وكتبت وصية إن في حالة قتلك أو قتلي كل حاجة هتروح للجمعيات الخيرية.
رفعت رأسها بسرعة، واتسعت عينيها بدهشة: إيه إللي إنت بتقوله ده؟
أجابها بهدوء: إللي سمعتيه.
ثم تابع بإستهجان ممزوج بإستغراب: هو أنتِ فاكرة إللي عملته فيكي ده حاجة عادية؟ ولا إللي أنا عملته فيها يكفي؟! ده أقل حاجة ممكن أعملها..
هز راسه بعينين تضئ بالدهاء: بس إللي بيوجعهم، مش الضرب إللي بيوجعهم، إنك تاخدي منهم نصيبهم والدليل، إن صافيناز الراوي المغرورة على كلامك قبلت إن هي تيجي تعتذرلك وتبوس أيد، علشان بس ترجع المجموعة، لو هي فعلا عارفة قيمة نفسها ومش طماعة وجشعة، مهما حصل مكانتش قبلت، بس هي عندها أهداف تانية في عقلها عايزة توصل لها
صمت للحظة وهو ينظر في الفراغ، تنهد وأضاف: روحتلها إمبارح وقولتلها لو عايزة ترجعي تروحي تعتذري لماسة بنفسك.
وتلاشى صوته، كأن الذاكرة سحبت المكان إلى الخلف…
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فلاش باك
قصر الراوي، الصالون
جلسا صافيناز وعماد على الأريكة، وفايزة على مقعد جانبي وسليم يقف أمامهم كأنه صاحب الحكم، صوته لا يرتفع لكنه يملأ المكان.
سليم، بنبرة حاسمة: هتبوسي إيديها وتقوليلها أنا أسفة. على كل إللي عملته فيكي ومكنتش أقصد.
توقفت أمامه بإعترض: أنا أعتذر لماسة؟! الخادمة أنت اتجننت؟!
اسودت عيناه بغضب لا يرحم، وفي لحظه خاطفه صفعها، ارتطمت بالأريكة، وامتد الألم على خدها، اتسعت عيناها.
بينما قفز عماد من مكانه: سليم! كده عيب ميصحش!
أشار له دون أن يلتفت: أسكت أنت خالص.
ثم التفت اليها قائلا: وبعدين أنت قاعد معانا ليه أصلا؟ أطلع برة.
عماد برجولية مصطنعة: دي مراتي.
جز على أسنانه، وقال بصوت منخفض لكن مرعب: أطلع برة يا عماد أحسنلك.
تردد عماد، تبادل النظرات مع فايزة، ثم خرج مضطريا
اقترب سليم من صافيناز، وإنحنى قليلا نحوها، وقد أصبح صوته خافتا لكنه يقطع الهواء كحد السكين، وقال بنبرة تهديد واضحة وهو يشير بأصابعه أمام وجهها: أياكي تتكلمي عن مراتي بالطريقة دي تاني، فاهمة؟ وتحمدي ربنا إني سايبك عايشة بتتنفسي، بس ده مش عفو، ده ذل.
اعتدل واقفا، وأعاد نفس النبرة الصلبة: أنا مخليكي عايشة علشان تدفعي تمن كل إللي عملتيه في ماسة،
وبسببك حصل إللي حصل، موتك بالنسبالي رحمة، وأنا مش عايز أرحمك.
مال برأسه قليلا: أصل هستفيد أيه بموتك؟! ولا حاجة! إنما لما تعيشي مذلولة قدامي، ساعاتها بس هنتقم واخد حقي؟ وهخليكي تتمنى الموت ومتطليهوش.
تنهد ثم حسم أمره بنبرة قاطعة: من غير رغي كتير هتروحي تعتذريلها، وتبوسي إيديها كمان، ولو عملتي أي حركه غير كده يا صافيناز يا ويلك مني، بكرة هبعتلك عربية تاخدك.
تجمدت صافيناز للحظه، ثم حاولت التماسك وتساءلت بمساوة: والمقابل؟!
ضحك بإستنكار: شوفي نفسك بس، أنتِ فين وأنا فين؟ وبعدين اتكلمي.
غامت عيناه بالسواد، وقال بنبرة قاطعه: مفيش مقابل؟
نظرت له بضعف ونبرة مهتزة: بس أنت قولتلي قبل كده، لو اعتذرت وماسة قبلت اعتذاري هتخليني أرجع المجموعة، وسليم مبيرجعش في كلامه، صح؟!
رمش بعينه لوهله، ثم قال بنبرة قاطعة: لو هي وافقت تسامحك، سلام.
قالها ثم غادر دون أن يلتفت، وبمجرد خروجه، ضربت صافيناز قدميها بالأرض بعصبية، وأمسكت بإحدى الفازات والقتها على الارض بعنف فتهشمت إلي قطع صغيرة.
نهضت فايزة واقتربت منها: إهدي يا صافي! لإن مفيش قصادك غير القبول.
تنهدت بغضب: يعني حضرتك موافقه على اللى بيقوله، دى عايزيني أبوس أيد الخدامه واستنى قبولها لاعتذاري كمان؟؟! هو إزاي بيبيع ويشتري فينا كده؟!
فايزة بهدوء وعقلانية: علشان روحنا في إيده!
وأنتِ غلطتي وقولتلك قبل كده أنتِ غلطتى غلطة كبيرة بغبائك، ولازم تدفعي التمن وتروحي تعتذريلها.
صافيناز بإحتقار واضح: أنا أعتذر للخدامة دي؟!
هنا دخل عماد المكان مؤكدا يحاول اقناعها: وتبوسي رجلها كمان لو لزم الأمر، ده عقاب سليم علشان بس حطيتي لها حباية بالغلط وهو شربها وضربها، تخيلي بقى لما يعرف الباقي؟ هيعمل فينا إيه؟! واحد واحد؟
صافيناز بتهكم: هو مفيش غير صافي؟ هي إللي تدفع التمن.
اقتربت فايزة وهمست بشيطانية وتهكم: أنتِ إللي حطيتي نفسك في الموقف ده، وبعدين خلاص، قربنا نخلص منها.
دققت النظر في ملامحها وكأنها تحاول إقناعها: اعتذري دلوقت وأقبلي بشروطه، علشان نوصل لغرضنا.
صافيناز بنبرة مهتزة: طب وافرضي الخدامه دي مقبلتش!؟
ضحكت فايزة ضحكة ساخرة مليئة بالاستهزاء: متقبلش ايه؟ يبقى لسة متعرفيش ماسة، دي جبانة، لو وقفتي قدامها بصة واحدة في عينيها تفهم الرسالة، إنك جاية تعتذري قدام سليم بس، لكن بينك وبينها يا ويلها من إللي هتعمليه فيها بعدين.
عماد بتأكيد: بالظبط تعيطي وتمثلي، بس عينيك تبعت الرسالة واضحة، بس خدي بالك، سليم مش بيفوت حاجة.
تنفخت صافيناز بغضب، وفتحت حقيبتها بعنف، وأخرجت حبة دواء، ابتلعتها مع الماء.
نظرت لها فايزة باستغراب: حبوب إيه دي؟!
صافيناز وهي تشعل سيجارتها بأنفاس لاهثة بضجر: مهدئة؟
جلست فايزة، وقالت بتحذير: طب متكتريش، مش ناقصين اتنين مدمنين.
عماد بإبتسامة خبيثة: متقلقيش يا هانم، الدكتور هو إللي كاتبها.
(بااااك)
💞_______________بقلمي_ليلةعادل
كان سليم يروي لها ما فعله، وصوته هادئ بطريقة أربكتها، كانت تستمع له بانصات وحاجباها مرفوعان بدهشه، وشفتيها ممتدتان في انقباض خفيف، كأن حديثه يضغط على صدرها.
قالت بتنهيدة طويلة خرجت منها محملة بإنكسار واضح: أنا مش عارفة ليه مش مستغربة.
أضافت بصوت خافت، فيه ثقة وحب، لكن ممزوج بخوف ومرارة: عارفاك، وعارفة طبعك، عارفة إنك قوي وبتقدر عليهم، وعارفة إنك قادر تعمل مع صافيناز أكتر من كده بكتير، وإن إللي عملته ده بالنسبالك رحمة.
هزت رأسها بحزن، كأنها تسلم اعترافا موجعا: بس أوعى تكون فاكر إن إللي قولته ده، هيفرحني أبدا بالعكس..
عقد حاجبيه باستغراب ولم يعلق، بينما نهضت ماسة ببطء، وقفت على حافة النيل، وأغمضت عينيها وهي تسحب نفسا طويلا، كأنها تجمع نفسها قبل العاصفة، تعرف جيدا أنهم لن يتهاونوا فيما حدث، ولن يمر مافعله سليم دون رد.
ظل يراقبها باستغراب لثواني، ثم نهض ووقف بجانبها، صوته خرج منخفضا لكنه حاد: أنا مش فاهم حاجة، في إيه؟ أنتِ مش مبسوطه إني رديتلك كرامتك وخلتها تعتذرلك؟!
ألتفتت له، وعينيها تلمعان بوجع واضح، وملامحها مرسومة بإبتسامة حزينة: جوايا سعادة مش عايزة تكبر، سعادة مُرة، لنجاح مُر!
هز رأسه بعدم فهم، حاجباه معقودان بإستغراب: يعني إيه سعادة مُرة لنجاح مُر؟
تنهدت وحاولت الشرح بعقل ثابت رغم خوف قلبها: يعني صافيناز الراوي يا سليم ياراوي مش هتقبل إللي أنت عملته، ولا هتعديه عادي، هي دلوقتي قبلت، علشان ترجع المجموعة، لكن بعدين…
ابتلعت غصة علقت في حلقها، واسترسلت: بعدين أكيد هتحاول تعمل حاجة وترد على اللى حصل.
قاطعها بنبرة قاطعة لا تحتمل أي نقاش: محدش يقدر يقربلك يا ماسة طول ما أنا عايش، ثقي فيا شوية.
ابتسمت ابتسامة موجوعة، فيها قوة وانكسار، وعينيها تلمع بدموع محتبسة: أنا بثق فيك يا سليم، بس هما قواي، وصدقني هي عمرها ماهتنسى إن أنا ماسة الخدامة وإن هي اعتذرتلي وباست إيدي.
قال بثقة ممتلئة بالغرور، ونبرة ثابتة لا تهتز: صافيناز مش هتقدر تعملك حاجة ولا هي ولا غيرها علشان الوصية، ولو حد فكر بس إنه يمسك أنا هدفنه حي، الوصية دي أنا عملتها علشان أضمن حياتك وأنا ميت لكن غير كده أنا مسؤول على حمايتك.
ضحكت ضحكة صغيرة موجوعة، خرجت منها كأنها تنهيدة محبوسة، ثم رفعت يدها في الهواء بضجر مكسور: وليه يا سليم؟! ليه نفضل نبص حوالينا واحنا خايفين وقلقانين ومش عارفين نرتاح؟
تابعت وهي ترفع وجهها إليه بثبات غريب وسط خوفها: هما بيكرهوني وبيكرهوك، والكره باين في عنيهم، وأنت عارف، وأنا عارفة، إنهم مستنيين اللحظة إللي يطعنوني فيها، علشان كده بقولك هو نجاح وسعادة مُرة، هم قبلوا بالذل إللي أنت فرضته عليهم بس علشان الفلوس، بس هما أكيد بيخططوا النهاردة، بكرة، بعده حتى بعد سنة ممكن يوصلوا لأهدافهم، وصدقني كل ما المدة تطول كل ما الكره والغل يزيد.
اقتربت خطوة منه، وأمسكت يده بكلتا يديها وقالت بدموع محبوسة في عينيها: أنا عايزاك تاخد بالك من نفسك، بلاش كبريائك وغرورك يعموك ويقنعوك إن إخواتك مش هيعرفوا يعملوا حاجة! علشان الوصية أو غيرها؟! وإن هما كده هيحطوا راسهم في الرمل وإنك مسيطر؟!
كانت تحاول إقناعه بنبرة فيها رجاء وفيها حكمة مرة تعلمتها من الخوف: صدقني أنت كده بتخلق من القطة السيامي أسد مسعور.
قلب وجهه وقال بضجر: على فكرة أنتِ بتضايقيني بكلامك ده، محسساني اني مش قادر أحميكي، وإن ممكن أي حد يجي يأذيكي، أنتِ مراتي، مرات سليم الراوي فاهمة، وبطلي طريقتك دي علشان أنا بدأت أتعصب.
أخرحت أنفاس طويلة وشدت على كفه بين كفها، وقالت وهي تركز النظر في عينيه: أنا مقصدتش كده، أنا عارفه أنك قوى وقادر تحميني، بس..
ارتسمت إبتسامة على وجهها الحزين، وقالت بتمنى من خلف دموعها: بس أنا نفسي نبقى مرتاحين، وعارفين إن لو نمنا من غير حراس ومن غير أبواب مقفولة بأقفال وسلاح محدش هيعملنا حاجة، نفسي في الراحة دي يا سليم.
رفع عينيه إليها، والنبرة التي خرجت منه هذه المرة كانت مهتزة، نبرة رجل قوي لكنه مرهق يريد الارتياح: أنا كمان نفسي فيها يا ماسة من ساعة مافتحت عيني بعد الغيبوبة،! لكن صدقيني، هما مستحيل يعملوا حاجة طول ما الوصية موجودة أنا متأكد من كده، أنا محافظ على حياتك بيها، هي ضمان حياتك وقت موتي زي ماقولتلك، مش بس من أهلي، من كل الناس.
مالت نحوه، كأنها تسند قلبها على يده، وهي تحتضنه بين كفيها بقوة: طب أنا كل إللي عايزاه إنك تاخد بالك من نفسك، وحياتي عندك متأمنلهمش مهما حصل، وحرس منهم، وبطل عند وكبر.
أومأ برأسه مبتسما، فتابعت بصوت فيه تنبيه وخوف ممزوج بالحب: أنا فهمت ليه في حفلة خطوبة رشدي مكنتش بتخليني أشرب حاجه، وأنت كمان أوعى تدي ضهرك ليهم، ولا تصدقهم وخد بالك من نفسك.
كان يستمع لها وهو يركز النظر في ملامحها يحاول أن يفهم ما بها، يشعر أن هناك شيء خلف كلماتها لكنه لم يعرف ما هو ؟!
أضافت بنبرة حكيمة، فيها فلسفة خرجت من قلب موجوع: أمي زمان قالتلي إن عدوك ممكن يكون أقرب من طرف العين وإن فيه ناس تعرف تضحك وتبين المحبة مش بس بشفايفها كمان عينيها ودول يتخاف منهم أوي، قالتهالي وأنت في الغيبوبة ساعتها مكنتش فاهمة، بس بعدين فهمت وكل يوم بفهمها أكتر وبصدقها أكتر.
توقفت لحظة، ثم أكملت بعمق: الحرب إللي بتخلص على إنك تمسك ورقة على إللي خصمك، دي مش حرب خلصت، ده نجاح مر، لأن النجاح الحقيقي إنك تنام مرتاح من غير ورقة ومن غير ضمان، ومن غير ما تكون ماسك على حد حاجة لإنك أصلا آمن.
ابتسم ابتسامة جانبية فيها سخرية خفيفة ودفء: أنتِ مديه إخواتي أكبر من حجمهم علي فكرة، بس ماشي، هعملك إللي أنتِ عايزاه يا قطعة السكر الحلوة إللي محلية حياتي وبقى شطور وبيقول كلام كبير أوي.
نظرت إليه نظرة طويلة، نظرة أثقلها ما يخنق صدرها من حديث يريد أن يخرج، لكن الشجاعة لم تكتمل بعد، ترغب أن تخبره بما فعلوه بها، لكن لسانها انعقد، وقلبها ارتجف، فسليم لا يمكن أن تلقى على مسامعه تلك الحقائق اعتباطا، بلا ترتيب، أو تمهيد، أوحساب للعواقب، بالأخص بعد ما فعله بصافيناز لأجل حبة واحدة فقط، فكيف لو علم الحقيقة كلها؟ ماذا عساه أن يفعل؟ كانت تخاف عليه من النار التي قد تشتعل في صدره قبل أن تفكر في خوفها على نفسها.
مسح علي خدها بخفة، وكأنه يحاول تهدئة بحر يضطرب بداخلها، ثم قال مبتسما محاولا تهوين الأمر عليها: بقولك إيه أنا قولت الأسبوع ده مش عايز خناق ولا نكد، يلا نكمل أكلنا.
اومأت بابتسامه، فجلسا يتناولان الطعام بهدوء، يتبادلان الحديث بودّ خفيف، وخلال ذلك، رن هاتف سليم، فقال بتهذب: معلش يا حبيبتي هرد، مكالمة شغل مهمة.
هزت رأسها بتفهم: اتفضل.
نهض ودخل الفيلا، بينما ظلت هي تحدق في آثاره بشرود، لم تستطع تتناول المزيد من الطعام، فتركت مقعدها، وتحركت نحو حافة النيل وجلست على الأرض، تحدق في صفحة الماء بشرود، وكأنها تبحث داخلها عن حل.
أمسكت هاتفها، وبعثت رساله للطبيب لتحجز موعدا، عله يخبرها ماذا تفعل، بقيت جالسة تفكر، والغصة لا تزال عالقة في صدرها.
في أحد الكافيهات، 4:00 عصرا
جلس رشدي علي الطاولة، يدخن سيجارته ببطء ويحتسي فنجان قهوته، وعيناه تتفقدان المدخل بين الحين والآخر، يترقب وصول راشد، وما هي إلا دقائق قليلة حتى ظهر الأخير بخطوات ثابتة، يتجه مباشرة نحوه.
نهض رشدي احتراما وصافحه، وقال بنبرة تحمل ودا ولطفا واضحا: بشمهندس راشد إزي حضرتك؟
راشد بابتسامة خفيفة: الحمد لله، ازيك يا رشدي.
ابتسم بلطف: الحمد لله
ثم أشار له بالجلوس: اتفضل.
أومأ برأسه، وجلسا متقابلين.
حاول رشدي فتح الحديث: تشرب إيه يا بشمهندس؟
راشد بنبرة هادئة: ممكن ليمون.
رفع رشدي يده للجرسون: هات واحد ليمون هنا، وهاتلي قهوة مكان دي.
صمت لحظة، وانحنى بجسده قليلا إلى الأمام، وصوته انخفض بنبرة أقرب للرجاء: أتمنى متكونش قولت لمي على المقابلة.
راشد بنبرة جافة لكنها بلا عداء: لا، بس إيه هو إللي حابب نتكلم فيه بعيد عن مي؟
أخذ رشدي نفسا عميقا، وكأن الكلمات تتزاحم داخله قبل أن تخرج: أنا كنت حابب أتكلم مع حضرتك بخصوص جوازي أنا ومي، أنا حاسس إن حضرتك مش راضي رضا كامل عن الموضوع.
هز راشد رأسه، وقال بعقلانية: مظبوط، وخصوصا بالسرعه دى، أنت شايف إنها خطوة صح؟
رشدي بهدوء وعقلانية: هي ولا غلط ولا صح، هي عادي، أنا مش شايف فيها أي مشكلة، إحنا عارفين بعض بقالنا أكتر من ست شهور، عرفنا عن بعض كل حاجة، فايه إللى يخلينا نستني؟! وفي الأول والآخر إحنا مبنعملش حاجة غريبة! وفي ناس كتير اتجوزوا أسرع من كده.
صمت لحظة، ونظر لراشد كأنه يفهم توتره وعدم رضاه الكامل عن سرعة الجواز، وقال: بس لو هنتكلم بصراحه، فأعتقد إنك معندكش مشكلة مع سرعة جوازنا، أنت عندك مشكلة معايا أنا كشخص.
راشد بإبتسامة تقدير: عاجبني صراحتك وذكائك، فعلا مشكلتي مش إمتى تتجوزوا، مشكلتي من الأول فيك كشخص.
اومأ رشدي برأسه، وقال بجدية: طيب أنا هسالك سؤال لو مدينا الخطوبة سنة أو سنتين تفتكر ايه اللى ممكن يختلف؟
تنهد، وتابع بنبرة تحمل العقلانية والجدية: أنا كنت واضح وصريح من أول لحظة مع حضرتك ومع مي، لا حاولت امثل ولا ألف وادور، صرحتها بكل شيء بمنتهى الوضوح وأعتقد إن طول الشهور إللى عرفنا فيها بعض ولا عمري زعلتها ولا ضايقتها، فليه حضرتك لسه معترض ومش قادر تديني الثقه لحد دلوقتي؟!
راشد بهدوء وعقلانيه: علشان مي بنتي الوحيده، ورقيقه وحساسه وحبها ليك عميها، وأنا من الأول كنت شايف إنك مش شبها ولا تنفعلها، بس مرضتش أكسر قلبها لما لقيتها متمسكه بيك وعايزاك، وافقت على الخطوبه وقولت يمكن تعقل وتفهم قد إيه أنتم مختلفين ومتنفعوش لبعض، لكن إنها تيجى وتقولى إنكم عايزين تتجوزوا وفجأة وبالسرعه دى، فمن حقي أخاف، ولا أنت شايف ايه؟!
هز رشدي رأسه متفهما، وقال بهدوء وصراحه: أنا عارف إن من الأول عندك تحفظات كتير عليا، بس أنا اشتغلت على نفسي صدقني، الخمرة بطلتها، البنات والسهر كل دى وقفته، بقيت مركز أكتر في شغلى وأنت بنفسك لسه مباركلي على المناقصة الجديده، والأهم من كل دى إني بحب مي ودى إللى خلاني اتغير علشانها وأي حد عارفني هيلاحظ التغير دى.
راشد متردد: بس التغيير ده لازم يكون نابع من جواك علشان أنت عايز كده، مش علشان حد تاني!
اومأ رشدي بتأكيد: أكيد، بس كل إنسان محتاج أيد تساعده عشان يتغير، لو مي مكانتش موجودة في حياتي مكنتش هتغير، لأن حياتي قبلها كانت ملهاش معني، لكن لما هي ظهرت في حياتي أثرت فيا بشكل كبير وادت لحياتي معني، وخلتنى حابب التغير دى وعايزه، هي كانت مجرد وسيلة مساعدة، طوق نجاة..
ابتلع ريقه، وأكمل بصراحه موجعه: على فكرة إللي يقول الإنسان يقدر يعيش لوحده ويتغير لوحده ده كداب، محدش هيقدر يتغير لوحده، الواحد بيبقي محتاج ايد تتمد له وتشجعه حتي لو بكلمه صغيرة، مش بيقولوا وراء كل رجل عظيم أمرأة عظيمه؟!
هز راشد براسه بإيحاب مؤيد: تمام يا رشدي، كلامك جميل، بس الأهم الأفعال، أنت فعلا اتغيرت شوية مش هنكر ومي بتحكي لي كتير، بس مش عايز التغييرات دي تكون لحظية.
صمت رشدي للحظة، ثم تنهد وقال بنبرة متأثرة: أنا عارف ومقدر خوفك على مي، وطلبت أقابلك النهارده علشان أوعدك واطمنك إني عمري ما هزعلها وهشيلها في عنيا، بس أرجوك وافق بقلبك وعقلك وبارك الجواز، مي المره إللى فاتت كانت مضايقه أوى علشان متخانقه معاكم بسبب الموضوع دى، وأنا مش عايزها تخسر الناس إللى بتحبهم بسببي، ولا تعيش الأيام دى وهي زعلانه كده!!
ابتسم راشد باعجاب واطمئنان: ماشي يا رشدي، أنا هبارك للجواز، ومش هخلي حد يفتح معاها الموضوع ولا يضايقها تانى.
ثم رفع أصابع يديه أشار بتحذير: بس أياك في يوم من الأيام تزعلها ولا تنزل دمعه من عيونها، ساعتها مش عارف هعمل فيك أيه.
رشدي بإبتسامة حانية: أطمن، مي دى عامله ملاك الرحمه إللى دخل حياتي نورها وأنا مستحيل اذيها أو ازعلها، وبكره إن شاء الله تعرفوني كويس، وتعرفوا قد ايه بحبها.
ابتسم راشد باطمئنان: لا إذا كان كده فمبروك يا عريس.
فيلا سليم وماسة، 5:00 مساءً
خرج سليم للحديقة بعد أن أنهى مكالماته، وما إن وصل الحديقة حتى لمحها، جالسة ضامة نفسها بقوة، كأنها تستند إلى آخر ذرة أمان متبقية لديها، كان ظهرها إليه، ورأسها منحني، وجسدها يهتز بخفوت لا تخطئه العين.
لاحظ شالا موضوعا على المقعد خلفها، فألتقطه واقترب نحوها بخطوات هادئة كي لا يفزعها، ووضع الشال على كتفيها برفق.
انتفضت في مكانها، وألتفت بنظرة مذعورة، لكنه ابتسم مطمئنا وجلس بجانبها قائلا بصوت دافئ: اتاخرت عليكي.
مسحت دموعها بسرعة بظهر يدها، وهزت رأسها نافيه وهي تتحاشي النظر إليه محاولة الهدوء.
حدق في وجهها مطولا؛ ملامحها المتوردة، عيناها الزجاجيتان، الارتجاف الخفيف في كتفيها !!
اقترب منها أكثر، رفع يده، ووضع أنامله برقة أسفل ذقنها، رافعا وجهها إليه ليجبرها أن تنظر في عينيه، كانت نظراته ثابتة، مليئة بقلق صريح لا يخفي نفسه: مالك شكلك معيطة؟
ابتلعت ريقها، وأجابت بصوت منخفض محاولة إخفاء كل شيء: مفيش دي تراب دخل في عيني ودمعت.
لكن ارتجاف صوتها فضحها، فضيق عينيه وهو يركز النظر في ملامحها الباكية، وتساءل بإستغراب: هو أنتِ بجد لسة متأثرة بالكلام إللى قولناه؟؟ ماسة محدش يقدر يعملك حاجة طول ما أنا عايش، حتي بعد ما أموت سايب ليكي الوصية تحميكي، فملوش لازمة إللى إنتِ عملاه في نفسك ده متحسسنيش أنى قليل ومش قادر أحميكي!!
تنهدت بعمق، وقالت: بعد الشر عليك يا سليم، عارفة إنك قادر تحميني، ومقدرش أقلل منك، بس زى ما قولتلك مش عايزة نعيش حياة كلها صراعات.
ساد الصمت للحظات، فزفرت بتعب، رمقت قدمه وتساءلت بأهتمام مغيرة للموضوع: رجلك عاملة إيه صحيح؟
ضحك بخفة، وقال بمشاكسة: بقيتي تعرفي تغيري الموضوع زي!؟
مالت عليه بجسدها وهي تربت على قدمه بدلال: قول بقى.
نظر لمحل نظراتها: كويس أهو الحمد لله.
ضيقت عيناها بحزم لطيف: والعلاج الطبيعي يا أستاذ، كل يومين تقولى هحجز بكرة ومبتحجزش، هات رقم الدكتور يا سليم أنا إللى هحجزلك.
ضحك قائلا: والله هحجز بس كنت مشغول أعمل إيه.
هزت رأسها بإصرار: لا أنا إللى هحجزلك بنفسي وهتروح غصب عنك.
صمتت لوهلة، اعتدلت قليلا بزاوية نحوه، تضيق عينيها بتهكم محب: وبعدين قولي بقى يا أستاذ، يا إللي عايزة أخنقك، عملت العملية إزاي من غيري؟! طب أفرض بعد الشر كان حصلك حاجة؟! إزاي سافرت كل الشهور دي وأنا غايبة ومدورتش عليا؟! عللل.
ضحك قائلا: وأنا مطلوب مني أجاوب على كل الأسئلة دي؟
رفعت حاجبها: أيوه طبعا! أنت هتختار؟!
ضحك: حاضر يا أم لسان.
تنهد، وبدأ يتحدث بهدوء ناضج: أنا لما عرفت باللي عملته صافيناز في موضوع الحبايه، عملت الوصيه زى ما قولتلك لسببين: أولا علشان أربيهم وثانيا والأهم علشان أحافظ على حياتك.
واصل بصوت أكثر جدية ممزوج بالوجع، بعينين تلمع بالدموع: أنا خدت قرار العملية في اليوم اللي جيتي فيه لأهلك، لما جريت وراكي ومعرفتش ألحقك، بسبب رجلي وعجزها، اتكسرت أوى وقتها وخدت القرار وأنا في العربية وقولت لمكي، بس مكنتش عارف هنفذه إزاي؟!
نظر بعيد وهو يسترسل مفسرا: من ناحيه هروبك وإني معرفتش مكانك؟! ومن ناحية احتياجي الشديد إن لازم أعملها؟! وقتها مكنتش لسة عرفت موضوع الحباية! بس كنت مرتاح إنك بخير لإنك زورتي أهلك، عاطفتي وقتها كانت سابقة عقلي، قولت لنفسي: ماسة بخير طالما جت بنفسها تشوف اهلها، وبعدها بكام يوم عرفت موضوع الحباية ساعتها روحت للمحامي ونقلت كل الصلاحيات والأسهم ليا وليكي علشان لو جرالي حاجه أبقي مطمن عليكي…
قاطعته بلهفه: بعد الشر عليك يا سليم، ربنا يخليك ليا.
ابتسم بخفوت، وتابع بصوته الهادئ، كأنه يشرح خطة حرب: وقتها كتبت إن كل حاجة هتروح للجمعيات الخيرية في حالة قتلك او قتلي، حتى فلوسهم إللي في البنوك اتجمدت، ومكانش فيه جنيه بيتحسب إلا بأمري، مكانش معاهم الا حسابات بسيطة.
أخذ نفسا عميقا، ونظر داخل عيناها بتأثر وبإبتسامة: ساعتها سافرت وأنا مطمن وعارف، إن لو جرالي حاجه أو لاقوكي قبلي، هيحافظوا على حياتك علشان الوصيه، وإللي خلاني أطمن أكتر إنك كنتي كلمتي أهلك قبل ما أدخل العمليات، رجالتى وقتها معرفوش يشفروا المكالمة لإن إيهاب كان مستخدم ترددات قوية، بس أنا اطمنت إنك بخير، ساعتها دخلت أعمل العملية وأنا مطمن، بعد أسبوعين تقريبا من سفري كنت بحضر نفسي وباخد أدوية معينة، وحاجات كده بتجهز الجسم.
ماسة بصوت خافت، لكنها مشدودة: كمل.
ابتسم قليلا: عايزة تعرفي يعني تفاصيل العملية هناك؟
هزت رأسها إيجابا، بعينين مفتوحتين بخوف وشغف معا.
تنهد تنهيدة عميقة، ومال بظهره قليلا للخلف قبل أن يقول: هقولك…
تكملة الفصل
فلاش باااك
أوقات مختلفة، في ألمانيا
المشفى
نرى سليم يخضع لسلسلة من الفحوصات المتتابعة، ومكي بجانبه كظله لا يفارقه لحظة، يسانده بصمت متعب، ويدعمه بعينين يختبئ خلفهما خوف وقلق بأخوة ومحبة صادقة.
وفي المساء، حل موعد جلسة العلاج النفسي الأخيرة مع الدكتور ياسر، تلك التي سبقت ليلة العملية، خرج سليم من الجلسة مثقلا، كأن روحه تتحامل على جسده، أما مكي فكان يتفقده بقلق لا يحاول إخفاءه، رافقه حتي باب الغرفة، فألتفت إليه سليم قائلا بنبرة متعبة: مكي من فضلك سبنى لوحدى النهاردة.
مكي معترضا: أزاى يعنى، لا مينفعش أسيبك لوحدك أفرض احتاجت حاجة.
تنهد قائلا: لو احتاجت حاجة هبقي أتصل بيك، من فضلك متتعبنيش أنا محتاج أقعد لوحدى النهاردة.
مكي بعناد: طب هقعد جمبك على الكنبة ومش هعمل صوت.
ابتسم بخفوت: حاسس إني هموت وعايز تشبع مني ولا إيه.
اتسعت عين مكي بضجر: إيه إللى بتقوله دى، أنت هتعمل العملية وهتبقى زى الفل أنت فاهم.
هز رأسه متنهدا: طب معلش سبنى لوحدى النهاردة، ريحني.
واومأ برأسه مترددا وهو يتابع دخوله الغرفة واختفاؤه بعد غلق الباب بقلق.
غرفة سليم بالمستشفي
دخل بخطوات مثقلة، وجلس علي الفراش بأفكار تتلاطم في رأسه، فهو على وشك أن يفعل شيء سيغير حياته للأبد، أما الموت أو الحياة، وأكثر ما كان يثقل قلبه “ماسة” فقد أراد توديعها بشدة، ولكن كيف وهو لا يعلم عنها شيء منذ عدة أشهر؟!
أغمض عينه بألم ووضع يده علي جبينه يحاول كتم الأفكار بداخله، ثم زفر ومسح وجهه بيده، وأدخل يده في جيب القميص الذي يرتديه، وأخرج صورتها التي كان يضعها دائما بجانب قلبه، أمسك الصورة بين يديه، وأخذ يحدق فيها بعينين دامعتين ووجه محمل بالأسي والأنين، مرر أنامله على ملامحها، بأنفاس متسارعة وشهقات مؤلمة يحارب ألا تنفلت منه.
أمسك الهاتف ضغط على زر التسجيل، وأخذ يتحدث بوجع يقطع نياط قلبه: تعرفي إنك وحشتيني أوى، وإن احتمال مشوفكيش تاني.
ابتلع تلك الغصة المريرة التي تكونت في حلقه: أنا داخل أعمل العملية بكرة، ومش عارف إذا كنت هخرج منها ميت ولا صاحي، بس تعرفي إيه أكتر حاجة وجعاني، إن ممكن أموت وأنتِ بعيدة عني، مش هتكوني آخر حضن اترمي فيه ولا آخر حد عيني تشوفه…
تنفس بعمق يحاول تمالك أنفاسه، ولكن دموعه خانته وسالت منه دون وعي: وإللى واجعني أكتر إنك زعلانة مني، مكانش نفسي أموت وأنتِ زعلانة مني، كان نفسي ألاقيكي وأقولك إن إللى كان في آخر ليلة دى مكانش أنا، دى كان المسخ إللى صافيناز حولتني ليه بالحباية إللى شربتهالي، مكانش أنا يا ماسة والله، أنتِ لا يمكن تهوني على سليم حبيبك إنه يعمل فيكى كده وهو واعي، مكنتش أنا يا ماسة، والله ما كنت أنا.
أنفلتت منه شهقة بكاء، فتفس قائلا بصوت باكي وهو يدقق النظر في ملامحها وكأنها واقفة أمامه: لو بتسمعي التسجيل ده فأكيد هكون مت، فعايز أطلب منك طلب وأرجوكي متكسفنيش، دي آخر طلب هطلبه منك في حياتي..
اهتزت نبرة صوته برجاء موجع: لما أموت أبقي سامحيني، وتأكدى إن كل حاجة عملتها كانت حب وخوف عليكي علشان مقدرش أعيش من غيرك، مكانش قسوة ولا غرور زى ما أنتِ فاكرة، هو أنا أصلا من إمتي قدرت أقسي عليكي، أنا أسف يا حتة من قلبي وروحي، آسف على كل حاجة عملتها فيكي.
تنفس بعمق ومسح دموعه، وقال مودعا بعجز مؤلم: عارف إني ظلمتك كتير وكان نفسي أقولك الكلام ده وأنا باصص في عينك، بس للأسف الظروف حكمت بكده، عايزك متزعليش وكملي حياتك، أنتِ قوية وهتقدري، ومتخافيش أنا كاتب وصية أحميكي بيها حتى بعد ما أموت، فخدي بالك من نفسك وأضحكي ديما وأوعي تبكي، ومتنسنيش وافتكري أوقاتنا الحلوة سوا وأبقي أدعيلى، وخليكي عارفة إني عمري ماحبيت ولا هحب في حياتي غيرك، أنا بحبك أووى.
ضم صورتها الي صدره وكأنه يحتضنها حضن الوداع الأخير، ولم يتمالك دموعه ولا شهقاته الموجوعة، فأغلق التسجيل، وتمدد على الفراش وهو يحتضن صورتها ويبكي بألم ووجع، حاول النوم ولكنه ظل متخبطا بين أوجاعه ولم تستطع عينه أن تتذوق طعم النوم في هذه الليلة، فهو لم يكن يخشي الموت ولكنه خشي الرحيل بعيدا عن أحضانها
في صباح يوم العملية
كان ممددا على الفراش ومكي بجانبه، دخلت الممرضة، أعطته دواءه ثم خرجت، تاركة الغرفة غارقة في صمت ثقيل.
اقترب مكي، سحب مقعدا وجلس بجانبه، وقال بقلق يفضح نبرة صوته: أنت متأكد من الخطوة دي؟
هز رأسه إيجابا: أيوة متأكد، هفضل لحد إمتى مهدد؟ خلينا نخلص..
تنهد بتعب ونظر للفراغ بشرود: وبعدين ما أنا كدة كدة ميت، أنت نسيت كلام الدكتور؟
اتسعت عيناه، واهتزت نبرة صوته بغضب: متقولش الكلام ده وبطل تعصبني عليك، ميت إيه!؟ ده كلام يتقال؟ أنت هتعمل العملية وهتبقى كويس، أنا متوتر عادى.
ابتسم، وربت على قدمه ليهدئه: متتوترش أنا كويس.
صمت لحظة ثم تابع بصوت أعمق: المهم عايزك توعدني، لو حصلي حاجة تدور على ماسة وتخلي بالك منها، هما مش هيعملوا حاجة بعد إللي أنا عملته بس برضو عايز أبقي مطمن وأنا سايبها في حماية أخويا.
هز رأسه بعنف بنبرة مرتجفة: إيه الكلام إللي إنت بتقوله ده؟ أنا مليش دعوة! إنت هتخرج، وتاخد بالك منها وتدور عليها بنفسك يا سليم، فاهم؟
سليم بنبرة متعبة وهو يحاول حبس دمعته: أسمع الكلام يا مكي وأوعدني علشان أبقي مرتاح
تجمدت دموع مكي بعينيه: لا مش هوعدك، علشان تخرج بخير.
أمسك يده بإصرار موجوع: علشان خاطري أوعدني، عايز لو جرالي حاجة ومت، أموت وأنا مرتاح وعارف إن أخويا هيخلي باله من مراتي ومش هيخلي حد يتعرضلها.
تأثر مكي بشدة، وحاول السيطرة على دموعه، وأخذ يتبادلان النظرات للحظة، نظرة رجاء من سليم، وضعف من مكي، حتي استسلم الأخير، قائلا بخفوت: حاضر يا سليم، متقلقش
اومأ برأسه: أفتح درج الكومود
فتح الدرج، فرأى دوسيه أوراق وفوقه هاتف سليم.
سليم بتوضيح: الموبايل بتاعي عليه تسجيل أبقي أديه لماسة لما تلاقيها وقولها تسمعه وخليها تسامحني، والورق ده ليك إنت، أنا مرضيتش أديهولك قبل كده علشان عارفك.
فتحه مكي بإستغراب، فوجد ممتلكات وأموالا باسمه، فرفع عينيه بصدمة: إيه ده؟! إنت اتجننت؟!
أشار له بحزم: هتلاقي شيك، وحاجات تخص عشري أبقي اديهمله، ومبلغ كدة للرجالة كمان.
مكي بغضب مشوب بارتجاف: سليم أنا مش عايز أضربك والله العظيم، متستفزنيش، ايه العبط ده؟!
قاطعه قائلا بنبرة منخفضة: مكي متزعلش مني دي وصيتي لو سمحت أسمع كلامي.
تنفس بعمق، وهز رأسه بمهاودة فالوقت لا يسمح بأي جدال: ماشي يا سليم، عموما أنا واثق إنك إن شاء الله هتخرج، وكل الكلام ده مش هيبقي ليه لازمة بس هريحك.
تبادلا نظرات طويلة، بمزيج من الأخوة والحزن والخوف.
تنفس سليم بعمق قائلا: طب بقولك إيه سيبني لوحدى أصلي ركعتين قبل مايجوا يجهزوني للعملية.
نظر إليه بتردد للحظة، ثم اومأ برأسه مستسلما وغادر الغرفة.
نهض سليم وتوضأ، ووقف يصلي بخشوع، ومع آخر سجده أطال داعيا بنبرة مهتزة باكية: يارب أنا عارف إني عملت حاجات كتير غلط وحرام في حياتي، بس نفسي تسامحني، أنا يمكن مستاهلش بس إنت تواب ورحيم بعبادك، فيارب لو كانت دى آخر ساعات ليا في الدنيا وهتاخدنى عندك، خدنى وأنا طاهر من غير ذنوب، أنا اتعذبت كتير في حياتي والله يارب ورضيت، ابتلتني في مرضي وفي بنتي إللى ماتت حتى من قبل ماشوفها ولا ألمحها، وحرمتني بعدها من الخلفه وإني أكون أب ورضيت وقولت الحمد لله، حتى مراتي إللى بحبها قلبت عليا وبعدت من غير سبب وسابتنى لوحدى متعذب ورضيت، فلو هو ده عذابك ليا علي ذنوبي الكتير إللى عملتها في دنيتي أنا راضي والله يارب، بس أرحمني وأعفو عني، أنا مليش عين أطلب مغفرتك، بس أنا جايلك مكسور وبتوسلك تعفو عني وتسامحني وتغفرلي ذنوبي وتتقبل توبتي إللى توبتها من سنين.
انفلتت شهقاته من بين كلماته الداعية الراجية بغير إرادة منه، وبعد الإنتهاء جلس على سجادة الصلاه بهدوء وسكينة، ثم رفع يده داعيا بغصة تخنق صوته: يارب أحفظ مراتي في المكان إللى هي فيه وأبعد عنها أي شر يارب، ولو مت حنن قلبها عليا وخليها تسامحني يارب.
وضع يده على فمه بضعف شديد، ودار بعينه في المكان من حوله فاهتز جسده برجفة خوف الموت: يارب خليك معايا أنا خايف، وسامحني يارب أرجوك، استغفرك ربي وأتوب اليك.
وانفجر باكيا بضعف إنسان عاصي ملىء بالذنوب، يخشي لقاء ربه.
وبعد قليل، دخلت الممرضة ومعاها مكي، جهزته للعملية، وتم دفعه وهو نائما على التروالى
أمام غرفة العمليات.
وقف دكتور ياسر، ومكي بجانبه ممسكا بيده بخوف لم يستطع اخفاؤه، فقال الدكتور ياسر بتشجيع ودعم معنوي: إن شاء الله هتخرج بالسلامة يا سليم، خليك قوي، إنت قدها، هشوفك بعد العملية إن شاء الله.
مال مكي بجسده محاولا المزاح رغم صوته المرتجف: أنا مستنيك، علشان نلعب ماتش بوكس، علشان ناوي أكسرك، بقالى كتير مغلبتكش.
نظر إليه طويلا: متنساش بس وعدك ليا.
لم يستطع الكلام فاكتفى بهز رأسه إيجابا، بدموع محبوسة داخل عينيه.
بدأت الممرضة في دفع الترولي، لكن فجأة صرخ مكي: سليم!
توقفت الممرضة، فاندفع نحوه، واحتضنه بقوة، وهمس بنبرة مهتزة: أنا مستنيك يا أخويا، متتأخرش.
هز رأسه بدموع يحاول كتمها ثم تحركت الممرضة داخل غرفة العمليات.
غرفة العمليات.
تم تعقيمه وحقنه بالمخدر، ونقله إلى سرير العمليات، فبدأ بالغياب عن الوعي تدريجيا وأثناء كل ذلك كانت صورة ماسة لا تفارق خياله، فهمس باسمها بخفوت قبل أن تهبط دمعة مريرة من عينيه ويغلقها في سكون تام.
بدأ الأطباء في عملهم بدقة عالية وهم يحاولون استخراج الرصاصة من ظهره، وأثناء عملهم بدأ نبضه ينخفض تدريجيا، وتعالت أصوات الأجهزة بصفير حاد، فتوتر الأطباء، ثم توقف القلب فجأة، فاتسعت أعين الفريق الطبي، وبدأت حالة من الهرج والمرج، والتوتر الشديد.
الطبيب بعملية: أحضروا جهاز الصدمات سريعا، وجهزوا حقنة ادرينالين، واستدعي دكتور إدوارد سريعا.
أمسك الطبيب بجهاز الصدمات: هيا!
صعقة ولا عودة.
مرة أخرى… ولا عودة.
في نفس اللحظة، خارج غرفة العمليات
كان مكي ينتظر بقلق بالغ، خرجت الممرضة بحركة سريعة والتوتر يخفي ملامح وجهها، فانتبه لها وتساءل بلهفة وقلق: ماذا حدث؟ هل سليم بخير؟!
أجابته بسرعة وهى تتحرك مبتعدة: المريض قلبه توقف.
اتسعت عينه بارتعاش ودموع، وهو يتسارع في خطواته للحاق بها فأمسك يدها متسائلا بإهتزاز: كيف حدث ذلك؟ هل مات!؟
هزت رأسها نافية: لا ولكن دعنى أذهب حتى استدعي الطبيب لإنقاذه.
غادرت مبتعدة، فوقف يتابع ابتعادها بعينين اغرورقت بالدموع وقلب يعتصر ألما، وضع يديه على رأسه بخوف وقلة حيلة، جلس على الأرض، والدموع تهبط رغما عنه وهو يتمتم: أوعى تموت يا سليم، أوعى تموت وتسيبني لوحدى، يارب نجيه وقومه بالسلامة يارب أنا مليش غيره.
انهارت دموعه بغزارة، واحتضن ركبتيه، للمرة الأولى يظهر مكي بهذا الضعف.
داخل غرفة العمليات
أعطاه الطبيب حقنة الادرينالين، ثم صدمه بقوة أعلى، وبعد لحظات ثقيلة، عاد القلب، فتنفس الطبيب بارتياح، وأكملوا العملية.
خارج غرفة العمليات
وفي هذه الثانية، رن هاتف سليم الخاص، نظر إليه مكي باستغراب للحظة، مسح وجهه وأخذ نفسا عميقا قبل أن يجيب ( كانت ماسة، كما رأينا سابقا)
وفور أن أغلق معها، خرجت ممرضه أخري ولكن بدي وجهها أكثر ارتياحا، فنهض من جلسته متسائلا بإهتزاز: أرجوكي، أخبريني كيف حال سليم، هل عاد قلبه للعمل من جديد؟!
قال آخر جملة بهمس داعيا داخله أن تجيبه بنعم، فهزت رأسها على عجل مطمئنة: نعم عاد لتوه، والآن نواصل سير العملية.
فتنهد بارتياح قليلا، وأخذ يدعوا له.
بعد عدة ساعات، خرج الطبيب من غرفة العمليات ويبدو على ملامحه الإرهاق، فهرول نحوه بلهفة: طمئني أرجوك، هل انتهت العملية؟ هل سليم بخير؟
هز الطبيب رأسه مطمئنا: هو بخير.
سأله ومازال القلق يطغي على ملامحه: ومتى أستطيع رؤيته؟
أجابه بهدوء مهني: ليس اليوم سنضعه في العناية المركزة إلى أن تمر الساعات القادمة بسلام يحتاج إلى 48 ساعة من الملاحظة الدقيقة، ويمكنك رؤيته من خلف الزجاج فقط.
ازدادت ملامح مكي توترا، وقال بصوت يختلط فيه الخوف بالاستغراب: لماذا؟ هل مازال هناك خطر؟ لقد أخبرتني قبل قليل أنه بخير!
أجابه بوضوح محسوب: لقد انهينا العملية بسلام، لكن الساعات المقبلة هي التي ستحدد مدى استقرار حالته.
تردد قليلا قبل أن يقول: أي أن الأمر لم يحسم بعد؟!
ابتسم الطبيب ابتسامة مطمئنة: لا تقلق، سيكون بخير.
غادر الطبيب بهدوء، مسح مكي وجهه وأخرج أنفاس ثقيلة، وأثناء ذلك خرج سليم على الترولي والممرضين يدفعوه إلي الخارج، فنظر إليه بلهفة وقلب يعتصر ألما،
وأخذ يتحرك معهم وينظر له بعينين مغرورقة بالدموع، حتى أدخلوه غرفة الرعاية المركزة.
وقف يتابعه من خلف الزجاج وهو يتمتم بالدعاء، متأملا أياه بوجع يعتصر قلبه، مرت الساعات ببطء ثقيلة على قلبه وهو مازال واقفا مكانه دون كلل أو ملل يدعو الله أن يستيقظ سليم بخير، وكل لحظة كان قلبه يخفق بشدة، منتظرا أن يفتح سليم عينيه.
وفي اليوم التالي
بدأ سليم يفتح عينه ببطء، فاهتز قلبه بالفرح، وركض لينادي الأطباء، فحضروا لفحصه سريعا، وبعد الانتهاء قال الطبيب: تسطيع أن تراه الآن، ولكن 5 دقائق فقط، ولا ترهقه بالحديث.
ارتدى ملابس معقمة، دخل إليه مرهولا، قائلا بنبرة مهتزة: حمد لله على السلامة يا أخويا.
رد بصوت متعب: الله يسلمك
مكي بإبتسامة فرح ودموع: خرجت تاني زي ما وعدتني؟
فهز رأسه إيجابا بإبتسامة باهتة متعبة.
مسح مكي علي راسه: متتكلمش كتير، أنا هطلع أقف برا علشان متعبكش، بس أنا جنبك متقلقش، أنت كويس والدكتور قال هتقعد 48 ساعة تحت الملاحظة وبعدها هتنقل غرفة عادية.
هز رأسه بابتسامة ضعيفة لا يقوى على الكلام.
خرج وظل يراقبه من خلف الزجاج، وكان سليم يستعيد وعيه شيئا فشيئا، لكنه لم يستطع منع دمعة انزلقت من عينه، كأنه يعاهد نفسه أن يعود قويا.
مر الوقت.
وخرج من الرعاية المركزة إلى غرفته، ساعده مكي على الجلوس وتبديل ملابسه، ثم جلس بجانبه وهو يحاول تخفيف الجو: حمد لله على السلامة يا عم، هنلعب الماتش وهخسرك كالعادة أول ما تبقى كويس.
ضحك بخفوت: الحمد لله كنت خايف أوي مخرجش منها تاني.
ربت على كتفه: الحمد لله إنك خرجت بخير، كنت قلقان عليك أوي، نشفت دمي.
سليم بجدية خافتة: المهم أنا مش عايز حد يعرف إننا لسة هنا، خليهم يفتكروا إننا سبنا ألمانيا.
اومأ يطمئنه: متقلقش.
أخرج الدوسيه وقطعه قائلا: خلاص ده ملوش لازمة.
نظر له بضيق: أنا مش قادر أتجادل معاك، بتستغل إني تعبان.
مكي بشدة مازحة: والله حتى لو كنت كويس هي خلاص قفلت معايا، أنا سكت وقتها بس علشان مكانش ينفع نتخانق.
ثم أضاف بمزاح وهو يمد يده بالهاتف قائلا بغمزة: وخد تليفونك أهو كمان، وعلى فكرة عايز أقولك حاجة هتفرحك؟ ماسة اتصلت.
اتسعت عينا سليم بدهشة: أنت بتتكلم جد؟
هز رأسه بتأكيد: والله اتصلت على الرقم السري، في اللحظة إللي قلبك وقف فيها، تقريبا حاسة بيك، بس مطولتش، كانت المكالمة من كفر الدوار من كشك على الطريق ومعرفناش نوصل لحاجة للأسف.
تنفس بعمق، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة مشبعة بالتأثر: الحمد لله، المهم أنها بخير.
قاطع حديثهم دخول الطبيب: كيف حالك اليوم يا بطل
هز رأسه بإبتسامة باهتة: بخير ولكن لازلت لا استطيع تحريك قدمي جيدا.
بدأ في فحصه قائلا: هذا طبيعي، فالعملية كانت جزء من العلاج، والآن عليك أن تبدأ بمرحلة أخري مع العلاج الطبيعي والأدوية للتماثل للشفاء وممارسة حياتك بشكل طبيعي.
احتدت نظرة عينه وصاح بضجر: ما الذي تعنيه؟! اينبغي عليا الصبر مجددا وانتظار التحسن مع العلاج الطبيعي؟! ولما إذا عرضت حياتى للخطر وقمت بعمل هذه العملية، لما لم تقل لى ذلك من قبل، هل تتلاعب بي؟! أم أنك لا تعرف كيف تقوم بعملك جيدا.
الطبيب بنبرة عملية: أهدأ سيد سليم، العملية أجريت لاستخراج الرصاصة التى كانت تهدد حياتك، ولكن أيعقل أن تفتح عينك من العملية وتمارس حياتك بعدها في اليوم التالى وكأن شيء لم يكن؟! بالطبع لا، ولكن العلاج الطبيعي هذه المره لن يكون لمجرد التحسن، ولكن للشفاء التام فعليك بالالتزام بالتعليمات والعلاج والتحلى بالصبر.
تنهد بضيق: وكم من الوقت سيستغرق هذا ؟!
الطبيب بعملية: مدة تتراوح بين من 6ل10 أشهر، حسب استجابتك والتزامك بالعلاج والتعليمات، فأنت من سيحدد تلك المدة.
هز رأسه بمرارة، فربت مكي على كتفه بمواساة: فات الكتير ومبقاش إلا القليل يا سليم، يعنى إنت استحملت سنين ومش هتستحمل كام شهر؟! إن شاء الله هتخف في أسرع وقت وهتبقى كويس.
ومع مرور الأيام
كان يحاول استرجاع قوته، يخوض جلسات العلاج الطبيعي، وجلسات العلاج النفسي بالتزام شديد، كان يضغط على نفسه ليعود أسرع.
وبعد فترة، انتقل إلى انجلترا لاستكمال العلاج الطبيعي، وكانت تلك المرحلة الأصعب، لا على جسده فقط بل على روحه التي كانت تحاول اللحاق بإيقاع الحياة من جديد.
رافقه مكي في كل خطوة، كظل لا يتخلى عنه، يهيئ له الجو، ويخفف عنه، ويمنحه الطمأنينة التي فقدها منذ زمن.
في أحد المراكز الطبية.
نشاهد سليم وهو يقوم بعمل العديد من الجلسات على ظهره وقدمه، بإصرار وعزيمة واستجابة سريعة فكان يريد التماثل للشفاء في أسرع وقت.
وقف مكي قرب الباب، يراقبه بنظرات قلقة، وعندما رآه يتصبب عرقا، اقترب منه قائلا: بلاش تعاند نفسك يا سليم، لو تعبت قول.
أجابه بنبرة مرهقة: عايز أرجع أمشي طبيعي بأسرع وقت.
مكي بحنو: هترجع، بس متضغطش على نفسك.
مرت الأشهر بطيئة وثقيلة، خضع خلالها للعلاج الطبيعي والنفسي بالتوازي، كان يقاتل ليستعيد عافيته بأسرع وقت، وبمساندة مكي الدائمة اكتمل شفاؤه، فعاد أخيرا إلى مصر.
(بااااااك)
كانت تستمع إلى حديثه بصمت ثقيل، ووجع يقطع أوصال قلبها، ودموعها تنهمر بلا توقف.
بينما سليم يسترسل حديثه بهدوء، وقد ارتجف صوته من التأثر.
مد يديه ليمسح دموعها برفق، وهو يقول: بعدين نزلت مصر، وفضلت أدور عليكي لحد ما ندى جاتلي.
ابتلعت غصتها، وقالت بصوت مبحوح ممزوج بالخوف والغضب، وهي تهز راسها بصدمة: يعني أنت كان ممكن تموت فعلا ومشفكش تاني؟!
توقفت فجأة أمامه، يديها ترتجفان وهي تحاول السيطرة على دموعها، لكن الكلمات خرجت منهما كفيض لا يكبح: إزاي يا سليم، إزاي جالك قلب تعمل فيا كده؟!
خطت خطوة للخلف ودموعها تهطل بغزارة، وصوتها يرتجف بين الشدة واللوم: إزاي هونت عليك تعمل فيا كده؟! افرض الدكتور ملحقكش؟! أنا كنت هعيش إزاي من غيرك؟ مفكرتش لو كان جرالك حاجة كان هيحصل فيا إيه؟! كنت هموت من غيرك.
اقترب منها وحاول مسح دموعها: أهدى، واسمعيني بس…
لكنها أبعدت وجهها، وصرخت بغضب موجوع: متقربش! متلمسنيش
حاول تهدئتها مره أخرى، فاقترب وجذبها إلي احضانه رغما عنها: أهدي بقي قولت، خلاص كل دى عدي، وأنا بقيت كويس اهو.
لم تستوعب كلماته وحاولت الإبتعاد عنه ولكنها فشلت، عقلها توقف فقط عند لحظه توقف قلبه أثناء العمليه، فقالت ببكاء يقطع نياط القلب: أنا حسيت بيك، حلمت بيك حلم وحش وقلبي وجعني، ومكنتش فاهمه في ايه، نزلت في عز الليل وسافرت من مكان لمكان علشان أكلمك واطمن عليك، ولما سمعت صوت مكي مهدتش بس قولت هو أكيد كويس؛ ما هو مكي كويس وبيرد، بس فضلت طول الليل قلبي مقبوض وحاسه روحي بتنسحب مني بالبطييء ومش عارفه اتصل تانى واطمن عليك.
تأثر بحديثها ودموعها، فاخذ يربت على شعرها بحنو، محاولا تهدئتها بنبرة موجوعة: يا ماسة أنا كان لازم أعمل كده، كان لازم أرجع قوي، علشان أعرف أرجعك، أنا اتكسرت في اللحظة إللي حاولت أجري وراكي ومعرفتش ألحقك، كان لازم أعمل العملية، بعدين أصلا الرصاصه كانت اتحركت بقالها فتره والدكتور قالي إن ممكن أموت في أي لحظه لو معملتهاش…
اتسعت عينيها بصدمة وابتعدت عنه: كمان !! والكلام ده عرفته إمتى؟!
سليم بنبرة مرتبكة: من الفترة إللي كنا فيها زعلانين في السنة.
جزت على اسنانها بغضب، وضربت صدره بغيظ وعنف: يعني عشت معايا سنة وأنت مخبي عليا، وبتموت بالبطييء..
أخذت تبكي بحرقة، فسالت دموع سليم على بكائها، وسحبها إلي أحضانه مره أخري، وضمها بشدة، بينما هي تشبست به بقوة رغم كل ألمها، وظلا هكذا لدقائق حتى بدأ صوتها يهدأ تدريجيا، وراح قلبها يستعيد بعض الاطمئنان.
تحدث سليم وهو يعانقها بإحتواء وعشق قائلا بحزن واعتذار: أنا أسف يا ماسة، بس أنا كان لازم أعمل كده، مرضتش أقولك وقت ما الرصاصه اتحركت علشان مترجعليش شفقه، ده كان هيكسرني أكتر، ولما خدت قرار إن أعمل العمليه، كان علشان لازم أحط نهاية للوجع وللألم ده، مكانش ينفع أفضل عايش وأنا خايف إن الساعة الجاية ممكن أموت.
شهقت بوجع وبكاء، ابتعدت قليلا ورفعت راسها نحوه وضعت كفها على خده وهي تدقق النظر داخل عينه برجاء: أوعدني، أوعدني لو حصل أي حاجة تاني مهما كانت، مستحيل تعمل حاجة من غيري، وأوعدني إنك هتعرفني كل حاجة ومش هتخبي عني حاجه تانى.
اومأ برأسه عدة مرات، بإبتسامة مشؤبة بالوجع وهو ينظر لها بثقة: وعد ياماسة.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة ممزوجه بالألم، ثم مدت يدها وضمته إليها بقوة، وغرست أصابعها في ظهره، كأنها تحاول أن تتخلص من كل الخوف والوجع الساكن في صدرها، وبقيا لدقائق طويلة هكذا في صمت كثيف، صمت يقول كل ما تعجز الكلمات عن قوله.
ابتعدت قليلا، لكنها لم تبعد عينيها عنه، غاصت نظراتهما معا في بحر واحد، ممتلئ بالشوق والحنين والاشتياق المؤلم، اقترب وجههما أكثر، واختلطت أنفاسهما، حتى تلاشى كل ماحولهما، ولم يبقى سوى حرارة القرب، وسكون اللحظة.
تعلقت عينا كل منهما بشفتي الآخر، واقتربا ببطء، أكثر وأكثر، كان الشوق يذيب المسافة بينهما، وشعر كل منهما بحرارة تتسلل إلى داخله، شوق ثقيل، موجع، لا يحتمل التأجيل.
حاولت ماسة الاقتراب أكثر، كأنها تريد كسر الحاجز، والوجع، والاضطراب الذي يملأ عقلها، وكأنها تحاول كبح انهيار داخلي يوشك أن يفلت منها.
بدوا كأنهما على وشك أن يتحدا في لحظة واحدة.
لكن قبل أن تلامس شفتيه شفتيها، اقتحمت ذاكرتها صورة مؤلمة؛ صورة تحاول نسيانها بلا جدوى ( وهو يحاول السيطرة عليها بالقوة محاولا اغتصابها)، ارتجف قلبها، وأغمضت عينيها بأسى، وعضت على أسنانها قليلا، تحاول صد موجة الخوف والذكريات لكنها لم تعرف.
شعر بتوترها، لكنه لم يبد أي رد فعل؛ لم يسأل، ولم يضغط، كان صامتا ومتفهما، فقط تنفس ببطء، وابتعد قليلا، رغم الوجع العميق الذي انغرس في قلبه؛ وجع يشبه ثقل العالم كله.
ابتسم لها برفق وقال بعفوية ومزاح : بقولك إيه، إحنا اتفقنا، متفيش عياط ونكد الأسبوع دى، أنتِ إللي بتخرقي الاتفاق كل شوية أهو.
ضحكت ومسحت دموعها بطرف كفها، وقالت ببراءة وهي تحاول التماسك: خلاص ياسيدي، ليك ساعة زيادة عندي، تبقى 8مش7.
صمتت لحظة، ثم رفعت عينيها إليه وقالت: إيه رأيك نخلي نهاية الفرصة، يوم الفرح الخميس يعني، بدل الثلاث؟
قطّب حاجبيه متصنعا الضيق بمزاح: أنتِ هتبقششي عليا؟
رفعت حاجبها، واجابته بمشاكسه: انت تطول؟! خلاص براحتك، أنا غلطانة.
ضحك فجأة، وجذبها من يدها إلى حضنه، يضمها بقوة وهو يمسح على شعرها بحنان: بهزر يا مجنونة، موافق طبعا.
أخذت نفسا عميقا، وانهارت دموعها من جديد، أحاطت بذرعيها ظهره ضمته بشدة، كأنها تخشى أن يفلت منها مرة أخرى.
قصر الراوي
غرفة صافيناز، 8:00مساء.
كانت تشعل سيجارة تلو الأخرى، وأنفاسها متقطعة، والتوتر يلتف حول صدرها كحبل مشدود، مازال الغضب ينهشها.
فتحت درج الكومودينو بعصبية، أخرجت علبة الحبوب، تناولت واحدة دون تردد، ثم اتجهت إلى البار الصغير المصطفة عليه زجاجات الخمر، سكبت القليل في الكأس، وأسقطت الحبة بداخله، ثم احتسته دفعة واحدة، لكن الاضطراب لم يهدأ أخذت كأس آخر
جلست على الأريكة، تشعل سيجارة جديدة، وتحتسي كأسا ثالثا، وعيناها شاردتان في الفراغ.
في تلك اللحظة فتح الباب، ودخل عماد قائلا بنبرة هادئة تخفي ما وراءها: مساء الخير.
دقّق النظر في ملامحها الشاحبة، والسيجارة بين أصابعها، والكأس في يدها، رفعت عينيها إليه بنظرة ذات معنى، يكسوها سواد ثقيل.
علق بنبرة ساخرة: إنتِ لسه على الوضع ده من الصبح؟
وقفت أمامه، وقد انفجر مابداخلها: وإنت عايزني أبقى عاملة إزاي يعني؟! قولتلك مخنوقه ومش قادرة أتحمل، وإنت نزلت شغلك وسيبتني عادي، كأن حرق دمي وزعلى ولا حاجة بالنسبه لك؟! شوف هو بيعمل ايه عشانها !
زفر بضيق، ومرر يده على وجهه: إنتِ بتقولي الجملة دي كتير يا صافيناز بدأتي تضايقيني…
اقترب خطوة، وصوته صار أكثر حدة: أنا عملت أكتر منه، أنا حطيت رقبتي في إيده علشان خاطرك، وأنتِ عارفه سليم لو شم خبر باللي أنا وإنتِ عملناه زمان، أنا هضيع….
تراجع قليلا، ثم أضاف بنبرة دفاعية: وبعدين هو أنا كنت بلعب، مش كنت بشوف شغلك إللى بقيتي مهملاه، أهدي بقى..
ابتعدت عنه وهي تضرب الأرض بكفها وتصيح بغضب: أهدي إييييه، بقولك خلاني أبوس ايديها، قسما بالله لأحرق قلبه عليها.
رفعت رأسها له وقالت بغل: لازم انتقم منها يا عماد، هكلم الباشا والهانم دلوقتي ونقولهم خطتك ولو موافقوش هنعملها لوحدنا، لازم انتقم منها وأحرق قلبه عليها.
نظر إليها وضيق عينه بخبث وقال بإبتسامة شيطانية: بصراحة يا صافي الخطة بتاعتي لو اتنفذت زي ما أنا مخططلها سليم مش هتقومله قومة تانى، ومش بعيد يموت نفسه وراها، يعنى هتبقي كش ملك.
لمعت عينيها ببريق شيطاني، وهرولت إلي هاتفها قائلة: عندك حق، أنا هكلم الباشا والهانم، واقولهم إن لازم نقابلهم حالا.
نظر إليها بإبتسامة شيطانية خبيثة، تسلل معها شعور لذيذ بالنصر؛ كأن اللعبة التي ظنها انتهت تمنح له فرصة أخرى، رأى في ذلك مدخلا للانقضاض من جديد، والانتصار هذه المرة على عائلة الراوي، وعلى سليم تحديدا.
فيلا سليم وماسة، 9:00 مساءً.
صعد ماسة وسليم إلى الطابق الثاني، وتوقفا أمام غرفمها، ألتفت إليها وتساءل بهدوء: هتنامي؟
نظرت له بتعب خفيف وهزت رأسها: لأ، لسه بدري محتاجة أغير هدومي وأخد شاور، من الصبح بيهم.
ابتسم ابتسامة صغيرة: وأنا كمان لما تخلصي تعالي نقعد شوية سوا.
أومأت برأسها: ماشي.
ودخل كل منهما غرفته، لكن بمشاعر مختلفة تماما.
كان سليم يشعر بضيق ممزوج بالأسف، كلما تذكر أنه كان على وشك تقبيلها، ثم تراجعت في آخر لحظة ! يعرف أنها لم تتعاف بعد، ولم تتجاوز ما مرت به، لكنه تأمل حتى أن يجتاز القبلة، أخد أنفاس ثقيلة بضجر، حاول تهدئة نفسه، مذكرا نفسه بأنها ما زالت في فترة الترميم، ولم يمض وقت طويل على منحهما فرصة جديدة، وجودها معه الآن هو الفوز الحقيقي، لا القرب الجسدي.
مسح وجهه براحة يده، وخلع جاكيت بدلته وألقاه على الفوتيه، واتجه إلى الحمام ليأخذ حماما دافئا، عله يطفئ ما يعصف بداخله.
على إتجاه أخرى عند ماسة.
جلست على الأريكة بثقل واضح فماحدث اليوم كان أكثر من قدرتها على التحمل، اعتذار صافيناز أعاد إليها خوفا لم يهدأ، وما جرى مع سليم في العملية، فكرة أنها كانت ممكن أن تخسره، أن يموت بعيدا عنها، وحدها كفيلة بسحقها.
هي لا تريد من الدنيا شيئا سواه، لكن كيف؟ وعائلته حاضرون في كل تفصيلة من حياتهما؟ ويحاربون حبهما..
شعرت بالاختناق، أنفاسها أصبحت ثقيلة، فوضعت يدها على قلبها تحاول تهدئته، والدموع تتجمع في عينيها رغما عنها.
ألتقطت هاتفها لتتأكد إن كان الطبيب قد أرسل لها رسالة لتأكيد الموعد أم لا، ثم بادرت بالاتصال: ألو أنا كنت باعتة لحضرتك رسالة علشان حابة أخد معاد.
توقفت لحظة، ثم أكملت بصوت متوتر: عارفة إن لسة كام يوم، بس فيه حاجة حصلت موتراني شوية ومشكلة تخص سليم.
أنصتت، ثم تنفست براحة خفيفة: تمام، خلاص تمام ميرسي باي
أغلقت الهاتف، وهي لا تعرف إن كان القادم أخف، أم أثقل؟! ثم عادت بظهرها على ظهر الفراش وأخذت تنظر للسقف بتعب لدقائق ثم نهضت وأخذت حمام دافئ.
قصر الراوي، 9:30مساء
جناح عزت وفايزة
جلس عماد وصافيناز أمامهم، تبادل الأربعة نظرات ثقيلة، وكأن التفكير في التخلص من ماسة صار عبئا يخنق الهواء حولهم.
عزت وقد بدا الضيق متحجرا في صوته: خير طلبتوا تقابلونا ليه؟
تحمحم عماد وقال موضحا: أبدا يا باشا كنا بس عايزين نعرف وصلت لإيه في موضوع ماسة، يعني لحد دلوقتي مفيش حاجة حصلت.
زفر عزت بضيق: لسه مفيش جديد، اتفقت مع قناص يخلصني منها بس لسه مش عارف يلاقي وقت مناسب للتنفيذ، لإن سليم مش بيسيبها وأنا استحالة أقبل إن يحصل حاجة وسليم موجود.
أومأت فايزة بتوتر: بالتأكيد…
مال عماد بجسده إلى الأمام، وعلى وجهه ملامح مكر شيطاني تتشكل ببطء: طب وإحنا محيريين نفسنا ليه يا باشا، بعد إذنك يعنى أنا كان عندى خطة أفضل بس عايز حضرتك تديها الضوء الأخضر.
اومأت صافي مسرعة: أيوة يا بابي خطة عماد عبقرية فعلا، وكمان مش هتدخلنا في متاهات مع سليم على الوصية.
رفع عزت عينيه نحوهم بحدة، وضيق عينه بتساؤل: وإيه هي خطتك يا عماد
عماد بفحيح أفاعي: هقولك يا باشا، بس ركزوا معايا، علشان الموضوع ده محتاج تكتك وتركيز كويس، ومينفعش فيه غلط، لإن الغلطة فيه بفورة.
وأخذ يشرح خطته الشيطانية، وصوته يهبط ويرتفع بثقة، كانوا يستمعون إليه بعيون متسعة ووجوه جامدة من الصدمة؛ فكل مايقوله بدا أكبر من قدرتهم على الاستيعاب، وأخطر مما توقعوا.
وحين انتهى، ساد صمت ثقيل، قطعه عزت وهو يتفحص عماد من أعلى إلى أسفل بنظرة إعجاب صريح: مكنتش متوقع إنك شيطان كده يا عماد.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية، وقال بثقة لا تخلو من مكر: تلميذك يا باشا.
كانت صافيناز تتابعهم بإبتسامة فرحة؛ أرادت بها أن تمنح عماد ثقة أكبر، وتؤكد له أنها تقف في صفه بلا تردد: شوفت علشان تثق في عماد وتديله الثقة يا باشا.
تدخلت فايزة بنبرة حاسمة: خلاص من بكرة تبدأ، والباشا في ضهرك.
عزت: تمام وأنا هكلم الراجل اللى اتفقت معاه وانهي معاه الموضوع.
أضاف بتحذير وهو يقول بجدية: مش عايزين أي غلطة، سليم مينفعش حتى يشك.
ابتسمت فايزة ابتسامة واثقة وقالت بهدوء خبيث: هيشك إزاي؟ لو اتعملت صح زي ما عماد قال.
رمقها عماد بثقة، وقال بلهجة قاطعة: متقلقوش.
وساد صمت ثقيل يخبئ تحته نية لم تدفن بعد، بل أُعيد ترتيبها.
علي اتجاه آخر في غرفة طه ومنى
كان طه متمددا على الفراش، عينيه معلقتين بشاشة التلفاز، وبجواره طبق فاكهة وحلويات يتناول منه بلا اكتراث.
في تلك اللحظة، دخلت منى بابتسامة مرسومة بعناية على شفتيها، ابتسامة لا تخلو من نشوة خفية، كأنها أمسكت بخيط رفيع يقودها لاكتشاف ما.
رفع عينيه نحوها متسائلا بفتور: كنتي فين كل ده؟
اقتربت بخطوات هادئة، وقالت بنبرة أنثوية دافئة: كنت تحت يا توتي.
عقد حاجبيه، وعاد يسأل وهو يقلب نظره بينها وبين الشاشة: ما أنا عارف، قصدي بتعملي إيه أنت نازله بقالك كتير؟
تمددت بجانبه، ومدت يدها تلتقط قطعة حلوى، ثم قالت وكأنها تلقي خبرا عابرا: كنت عايزة أسأل فايزة هانم هتعمل إيه في موضوع المعازيم بتوع الفرح، لقيتهم كلهم متجمعين، ونازلين ودودة.
اعتدل في جلسته وقال بنبرة حاسمة: منى، أنا قولت ملناش دعوة بالحوارات دي.
التفتت إليه بسرعة: إزاي يعني؟ بقولك شكلهم بيتفقوا على حاجة!
تنفس بعمق، وقال وهو يهز رأسه: هما من وقت ظهور ماسة وهما مش مظبوطين.
أومأت برأسها قالت بذكاء: بالظبط، بس المرة دي شكل الباشا معاهم، وموافق.
ألتفت إليها وقال بيقين: مستحيل.
اقتربت منه أكثر وقالت بثقه: بقولك شوفتهم بعيني، كلهم متجمعين في جناح الهانم، والباشا معاهم، ونازلين ودوده، كان نفسي أسمع حاجة، بس معرفتش من الخدم.
ساد صمت قصير، قطعه طه بضجر: الموضوع كده بيكبر، وأنا قولتلك خلينا بعيد زي ما اتفقنا.
تنهدت وقالت بثبات: تمام كده كده أهم حاجة عندي إن مراد يكون جنب سليم، ويبقى ليه مكانه، غير كده خلاص…
صمتت لحظة، ثم أضافت وهي تثبت نظرها عليه: بس إللي بيحصل ده مش تحضير فرح، ده تحضير لمصيبه، أنا عارفة كويس الاجتماعات دي.
ابتسمت بخبث شيطاني وكأنها تعرف ما يريدون فعله بينما تجمد طه لثانية، دون رد، اكتفى فقط بتغيير القناة، لكن يده كانت مشدودة على الريموت، أكثر مما ينبغي.
فيلا سليم وماسة، 10:00مساء
غرفة سليم
توقف أمام النافذة، يدخن سيجارته بشرود، والهواء العليل يلامس وجهه فيخفف من ثقل أفكاره، كانت إحدى أغاني عمرو دياب تنبعث من الجرامافون، فتملأ المكان بنغمة مألوفة، محملة بذكريات لا تنسى.
يفكر في ردة فعل ماسة، في خوفها الغريب من صافيناز، ذلك الخوف الذي بدا له مثيرا للانتباه، كما عادت تتردد في أذنه جملة والدتها، جملة لم تفارقه منذ أن سمعها: «قولي لجوزك رشدي عمل فيكِ إيه؟»
بدأ يمسح على جبينه بأنامله، يحاول أن يجد سببا أو خيط لكنه لم يجد
بعد قليل، انفتح الباب المشترك بهدوء، ودخلت ماسة، كانت ترتدي سلوبت شتوية ثقيلة من الفرو بشكل أرنب، وشعرها مرفوع على هيئة قطتين، وفي قدميها لكلوك على شكل أرنب، بدت كأنها خرجت للتو من عالم طفولي، لطيف وكيوت بشكل مبالغ فيه.
اقتربت منه وتوقفت بجانبه، دون أن تنظر إليه مباشرة، فقط ترمقه بطرف عينيها بدلال طفولي: كارملتي.
تأملها من أعلى لأسفل باستغراب، قبل أن ترتسم ابتسامة خفيفة على شفتيه: إيه إللي إنتِ عاملاه في نفسك ده؟ مش كبرنا على الحاجات دي؟
ضيقت عينيها وقالت بمداعبة: اتكلم عن نفسك، أنت كبرت إنما أنا لسه صغيرة يا حبيبي، أنا لسة هكمل 26 سنة، مش أنت أللي كمان شوية وتكمل 35! يعني رجل برة ورجل جوة…
ضحك بصوت عالي: يخرب بيت اللماضة!
انتبهت للأغنية وقالت معلقة: عمرو دياب؟ فاكر أول أغنية سمعناها له وإحنا مع بعض؟
هز رأسه وهو يتأملها بعينين لا ترمشان: طبعا فاكر كان شريط ليلي نهاري، لسه نازل، وإنتِ كنتي قاعدة تغني وإنتِ بتشربي النسكافيه الخطير بتاعك.
ابتسمت بفرحة طفولية: ينهار! لسه فاكر كل ده؟
اقترب بوجهه من وجهها، بنظرات أشعلت في قلبها نارا خفية، وسرت قشعريرة في جسدها: أنا مبنساش أي حاجة تخصك.
نظرت إليه بصمت، وقلبها يدق بسرعة، أنفاسها تعالت داخل صدرها وهي تحاول الثبات أمام تلك النظرات التى تشعل داخلها الكثير، ابتلعت ريقها، وحاولت تغيير الموضوع، فأخذت نفسا عميقا وهي تنظر من النافذة: الجو حلو أوي.
ثم أشارت حولها: الأوضة بتاعتك كمان جميلة أول مرة أركز فيها كده.
بينما هو كان ينظر إليها من أعلى لأسفل بابتسامة مختلفة، انتبهت لنظرته، فالتفتت إليه باستغراب وهي تضيق عينيها: أنا عايزة أعرف إنت بتبصلي وتضحك ليه؟
مال برأسه وقال مبتسما: أصل شكلك حلو أوي، وعايزة تتاكلي بصراحه، ومش مصدق نفسي إني اتغريت بلبس الطفولة إللي إنتِ لابساه ده.
هزت كتفيها بمداعبة أنثوية ناعمة: كراميل؟ إنت بتتغرغر حتى لو لابسة خيشة!
ضحك عاليا: دي حقيقة، بس بقالك كتير ملبستيش كده.
صمتت لحظة، ثم قالت بهدوء، وعيناها تهربان بعيدا: بعد الحادثة حياتنا بقت سودا حتى الفساتين إللي كنت بحبها نسيتها يا سليم، نسيت ماسة قطعة السكر، فحبيت أنسى همومنا شويه، ونرجع للنقطة إللي كنا فيها قبل الحادثة، بما إننا في فترة فرصة وإجازة نرجع لأول حياتنا.
نظر إليها طويلا، لا يعرف ماذا يقول!؟
ثم فجأة، وبنبرة أخف، حاولت كسر الصمت: إيه رأيك نلعب بنك الحظ؟ أنا مش جايلي نوم، وبعدين بكرة عندنا ميعاد مع دكتور ياسر، هو بعت لي رسالة، بعت لك؟
أخرج أنفاسا هادئة: آه، لسه باعتلي، وبكره كمان هروح جلسة العلاج الطبيعي.
هزت رأسها بتشجيع: كويس أوى خلاص بكره نروح للدكاترة وننزل نلف على فستان ليا علشان الفرح، كده كده مش ناوية أروح الكلية بكرة
هزت رأسه، وقال بتردد خفيف، وبنبرة تحمل رجاء صريحا: بقولك إيه، مينفعش تبطلي تروحي الكلية كام يوم، ونخلينا مع بعض.
رفعت رأسها ونظرت إليه بابتسامة متسائلة، بعينين مليئتين بالمداعبة: وهنعمل إيه مع بعض؟
مد يده بحركة عفوية، كأنه لا يملك إجابة واضحة، لكنه ابتسم بخفة: مش عارف نخرج، نعمل أي حاجة، حتى لو تحضري محاضرة واحدة بس المهم نقضي الأيام الجاية دي سوا.
غمزت بعينيها بخبث لطيف: خايف تخسر يا سالوملوم؟
ابتسم بثقة هادئة: سليم مبيخسرش.
رفعت حاجبها بتحد، تحاول إخافته بمكر أنثوي: طب حضر نفسك بقى يعني علشان مقابل الهزيمة؟
هز رأسه بيقين، وعيناه ممتلئتان حبا وثقة: لا، لإني واثق إني هكسب.
ضحكت بخفة، ثم سحبته من يده قائلة: طب يلا تعالى نلعب.
تحرك معها ليجلسا على الأرض دخلت غرفتها سريعا، وأحضرت الكوتشينة وبنك الحظ، ثم عادت وجلست أمامه، وبدءآ اللعب بحماس وضحك، وأجواء دافئة مليئة بالألفة والبساطة، كأن العالم كله اختصر نفسه في تلك اللحظة الصغيرة.
وبعد وقت طويل، ومع هدوء الليل، توجه كل منهما إلى غرفته، وناما على إحساس خفيف بالطمأنينة، كأنهما استعادا جزءا ضائعا من نفسيهما.
💕______________بقلمي_ليلةعادل
مجموعة الراوي، 9:00صباحا.
ترجلت صافيناز من سيارتها بعدما أن فتح لها أحد أفراد الأمن الباب، خرجت كالملكة، رأسها مرفوع وعينان تتطلعان من أعلى لأسفل على المبنى، كأنها عادت إلى مملكتها.
بدأت تتحرك بخطوات واثقة نحو الداخل، وبدأت تتلقي الترحيب من الجميع بعد عودتها.
صعدت المصعد، وتحركت في الممر بخطوات ثابتة، مرفوعة الرأس، يسبقها حضورها قبل أن تصل.
وفي اللحظة نفسها خرج رشدي من مكتبه، وما إن لمحها حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، اقترب منها وتوقف أمامها مباشرة.
رشدي بسخرية: حربووقة عاش من شافك.
توقفت وقلبت عينيها ببرود، قالت بإستفزاز: رشدي؟! مكنتش أعرف إنك هنا، مش المفروض بتحضر لفرحك؟
اقترب أكثر، حتى كاد وجهه يلامس وجهها: مينفعش أفوت عليا لحظة زى دي، وأرحب بأختي الحرباية…
ثم ضحك بخبث: ثعلوبك فين؟ ولا لسة سليم مرضيش عنه؟ قوليلي كانت إيد ولا رجل؟
انتصبت في وقفتها وتساءلت بحدة: تقصد إيه؟
ابتسم ابتسامة جانبية لاذعة: أقصد خلاكي تبوسي رجليها ولا إيديها علشان ترجعي المجموعة ويرضى عنك؟
جزت على أسنانها بضجر، فأضاف بسخرية لازعة: بس أوعي تفتكري دخولك هنا هيخليكي ترجعي زي الأول، هو رجعك علشان يخليكي زي الكرسي إللي هتقعدي عليه.
ضحكت ضحكة قصيرة، وأزاحت شعرها إلى الخلف بثقة: شوف مين إللي بيتكلم!
اقتربت خطوة، ونظرت داخل عينه: أوعى تفتكر إنك هتستفزني بكلامك ده، أنت أكتر واحد المفروض يخاف، علشان لو ماسة اتكلمت، سليم هيزعلك أوي، ومش بعيد الفرح يتقلب جنازة.
نظر لها بإبتسامة جانبية وكأنه لا يبالي بما تقول، وضع أصابعه على خده يستمع لتهديدها، فتابعت علي نفسي ذات الوتيرة المهددة بسخرية: من رأيي يا رشدي متستفزنيش، وأوعى تقولي أنا معايا إللي يحميني…
ثم ابتسمت ابتسامة ذات معنى: أصل إحنا كمان معانا إللي يحمينا، زيك بالظبط..
ضحك رشدي بسخرية مستنكرا: هو أنتِ وأمك كل شوية تهددوني بماسة؟ أنا مبتهددش.
اقتربت منه أكثر، وصوتها صار أخطر: لا، أنت بتتهدد يا رشدي..
توقفت لحظة ثم اضافت بثبات: زمان كان ممكن أخاف منك وأعمل للسانك الطويل ده حساب، إنما دلوقتي؟ مكالمة تليفون واحدة لحبيبة القلب كفيلة تدمر حياتك كلها…
استدارت لتكمل طريقها، ثم توقفت وعادت تنظر إليه: بس قولي أخبار الشم إيه؟
ابتسمت بخبث: أو بلاش، ست الحسن بتاعتك، لو خدت حباية شجاعه وراحت قالت للكراميل بتاعتها كل حاجة، تفتكر هيحصل إيه؟
اقتربت خطوة أخيرة اضافت: هتقوله رشدي هددني، ومعرف صافيناز وفايزة؟
رفعت حاجبها مسترسله: متعملش نفسك ملاك، أنت إللي كنت في الوش، وأنت إللي فكرت ونفذت، ودايما في الواجهة…
مالت برأسها قليلا أكملت: إحنا كلنا شياطين، وكلنا في نفس المركب، ومحدش فينا هيغرق لوحده…
أضافت ببرود قاتل: وزي ما أنت قولتها زمان، إحنا عيلة بتحب بعض أوي، ولما نغرق، بنغرق كلنا.
ضحك رشدي ضحكة ساخرة، واقترب فجأة، وجذبها من شعرها بعنف، وقرب وجهها من وجهه حتى كادت أنفاسهما تختلط، وقال بنبرة لازعة مهددة، بصوت منخفض كالفحيح: لا لا لا، أهدي علي نفسك كده، أنا مبتهددش…
أبعد رأسه قليلا، لكنه ظل ممسكا بشعرها بإحكام أضاف: عايزة تكلميها؟ أديكي رقمها ولا أجيبهالك بنفسي؟
ابتسم ابتسامة جانبية مظلمة: روحي قوليلها مش فارق معايا، بس يوم ما أنتِ تقولي، أنا كمان هقول، ما أنا لساني مش مقطوع!!
اقترب أكثر، ونبرته صارت أثقل: بس معتقدش إنك حابة تحرقي نفسك وتموتي الفترة دي، أعتقد عندك أهداف تانيه عايزه تعيشيلها..
حدق فيها بعينين ضيقتين: أنا متأكد، أكتر ما أنا متأكد إني شايفك قدامي، إنك مستحيل تنطقي بحرف لا لمي ولا لغيرها…
شد على شعرها أكثر: عارفة ليه؟ علشان يوم ماتتكلمي هتحرقي نفسك قبل ماتحرقيني…
تنفس بعمق، استرسل ببرود قاتل: أنا ممكن أخسر مي عادي، لكن لما أخسرها هحرقكم كلكم، ما أنا حياتي مش هتبوظ لوحدى!
اقترب من أذنها وهمس: وصدقيني الكارت إللي معايا مبيهزرش وبيؤش، وبيه أنا في الأمان، يعني محدش هيطلع خسران غيرك…
ترك شعرها، وتراجع خطوة: متنسيش أنتِ بتلعبي مع مين، أنا مش سليم.
نبرته ازدادت حدة: واذا كان سكوتي الفترة إللي فاتت خلتكم نسيتوا نفسكم وافتكرتوا انكم تقدروا تهددوني، فملحوقه أفكركم مين هو رشدي…
اقترب نصف خطوة إضاف بتهكم: أنا كنت ساكت بس علشان مليش مزاج أخش في حوارتكم، وبالنسبة لماسة أنا عارف أحمي نفسي منها أزاى، بس أنتِ بقى هتعرفي تحمي نفسك مني إزاي؟
استدار وهو يتمتم محذرا: خلي حربك مع سليم أحسنلك، علشان أنا لو دخلت على الخط قسما بالله لازعلك جامد.
التفت بعينين مليئتين بالاحتقار: أنا عارف إنك بت سم، بس سمي أنا أقوى من سمك بكتير.
تحرك مبتعدا للخارج.
ظلت صافيناز تنظر إلى أثره بغضب مشتعل،
وجزت على أسنانها بعنف، حتى سمع صريرها في المكان، لكن سرعان ماتبسمت؛ فالمهم أنها عادت إلى المجموعة، ولن تسمح لواحد مثل رشدي أن يعكر صفوها، وكأن تهديده لا يشعرها بأي خوف، بل يوحي لها أن التخلص منه، إن أرادت، أسهل مما يتخيل!!
وصلت إلى مكتبها، فتحت الباب ودخلت وكانها تدخل إلى حصنها، توقفت للحظة في المنتصف، تتأمل المكان بنظرة سعيدة، وكأنها تستعيد قوتها، جلست على مكتبها، وأخذت نفسا عميقا، تعرف تماما أنه أعادها مجرد هواء، لكنها خطوة لا يستهان بها بالنسبة لها.
رفعت هاتفها واتصلت بعماد: إيه يا عماد، أنا في المجموعة، في المكتب، متقلقش، قريب اوي هقنعهم يرجعوك.
جاءها الرد من الطرف الآخر: المهم يا حبيبتي، إنك تثبتي وجودك، تبقي في المجموعة حتى لو مشتغلتيش فترة.
صافيناز بإبتسامة واثقة: أكيد، سلام دلوقتي.
أغلقت الهاتف، ونظرت حولها مجددا بابتسامه، ثم رفعت الهاتف الأرضي الخاص بالمكتب وقالت بنبرة عمليه: ألو، أنا عايزة كل التقارير لكل المشاريع الأخيرة الخاص للمجموعة، نص ساعة وتكون قدامي، وأطلبيلي قهوة
أغلقت الهاتف، وثبتت نظرها إلى الأمام، وتمتمت بخبث: هنشوف مين هيضحك في الآخر.
على اتجاه آخر عند رشدي
وصل إلى الخارج وهو ممسك بهاتفه، يضغط عليه بقوة وهو يجري مكالمة سريعة: ألو صباح الخير.. بقولك إيه، لبسي جنة، أنا في الطريق، مع السلامة.
أنهى المكالمة ورمى الهاتف في جيبه بعصبية، توقف أمام سيارته، كان شوقي، ذراعه الأيمن، يقف في انتظاره. وحين رآه، أشار له بيده إشارة سريعة وحادة.
اقترب شوقي خطوة، منتصب القامة: أفندم يا باشا؟
مال برأسه قليلا، وخفض صوته، وعيناه تلمعان بحدة: عايزك تأب وتغطس، وتلاقيلي أي حاجة أمسكها على صافيناز وعماد، وخصوصا عماد…
ابتسم ابتسامه جانبية خبيثة وتابع: عماد أكيد وراه بلاوي، ولو دورت وراه هتلاقي كتير، أنا متاكد إن جدعنته مع صافيناز مش حب…
هز رأسه: أوامرك يا باشا.
استدار نصف استدارة، فتح باب سيارته، ثم توقف لحظة ونظر إليه من فوق كتفه: أنا هروح المشوار إياه، ظبط بقى.
اوما براسه: تمام يا باشا.
دخل سيارته، أغلق الباب بقوة، وأدار المحرك، وانطلق بالسيارة مخلفا وراءه صمتا مشحونا
على اتجاه آخر في مكتب سليم
جلس سليم خلف مكتبه، يركز في الأوراق أمامه، حتي قاطعه مكي وهو يمد رأسه من الباب قائلا بمزاح: فاضي ولا أجيلك وقت تانى
رفع رأسه، بإبتسامة واسعة فور أن رآه، ونهض من مكانه وهو يقول بنبرة مازحة: لو مش فاضي أفضالك، عامل ايه يا أبو أيد ونص وحشتني.
ضحك مكي وهو يحرك ذراعيه: لا خلاص بحرك إيدي اهو، رجعت بإيدين كاملين تاني.
اقترب منه سليم واحتضنه بقوة: حمد لله على السلامة.
بادله العناق بإبتسامة خفيفة: الله يسلمك، عامل إيه يا خويا؟
سليم وهو يشده: الحمد لله، أنت أخبارك إيه؟
جلسا معا، على المقاعد الأمامية للمكتب مقابل بعضهما: كله تمام
سليم بلوم خفيف: متأخرتش؟ مش كنت قايللك ارتاح، وخدلك إجازة شوية؟
تنهد وهو يميل بظهره على المقعد: ما أنت عارف، مبعرفش أقعد في البيت، وديت أمي عند خالتي وجيت علطول.
أومأ بقلق حقيقي: بس أوعى تكون لسة تعبان.
ضحك ضحكة قصيرة رجولية: يا راجل! أنا كنت باخد رصاص وبرجع الشغل تاني يوم، دي شاظية! أنا بس كنت محتاج أقعد مع أمي شوية.
مال للأمام بنبرة ودودة: طب وهي عاملة إيه؟ وحشاني، نفسي أعدي أشوفها.
مكي بابتسامه: الحمد لله تمام، هي كمان بتسلم عليك، وبتقولك تعالي علشان تعملك الأكل إللى بتحبه.
سليم بلطف: إن شاء الله هاجي أنا وماسة.
رفع مكي حاجبه بمداعبه: قولي صحيح إيه الأخبار الحلوة إللي أنا سامعتها دي؟ أطلقت سراحها أخيرا؟!
أسند ظهره على الكرسي، وابتسامة دافئة لمعت في عينيه: ده إللي كان لازم أعمله من زمان، أنت كان عندك حق، بس أن مكنتش بعمل كده زمان رخامه، كنت خايف عليها غصب عني.
اعتدل مكي في جلسته، واومأ مؤيدا بجديه وعقلانيه: أي حد يطلع من حادثة زي إللي خرجت منها طبيعي يعمل كده ومحدش يقدر يغلطك، بس إنت طولت في الأزمة، غير إنك كنت رافض تروح لدكتور يساعدك تعدي إللي حصل وحاجات كتير دخلت في بعض…
أضاف وهو يركز النظر في ملامحه بإصرار: وهفضل أقولك، أنتم الاتنين غلطانين، لو إنت غلطت بخوفك الزياده، هي غلطت بردة فعلها..
تنهد سليم، وبسمة صغيرة ظهرت على ملامحه: سيبك من إللي فات وخلينا في دلوقتي، أنا مبسوط، حتى الدكتور ياسر مبسوط بالتقدم إللي حصل.
مكي بصوت مهتم: طب أحكي إللي حصل بالتفصيل؟
اومأ برأسه بابتسامه، وبدأ يسرد له ما حدث في فتره غيابه، والسعادة تخرج من عينه: مفيش بعد المشكلة إللي حصلت والصمت إللي كنت فيه اتعاتبنا شوية، راحت ماسكة فازة وكسرتها وقالتلي لو صلحتها هديك فرصة تثبتلي انك اتغيرت وتستاهل، واتفقنا ناخد أسبوع، وإني أوريها إن إللي اتكسر ممكن يتصلح ويرجع أحسن.
عاد بظهره على المقعد، وتابع على نفس ذات الوتيرة بعقلانية: مكنش في دماغي وقتها طريقة، بس وأنا في الورشة بصلح الفازة حسيت إن الهدايا والحاجات المبهرة مش هي الحل، حسيت لازم تشوف إني اتغيرت بجد، وأول خطوة روحت اعتذرت لأهلها.
اتسعت عينا مكي بدهشة: بجد؟! إنت وصلت للمرحلة دي؟!
اوما براسه، وهو يزم شفتيه بأسف: بس عمار ويوسف وسلوى مقبلوش الاعتذار، وسبت ماسة تتحرك براحتها وتسوق العربية تروح الجامعة، والحراس معاها من بعيد.
ابتسم مكي برضا حقيقي: جميل أوى، طب إنت حاسس بإيه بقى؟
سليم بإبتسامة أمل: فرحان لكن برضه مش عايز أطير عايز أفضل واقف على أرض ثابتة، ومتجاوزش الخط الأحمر علشان لو حصل حاجة، متوجعش زي وقت فقدان الذاكرة.
اومأ مكي بتأييد: عندك حق، ربنا يصلحلكم الأحوال بإذن الله.
أشار سليم بيده بتوضيح: بعد كده، أنت إللي هتبقى معايا وعشري مع ماسة.
اومأ برأسه بإيجاب ثم قال بحماس ومزاح: بقولك ايه ماتيجي ماتش بوكس النهاردة، لو كسبتك تعزمنى على كباب.
رفع حاجبه: طب لو أنا كسبتك.
ضحك بثقة: لا أنا ناوي أضربك علشان اخد حقي، فهكسب.
ضحك سليم: اتفقنا…
ثم صمت لحظة، ورفع يده يحك رقبته بتردد، قبل أن يتنهد: بقولك إيه في حاجة كده حصلت، كنت ناوي أصلا أجيلك عشان آخد رأيك فيها، مش عارف أنا مدي الموضوع أكبر من حجمه ولا هو فعلا بالحجم ده.
نظر له بإهتمام، وقد شعر بإرتباكه: خير في ايه؟
تنفس بعمق، وقال: أول امبارح، لما رجعت من المجموعة لقيت ماما سعدية موجودة وأنا داخل سمعتها بتقول لماسه «قولي لسليم على إللي عمله معاكي رشدي!»
ضيق مكي عينيه: رشدي؟!
هز راسه ايجابا بشك: آه ولما سألتها، قالتلي إنها كانت بتتكلم عن الفستان، إللي هتحضر بيه الفرح…
توقف لحظة، ثم أكمل بجدية: أنا طبعا مقتنعتش بالكلام دى، وارتباكها، وخوفها، ونظراتها، أكدوا لي إن في حاجة غلط، ولما سألت سلوى هي كمان اتوترت أوي.
عقد مكي حاجبيه: طب لو رشدي مضايق ماسة، هتخبي ليه؟ وهيشوفها فين أصلا؟
زفر بإختناق قائلا بحيرة: ما هو ده إللي محيرني، ممكن مقالتش علشان خايفة إني أعمل حاجة، مش عارف تفتكر ممكن يكون حاول يتحرش بيها لما كانت في القصر؟!
هز رأسه سريعا: لا يا عم متخليش دماغك تروح لبعيد يخاف أصلا بعدين بقلها يجي سنتين بره القصر.
سليم بحيرة: اومال هيكون عملها إيه وخايفة تقوله.
هز رأسه بتفكير: يمكن يكون شافها في الجامعة وغلس عليها، مش خطيبته مع ماسة في الجامعه، وارد يكون شافها هناك وعاكسها او قالها كلمتين من بتوعه، وهي مرضيتش تقولك علشان عارفه إنك بتغير، ومامتها طبعا بالنسبه لها حوار زى دى كبير وعيبه فطبيعي تقولها قولى لسليم، وسلوي أنت عارف إن ماسة مبتخبيش عنها حاجه.
رمقه بعدم اقتناع وهز رأسه بحيره: مش عارف، مش مقتنع!
مكي بهدوء: أصل هيتقابلوا فين غير كده؟ ماسة في أي مكان بتروحه، الحراس وراها، لو كان حصل حاجه كان حد من الرجاله بلغك، المكان الوحيد إللي ممكن يشوفها فيه هو الجامعة…
صمت لحظة ثم أضاف: وبصراحة، أنا شايف إن رشدي، رغم غلاسته القديمة، كان دايما ألطف واحد فيهم في تعامله مع ماسة، آخره كان بيغلس عليها قدامك عشان يضايقك شغل اطفال يعني، وبقاله فترة ماشي مظبوط. من ساعة ما اتعرف على البنت إللي هيتجوزها، يعني مش حاسس إن فيه حاجه من ناحيته نقلق منها.
ابتسم سليم ابتسامة باهتة بسخرية: رشدي ده أنا مضمنوش من هنا لبكره، ممكن يمشي عدل فترة ويرجع، أنا مش عايز أضغط عليها، خصوصا إني وعدتها..
تنهد وهو يهز رأسه برفض وأضاف: بس في نفس الوقت، مش مطمن، يمكن يكون مضايقها في حاجة، وسلوى اكدتلي إحساسي برد فعلها.
مكي بتهوين: صدقني والله هيطلع حوار تافه وأنت إللى مكبر الموضوع.
أطرق سليم برأسه: يمكن، بس برضه خليه تحت عينك، وحطلي كاميرات وميكروفنات في مكتبه.
ابتسم مكي، وهز رأسه موافقا بخفة: إذ كان على كده بسيطة ومحلولة، وبرضه علشان تطمن هراجعلك بنفسي الكاميرات بتاعة الجامعه واقولك إللى لقيته، أنا متأكد إن تخميني هيطلع صح.
هز سليم راسه بإيجاب، وساد بينهما صمت ثقيل، صمت رجلين يعرفان إن القلق الحقيقي لا يأتي من الواضح بل من الغامض
💕_____________بقلمي_ليلة عادل
القلج، 10:00صباحا
منزل الحاجة إسعاد.
وقفت جنة أمامها، ترتدي بنطلون جينز وبلوزة بيضاء وجاكيت بمبي، وشعرها منعكش بقسوة، وملامحها مكفهرة، وراحتا يديها تضغطان فوق صدرها بغيظ طفولي واضح.
جلست إسعاد على الأريكة، مسنودة على عكازها، تحدق فيها بقلق محبب وهي تقول بصوت متنهد: طب أعملك إيه يا جنة؟ رحمة في شغلها تعالي أعملك ديل حصان وخلاص.
هزت رأسها بقوة، برفض طفولى: لا أنا مش عايزة ديل حصان! عايزة أعمل تسريحة حلوة مليش دعوة!
رفعت إسعاد حاجبها، وفي صوتها نبرة تهديد لطيف: عيب يا جنة، والله لأكلم رشدي وأقوله ميجيش.
قفزت تجاهها بسرعة، عيونها تلمع محاولة تسترضيها: يا تيتة أنا بس عايزة أعمل تسريحة حلوة، علشان نتصور صور حلوة أنا ورشدي!
تنفست إسعاد ببطء: طب أعملك إيه طيب؟
جنة بلهفة: خلاص هروح لطنط رشا تسرحلي شعري.
لوحت إسعاد بيدها: استني أكلمها الأول.
ذهبت جنة إلى الشيفونيرة، التقطت الهاتف القديم وقدمته لإسعاد بحماس، أخذته منها، ضغطت الأزرار رفعته إلى أذنها: صباح الخير يا حبيبتي عاملة إيه؟ يا رب ما أكون صحيتك، لأ الحمد لله، معلش ممكن جنة تعدي عليكي؟ تسرحيلها شعرها، أصلها خارجة ورحمة مش موجودة، ربنا يخليكي هبعتهالك دلوقتي، سلام يا بنتي.
أغلقت الخط ونظرت لجنة: يلا روحي بسرعة، ومتتأخريش ومتعمليش شقاوة!
صفقت بفرح: ماشي!
فتحت الدرج، أخذت علبة بلاستيك مليئة بالتوك والشرائط.
هزت إسعاد رأسها وهي تضحك: هتاخدي كل التوك بتاعتك؟
جنه بتوضيح: أيوة يمكن نعمل تسريحة صعبة وتحتاج كتير!
أشارت إسعاد نحو الباب: روحي ومتقفليش وراكي، مش هقدر اقوم تاني.
جنة: حاضر يا تيتة.
خرجت تقفز من الفرحه، وبقيت إسعاد تشغل التلفزيون، تحاول تتسلى وتقتل وحدتها.
بعد دقائق سمعت خبط خفيف على الباب.
إسعاد بصوت مرتفع: خشي يا جنة الباب مفتوح!
لكن الذي دخل رشدي، بابتسامة واسعة وصوت هاديء: صباح الخير يا حاجة.
رفعت عينيها، وانفرجت ملامحها ابتسامة: تعالي يا ابني اتفضل، جنة راحت عند رشا جارتنا تسرحلها شعرها، أصل رحمة مشغولة النهاردة.
اومأ برأسه: تمام، كمان شوية في ناس هيوصلوا، جايبين شوية حاجات للثلاجة، لو ناقصك حاجة قوليلهم.
إسعاد بدعاء: كتر خيرك يا ابني ربنا يوسع عليك يارب.
وقبل أن تكمل حديثها، فتحت جنة الباب بقوة، وما إن رأت رشدي حتى صرخت بصوت يطير من الفرحة: رشــدي!
ضحكت إسعاد وهي تشير لها: عيب يا جنه، مش قولتلك قولي بابا رشدي.
رشدي بابتسامه، وهو يفتح ذراعه لها: سيبيها تقول إللي هي عايزاه.
ركضت جنة عليه وحضنته بقوة، ضحك بخفة وهو يبادلها العناق ويربت علي شعرها المصفف: يا سلام إيه التسريحة الحلوة والهدوم الجميلة دي؟
مسك يدها الصغيرة بلطف: يلا بينا، عشان نخرج، قولي لتيتة باي.
شبكت أصابعها في يده، والتفت ملوحه بسعاده: باي يا تيتة!
خرجا معا، فتح رشدي باب السيارة، ومال بجسده يساعدها على الصعود، انحنى يربط لها حزام الأمان، ثم التفت وجلس بجانبها وأدار المحرك، لتبدأ السيارة في التحرك ببطء
كانت جنة تتمايل في الكرسي بحماس لا يهدأ، قدماها تتحركان فوق بعضها: هتوديني فين يا رشدي؟
سألها وهو يركز عينه على الطريق: أنتِ مفطرتيش، صح؟
هزت رأسها الصغيرة: لأ.
تساءل وهو ينظر لها بطرف عينه: طب عايزة تكلي إيه؟
قالت باعتراض: أكل إيه هو ده وقته، وديني الملاهي!
ضحك، وهز راسه بخفة: يا بنت بطلي لماضة نفطر الأول، وبعدها نروح الملاهي ونلعب براحتنا.
قطبت حاجبيها لكنها وافقت: ماشي، بس أنا مش عايزة فول وطعمية والنبي يا رشدي.
ابتسم وهو يرمقها من زاوية عينه: لأ مش هناكل فول وطعمية، هناكل أكل حلو.
صمتت لحظة، نظرتها راحت لملابسه وساعته، ثم سألت بفضول كبير: رشدي، هو أنت غني، ومعاك فلوس كتير؟
رفع حاجبه متعجبا السؤال، لابتسامة صغيرة ظهرت على شفايفه: أيوة غني ومعايا فلوس كتير.
ألتفتت له باندهاش طفولي: رحمة قالتلي إنك ساكن في قصر، زي إللي في التلفزيون، وأهلك زي أهل إنجي.
ضيق عينه باستغراب: مين إنجي؟
رفعت يديها بحماس وهي تشرح: إنجي! اللي في الفيلم! أهلها كانوا أغنياء وعايشين في قصر، وباباها حاجة كده بالشين..
رفعت راسها لأعلى وكأنها تتذكر ثم قالت: اه افتكرت، باشا
ضحك وهو يهز رأسه: أيوه، أهلي كده فعلا.
صمتت ثواني، ثم ضمت شفايفها، وقالت بعتاب طفولي: طب ليه متاخدناش نعيش معاك في بيتك الحلو؟ ليه سايبني أنا وتيتة في البيت الوحش ده؟
تجمد للحظة، ثم رفع يده ومسح على وجه، كأنه يزيح كلمة ثقيلة من على قلبه، فهو لم يتوقع أن يخرج منها ذلك الحديث!
أجابها موضحا بخفوت: علشان مينفعش تعيشي معايا، فيه حاجات البنوتات الصغيرين إللى زيك ميفهموهاش، وبعدين هو أنتِ البيت إللى عايشه فيه مش عاجبك، مش معاكي رحمه وأصحابك وناس كتير بيحبوكي هناك؟!
زمت شفتيها بحزن طفولى: هو البيت بتاعنا حلو، بس البيوت التانية أحلى، بيت طنط رشا أحلى، وبيت رحمة وداليا ونور صحابي أحلي، فيه بيوت كتير أحلي من بيتي أنا وتيته.
ظل يحدق في الطريق بصمت، وأصابعه شدت على الدريكسيون لحظة ثم ارتخت لكنه ظل صامتا، لا يستطيع ان يتفوه بكلمة أو يعلق.
جامعة المستقبل، 10:00صباحا.
جلست سلوي على إحدى الطاولات داخل الحرم الجامعي، تنتظر أحدهم، كانت كل بضع دقائق تنظر إلى ساعتها بقلق واضح، وبعد قليل اقترب منها طارق.
طارق بفتور: صباح الخير.
رفعت عينيها نحوه: صباح النور، اتأخرت كده ليه؟
جلس أمامها على عجل: أيام امتحانات بقي ومش فاضي، أنا أصلا يدوبك أقعد معاكي خمس دقايق بس.
تنهدت بضيق: أنت علطول مش فاضي!
رفع حاجبيه بإستغراب: تقصدي إيه؟
تنهدت ثم قالت بنبرة مكبوتة: أقصد إنك كل ماكلمك تقول مشغول، حتى اليوم إللي كنت زعلانة فيه بسبب موضوع ماسة مهتمتش، ولا حتى فكرت تكلمني وتشوف مالي.
رفعت صوتها قليلا: كأني ولا حاجة بالنسبة لك.
رد وهو يمسك هاتفه، يرد على إشعار عابر وكأن الحديث معها تفصيلة لا تستحق الانتباه: علشان الموضوع حسيته بسيط
ضحكت بسخرية مريرة: بسيط؟!
تابعت بوجع: طب لما أخدت جايزة وطلعت من أفضل المصممات؟ برضو مهتمتش تقولي مبروك.
هز كتفيه بلا مبالاة: هي أول مرة يعني؟! وبعدين دي اكسسورات مخترعتيش الذرة يعني يا سلوي…
تابع بنفاد صبر: وبعدين أنتِ بتطلبي مني اهتمام، وأنا اصلا مش حاسس إني حاجة بالنسبة لك.
تجهم وجهها: مش حاجه بالنسبة لى أزاى يعني؟
قال بنبرة معاتبة حادة: يعني أنتِ بتطلبي اهتمامي وأنتِ أصلا مش مهتمه بيا !!
نظرت له بتهكم متعجبه: اومال مين إللي دايما بيتصل؟ مين إللي كل شوية يسأل ويهتم؟ ده أنا كل ما اكلمك تقولي مش فاضي مشغول.
تنهد بختناق: أنا مبحبش كلام التليفونات، وبمل بسرعة..
ثم نهض من مكانه معتذرا: معلش يا سلوي مش هقدر أقعد أكتر من كده عندى محاضرات، نبقي نتقابل مره تانيه.
سلوى ببرود موجوع: ماشي أنا كمان عندى شغل في المكتب لقضيه كبيرة شغالين عليها ومش فاضيه.
هز رأسه بلا مبالاة: طب سلام.
تركها، وتحرك مبتعدا بخطوات سريعة، فظلت تحدق في ظهره حتى ابتلعه الزحام بين الطلبة، أطلقت زفرة عميقة تحاول بها تثبيت أنفاسها المتخبطة.
وعاد عقلها، دون إرادة منها إلى مكي، تذكرت صوته حين يسألها باهتمام حقيقي رغم ضغطه الدائم، كيف كان يقتطع من وقته المزدحم دقائق ليطمئن عليها، لا ليبرر غيابه كما انه كان دائما حريص على تشجيعها في موهبتها
ضحكت بسخرية موجوعة، فالمقارنة جاءت قاسية، أقسى مما توقعت.
زفرت بضجر، تشبك أصابعها فوق الطاولة بقوة،
وعيناها تلمعان بمرارة ثقيلة، مرارة مقارنة لم تكن تريدها، لكنها فرضت عليها فرضا
برج القاهرة، 10:30 صباحا
المطعم الدوار.
جلس رشدي وجنة على أحدي الطاولات قرب الزجاج الواسع الذي يكشف القاهرة وهي تدور ببطء تحتهم، كان الفطور مرتبا بعناية أمامهما: كرواسون طازج، مربى وزبدة، وشرائح لانشون والجبنه الرومي، وعصير طازج، وتوست دافئ تفوح منه رائحة الخبز.
مد رشدي يده نحو الكرواسون وهو يبتسم بخفة، ونظراته تتحرك على وجهها بمرح: ها حلو الفطار ده ولا إيه؟
ضحكت وهي تمضغ قطعة توست صغيرة: حلو أوي يا رشدي، حبيته.
رشدي بإبتسامة واسعة: طب يلا خلصي كل ده.
هزت رأسها إيجابا، وهي تنظر حولها بإستغراب: هو المحل ده بيدور زى المروحة يا رشدي.
اوما بإيجاب: آه بيلف.
وضعت يدها على فمها وضحكت ببراءة طفولية بلهاء: يااه أول مرة أشوف حاجة كده!
ضحك ثم أشار لها نحو الطعام: يلا يا ست جنة كلي.
اومأت بطفوله، وبدأت تأكل بتلذذ، وعينها لا تترك المنظر المتحرك خلف الزجاج.
وبعد انتهائهما من الفطور، نهض وأخذها ليتجولا في البرج، وألتقطا صورا كثيرة وهي تضحك من قلبها كلما حاول أن يضبط زاوية الصورة.
ثم اشترى لها بالونات ملونة، وما إن أمسكتها حتى تركتها تطير للسماء وهي تصرخ منبهرة وتضحك.
بعدها خرج بها إلى الملاهي، وظل يلعب معها في الألعاب المختلفة وكأنه طفل مثلها
اخذا يدخلان لعبة ويخرجان لأخرى، يأكلان فشارا، ثم آيس كريم، ويضحكان بلا توقف، وكان يمسك هاتفه من وقت لآخر ليصورها وهي تركض أو تتأرجح، وكأن اللحظة نفسها أهم من الصورة.
قضى معها وقتا ممتعا وقتا صافيا، خفيفا، يشبه الجنة التي تحمل اسمها.
إحدى البواخر النيلية الكبيرة، 1:00ظهرا.
كان ضوء النهار ينساب عبر الزجاج الواسع، وينعكس على صفحة النيل الهادئة، فيمنح المكان طمأنينة خادعة.
جلست ماسة وسليم متقابلين على الطاولة يتناولان الغداء، بدت ماسة مستمتعة بالطعام، تأكل بشهية واضحة وارتياح.
ابتسمت وهي تتذوق لقمة جديدة: الأكل هنا تحفة بجد.
ابتسم برقة: ألف هنا.
صمت لحظة ونظر اليها بشرود، الكلمات التي سمعها عن رشدي، مازالت تضغط على صدره بثقل مزعج، يريد أن يفهم ويهدئ ضجيج أفكاره.
رفع نظره إليها فجأة: عشقي
همهمت بهدوء: اممم؟!
تنفس بعمق قبل أن يتكلم: كنت عايز اسألك على حاجة، وأتمنى تجاوبيني بصراحة.
رفعت نظراتها اليه، وهزت رأسها بابتسامه: أكيد.
توقف الزمن لثواني، ثم خرج السؤال مباشرا بلا تمهيد: رشدي عمل معاكي إيه يا ماسة؟
تجمدت ملامحها، وابتلعت ريقها بصعوبة، وظهر التوتر واضحا على وجهها: رشدي !؟
مال للأمام قائلا بجدية: أوعي تقوليلي مفيش، أنا سمعت والدتك بتقولك: «قولي لسليم على اللي عمله رشدي».
ازداد توترها، وشدت طرف فستانها بين أصابعها دون وعي… وو
تكملة الفصل
خرج السؤال مباشرا بلا تمهيد: رشدي عمل معاكي ايه؟
تجمدت ملامحها، وابتلعت ريقها بصعوبة، وظهر التوتر واضحا على وجهها: رشدي.!؟
مال للأمام قائلا بنبرة صارمه: وأوعي تقولي مفيش، أنا سمعت والدتك بتقولك ” قولي لسليم على اللي عمله رشدي…”
ازداد توترها، وشدت طرف فستانها بين أصابعها دون وعي، تخشى أن تبوح بالحقيقة الآن، قبل أن تتحدث مع الطبيب، فاختارت المراوغة بثبات مصطنع: ما أنا قولتلك وقتها يا سليم كنا بنتكلم عن الفرح.
نظر إليها بحدة هادئة: ماسة دي آخر مرة هسألك، علشان الأفضل أسمع منك بدل ما اعرف من بره.
رفعت حاجبها بضيق: انت بتهددني؟! إحنا رجعنا لنفس الأسلوب بتاع زمان؟
هز رأسه نافيا: أكيد لا، بس بقولك إني محتاج أعرف منك، علشان مينفعش نخبي عن بعض حاجة.
ابتلعت ريقها، وصوتها خرج مرتجفا رغم محاولتها الثبات: وأنا مش مخبية.
سألها بنبرة شك: متأكدة؟
هزت رأسها بارتباك: آه.
مد وجهه بعدم اقتناع: تمام، عموما أنا براقبه، وهعرف.
هزت رأسها وهي تتناول مافي الشوكة: ماشي.
قالتها، ثم أضافت في سرها بتمنى “يا رب تعرف فعلا”.
نظرت إليه محاولة تغيير مجرى الحديث: فاضل قد إيه على معاد الدكتور؟
نظر في ساعته: نص ساعة.
تركت الشوكة ومسحت فمها: طب خلينا نمشي.
سألها باهتمام: مش هتكملي أكلك؟
هزت رأسها باقضتاب: لا، شبعت.
هز رأسه بإيجاب، وعيناه معلقتان بها، يحاول قراءة ملامحها دون جدوى.
أشار للنادل، دفع الحساب، وتحركا معا نحو السيارة.
وخلال الطريق، ظلت صامتة، شاردة، والخوف يتصارع داخلها بين ما تنويه وما قد يكتشفه سليم فجأة.
وبلا كلمة، أمسكت يده، وأسندت رأسها على كتفه، كأنها تستمد منه الأمان والطمأنينة.
رمقها بطرف عينه بابتسامة خفيفة، لكنه أخفى خلفها قلقا عميقا لم يفارقه.
💞_______________بقلمي_ليلةعادل.
الملاهي، 2:00 ظهرا.
استقلت جنة على بطنها علي النجيلة الخضراء، ساقاها تتحركان في الهواء بخفه وهي تمسك الألوان بيديها وترسم بتركيز طفولي.
جلس رشدي على المقعد الحجري ينظر إليها بإبتسامة لا تفارقه.
رفعت رأسها فجأة بابتسامة واسعة، ونهضت وركضت نحوه وهي تمد له الورقة: بصي يا رشدي أنا رسمت ماما.
لانت نظراته وهو يرى الخطوط العشوائية: الله حلوة أوي يا جنة، شطوورة
جلست على ركبتيها تهز الورقة بفخر: أنا هشيلها مع بقية الصور، علشان لما ماما ترجع من السفر أوريها لها
هز رأسه بإيجاب بشرود، فعادت مرة أخري ترسم بحماس طفولي، كانت ترفع رأسها كل دقيقة لتريه ماذا تفعل، وتشير له بيدها كأنها تحكي قصة بالرسم، بينما هو ينظر لها بشيء أعمق من الابتسامة.
في أحد الكافيهات،2:00مساء
جلس لوجين وياسين متقابلين على طاولة جانبية تطل على الشارع، وأكواب العصير أمامهما
حركت لوجين الشفاطة بين أصابعها بعصبية خفيفة، قبل أن ترفع عينيها إليه باعتراض واضح: أنت إزاي اصلا وصلت الموضوع لكده؟ دي مامتها، ومن حقها تشوفها أنا مش معاك خالص في إنك تحرمها منها.
تنهد وأسند ظهره إلى الكرسي موضحا: ما خلاص، علشان نالا، هخليها تشوفها، فكرت كمان إن هبة تيجي تعيش معانا في الاستراحة.
تجمدت ملامحها، ومالت برأسها تتساءل بعدم استيعاب: أزاي يعني مش فاهمة!
اعتدل في جلسته، وبدأ يشرح بهدوء: بصي، القصر فيه استراحتين في الجنينة الخلفية، معمولين للضيوف فهتقعد في واحدة فيهم.
عقدت حاجبيها بتوتر: مفيش حل تاني؟!
مد وجهه وهو يهز رأسه برفض واضح، وقال موضحا: بصراحه أنا مش قادر أأمن لهبة، هي هتكون معانا ومش معانا في نفس الوقت.
نظرت إليه مطولا؛ الغيرة تلمع في عينيها رغم محاولتها إخفاءها، لم تكن قادرة على الرفض، فهي في أعماقها لا تريد لنالا أن تحرم من والدتها، لكنها كاي أمراء تغار، وايضا ربما اذا وافقت لم تظهر في نظر المجتمع ونظر هبه والاخرون انها خطافه رجاله !!
هزت رأسها بإيجاب خافت: مفيش مشكلة أنا مش مضايقة، بس خايفة تحصل مشاكل.
اقترب منها قائلا بنبرة مطمئنة: إن شاء الله الموضوع يعدي على خير، لحد ما البنت تكبر وتفهم، بس أهم حاجة متكونيش مضايقة.
هزت رأسها وأمسكت يده بإصرار: أبدا والله، المهم البنت تكون كويسة، وبعدين أنا هجرب ولو حسيت إني مضايقه، هتكلم معاك أكيد..
توقفت لحظة قبل أن تسأله: هتتكلم مع البنت إمتى؟
تنهد وهو يمرر يده على جبينه: هبة قالت هتشوف ثيرابيست نستشيره ازاى نقولها، فمستنيها ترد عليا.
أومأت برأسها بتفهم: تمام.
ثم ابتسمت فجأة، وأخرجت من حقيبتها كتالوجا وهي تمده له: تعالى بقي أوريك الحاجات اللي أنا اخترتها.
ابتسم بخفة: ماشي، بس وريني بسرعه علشان لازم أرجع المجموعة تاني، ورايا شغل اد كده، وبالمناسبة أنا محتاجك جدا.
اضاف بمزاح خفيف: البنت الجديدة مش مريحاني ولا فهماني خالص، وأنا عايز اخلص كل الشغل إللى ورايا علشان أبقى فاضي في الهاني مون
ضحكت بسخرية: بتهزر يا ياسين؟ هو أنا فاضية اجي اساعدك في المجموعه كمان؟! أنا مش بخش البيت غير الساعة12.
نظر لها برجاء: وحياتي هما الساعتين بس ونخلص فيهم كل حاجه.
توقفت لحظة ثم سألته: طب عايزني إمتى؟ أكيد مش بكرة.
فكر قليلا قبل أن يجيب: ممكن بعد بكره تمام؟
ابتسمت وهي تهز رأسها: أمري لله مضطرة أكسب فيك ثواب.
وأخذا يتبادلان العديد من الأحاديث بابتسامات دافئة.
عيادة الطبيب النفسي،3:00 عصرا.
جلست ماسة وسليم أمام الطبيب، كل منهما يحمل ما لا يقال ويتبادلون الأحاديث بهدوء.
بعد وقت
ابتسم الطبيب وأشار إلى ماسة وهو يقلب أوراقه: ممتاز جدا يا ماسة، المرحلة اللي وصلتي ليها، إنك تنامي في حضنه وتطلبي وجوده، ده تقدم كبير، وبالنسبة لوجود نقطة محدده أنتِ واقفة عندها ومش قادرة تتخطيها؟ هنشتغل عليها خطوة خطوة.
ثم التفت إلى سليم بتهذب: بس ممكن تسيبني مع مدام ماسة لوحدنا يا سليم بيه؟
وجه نظراته لماسه، ثم إلي الطبيب قائلا بضيق: هو كل مره هخرج وهتكملوا لوحدكم؟! هو أنا مش المريض بتاعك زى زيها؟!
ابتسم الطبيب بخفة وقال موضحا: أيوه يا مريضي المشاغب، بس أنا شغال معاك بقالى كتير، إنما هي لسه بادئ معاها فمحتاجه وقت مكثف وبخرجك علشان تبقي على راحتها وتعرف تعبر عن كل اللى جواها، ونشتغل على مشكلتها صح، ممكن بقي تتفضل برا شويه.
هز رأسه موافقا على مضض، ثم نهض وخرج إلى الواجهة الخارجية للعيادة، وجلس ينتظر، ونظراته معلقة بالباب بضيق لم يستطع اخفاؤه.
في الداخل
عقب خروجه وجه الطبيب نظراته إليها قائلا بنبرة مطمئنة: بصي يا ماسة عادى وطبيعي جدا لحد دلوقتي يبقي لسه بيجيلك فلاش باك من التروما اللي حصلتلك في الليله دي، بس أنا عايزك، كل ما تجيلك الفلاش باك دى، تقاوميها وتفتكري إن الراجل ده كان حبيبك قبل مايكون زوجك، وإنه كان مغيب في الليله دى، وإن دي مش الطبيعي بتاعه، وانه من بعدها مفكرش ابدا يرغمك على شيء انتِ مش عايزاه، وخطوه خطوه هتعدوا المشكله إن شاء الله.
أخفضت نظراتها بخجل وهي تلعب بأطراف ثوبها
فأضاف بنبرة هادئة مطمئنة: وبما إنكم نمتوا جنب بعض مرتين، يبقى جسمك خلاص ابتدى يكون ذاكرة أمان ناحيته، وعلشان نثبت ده، هنعمل شوية تمارين بسيطة.
*أول حاجة: الصبح أول ما تصحوا، قربي منه حضن خفيف، قبلة بسيطة، دي اسمها إعادة ضبط للاتصال..
*خلا اليوم: وأنتِ بتذاكري أو قاعدة خليه يقعد جنبك مباشرة، احتكاك خفيف كتف في كتف، أو إيده حوالين ضهرك، ده تمرين الوجود الجسدي المستمر.
*بالليل نفس الروتين: قبل النوم، حضن بسيط، أو إنك تنامي على رجله، أو هو يحط راسه على كتفك، المهم وجود لمسة ثابتة على مدار اليوم، الدعم الجسدي غير المزعج، ومجرد وجوده في محيطك بيساعد على تثبيت الإحساس بالأمان، وانك تقدري توصلي للمرحله اللي بعد كده..
كل الخطوات دي الهدف منها واحد: إن جسمك وعقلك يتعودوا على إن قربه طبيعي، وآمن، ومصدر راحة، ده بيحسن التوافق بينكم بشكل كبير.
ارجعت خصلات شعرها للخلف بارتباك خجول: والله يا دكتور حاولت كتير افتكر الحاجات الحلوة، وإن دي مش طبيعة سليم، بس لما حاول يبوسني، أنا ااا…
صمتت، وانخفضت عينيها أكثر: مقدرتش..
ابتسم بتفهم: ده طبيعي متقلقيش، وكويس إنك وقفتي لما حسيتي بعدم ارتياح، والموقف عدى معاكم بهدوء من غير جرح مباشر.
ثم تابع بهدوء محسوب: أنا بس حبيت أقولك الكلام ده بيني وبينك، علشان لو معرفتيش تطبقيه، سليم ميحسش إن في مشكلة، ولا إنه بيرجع لورا، أو إنه لسه واقف في نفس المكان، سليم حساس اوي، خصوصا في الجزئيه دي.
أومأت برأسها، وأخذت تفرك كفيها بتوتر، لا تعلم من أين تبدأ حديثها..
لاحظ الطبيب ذلك، فأغلق دفتر الملاحظات، ووضعه إلى جواره، ونظر إليها نظرة فاحصة: قولي لي بقى كنتي عايزاني في إيه؟ وليه طلبتى معاد امبارح؟
خفضت عينيها إلى الأرض، ثم رفعتها نحوه وهي تزفر ببطء: مش عارفة، امبارح كان جوايا يا شجاعة مش شبهي، يا خوف كبير اوي.
توقفت، وابتلعت ريقها: كنت عاملة زي الغريق اللي عمال يطبش ويدور على أي حاجة يمسكها علشان ميغرقش، مسكت التليفون وبعتلك الرسالة علشان أتكلم معاك، ولحد النهارده، نفس الإحساس كان موجود، بس أول ما جيت هنا خوفت ومبقيتش عايزة أتكلم.
لمعت عيناها بالدموع، وازداد اضطراب أصابعها، بينما كان الطبيب يراقب ملامحها بدقة، يدرس ارتعاش صوتها وحركاتها الصغيرة.
همست بنبرة مهتزة: مش عارفة أتكلم ولا حتى عارفة أقول إيه.
ثم أضافت بصوت منكسر: ومش عايزة أتكلم.
سألها بهدوء مباشر: طب إنتِ ليه خايفة تتكلمي؟
عضت على إصبعها، وهربت بعيناها من نظرته: علشان خايفة من العواقب.
عقد حاجبيه باستغراب: عواقب إيه؟!
تنهدت بعمق: عواقب كلامي.
صمتت لحظة، ثم قالت بسرعة وكأنها تحسم أمرا: بص أنا كل اللي عايزاه حاجة واحدة، تقولي إزاي أتعامل مع سليم بطريقة متخلوهوش يشك فيا، يعني لو سألني سؤال أنا مش عايزه أجاوبه متوترش، إزاي أبان ثابتة ومخليهوش يشك إن مخبيه حاجه؟
نظر إليها طويلا، ثم قال بنبرة حازمة: وليه كل دى يا ماسة؟ ليه تظهري حاجة مش حقيقية؟
رفعت رأسها بسرعة: علشان مينفعش.
أعاد فتح دفتر الملاحظات، وقال وهو يشير إلى الأوراق: طيب إنتِ كملتي الورق اللي طلبته منك؟! كملتي الكلام اللي مش عايزة تحكيه؟!
هزت رأسها بعنف، وصوتها خرج مبحوحا: لا، أنا مش مش عايزة اتكلم..
توقفت، ودمعة فلتت رغما عنها: أنا خايفة.
رفع حاجبا متسائلا: خايفة من ايه؟ومن مين؟! اتكلمي ياماسة، انا الدكتور بتاعك ومينفعش تخبي عني حاجة، علشان اقدر اساعدك؟!
اشاره بيديه مطمئنا، محاولا تشجيعها على التحرر من خوفها والافصاح عما يثقل قلبها: لازم تتكلمي، أنا حاسس إنك لو اتكلمتي حاجات كتير هتتغير، ومتأكد ان حل مشاكلك مع سليم انك تتكلمي وتقولي الجزء المفقود ده.
عضت على أظافرها بعصبية وتوتر: عارفة، بس خايفة، وسليم ممكن يسمعني.
ابتسم مطمئنا: استحالة يسمعك طول ما احنا هنا، الاوضه عازله للصوت.
ردت بسرعة، وكأنها تتخيل السيناريو: بس برضو افترض سمع، دي مجازفه
صمت للحظه بتفكير ثم قال: طب بصي، نعمل تجربة، قومي روحي عند الباب برا كأنك رايحة التواليت، وأنا هتكلم بصوتي العادي وشوفي هتسمعي ولا لأ.
رفعت وجهها بدهشة طفولية: بجد؟ نعمل كده؟
اومأ بتأكيد: أيوه، قومي يلا، علشان اثبتلك إن استحاله حد برا يسمع اللي بيتقال هنا.
نهضت بخطوات مترددة، خرجت وأغلقت الباب خلفها بهدوء حذر، ثم وقفت تلتصق بالحائط جوار الباب، وأمالت رأسها قليلا تضع أذنها عليه، تحركت عيناها في اضطراب، لتتأكد أنها اذا تحدثت لن يستمع اليها احد.
في الداخل، كان الطبيب يتحرك في الغرفة ذهابا وإيابا، يتحدث بصوت أعلى من المعتاد، وبالفعل لم يصلها شيء.
أغمضت عينيها لثانية، شعرت بالقليل من الراحه، ثم اعتدلت في وقفتها، كأنها تجمع ما تبقى لها من تماسك.
في الجهة الأخرى، كان سليم جالسا، وما إن لمحها حتى نهض تلقائيا وتوجه نحوها، لكن اختلاف الزاوية جعله لم يلاحظ انها كانت تتصنت.
اقترب خطوة، ثم توقف امامها قائلا بقلق واضح: ماسة مالك واقفة كده ليه؟! خلصتي؟
تجمدت مكانها لجزء من الثانية، ثم رفعت رأسها ببطء، وحاولت رسم ابتسامة عابرة على شفتيها، لكنها خرجت باهتة، غير مكتملة: لا لسه، بس خرجت علشان عايزه ادخل الحمام.
هز رأسه متفهما، فتحركت مبتعدة واتجهت نحو الحمام، وما إن دخلت حتى توقفت أمام الحوض، وغسلت وجهها بالماء البارد كأنها تحاول إيقاظ نفسها من دوامة خانقة.
رفعت رأسها ببطء، ونظرت إلى انعكاسها في المرآة؛ كان الصراع واضحا في عينيها، تنفست بعمق ثم همست لنفسها، بصوت بالكاد يسمع: أقوله؟ يمكن يساعدني.
ترددت، ثم هزت رأسها بخفة: طب ولو عرفوا إني اتكلمت..؟!
صمتت لحظة، وحدقت في عينيها: هيعرفوا منين بلاش غباء؟ كمان ممكن يقولي حلول وارتاح من القرف ده..
تنفست بعمق، كأنها تحسم معركة داخلها: هقوله، خلاص هقول.
خرجت من الحمام، وتحركت متجهة إلى الغرفة، لكنها توقفت فجأة حين رأت سليم يجلس على الأريكة، رفعت عينيها إليه بنظرة مرتبكة، كأنها تبحث داخل ملامحه عن قوة أو أمان.
التقت عيناهما لثواني، فرفع بصره إليها بابتسامة دافئة، بادلته الابتسامة، رغم ارتجافها الخفي، ثم واصلت خطواتها بصمت.
عادت إلى الغرفة، وجلست أمام الطبيب.
تساءل بهدوء: اتأكدتي إن محدش برا بيسمع اللى بيتقال هنا، يلا بقي اتكلمي، صدقيني كلامك هيريحك كثير.
نظرت إليه برجاء، وكل خلية في جسدها تنطق بالقلق: أنا هقولك، بس اوعدني، واحلف إن سليم مش هيعرف.
أجابها بهدوء: ماسة، اللي بيحصل هنا جلسة علاج، وخصوصيتك أمانة عندي، مفيش كلمة هتخرج برا المكتب ده وعد.
ابتبلعت ريقها: يعني مش هتقوله؟ مهما حصل، بالله عليك احلفلي.
شعر بخوفها الشديد، فهز راسه بخفوت واحترام: بوعدك كل كلمة هتقوليها هتفضل بينا.
رفع يده، بنبرة صادقة: أقسم بالله يا ماسة ولا كلمة هتوصل لسليم إلا بإذنك.
تنفست بعمق، ثم بدأت تروي له كل ما يخنق صدرها، روت كل شيء بتفاصيل موجعه؛ عن التهديدات التي طالتها وطالت عائلتها، وعن الخوف الذي رافقها في كل خطوة، وعن فترة هروبها بكل ما حملته من قلق وترقب، لم تفصل، لكنها قالت ما يكفي ليفهم أن صمتها لم يكن ضعفا بل حماية.
كان يستمع اليها باهتمام بالغ، وجهه ثابت، لكن لمحة صدمة خفيفة لمعت في عينيه، كشفت قسوة ماسمعه وحين انتهت، عم الصمت طويلا، كأن الغرفة ضاقت على أنفاسهما.
مد وجهه نحوها، وصوته خرج هادئا: مش عارف أقولك ايه يا ماسة، اللي قولتيه حقيقي صعب وصادم، وسليم لو عرف دلوقتي، رد فعله هيكون عنيف، هو لسه موصلش لمرحلة التوازن الكامل في علاجه، ولو عرف فجأة، ممكن يرجع خطوات لورا…
تردد قليلا ثم أضاف بنبرة حانية: وإنتِ نفسك، لسه مش مدياله الإحساس الكامل إنك سامحاه.
مسحت دموعها بسرعة وقالت بانفعال مرتجف: لأ، أنا مسامحاه، بس لسه بحاول أتعلم أتخطى الجزئيه اللي اتكلمنا فيها.
مال بجسده للأمام، وصوته خرج أكثر هدوءا وعمقا: فاهم قصدك، بس إنتِ محتاجة تبقي شجاعة، وفي لحظة ما، لازم تقوليله، خصوصا بعد اعتذار أخته..
رفع حاجبيه وأضاف بحذر: لأنها على حسب وصفك شخصيتها فيها غرور وكبرياء زيادة، ونرجسية، والنوع ده مبيستحملش الإهانة من غير رد فعل عنيف..
تنهد قليلا، ثم أكمل وهو ينظر في عينيها مباشرة: إحنا مش عارفين بتخطط لإيه، بس اللى أنا وأنتِ متأكدين منه إنها مش هتسكت.
أشار بيديه مطمئنها بعقلانيه: وأنا مش بقولك كده عشان اخوفك، انا بقولك كده عشان احنا بنفكر بصوت عالي في اصعب الاحتمالات، وعلشان كده لازم تأمني نفسك، سليم لازم يعرف، خصوصا إنك قولتيلي إنه شك من بعد اعتذارها، وطريق خوفك، وكمان لما سمعك بتتكلمي عن رشدي وبدأ يدور وراه.
توقف لحظة، صوته صار أكثر جدية: فخلاص، المسألة مسألة وقت وهيعرف، بس يعرف منك أحسن، علشان تقدري تسيطري على الموقف وقتها، لأن اللى هيعرفه نفسيا مش هيبقي سهل عليه أبدا.
أشار إليها بيده يمنحها القوة: لازم تبقي أشجع من كده يا ماسة، سليم هيحتاجلك جدا معاه علشان يقدر يتجاوز الصدمه دى.
قالت ببكاء من بين شهقاتها: أنا جبانة، سكوتي مش علشان نفسي، والله خوفي مش علشاني.
سألها بهدوء حذر: طب إيه أسوأ حاجة ممكن تحصل لو قولتي؟
خفضت رأسها، وصوتها خرج هامسا، مبحوحا: يقتلوا أهلي.
هز رأسه نافيا، وقال بعقلانية: معتقدش هيؤذوا أهلك، هما كانوا بيرهبوكي علشان يضمنوا سكوتك بس،
توقف لحظة، ثم تساءل بدقة: لكن مثلا لحد دلوقتي حد اتعرض لأهلك تانى، أو هددك تهديد مباشر من وقت رجوعك؟
مال لأمام قليلا وتابع: يعني إنتِ كنتِ بتخرجي، وكان ممكن أي حد يقابلك، ويهددك تاني، حتى في خطوبه رشدي كام ممكن يحصل تهديد واضح؟ حد قالك كلمة صريحة؟
هزت رأسها، وصوتها خرج مترددا: لأ محدش هددني.
صمتت لحظة ثم أضافت: بس النظرات كانت غريبة فيها حاجة تخوف، احساس مش فاهمة له سبب.
ابتسم ابتسامة مطمئنة، وقال بلطف: علشان هم لعبوا على مخاوفك، وعرفوا يدخلولك منين، نوع من انوع التلاعب النفسي علشان يسيطروا عليكي.
ثم أضاف بهدوء أوضح: لكن الحقيقة؟ سليم هو الشخص الوحيد اللي يقدر يحميكي، ويحمي أهلك فعلا…
تنهد ثم قال بنبرة حاسمة: متستسلميش للخوف، الخوف بيكبر جوه دماغنا، وبيضخم الحكاية ويحسسك إن حلها مستحيل، في حين إن ممكن يكون حل المشكله أبسط بكتير من اللي إحنا متخيلينه…
نظر إليها بثبات: أنتِ دلوقتي سبقاهم بخطوات، سيبيهم يفتكروا إنك خايفة ومترددة لكن الحقيقة إنك أقوى.
اقترب بصوته أكثر: لازم تفهمي لو قولتي، الخيوط هتبقى في إيدك، واللعبة هتتحول لصالحك.
نظرت إليه بارتباك، وقالت بصوت منخفض:حضرتك شايفها سهلة.
ابتسم ابتسامة واثقة: علشان هي فعلا أسهل مما إنتِ شايفاها، إنتِ اللي حابسه نفسك جوه خوفك.
أضاف بهدوء قاطع: وبعد ما باباك ومامتك عرفوا؟ خلاص جه الوقت إن سليم كمان يعرف..
توقف لحظة وسألها مباشرة: هتسكتي ليه تاني؟
أخذت نفسا عميقا، كأنها تجمع شتات نفسها: حضرتك عندك حق، بس أنا كل ما أحاول اقوله، الخوف بيشل لساني ومش بقدر اتكلم.
تنهد قليلا قائلا بنبرة هادئة: لازم تحاربي خوفك يا ماسه وتتحرري من القفص اللى حابسه نفسك فيه، صدقيني 90% من نجاح علاقتك بسليم هو انك تتكلمي، 100%من حمايتك وحمايه اهلك هو انك تحكيله مش العكس ابدا زي ما هم اوهكوكي، هم للأسف لعبوا على خوفك وعلى كبريائه، وأنت لازم تكوني أشجع من كده وتحكيله كل حاجه.
هزت رأسها ايجابا بتوتر، فأضاف بمهنية: دلوقتي سليم هيدخل، هتكلم معاه شوية، وبعدها هتدخلوا سوا نعمل شوية تمارين ونكمل الجلسة.
هزت رأسها موافقة.
أشاى للباب بلطف: من فضلك اخرجي وقولي لسليم يدخل.
خرجت بخطوات ثابتة، رغم الارتباك الواضح على ملامحها، وما إن وقعت عينا سليم عليها حتى توقف، يراقب وجهها بدقة: خلصتي؟
هزت رأسها بارتباك: أه الدكتور عايزك علشان جلستك.
ركز النظر في ملامحها: مالك؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة مرتبكة: مفيش أنا تمام، هستناك.
ابتسم لها ووضع قبله على عينيها، ثم ترحك إلى المكتب، وأغلق الباب خلفه وجلست هي مكانه متوتره بشده تحاول أن تهدا وتفكر كيف ستخبر سليم بذلك الخبر الذي سيقلب حياتهم رأسا على عقب.
على اتجاه اخر.
دخل سليم بخطوات هادئه، استقبله الطبيب بابتسامة هادئة: أهلا بالمريض المشاغب، دخلتك انت كمان نتكلم لوحدنا اهو علشان متقولش إني بهملك، مبسوط كده؟
ضحك بخفوت وقال موضحا: مش قصدى والله اتهمك بالتقصير بس استغربت.
تساءل الطبيب بهدوء: عارف، المهم احكيلي، إيه أخبار الفرصه، حاسس إنك بتقرب للنجاح؟
هز رأسه بتاكيد وثقه: اه جدا.
هز راسة بابتسامة راضية: عموما اللي إنت ماشي عليه صح جدا، قولي بقي انت كسليم ايه أخبارك؟!
واصل الطبيب الجلسة مع سليم، ليس فقط لتصحيح العلاقة بينه وبين ماسة، بل أيضا للعمل على حالته النفسية الخاصة، ومساعدته على فهم نفسه وكيفية التحكم في ردود أفعاله ومشاعره.
بعد قليل، دخلت ماسة وجلسوا معا، بدأ الطبيب يوجههم لبعض التمارين العملية لتعزيز الأمان والتواصل، مع التركيز على اللمس البسيط، ولغة الجسد، والحركة الطبيعية، شرح لهم كيف يتعاملوا مع أي توتر أو خوف يظهر، وكيفية التعامل مع الأفكار التي تراود ماسة، وكيف يمكن لسليم أن يساعدها على تخطيها خطوة بخطوة.
استمرت الجلسة بهدوء، وتمرنوا على التمارين بتركيز، وكل خطوة ساهمت في بناء الثقة والراحة بينهما، وإرساء أساس متين لتقوية العلاقة وفهم كل منهما لنفسه وللآخر.
فيلا عائلة هبة،5:00مساء
غرفة نوم هبة
جلست على حافة الفراش، تضم كوب النسكافيه بين كفيها، أنفاسها متقطعة، ونظراتها شاردة لا تستقر على شيء، وعقلها يعج بأفكار متشابكة لا تعرف من أين تبدأ ولا إلى أين تنتهي.
زفرت بضيق، هل تذهب وتجلس في الاستراحة؟ أم تبقى هنا صامدة في مكانها؟ هزت رأسها ببطء، وكأنها تحاول طرد فكرة تعلم في أعماقها استحالتها.
هي تعرف أنها لا تستطيع الوقوف أمام تلك العائلة، لا تملك القدرة ولا القوة، كما أن وجودها بينهم أيضا كفيل بأن ينهكها، بنظراتهم وكلماتهم المبطنة وصمتهم الأثقل من الكلام.
مررت يدها على جبينها، وأغمضت عينيها للحظة تفكر أن الأهم الآن، هو مصلحة ابنتها.
تلك الفكرة وحدها كانت كافية لتجعل قلبها ينقبض، تفكر أنه ربما بعد فترة حين تهدأ الأمور، يسمح لها ياسين أن تأخذ ابنتها وتبتعد، مجرد أمل تتشبث به كي لا تنهار.
ومن جهة أخرى هناك شعور مرير يضغط على صدرها؛ تشعر أنها إن ذهبت وجلست بينهم، فإنها تتنازل، وتمنحهم إحساسا بانكسارها وضعفها، وكأنها تعترف دون كلام بأنها الطرف الأضعف.
وفجأة مر طيف فايزة في ذهنها، فازداد توترها، تخشى أن تستغل ذلك، وتمارس سلطتها الخفية عليها او تضايقها بكلمات عابرة أو نظرات مستفزة.
فتحت عينيها ببطء، وحدقت في الفراغ بشرود، كانت عالقة بين خيارين، كلاهما موجع، وكلاهما يحمل ثمنا تعرف أنها وحدها من ستدفعه.
اثناء ذلك انفتح باب الغرفة ودخلت سامية بخطوات مترددة، وهي تتساءل بحذر: فكرتي في اللى ياسين قاله؟
رفعت عينيها ببطء، وقالت بخفوت: لسه مش قادرة آخد قرار.
تنهدت سامية، وجلست على طرف الفراش أمامها: أنتِ إيه مشكلتك يا هبة؟ مش المهم تعيشي مع بنتك؟
هزت رأسها وعيناها تلمعان بانفعال مكبوت: أيوه بس من غير إهانة.
رفعت سامية حاجبيها باستغراب: فين الإهانة؟ مهو قالك هتعيشي معززة مكرمة في الاستراحة، وبعدين كفايه عليكي إن بنتك هتبقي في حضنك ولو لفترة مؤقتة.
مالت نحوها، وخفضت صوتها: صدقيني، مراته مش هتتحمل وجودك، بس على الأقل الفترة دي يكون ياسين هدي، ولما يهدى، نبقى نتكلم تاني، اتنازلي شوية علشان تكسبي ثقته.
رفعت هبة عينيها إليها دون رد، فتابعت ساميه بعقلانية: أنتِ فاكرة إنك لما تفضلي هنا تبقي قوية؟ لأ، القوة إنك تعرفي تعيشي لحد ما الفرصة تيجي
توقفت لحظة، ثم أضافت بنبرة محسوبة: الاستراحة مش إهانة، دي ستارة نحتمي وراها، ونطاطي للتيار علشان نطلع كسبانين.
سحبت هبة يدها ببطء، وهمست بعناد مكسور: بس هحس إني بتنازل.
هزت سامية رأسها نفيا بسرعة: التنازل الحقيقي يا هبة إنك تخسري بنتك وتتحرمي منها.
مالت نحوها، وحدقت في عينيها مباشرة: أنتِ عارفة ياسين لما يعاند، سيبيه يهدى، ويتعود على وجودك من غير مشاكل.
تنهدت هبة بمرارة: وفايزة؟ وعزت والعيلة، هيسبوني في حالي؟!
ساميه بابتسامه خفيفه: ولا واحد فيهم هيستحملك، وده في صالحك، بس خلي الغلط يجي من عندهم بلاش أنت تبدأي بيه، وهما كل ما يتضايقوا أكتر، كل ما ياسين يحس إن في مشكلة، ووقتها هيخاف ع نفسيه البنت ويسبهالك، وده اللى محتاجينه.
رفعت هبة رأسها فجأة: ولو أذوني؟
شدت سامية على يدها: مش هيقدروا، أنتِ هتكوني ضيفة، وهتبقي تحت عين ياسين، وياستي لو تطاولوا معاكي قولى لياسين.
صمتت هبة، وبدأت عيناها تلمعان بالحيره.
فتابعت سامية، مستغلة اللحظة: روحي الاستراحة، اقفلي على نفسك أنتِ وبنتك، وعيشي من غير خناقات وردود، خليهم هما اللى يبانوا وحشين.
شدت هبة الكوب بقوة، وارتجفت شفتاها قبل أن تنفجر كلماتها باشمئزاز: يا مامي أنا بكرهم، بكره العيلة دي، ونفسي أفضحهم، والله ساعات بفكر ادور وراهم وأمسك دليل على الحاجات اللى عرفتها عنهم، واساومهم بيها.
تصلبت ملامح سامية واتسعت عيناها بخوف: علشان يقتلوكي؟
رفعت هبة رأسها بعناد، ونظرتها حادة متحدية: لا، وقتها هتحصن بالشرطة وبالناس.
ضربت سامية كفا بكف، وأشارت بإصبعها بعصبيه: هبة! بطلي جنان، أنتِ فاكرة الموضوع سهل؟ ولا فاكرة الشرطة متعرفش؟ دول رجالتهم يا حبيبتي.
لان صوتها، وربتت على كتفها بحنان: ربي بنتك يا هبة، وركزي دلوقت تكسبي ثقة ياسين، والحاجات اللي في دماغك دي انسيها.
رفعت هبة عينيها في صمت، وكأن بداخلها شيء آخر يتشكل، شيء لم تنطق به بعد،
هبة بهدوء غير معتاد: عموما بكرة هكلمه، أبلغه قراري، ونروح للدكتور علشان نبلغ البنت الخبر.
تأملتها سامية طويلا، شعرت بالقلق يتسلل إلى صدرها من ذلك الهدوء الغريب، لكنها لم تعلق، فقط رفعت كفيها للسماء وهمست بصدق ممزوج بالخوف: ربنا يهديكي يا هبة.
قلبت هبه وجهه وصوتها الداخلي يعلو رغم سكون ملامحها: والله ماهسيبهم وهاخد حقي.
تسللت نبرة وعيد إلى أفكارها، باردة وثابتة: اصبروا عليا، يا عيلة الراوي، يا أنا يا أنتم.
ظل وجهها جامدا، لا يفضح شيئا، بينما كانت العاصفة الحقيقية تتكون في صدرها، تنتظر اللحظة المناسبة للانفجار
سيارة سليم،5:00مساءا
جلست ماسة في المقعد الخلفي إلى جوار سليم، بينما جلس عشري بجانب السائق، كانت ما تزال متوترة، تحاول أن تجمع شتات نفسها، وأن تضبط أنفاسها، لكن القلق كان واضحا في عينيها.
التفت إليها يراقب ملامحها بهدوء: أنا قولت نروح الأول نشوف فستانك، وبعدين نروح العلاج الطبيعي.
هزت رأسها بخفة: تمام.
نظر إليها بعد لحظة صمت، وابتسامة جانبية ارتسمت على شفتيه: قعدتي ساعة مع الدكتور، كنتوا بتتكلموا في إيه كل دى؟!
نظرت له بمكر خفيف: ده سر.
رفع حاجبه مستنكرا: طب ما أنتِ بتسأليني وأنا مبخبيش حاجة عليكي.
تنهدت بمشاكسه: هو قالي مقولش، وبعدين قالي على شوية تمارين نعملها، وقال كمان إننا نتعود نرجع ننام جنب بعض تاني من النهارده.
توقف لحظة، ابتسم بدهشة صادقة: بجد؟
أومأت بثقة: أيوه، وأنا موافقة.
نظر إليها بعمق وقال بنبرة جادة دافئة: المهم تكوني حابة ده من جواكي، مش مجرد..
لم تتركه يكمل، وضعت إصبعها برفق على شفتيه: أنا عمر قربك ما يضايقني يا سليم.
أغمضت عينيها، واسندت رأسها على صدره، وكأن العالم كله اختفى، فقط هنا، بين ذراعيه، تخمد النيران، ويهدأ القلب، ويشعر المرء أنه أخيرا في المكان الذي ينتمي إليه.
توجهوا بعدها إلى أحد الأتيليهات.
اختيار الفساتين كان بالطبع من نصيب سليم؛ لم يترك لها الحرية كاملة، كان يختار بدقة، يتحكم في الاتساع والطول.
بعد الانتهاء، توجهوا إلى مركز العلاج الطبيعي، بدأ سليم جلسة العلاج لقدمه وظهره، وكانت ماسة بجواره، تدعمه بابتسامة هادئة، تمسك يده وتشجعه في صمت.
وأثناء توجههم لتناول العشاء في أحد المطاعم، رن هاتف ماسة كانت سلوى، تغيرت ملامحها قليلا وهي تنهي المكالمة، ثم التفتت إلى سليم: سلوى في الفيلا، مستنياني.
زفر بهدوء، ثم أومأ: خلاص، نروح علطول.
تحركت السيارة من جديد، تاركة خلفها يوما كان من الممكن أن يكتمل، لولا مكالمة واحدة.
💞________________بقلمي_ليلةعادل
على اتجاه آخر
عند جنة ورشدي، بعد يوم كامل في الملاهي، ذهبا سويا إلى السينما، شاهدا فيلم كرتون، وتناولا الفشار، كانت جنة في غاية السعادة، تضحك وتستمتع بكل لحظة من الفيلم، ثم توجها معا إلى المنزل.
سيارة رشدي
جلست بجانبه، يبدو عليها الإرهاق وهي تتثاءب: وهنخرج علطول كده يا رشدي؟
نظر إليها مبتسما: أكيد، بس أنا مسافر الفترة الجاية، بعد كده هجيلك علطول.
همست وهي تفتح وتغلق عينيها بصعوبة: تيته ورحمه قالوا لي إنك هتتجوز.
ابتسم وهو ينظر لها: أيوه فعلا هتجوز.
تبسمت له برجاء: طب لما تتجوز، خدني أنا وتيته نعيش معاك؟
نظر إليها مطمئنا: إن شاء الله، المهم إنبسطتي؟
ابتسمت بحماس: أوي يارشدي، ابقى خلينا نخرج كده علطول مع بعض.
أجابها بهدوء: حاضر.
وبالفعل أكمل قيادة السيارة، لكن جنة لم تستطع البقاء مستيقظة أكثر، فغلبها النعاس، عند وصولهم، حملها برفق، ودخل بها المنزل، وضعها على الفراش، وغطاها، ثم خرج بهدوء.
فيلا سليم وماسة،7:00مساءً.
ترجلوا من السيارة، وخلفهم الحراس يحملون شنط وكان مكي واقفا في انتظارهما أمام باب الفيلا.
ما إن وقعت عينا ماسة عليه حتى ابتسمت تلقائيا وقالت بلطف: ايه دى أنت رجعت؟ حمد لله على السلامة.
بادلها الابتسامة: الله يسلمك.
نظرت الى ذراعه وتساءلت باهتمام: دراعط عامل إيه دلوقتي؟ أحسن؟
حرك كتفه بخفة: آه الحمد لله، متقلقش كله تمام.
ابتسمت بود: حمد لله على سلامتك مرة تانية، نورت والله
اومأ برأسه بابتسامه دون رد، فنظرت لسليم وقالت بهدوء: أنا هدخل بقى علشان سلوى.
هز رأسه ايجابا، فتابعت خطواتها إلى الداخل وخلفها الحارس الذي يحمل الشنط.
نظر مكي لاثارها ثم تساءل باستغراب: هي سلوى جوه؟
اومأ برأسه: آه من شويه، متعرفش ولا إيه!؟
هز رأسه: لا، أنا كنت بظبط مكان التدريب ورا علشان نبدأ الماتش، ومخدتش بالي..
ثم اضاف بحماس: بقوللك إيه؟ أنا مجهز نفسي للماتش، وحضرت المكان، يلا بينا..
رفع حاجبه ضاحكا: ده أنت مستعجل اووي!
ضحك متحديا: جدا
سليم: طب هروح أغير هدومي وأجيلك.
مكي باعتراض وهو يمسك يده: أنا محضرلك كل حاجة هناك، يلا ولا خايف تخسر كالعاده؟
انفجر سليم ضاحكا، وهز رأسه باستسلام وتحرك معه.
علي الجانب الآخر
دخلت ماسه بخطوات ثابته، ثم توقفت فجأة حين رأت سلوى تجلس في انتظارها.
رفعت حاجبيها وقالت بنبرة ثابتة: إيه؟ جاية تكملي وقاحتك؟
وقفت واقتربت منها، بأسف صادق: أنا جاية أعتذرلك.
اهتزت ملامح ماسة، وتجمعت الدموع في عينيها رغما عنها.
اقتربت منها سلوى وأمسكت يدها برفق، ودموعها لمعت بعينيها: جاية أعتذرلك على الكلام اللى قولته، بس لازم تفهمي إني قولت كده من خوفي عليكي، ومن زعلي…
صمت لوهله واضافت بمرارة: أنت قلبك كبير وبتسامحي، ويمكن تقدري تبرريله، بس هو غلط في حقك وفي حقنا، وأوعي تقوليلي الكلمتين اللي قولتيهم قبل كده، لأن هو كان ممكن يتصرف تصرفات تانيه كتير غير اللى عملها..
أخذت نفسا عميقا، ومسحت دموعها: عموما ده مش موضوعنا، أنا مش جاية غير علشان أصالحك وأقولك أنا آسفة متزعليش مني.
نظرت لها، والدموع تملع في عينها: أنتِ زعلتيني أوي يا سلوى، متوقعتش منك الكلام الوحش ده، ولا توقعت تقولي إني خنتكم.
أخذت نفسا عميقا وتابعت: وبعدين، أنا أخدت حقكم منه، أنتِ مش عارفة أنا عملت فيه إيه طول السنة اللي كنت محبوسة فيها! وصلته إنه يرفع مسدسه ويديهولي، ويقولي اقتليني، بس متعاملينيش بالمعاملة دي! أنا مخنتكمش يا سلوى…
صمتت لحظة، ثم أشارت إلى نفسها والدموع تهبط من عينيها بنبرة مهتزة: أنا بس فكرت لحد إمتى هنفضل كده؟ أنا بحبه، وهو غلط واعتذر، واتغير كتير، والفترة اللي فقدت فيها الذاكرة، خلتني أتأكد إنه يستاهل المسامحة، كلنا بنغلط يا سلوى، وهو مسكين، كل الناس اللي في حياته طعنوه واترابي غلط، أنا اخترت اسامح، اخترت النور، اخترت الراحه.
رفعت عينيها إليها، كأنها ترجوها أن تفهم: أنا مطلبتش منكم تسامحوه، مع إني بتمنى، بس على الأقل تتقبلوا اعتذاره، وتفهموني، بابا وماما لما سامحوه، مش علشان معندهمش كرامة زى ما بتقولى، لكن علشان فهموا إن المسامحة أرحم من الكره بألف مرة.
تنفست سلوى بثقل، ووجع هزت راسها: عندك حق، يمكن قلبك أوسع مني، بس أنا مش قادرة أنسى إنه كان السبب إننا نعيش محرومين منك سنة ونص، وإنك تعيشي ست شهور في الشارع وتتعرضي لكل اللي اتعرضتي له، غير اللي عمله فيكي وبسببه بقيتي مباحة قدام إخواته.
خفضت صوتها حتى لا يستمع لها أحد: وانتِ عارفة كويس اللي عملوه فيكي وفينا ده غير الحاجات تانية اللي عرفنها عن شغله.
أومأت بوجع وعتاب: فاهمه يا سلوى والله فاهمه، بس أنا مكنتش متوقعة أسمع الكلام ده منك، كان ممكن أسمعه من أي حد، إلا توأمي كان ممكن تقوليلي وتفهميني بطرق كثير بس انت اخترتي اكثر طريقه صدمتني.
هبطت دموع سلوى وقالت بندم واعتذر: انا آسفة يا ماسة، والله حقك عليا هتسامحيني ولا..؟
نظرت لها ماسة بدهشة محبة: انتِ هبلة؟! أكيد طبعا أنتِ أختي يا بنتي، توأمي.
وفي لحظة واحدة جذبتها إلى احضنها بقوة، واحتضنتا بعضهما، تبكيان، بكاء يحمل وجعا واشتياقا عميقا، وغفرانا أخيرا.
ابتعدت ماسة قليلا، تمسح دموعها بسرعة وهي تبتسم بضعف: خلاص بقى، مش عايزين نزعل من بعض تاني، ها؟
هزت سلوى رأسها بسرعة: أكيد.
أمسكت ماسة يدها برفق: طب تعالي نقعد.
سحبتها برفق إلى الأريكة، وجلستا جنب بعضهما.
تنهدت سلوى وقالت بنبرة خجلة: عارفة أكتر حاجة وجعتنى لما جيتي عندنا ومعبرتينيش، بس قولت برضو طبيعي حقك، أنا كنت قليلة الأدب اوي معاكي.
نظرت لها بصدق وقالت بلا تجميل: بصراحة متزعليش مني، كنتي تستاهلي.
ضحكت بخجل: عارفة…
ثم نظرت حولها تتأكد إنه لا يوجد احد حولهم، وانحنت قليلا نحوها واضافت بصوت منخفض: هتعملي إيه مع بابا وماما؟ والله العظيم غصب عني…
مسحت دموعها وقالت بقلق واضح: معرفش، أنا خايفة اوي بالاخص بعد ما خلى صافيناز تعتذرلي، حاسة إن الموضوع مش هيمر بالساهل حاسة..
تساءلت بدهشه وقلق: إيه دى هو خلاها تعتذرلك.
اومأت برأسها: أه امبارح، جابها هنا وخلاها تعتذرلي وتبوس إيدي كمان.
اتسعت عين سلوي بدهشه: بتهزري!! لا احكيلي.
ابتسمت بخفوت واخدت تروي لها ما حدث بالأمس، حتى حديثها مع الطبيب، وبعد انتهائها، تساءلت سلوي بارتباك: وأنتِ ناويه تعملى إيه؟ هتقوليله؟!
هزت رأسها بحيره وخوف: مش عارفة يا سلوي، نفسي أقوله بس خايفه، مش عارفه اعمل ايه!؟
ثم أضافت بتحذير: اسمعي أنا عايزاكي تاخدي بالك من نفسك ومن بابا وماما وعمار ويوسف، ولو حصل أي حاجة غريبة، تقوليلي فورا.
ترددت سلوي قليلا ثم قالت: حاضر، بس في حاجة حصلت.
اتسعت عينا ماسة بقلق: إيه؟
تنفست بعمق: سليم جالي الجاليري وسألني لو رشدي عمل حاجة فيكي، أنا اتوترت شوية، بس قولتله لا، مفيش حاجة.
هزت رأسها بقلق، وتمتمت: يا ربي أنا عارفة إنه مش هيبطل يسأل، طالما شك.
نظرت إليها سلوي بحيرة: مش عارفة أقولك إيه، بس قوليله وخلاص، وربنا يسترها.
تنهدت وتابعت: وأصلا بعد ما أمك وأبوكي عرفوا، وكمان سليم سمع عن رشدي، كده خلاص، الموضوع بقى واضح.
أومأت ماسه برأسها ببطء: عندك حق.
سلوي بتحذير وخوف: خدي بالك من نفسك يا ماسة، محدش عارف صافيناز ناويه تعمل إيه بعد اللى حصل.
ابسمت بخفوت: خير إن شاء الله، متقلقيش.
نظرت لها سلوى وامسكت يديها: طب بجد خلاص مش زعلانه مني.
نظرت لها بابتسامه وضمتها: أنتِ عبيطه، مستحيل ازعل منك.
ضما بعضهما بحب لثواني، حتى ابتعدت ماسه وهي تقول: تعالي اوريكي الفستان اللي اشتريته للفرح
سحبتها من يدها وتحركا لغرفه النوم.
على اتجاه آخر في الجزء الخاص بالتدريب، داخل حلبة المصارعة.
كان سليم ومكي يرتديان ملابس تدريب مناسبة، ويتبادلان اللكمات في مباراةٍ ودية في ظاهرها فقط؛ فحماسها كان حقيقيا وخشنا؛ اشتباك بالأيدي، مراوغات محسوبة، وتقدم وتراجع بلا هوادة.
تعالت أصوات اللكمات مع احتكاك القفازات، وعلى أرض الحلبة تبادلا الضربات في أكثر من جولة، كل منهما يختبر قوة الآخر بلا رحمة، لكمات متتالية، مراوغات سريعة، وأنفاس ثقيلة تتصاعد مع كل حركة، ومع كل اصطدام.
وكان النصيب الأكبر من الضرب والخسارة من حظ سليم؛ تلقى أكثر مما سدد، ومع ذلك لم يتراجع، ظل واقفا، عينيه ثابتتين، فكه مشدود، وكأنه يفرغ كل ما بداخله في تلك الجولات، لا يبحث عن الفوز، بل عن الخلاص.
مع انتهاء الجولة، تراجع مكي خطوة للخلف، يلهث وهو يخلع واقي الأسنان متسائلا بستفزاز: تعبت؟!
وقف سليم في منتصف الحلبة، يتنفس بعمق، وقال وهو يلوح بيده بثقه: لا، يلا جولة كمان.
نظر له من أعلى لأسفل، وقال بسخريه وهو يمسح العرق عن جبينه: شكلك هيبقى وحش هتبقي 6/2 كده
شد القفاز بيده وقال متحديا: ملكش دعوة يلا.
تبادل الضربات واللكمات بشراسة، حتى انتهت المباراة بفوز مكي مجددا.
ضحك مكي وهو يتوقف، بينما سليم ملقى على الأرض، يتنفس بصعوبة: قادر تقف ولا أوقفك؟
نظر له بتعب: إيدك تقيلة.
ابتسم وننظر له باستفزاز: بصراحة كان نفسي أعمل كده من زمان، فباخد حقي.
تنهد وهو يبتسم رغم التعب وهو يتوقف: ما أنا حسيت إنك بتنتقم.
ضحك مكي وهو يخلع الرباط عن يديه قائلا بمزاح: ده انا حتي كنت مخفف ايدي عشان لسه راجع من العلاج الطبيعي والعمليه.
ضحك سليم: كل دى ويخفف ايدك؟! مش عارف اشكرك ازاى والله، المره الجايه ابقي موتني.
ضحكا معا، حتي حل صمت خفيف للحظات.
تساءل سليم بجديه: بقولك إيه صحيح عملت إيه في موضوع رشدي؟
ابتسم مكي بثقه: ظبطت كل حاجة وركبت ميكروفنات وكاميرات في مكتبه زى ما طلبت، ومن بكره هحطه تحت المكرسكوب، النهارده طول اليوم كان برا.
هز سليم رأسه بإيجاب، وقد بدت عليه علامات الإرهاق: خلاص ماشي، أنا هروح بقى علشان تعبت، ولازم آخد العلاج.
ابتسم مكي بخفة وهو يربت على كتفه: ماشي، أنا من بكره هبدأ التوزيعات الجديدة.
أومأ سليم مرة أخرى، ثم استدار وغادر المكان.
في صالون الفيلا.
كانت ماسة وسلوى تجلسان معا، وضحكاتهما تتعالي بين الحين والآخر.
دخل سليم، وألقى التحية بهدوء: مساء الخير.
توقفت سلوى عن الضحك، ونظرت إليه بابتسامة ودودة: مساء النور.
أما ماسة فالتفتت إليه تتساءل بابتسامه: كسبت ولا خسرت؟
تنهد وحرك كتفيه بلا مبالاة مصطنعة: للأسف خسرت.
ابتسمت بخفة، ومدت يدها تمسح على ظهره بتشجيع: معلش، هو بيستغل إن بقالك كتير مش بتلعب بسبب رجلك ولسه مش في كامل صحتك، المره الجايه هتقطعه.
اومأ برأسه ضاحكا: إن شاء الله
ثم وجه نظراته إلى سلوى، وقد ارتسمت على ملامحه ابتسامة مهذبة: عاملة إيه يا سلوى؟ في سنة كام دلوقتي، صحيح؟
اعتدلت في جلستها وردت بحماس خفيف: أنا في سنة تالتة، والامتحانات الأسبوع الجاي.
أومأ برأسه: ربنا معاكي.
ثم التفت بعينيه نحو ماسة، وقال بصوت أهدأ: طب هسيبكم على راحتكم وهطلع علشان آخد شاور، وآخد العلاج.
هزت رأسها بإيجاب، فتحرك مبتعدا، وصعد الدرج بخطوات بطيئة حتى دخل غرفته وأغلق الباب خلفه،
بينما بقيت ماسة مع سلوى في الصالون، وعادت الأحاديث بينهما بهدوء، وتناولتا الطعام سويا، وهما يتبادلون أحاديث خافته وضحكات قصيرة.
ومع مرور بعض الوقت، استأذنت سلوى للمغادرة، فودعتها ماسة وهي تراقبها بعين شاردة، قبل أن يعود الصمت ليخيم على الفيلا من جديد.
في احد الكافيهات،7:00مساءً
نشاهد مي ورشدي يجلسان بجانب بعضهما، ويتبادلون الأحاديث
رشدي بتعجب: انا مش متخيل إتي بقيت بتحايل عليكي علشان اشوفك
مي موضحه: مشغوله مع لوجين خالص بجد ورانا حاجات كتير ولسه هنتقابل مع المصمم علشان نشوف الفساتين.
اعتدل رشدي فجأة، ومد يده باعتراض حاسم: لا أنا هجيبلك الفستان، ملكيش دعوة بلوجين، روحي معاها وهاتي كام فستان ليكي وللحنة والكلام ده، إنما فستان الفرح أنا هجيبه.
استقام ظهرها بدهشة: إزاي يعني يا رشدي؟ مش هينفع! طبعا.
لوح بيده بعناد: وإيه اللى مش هيخليه ينفع؟!
اتسعت عيناها وقالت موضحه: ده فستان الفرح، مينفعش العريس يشوفه.
قاطعها ضاحكا: اوعدك اني هتفاجئ وهتصدم وهيغمى عليا؟ خلاص بقي يا مشمش، أنا أصلا خلاص، بعدت أجيبه!
حدقت فيه بذهول: إمتى ده؟!
ابتسم بثقه: تاني يوم من موفقتك يا حبيبة قلبي، جبت مصمم وخليته يرسم لي كذا رسمة، لحد ماعجبتني واحد بعت وبيتنفذ دلوقت، مبييت عليه 3 ورديات، هفاجئك.
ضيقت عينيها مازحه: يا خوفي من مفاجأتك يا رشدي، يارب بس متنساش في التصميم اني محجبه.
ضحك عاليا: ميبقاش قلبك اسود بقي عيب، أنا بقيت بغير على فكره.
هز رأسها بقلة حيله: آه طبعا أنت هتقولى، بس افرض معجبنيش؟
لوى فمه بثقة: هيعجبك، ثقي فيا.
رفعت حاجبها باستنكار واضح: طب مش المفروض اقيسه علشان يبقي مقاسي؟!
عدل جلسته: أنا عارف مقاسك ويا ستي هيتظبط أنتِ مكبره الموضوع ليه!
نظرت له، بتزمر: هو ايه اللى مكبره الموضوع ليه، يا رشدي ده الفرح! بالله عليك مش هينفع جنانك ده أنت معملتهاش في الخطوبة.
صمتت للحظه ثم قالت بمهاودة: طب بص، نمسك العصايه من النص، أنا هروح مع لوجين وأختار فستان، علشان لو اللي أنت عملته معجبنيش، ألبس اللي أنا اخترته، اعتقد كدة تمام.
اوما برأسه: مفيش مشكلة، بس عموما اللي أنا هعمله هيعجبك، ولو معجبكيش هتلبسيه برضو كفاية إنه عاجبني!
ضربت كف بكف وهي تنظر له بغضب وضحك: يخرب بيت الكبرياء والغرور! مجنوون.
ضحك بثقة: أقسم بالله، لتتهبلي من جماله، ثقي فيا.
ساد الصمت للحظات، فنظر إليها مترددا، يريد مصارحتها بأمر إدمانه ولكنه لا يعلم من أين يبدأ حديثه.
تنفس بعمق، وقال بتردد: صحيح كنت عايزك في حاجه مهمه.
رفعت نظراتها له بحماس: آه الموضوع اللى قولت مينفعش في التليفون؟ طب قول علشان انا كمان عايز أحكيلك حاجه مفرحاني اووى.
ابتسم بخفوت: إيه إللى مفرحك؟!
هز رأسها: لا قول أنت الأول.
اومأ برأسه، وابتلع ريقه: هقولك بس قولى بس فيه إيه خير؟!
اجابته بابتسامه واسعه: مبسوطه علشان بطلوا يرخموا عليا في البيت، وجم اعتذرولي علشان زعلوني، وبقوا يعاملوني معامله الأميرات.
ضحكت بخفه وتابعت: علشان عروسه يعنى وكده، بصراحه اليومين اللى كانوا متخانقين معايا فيهم كانت فرحتي مكسورة ومخنوقه ومش عارفه افرح، لكن دلوقتي فرحانه اووى، وحاسه إن عايزه اعمل بلوك لأي حاجه تزعلني لحد بعد الفرح، أنت طلع عندك حق، أنا دلوقتي عروسه وافكر في الحاجات اللى تفرحني وبس.
انهت كلامها بتنهيدة، وكأنها تفرغ حملا، ثم رفعت عينيها إليه وقد لمعتا بفضول واضح: وأنت بقي كنت عايز تقول إيه؟
زاغت نظراته بعيدا، سرح ببصره للحظات، وهو يحاول ترتيب أفكاره، يريد أن يصارحها بما يثقل قلبه، لكنه تراجع أمام بسمتها وسعادتها التي تلمع في عينيها، لم يرد كسر فرحتها باعتراف كهذا حاليا، شعر أن الوقت ليس مناسبا؛ خاف من ردة فعلها على حقيقة قد تقسو عليها بشدة في وقت كهذا.
تضاربت داخله الرغبة في الصدق مع الخوف من العواقب، بدا مشتتا بشدة، عالقا بين الاعتراف والصمت.
زفر طويلا، ومسح وجهه: لا مفيش كنت هسالك على الديكورات، وصلت لايه؟! علشان مش متابع معاكي وكده.
اومات براسها: آه طبعا أنت وياسين ولا هنا وسايبنا محتاسين لوحدنا، شاطرين بس تدبسونا في أسبوع.
ابتسم بخفوت، ابتسامه باهته: أنا واثق في زوقك يا مشمش، وريني اخترتي ايه.
ابتسمت واخرجت هاتفها وجلست وبجانبه تريه ما اختارته بحماس، بينما هو ظل ينظر لها بطرف عينها بشتات بين نار وجنه لا يعرف ماذا يفعل
سطح أحد المنازل، 11:00مساء.
توقف محمود وتوتو عند السور، المكان شبه مظلم إلا من لمبة صفراء خافتة، الهواء بارد، ومحمود يحرك قدمه بتوتر واضح، بينما توتو يحاول تهدئته.
توتو وهو ينفخ دخان سيجارته: يا عم متقلقش خمس دقايق وهتلاقي طه بيتصل.
هز محمود رجله بعصبية: اتأخر يا توتو، هو قال هيتكلم على الساعة 5 دلوقتي عدينا 11بالليل ومتكلمش!
قطع توترهما صوت خطوات سريعة على السلم، ظهر طه وهو يقتحم المكان مرعوب وبيرتعش، وأنفاسه عالية
اتّسعت عينا محمود وتوتو، واندفع محمود يسأله بخوف: فيه إيه؟!
طه بصوت متقطع: البوليس كبس، ومسك العيال والبضاعة راحت!
انتفض محمود صارخا: يا نهار أسود! الله يخرب بيتك على بيت معرفتك!
احتقن وجه طه: وأنا مالي يا عم؟! ما أنا زيي زيّك! أنا كمان حاطط 50 باكو!
صرخ محمود وهو يمسكه من ياقه القميص: أنا مال أمي بيك، أنا هعمل إيه في فلوس الراجل؟!
تدخل توتو محاولا الفصل بينهم: خلاص يا محمود سيبه، هيعمل إيه يعني؟! المهم دلوقتي الموضوع بعيد عننا يا طه ولا لأ؟
تنفس طه بصعوبة: متقلقوش اسمنا مش ملطوط، حتى لو العيال قروا ميعرفوش غير اسمي، وقتها هقول معرفش، محدش ماسك ورقة علينا.
جلس محمود على الكرسي وهو يدفن وجهه بين يديه بندم: الله يخرب بيتكم، أنا غلطان إني سمعت كلامكم، أعمل إيه دلوقتي؟! أعمل إيه مع الحاج ومع الزعيم؟!
وضع توتو يده على كتفه: استنى يا عم، هعملك ترابيزة كده ونشوف حل فيها.
محمود بصراخ: مش هنجمع المبلغ أنت بتتكلم في 67 ألف جنيه، هجيبهم منين!؟
توتو بثقة مصطنعة وهو يربت على كتفه: هتتحل يا صاحبي متقلقش، بطل بس تندب زي النسوان كده واسترجل
فيلا سليم وماسة،11:00مساء
غرفة سليم
وقف سليم أمام المرآة يرتدى ملابس منزلية مريحه، ثم رش قليلا من عطره، وبدا واضحا أنه خرج للتو من الاستحمام.
بعد لحظات، فتح الباب ودخلت ماسة، ترتدي بيجامتها، بابتسامه ترتسم على شفتيه.
ماسة بدلال: سالوملوم
التفتت لها بإبتسامة: تعالي.
اقتربت منه بهدوء: تحب ننام عندي ولا عندك؟!
رفع كتفه بابتسامة هادئة: زي ما تحبي.
أومأت برأسها بابتسامة: تعالى ننام عندك.
تحركت وتمددت على الفراش وهي تتثاء: حاسة إن اليوم كان طويل أوي ومحتاجه انام، مع إني معملتش حاجة.
ابتسم وهو يتمدد بجوارها، اقتربت منه أكثر، فتحت ذراعه، وأسندت رأسها على صدره، كما كانت تفعل وهي صغيرة.
ابتسم ومسح على شعرها بلطف: تعرفي إنك بقالك سنين معملتيش الحركة دي؟
نظرت له برقه: ما إحنا اتفقنا، هنرجع زي زمان.
نظر إليها بعمق وتساءل: طالما هنرجع زي زمان، مش حابة تقوليلي حاجة؟
تجنبت عينيه: حاجة زي إيه؟
سليم بشك: أي حاجة.
تنهدت بترقب: أكيد تقصد سبب تغيري، وليه مشيت بالطرق دي صح.
أومأ برأسه وهو ينظر إليها بصمت.
تنهدت وهي تنظر الامام: هقولك يا سليم، بس اديني وقت أرتب نفسي، وآخد نفسي، يومين بس.
ابتسم بتفهم: ماشي.
صمت لحظة ثم تسال: ولسه مصرة، أن رشدي ماعملش حاجة.
نظرت له بثبات مصطنع: ما انا قولتلك قبل كده، إنك سمعت غلط.
هز رأسه بعدم اقتناع؛ ماشي براحتك يا ماسة.
اقتربت منه أكثر وضمته برفق: يلا بقى ننام شكلك تعبان.
سليم بإبتسامة: لا خالص، بالعكس أنا مبسوط، في حاجات كتير حلوة حصلت النهارده ..
ابتسم وهو يركز النظر في ملامحها ويمرر يده على شعرها: أنتِ صالحتي سلوى.
نظرت له بدهشة: أنت عرفت منين؟
اجابها بابتسامه دافئة: بصراحه روحتلها واتكلمت معاها وفهمت، أوعي تزعلي منها تاني، انتم ملكمش غير بعض، هي برضو كانت خايفه عليكي، حتى لو خانها التعبير.
اومأت برأسها، وانحنت تطبع قبلة خفيفة على خده، فواصل بنبرة راضية: كمان جلسه العلاج الطبيعي النهارده كانت كويسه، والدكتور قال في تحسن كبير وأنا مرتاح.
تنهد: مرتاح لكل خطوة بنوصلها.
ابتسمت، تأملته بعشق: أنا بحبك اوي يا سليم.
سليم بعشق: وأنا بموت فيكي.
وضعت رأسها على صدره، وضمته بقوة، وغفت بسلام وكأنها وجدت أخيرا مكانها الآمن.
القلج،11:30مساء
منزل اسعاد.
توقفت إسعاد في المطبخ البسيط، تستند إلى عكازها، وتعد سندوتشات الجبن واللانشون، ومعها كوب شاي باللبن، وضعتهم في صينية صغيرة، ثم حملتها وبدأت تتحرك ببطء، حتى خرجت إلى الصالة، وضعتها على الطاولة، وجلست على الأريكة متعبة.
نادت بصوت مرتفع: جنة يلا تعالي، عملتلك السندوتشات.
لم يأتي رد، فنادت مرة أخرى: يا جنة؟
وفي تلك اللحظة خرجت جنة من الغرفة، كان وجهها عابسا وآثار الدموع واضحة في عينيها.
جنة بصوت حزين: أيوة يا تيتا.
إسعاد بحنان: تعالي كلي.
هزت رأسها بحزن: مش عايزة.
دققت إسعاد النظر في ملامحها، وأضافت بحيرة: طب مالك زعلانة ليه كده؟ ده شكل واحدة لسه خارجة النهاردة ورايحة الملاهي.
جلست جنة على الكنبة، وضمت ذراعيها إلى صدرها بحزن طفولي: أنا زعلانة وبعيط.
إسعاد بتعجب وقلق: ليه يا حبيبتي؟
أخرجت شفتيها للأمام وهي تحبس دموعها: عشان بابا وماما وحشوني النهاردة وأنا في الملاهي، شوفت العيال بيلعبوا مع باباهم ومامتهم، وأنا لأ..
إسعاد بحنو: مش رشدي كان معاكي، وبيحبك وبيفسحك.
هزت راسها برفض: لا رشدي ده صاحبي مش بابا.
توقفت لحظة، ثم تساءلت بصوت مكسور والدموع تترقرق في عينيها: تيتا هم ليه مش بيكلموني في التليفون؟ وكمان بقالهم أيام و أيام كتير مبيبعتوليش جوابات.
إسعاد بمراوغة، وهي تحاول التماسك: ما أنا قولتلك يا حبيبتي، هما مشغولين وبعدين المكان إللي هما فيه مفيهوش تليفونات.
نظرت إليها جنة بعينين دامعتين: بس بقالهم سنة، وسنة كمان، ومبيجوش، أنا عمري ما شوفتهم.
ثم قالت برجاء: أنا نفسي يكون ليا بابا وماما، زي دينا وهاجر ورودينا وكل الناس.
ثم نهضت فجأة وقالت بإصرار: أنا هروح لرحمة تكتبلهم جواب.
إسعاد باعتراض: رحمة فين دلوقتي؟ الساعة 11، والوقت اتأخر، روحي بكرة.
هزت رأسها بعناد طفولي: لا هروح دلوقتي، هي مش بتنام بدري.
تنهدت إسعاد ثم قالت بإستسلام: طيب روحي، بس متتأخريش.
خرجت جنة وفتحت الباب.
ظلت إسعاد تنظر إلى أثرها بحزن ثقيل، ثم تمتمت بصوت مكسور: والله يا بنتي مش عارفة أقولك إيه، هنفضل لحد إمتى نكدب عليكي؟
بيت رحمة
كان البيت بسيطا ودافئا، أفضل حالا من بيت إسعاد، في الصالة جلس والد رحمة ووالدتها وإخواتها يشاهدون أحد الأفلام القديمة على التلفاز.
وما إن تعالي صوت طرق الباب حتى نهض أخوها الصغير وفتحه: جنة تعالي.
دخلت وسألت بلهفة: رحمة فين؟
ابتسم والد رحمة وقال بمزاح خفيف: مش تقوليلنا السلام عليكم وإزيكم الأول يا جنة؟
وضعت راسها على الأرض بخجل: السلام عليكم إزيكم.
اجابها: الحمد لله، رحمة جوه في أوضتها.
جنة: أنا هروحلها.
دخلت إلى الداخل، طرقت الباب بخفة ثم دخلت،
كانت رحمة جالسة على سريرها، تستمع إلى الأغاني، تمسك هاتفها وتقلب في الفيسبوك، وما إن رأت جنة حتى رفعت عينيها وابتسمت: جنة! تعالي.
فتحت ذراعيها، وضمتها بقوة، ثم جلستا معا على الفراش.
جنة بسرعة وحزن: أنا جاية علشان تكتبي جواب لبابا وماما.
ترددت رحمة قليلا: بس أنا معرفش عنوانهم، رشدي بس إللي عارفه.
زمت شفتيها وهي تتحدث: مش مهم، اكتبيه زي ما بتكتبيه لي دايما، ونوديه لرشدي وهو يوديه لهم.
هزت راسها بإيجاب، ونهضت وجلبت كراسة وقلم، ثم جلست بجوارها من جديد، وسألتها بإبتسامة: روحتي فين النهاردة مع رشدي؟
جنه: روحنا الملاهي، ومكان طويل كده بيلف، رشدي قالي اسمها….
صمتت قليلا ثم قالت: البرج.
ضحكت رحمة: آه انبسطتي؟
هزت رأسها: أيوه، فرحت أوى.
ثم انخفض صوتها: بس كنت زعلانة، كان نفسي بابا وماما يكونوا معايا، وحشوني أوي.
رفعت عينيها إليها تتساءل: أنتِ شوفتيهم قبل كده يا رحمه؟
نظرت إليها بتأثر: لا مشوفتهمش.
جنه بحزن وعينين تترقرق بالدموع: أنا نفسي أشوفهم أوى.
ثم قالت بإلحاح: يلا اكتبي الجواب بسرعة.
هزت رأسها وبدأت تكتب، بينما تملي عليها جنة بنبرة عتاب حزين: بابا وماما، أنا جنة، أنا زعلانة منكم علشان بقالكم كتير مش بتبعتولى جوابات، والمرة إللي فاتت قولتلكم ابعتولي صوركم ومش بعتوها، ولا حتى بتكلموني في التليفون، تيتا ورشدي ورحمة قالولي إن المكان إللي أنتم فيه مفيهوش تليفون، بس أنا عايزة أسمع صوتكم، هترجعوا إمتى بقى من سفركم البعيد ده؟ أنا مخاصماكم وزعلانة أوى، علشان أنتم مش عايزين ترجعوا، النهاردة شوفت العيال بيلعبوا مع باباهم ومامتهم وأنا لأ، أنا هخاصمكم، ولما تيجوا مش هكلمكم…
توقفت لحظة، ثم أضافت ببراءة موجعة: بس هنام في النص جنبكم، بس مش هكلمكم أنا كل يوم بعيط، والنهاردة عيطت وحبست الدموع في عيني علشان رشدي ميشوفهاش، لما شوفت العيال مع ماماتهم وأنا معنديش ماما.
اهتز القلم بين أصابع رحمة، وسقطت دموعها على الورق، لكنها حاولت الثبات.
تابعت جنة: أنا هستناكم تبعتولي جواب، وتكلموني في التليفون أنا بحبكم أوى، باي باي بس برضو زعلانة وهخاصمكم حبة.
مسحت رحمة دموعها سريعا: متزعليش منهم يا جنة، هما عندهم شغل كتير، وبيحبوكي، وأكيد هييجوا قريب وتنامي في حضنهم وتلعبي معاهم.
جنة بوجع: بقالكم كتير بتقولولي كده، ومش بيجوا.
رحمه بإبتسامة: لا، هييجوا
ثم سألت: طب دلوقتي هنعمل إيه في الجواب؟
جنة: خليه معايا، ولما رشدي ييجي هديهوله يوديه لهم، اتصلي بيه أقوله
تنهدت رحمة: رشدي مبيكلمنيش، زعلان مني.
جنه: قوليله جنة إللي عايزاك.
رحمة: طيب، استني.
أمسكت هاتفها واتصلت برشدي، لم يرد، اتصلت مرة أخرى.
جاء صوته جامدا: عايزة إيه؟ مش قولتلك متتصليش بيا تانى.
رحمة بسرعة: جنة عايزة تكلمك.
أخذت جنة الهاتف: إيوه يا رشدي؟ بقولك إيه، إنت هتيجي تاني إمتى؟
رشدي بنبرة اهدأ: مش عارف يا جنة، الفترة الجاية مشغول.
تساءلت بحزن: يعني هتقعد أيام كتير؟
رشدي: أيوه، فيه حاجة؟
جنة بحزن: عايزاك تيجي تاخد الجواب، علشان تبعته لبابا وماما.
ساد صمت قصير، ثم قال: طيب بصي، لما أبعت لتيتا الفلوس، ابعتي مع الراجل ده الجواب، وهو هيعرف يوديه.
جنه: ماشي سلام.
أغلقت الهاتف، وهي تضم الورقة إلى صدرها، نظرت لها رحمه بتأثر وضمتها الى صدرها وأخذت تربت على شعرها بحنان.
فيلا سليم ماسة 8:00 صباحا
توقف مكي في ساحة الفيلا، يوزع الحراس بدقة، بعين لا تفوته شاردة ولا واردة.
وأثناء ذلك، تقدم عثمان خطوة وقال بنبرة حاسمة: ما تخليني زي ما أنا مع ماسة هانم.
وقبل أن يرد مكي، تهكم عشري: فيه إيه يا عثمان، هو كل مره عايز تبقي مع ماسه هانم، هي حراستها عليها سمسم واحنا منعرفش.
عثمان بتوضيح مرتبك: لا بس أنا عارف إنها غاليه عند الباشا، وأنا بعزه ومستعد افدى الغالي عنده بروحي.
لم يقتنع عشري بكلامه وتبادل مع مكي نظرات مفهومه لا تحتاج إلي شرح.
وزع مكي نظراته بينهم، وقال بجديه: طب خلينا نتكلم في الموضوع ده بعدين، إنت النهارده هنا، وعشري مع ماسة، وأنا مع سليم.
اومأ عثمان برأسه بضيق، وفضل الرضوخ والصمت حاليا حتى لا يثير الشكوك حوله.
مكي بحزم: يلا كل واحد على مكانه.
ثم أشار بيده: وانت تعالى معايا يا عشري.
تحركا معا بضع خطوات، توقفا أمام بعضهما
نظر إليه مكي باستغراب: في إيه؟
خفض عشري صوته، وقال بنبرة حذرة: عثمان مش أول مرة يطلب إنه يكون من حراس ماسه هانم، حاسس إنه وراه حاجة.
عقد مكي حاجبيه، قائلا بتعجب: هو طلبها قبل كده؟
أومأ برأسه: أيوه لما أنت كنت في إجازة، كان دايما يقولي عشان أنا من الكبار، وكلام من النوع ده ساعتها قولت تمام، بس إنه يكررها النهارده تاني؟! من امتي والحراس هنا بتختار تكون فين أصلا؟!
صمت مكي لحظة، وعيناه تراقبان المكان، ثم قال بحزم: حط عينك عليه، وأنا هقول لسليم.
هز عشري رأسه موافقا، بينما عاد كل منهما إلى موقعه، وقد تبدل الهدوء إلى حذر ثقيل، لا يطمئن.
ورشة الحج شاهين 10:00 صباحا.
كان صوت الصاروخ يملأ المكان، ومحمود يقف فوق قطعة خشب، يقصها وينعم حوافها بعناية متوترة، وبعد عدة لحظات، رفع عينيه فرأى الحاج شاهين جالسا خلف مكتبه، عيناه معلقتان به وكأنهما تراقبان كل حركة.
حاول أن يتفادى النظر نحوه، حتى ارتفع صوت الحاج مناديا: محمود، ولا يامحمود! تعالى.
أغلق الصاروخ بسرعة ومسح نشارة الخشب عن ملابسه: أيوه يا حاج عيني، جاي أهو.
اقترب وهو يلهث قليلا من القلق: نعم يا حاج.
شاهين بخبث: أنت وديت الفلوس لمتولي؟
ابتلع ريقه، وقال بنبرة مهتزة وهو يحك في رقبته: أيوة يا حاج، اديتهاله.
هز رأسه بخبث وهو يفتح الخزنة وياخذ منها بعض من النقود: ماشي، أنا كدة كدة هعدي عليه وأديله بقية فلوسه.
سارع بتوتر: لا يا حاج، متتعبش نفسك، أنا ممكن أوديها
نهض من خلف مكتبه وتقدم نحوه، وتساءل بخبث: ولا يا محمود، أنت لسه بتلعب قمار؟
ارتجف قليلا: يعني يا حاج، على قدي كده مع الواد توتو والشلة.
ضرب الهواء بيده: خسروك الشلة دي! كنت واد محترم بس نقول إيه بقى.
صمت للحظة وهو يمرر عينه عليه بهدوء خبيث: متولي أمبارح كان سهران معايا وقاللي إنك مديتلوش الفلوس.
تجمد بتلعثم: أنا، ما…
قاطعه بحدة: ما ما ايه أنت هتمأ مأ لي؟!
تلعثم بخوف ورجاء: والله يا حاج، هرجعهملك، بس أصبر عليا، أقسم بالله كنت داخل في مشروع كده علشان عايز أعوض الفلوس، علشان حوار كدة لازم أخلصه قبل أخر الأسبوع ده، بس الفلوس راحت عليا طلعوا نصابين.
اقترب أكثر، وصوته يهدر: ومقولتليش ليه يا ولا؟! هو لو كنت قولتلي كنت هقول لك لأ؟! بتضحك عليا يا محمود؟! وتحط عينك في عيني وتقولي إنك دفعت؟!
ركز النظر في ملامحه وقال بعتاب وتوبيخ: إخص عليك، ده أنت شغال هنا معايا من وأنت عندك 12 سنة! يعني أتصل دلوقتي وأبلغ عليك؟ أمك تستاهل؟ ولا أختك؟! ده أبوك كان راجل محترم وعمك كان حبيبي.
انحنى وأمسك يده يقبلها بتوسل وخوف: أبوس إيدك يا حاج، علشان خاطري خلاص، والله هرجعهملك، في رقبتي.
ضحك بسخرية: رقبتك؟! أعمل بيها إيه؟! هترجعلي ال30 ألف ازاى؟!
رفع يديه بتوسل: والله هرجعهم، اديني بس شهر.
شاهين بسخرية: هترجعهم من فلوس القمار؟! أنا مبدخلش فلوس حرام على بيتي ولا لعيالي!
تنفس بعمق: هرجعهملك وخلاص يا حاج، بس والنبي أصبر عليا أخر مرة.
جلس على الكرسي متساءلا: مشروع إيه؟! وفلوس إيه إللي كنت عايز تردها؟ أحكيلي.
هز راسه، وبدأ يحكي له ماحدث مع الزعيم ولعبة القمار التى خسرها وكيف كان يظن أنه سيكسب سريعا، وكيف خسر الفلوس كلها.
ظل يستمع بصمت، ثم صاح فجأة: يخرب بيتك! إيه إللي إنت عملته في نفسك ده؟! إيه إللي دخلك شغل مع الناس دي؟! الناس دي مبترحمش!
تمتم محمود: كنت فاكر إن الفلوس هترجع علشان كده أخدت، والصراحة كنت هرجعهملك، وهرجع للزعيم فلوسه، وإللي هيتبقى لأمي العيانة.
تنهد قائلا حدة: وطبعا الشغل ده مخدرات ما أنت داخل مع توتو وكميا، كتك داهية فيك وفي تربيتك، وقعت نفسك في مصيبة سودا، أنا لو صبرت عليك الزعيم مش هيرحمك هيقتلك وهيقتلك أمك وأختك، هتعمل إيه وهترجعله الفلوس إزاي
محمود بإرتباك: والله ما عارف يا حاج، هتجنن نفسي أسدهم، ومش ههوب ناحيه السكه دى تانى.
تنحنح قائلا وهو ينحني على يد الحاج يقبلها: ابوس ايدك تديني فلوس الزعيم اسددهم، ويبقى ليك في رقبتي المبلغ إللي تؤمر بيه، وهسدده والله، وكل أول شهر هديك جزء، أنا عارف إن أنا قليل الأدب وسافل إني اطلب منك، بس ساعدني الله يخليك.
نفضه بعيدا، ونظر له مستنكرا بحدة: وأدفعلك ليه إن شاء الله، ما إنت لو كنت راجل جدع ومحترم كنت جيت وقولتلي ورسيتني على الحوار، مش تغفلني وتسرق فلوسي يا خسيس
محمود باستعطاف: حقك عليا يا حاج، سامحني وساعدني والنبي مش علشاني أنا علشان أختي الغلبانة، وأمي المريضة، والله قالي هيبيع أعضائنا.
ساد صمت ثقيل للحظات، حتي قطعه شاهين بخبث: طب أنا ممكن أساعدك بس بشرط..
انحني يقبل يهده بلهفه: ربنا يخليك يا حج، رقبتي والله اللي تؤمر بيه.
ابتسم بخبث: بس إللي هقوله يمكن ميعجبكش.
بلا تفكير: يعجبني أقسم بالله يعجبني بس قول!
تغيرت ملامحه وقال بوضوح: أختك.
اتسعت عيناه: مالها أختي؟
بنبرة ذات معنى: عجباني.
وقف كأنه صعق: إيه يا حاج إللي بتقوله ده؟! هو أنت شايفني بأرايل؟! عيب الكلام ده!
لوح بيده: هو أنا قولت كده؟! هو أنا بتاع حرام؟! أنا هتجوزها.
ضيق عينه بإستغراب: تتجوزها؟!
شاهين موضحا: عرفي، ما أنا مش هينفع أتجوز رسمي علشان الحاجة، وعيالي كبار.
ثم أضاف بنبرة ذات معنى كي يطمعه ويستغل حاجاته للفلوس: واعتبر ال30 ألف إللي أخدتهم شبكتها وال37 إللي عليك للزعيم مهرها، وهديك فوقيهم 5 آلاف كمان.
صمت وصدره يعلو ويهبط: ماشي، بس أسألها.
نظر إليه بثبات مرعب: اسألها بس خليك عارف، محدش هيقدر ينقذك غيري، أنت مش هتعرف ترجع الفلوس، والزعيم هيعرف يجيبك، حتى لو محبوس، وأنت أكيد مش عايز تتحبس تاني يا محمود، كفاية مرة.
مسح وجهه: يا حاج إحنا مش هنلاقي أحسن منك والله، نجوزه للبت أختي، هي تتطول.
شاهين: ماشي روح قولها ولو تمام نكتب بعد بكره، علشان تاخد الفلوس وتبعتها للزعيم.
محمود بخفوت: ماشي.
أخرج من جيبه بعض الفلوس مد يده لمحمود: خدي ال500 دي، جيبلها فستان حلو، ولا طرحة ولا أي حاجة حلوة.
أخذ الفلوس بيد مرتجفة: عيني يا حاج، البت أختي هتفرح أوي.
ابتسم وقال بهدوء: وقولها اني هخليها تكمل في العلام زي ما هي عايزة.
هز رأسه مبتسما: والله يا حاج إنت هتدلعها، النسوان مينفعش معاهم الدلع ده، بس هقولها.
أشار بيده:يلا روح أعمل إللي قولتلك عليه، بس خلص الشغل إللي وراك الأول.
هز رأسه موافقا: عيني.
عاد ليكمل عمله، والسعادة ترتسم على وجهه، لم يشعر للحظة بتأنيب الضمير إنه قد باع أخته من أجل النقود فقط!!
مجموعة الراوي،10:00صباحا.
مكتب سليم.
جلس علي طاولة الاجتماعات الصغيرة، يحيط به مجموعة من المستشارين ومديري الإدارات، يتبادلون الأحاديث حول العمل لبعض من الوقت.
وفي نهايه الاجتماع أضاف بنبرة حاسمة: أرجو إن التسليم يتم في ميعاده، بكرة السفينة هتتحرك في البحر، وهتوصل في الميعاد المحدد عايز همه
هزوا رؤوسهم بإيجاب، ثم غادروا المكتب.
وفي تلك اللحظة دخل مكي، فأشار له واتجها معا إلى الأريكة، وجلسا متقابلين.
تساءل مكي: مش قولت هتركز الفترة الجاية مع ماسة؟
اومأ برأسه: أه بس لازم أخلص الشغل ده الأول، رشدي وياسين شبه مبيجوش.
هز رأسه، وتردد قليلا قبل أن يقول: بخصوص رشدي، فيه حاجة غريبة عرفتها وحبيت أقولك عليها، يمكن توصلنا لحاجة.
نظر إليه باستغراب، وضيق عينيه: حاجة إيه؟
- يتبع.. (رواية الماسة المكسورة الجزء الثاني 2) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.