رواية الماسة المكسورة الجزء الثاني 2 الفصل التاسع 9 – بقلم ليلة عادل

رواية الماسة المكسورة الجزء الثاني 2 – الفصل التاسع 9

[بعنوان: لا تحاكمنى بالماضي]

اندفعت ندى نحو الطريق وألقت بنفسها أمام سيارة مسرعة، ارتطمت وسقطت على الأسفلت بلا حركة، والدماء تلطخ الأرض وسط صراخ المارة.
تجمع الناس حولها، وجوههم مذهولة يملؤها الحزن؛ هذا يضرب كفًا بكف، وذاك يضع يده على صدره، وآخر يغطي فمه بدهشة، فيما تتعالى أصوات من الشارع:مين دي يا حرام؟!
اخر: عملت كدة لية في نفسها؟
وآخر يردد: انا شفتها وهي بترمي نفسها على العربية السواق مش غلطان !

عند مصطفى
كان مصطفى والعائلة يجلسون ومازال الضيق يخيم علي المكان، وفجأة دوت صوت ضجة في الشارع.

مصطفى بدهشة: إيه الصوت ده؟

نبيلة بإرتباك: أكيد حادثة.

أسرع إيهاب إلى البلكونة، مد عنقه بأسف:حادثة فعلا

نبيلة بأسف: لا إله إلا الله، كل شوية حادث في الطريق ده.

اقتربوا من الشرفه، وأعينهم تتابع المشهد في الاسفل، فتجمدوا حينما رأوا ندى ممددة على الأسفلت، الدم يحيط بها، وتبادلوا النظرات الصدمه وكأنهم لا يصدقون ما يرونه.

مصطفي بصدمه: ندى

اندفع الجميع إلى الأسفل، وملامحهم يعلها الصدمة.
وحين وصلوا إلى الشارع، اندفع مصطفى يشق الزحام حتى وصل إلى جسد ندى الملقى على الأرض، جثا بجوارها، وذراعاه ترتجفان وهو يحتضنها، صوته يختنق بالخوف ندى… ندى، ردي عليّا! عملتي إيه في نفسك يا مجنونة؟

وقف السائق مضطربا، يرفع يديه متوسلا: والله العظيم هي إللي رمت نفسها قدامي.

حاول إيهاب السيطرة على الموقف وقال بسرعة: مصطفى فوق، خلينا نوديها المستشفى.

احتضنها مصطفى بقوة، رفعها بين ذراعيه، ركض بها نحو السيارة، وضعها في المقعد الخلفي وصعد بجانبها، بينما أمسك إيهاب عجلة القيادة.

نبيلة بخوف: ابقوا طمنونا يا إيهاب!

انطلقت السيارة، ومصطفى يلتفت إليها ويمسح الدم عن وجهها وهو يهمس بصوت مرتبك: بسرعة يا إيهاب.

في مستشفى المواساة،الثالثة مساءً

هبط مصطفى من السيارة مهرولا وهو يحملها بين ذراعيه، قال بصوت مفزوع: عايز سرير بسرعة!

ركضت الممرضة ومعها دكتور: إيه إللي حصل؟

مصطفى بتوتر: حادثة عربية من ربع ساعة، فقدت الوعي، النبض بطيء وفيه كسور.

الدكتور بعمليه: خدوها على غرفة الطوارئ.

تمددت ندى على السرير، الأجهزة تحاوطها، والأطباء يتحركون من حولها في محاوله للسيطره على الموقف.

وقف مصطفى بوجهه شاحب، اقترب إيهاب همس بعدم تصدق: المجنونة، موتت نفسها بجد!

مسح مصطفى وجهه بكفه المرتعش: ندى خلاص، بقت فاقدة السيطرة، محتاجة تتحجز في مصحه نفسيه، لأنها بقت خطر على نفسها مش على الناس بس.

عاد الطبيب بعد دقائق وقال بجدية: عندها كسر في الإيد، هنعمل أشعة نتأكد إن مفيش نزيف داخلي بس لازم نبلغ بالواقعة.

مصطفى برجاء: لو سمحت بلاش نبلغ، السواق ملوش ذنب، هى اللى رمت نفسها وكانت عايزه تنتحر، فخلى الموضوع ودى، ورجاءا بس تتحط تحت ملاحظه شديد، وياريت لو تفضل نايمه اطول فتره ممكنه، لحد ما أبلغ أهلها ونشوف هنعمل ايه.

هز الطبيب رأسه معترضا: وأنا إيه إللى يثبتلى إن الحاله انتحار مش محاولة قتل؟

لوح مصطفي بيديه: يا دكتور أسامه هى ندى غريبه عليك!؟ أنت عارف إنها بتمر بأزمة نفسيه، وهددت قبل الحادثه بدقايق انها هتموت نفسها، ولو سألت أى حد من اللى كانوا واقفين هيقولوا إن هى اللى رمت نفسها قدام العربيه.

تنهد أسامة وقال مترددا: بس يا مصطفى هي كده هتبقي محتاجه تتحجز في مصحه نفسيه، هنا مفيش إمكانيات كافيه للسيطره على الحاله.

قاطعه مصطفى بنفاذ صبر: يا سيدي عارف، أنا بس بكلمك في البلاغ، بلاش تبلغ واقفل الموضوع ودى بينا.

هز الطبيب رأسه بإيجاب، وبعد ساعات أكدت الأشعة عدم وجود نزيف داخلي، تم تجبيس الكسور، واعطوها حقنه مهدئه، وبقيت معها ممرضه للسيطره على الموقف اذا استيقظت.

بعد ساعات قليلة، وصلت والدتها مسرعة، وجهها شاحب والدموع تغمر عينيها، وقفت خلف الزجاج تحدق في ابنتها الممددة على الفراش، والجبس يلف يدها وقدمها، ساكنة بلا حول ولا قوة.

صرخت بصوت متكسر: إيه إللي حصل يا مصطفى؟

تنهد مصطفى بصوت مبحوح: إللي حصل إن بنت حضرتك عملتلي مشكلة كبيرة مع واحدة أعرفها، قالت كلام ميصحش عنها لجوزها، وبسببها ممكن زوجها ده يقتلها.

شهقت مشيرة ووضعت يدها على فمها: يا نهار أبيض!

أكمل مصطفى بغضب وحرقة: جاتلي بكل بجاحة وقالتلي إنها السبب، أنا طردتها وضربتها بالقلم، وقولتلها تبعد عن حياتي حتى كلمت عمي فتحي وقولتله ابعد بنتك عنى.

مشيرة بسرعة وارتباك: أتصل بيا وقالي وقعد يزعق، بس مكنتش فاهمه هي عملت إيه؟! وكلمتكوا محدش رد.

مصطفى موضحا بعقلانية: كنا مستنيين نطمن عشان نعرفك الأخبار، بصي يا طنط مشيرة، ندى حالتها بقت صعبة، ولازم تتحجز في مصحه نفسيه، علش…

قاطعته مشيره بغضب واستنكار، وهي تمسح دموعها بعنف: أنا بنتى مش مجنونه علشان ارميها في مستشفي المجانين، بنتي زي الفل وأنا هعرف أبعدها عنك، متشكرين يا سيدي لحد هنا.

قاطع مصطفى كلامها بضجر، وصوت حاد، وهو يحاول توضيح خطورة الأمر: بلاش الجهل ده يا طنط! أنتِ ست متعلمة، بنتك انتحرت وحاولت تموت نفسها ! مكانش فارق معاها حياتها، بنتك دلوقت بقت مؤذية لنفسها قبل ما تكون مؤذية لغيرها، وإن كانت فشلت المره دى، أنا بؤكدلك إنها هتفضل تحاول لحد ما تنجح، ساعتها هتكوني مبسوطه؟ المرض النفسي مش عيب، العيب إننا ندفن راسنا في الرمل ونقول ولادنا زي الفل، بس لا بنتك مش زي الفل وأنتِ عارفة ده، بنتك محتاجة تتعالج وهما في المصحه هيعرفوا يوفروا لها بيئه آمنه تتعالج فيها، والا المره الجايه مش هتيجي تستلميها من هنا، هتيجى تستلميها من المشرحة، وساعتها متلوميش الا نفسك أنا عن نفسي نصحتك وخلصت ضميرى من ناحيتها.

كانت مشيرة ملامحها منهاره ومكسوره، شعر مصطفي بقسوة حديثه معاها، فحاول أن يخفف من حدته ويقنعها بطريقة لطيفة وحنونة: متزعليش من كلامي، بس دي الحقيقة، أنا بكلمك لمصلحتها، ندى حالتها بقت صعبه ومحتاجه علاج، ومتقلقيش أنا هفضل معاكي لحد ماتفوق هما مدينها منوم، وأنا رأى إن حضرتك تاخدي قرار بنقلها مصحه وهي نايمه لأن لو فاقت ممكن يبقي الوضع صعب السيطره عليه.

كادت أن تخونها قدميها من هول الصدمه، فاسندها مصطفي، وأحضر إيهاب الكرسي وجلست مشيرة، بينما ظل مصطفى ينظر إليها بقلق قائلا: الموضوع وصل للانتحار لازم نتحرك قبل فوات الأوان، فكرى في مصلحتها يا طنط وخدى قرار.

بعد قليل

جلس مصطفى وإيهاب بالقرب من مشيرة التي لا تزال على مقعدها أمام ابنتها النائمة، وعينيها مثبتتان عليها بقلق لا ينطفئ.

كان الأثنان ممسكين بهواتفهما، يتبادلان النظرات المتوترة من حين لآخر، كان إيهاب يتصل بماسة دون جدوى، فالهاتف مغلق تماما، بينما مصطفى يحاول الاتصال بسليم الذي لم يرد عليه، الخوف كان يلتهمهما في صمت ثقيل.

قطب مصطفى حاجبيه، وقال بحدة مكتومة: وأنا كمان قلقان عليها، وبرن على سليم مبيردش، خايف يكون عمل فيها حاجة، بعد الجنان اللى ندى قالته؟! ده مجنون، والله أعلم عمل فيها إيه!؟
صمت لحظة، ثم رفع عينيه فجأة وصوته خرج مترددا: بقولك إيه؟! متعرفش تهكر تليفونها أو تليفون سليم؟

زفر إيهاب بضيق، وقال بنبرة مترددة: ممكن أحاول، بس هنستفاد إيه؟!

مرر مصطفى يده على جبهته ببطء، وتنهد وهو يحاول أن يبدو متماسكا: يمكن تكلم حد من إخواتها ونطمن إنها بخير، المشكلة إني مخدتش رقم حد فيهم.

إيهاب موضحا: أنا معايا رقم سلوى، بس خايف لو اتصلنا نعمل لها مشكلة.

عقد مصطفى حاجبيه متسائلا: مشكله ايه إللي هنعملها؟ هو خلاص وصلها، إحنا بس محتاجين نطمن إنها بخير..
ثم أضاف بنبرة متوترة، ونظرة شاردة وهو ينظر إلي الأرض: أنا بفكر أروح لسليم.

اتسعت عينا إيهاب بدهشة: تروح لسليم فين؟! هتنزل القاهره؟!

مصطفى وهو يعتدل في جلسته، ونبرته صارت أكثر حزما: ايوه هنزل القاهره، هروح له المكتب ولو ملقتهوش هروح الفيلا، المهم لازم اطمن عليها، وافهمه إن ندى دي مريضة وكل إللي قالته محصلش..
ثم أضاف بتنهدة وهو يتكئ للخلف: أنا هطمن على ندى، وأمشي، وأنت روح البيت طمنهم.

هز إيهاب رأسه: ماشي، بس خد بالك من نفسك.

ساد الصمت للحظة تبادل فيها الأثنان النظرات المشدودة.

بعد قليل

اقترب أحد الأطباء بخطى هادئة، القي السلام على مصطفي، وسأله بنبرة مهنية: دي والدتها ؟

هز مصطفى رأسه بإيجاب بصمت ثم نظر إلى مشيرة ورد عليه بنبره منخفضه: هي مش مقتنعة، حاول أنت تتكلم معاها يمكن تسمع منك، هي ندى هتصحي امتي؟

الطبيب بعمليه: بكره، لأنها واخده حقنه طويله المفعول.

ألتفت مصطفى إلى مشيرة قائلا: طنط مشيرة، دكتور علي محتاج يتكلم مع حضرتك شوية.

ثم ابتعد مصطفى وجلس على مقعد بعيد بجانب إيهاب، بينما وقف الطبيب أمامها، يوزع كلامه بهدوء طبيب خبير: يا فندم، أنا فهمت من دكتور مصطفى شوية حاجات، وعرفت إن دكتورة ندى للأسف هي إللي رمت نفسها قدام العربية، إحنا هنقفل الموضوع بهدوء علشان دكتور مصطفى ولأنها زميلة، بس هي فعلا محتاجة علاج نفسي لإنها واصله لمرحله اكتئاب حاد، وأصبحت فاقده قيمه كل شيء في حياتها حتى نفسها، هي عندها أزمة كبيره ولازم تتعالج منها، النهاردة الحمد لله قدرنا ننقذها، لكن المرة الجاية الله أعلم الخطر هيوصل لإيه؟! ومش بعيد تحاول تموت نفسها تاني!

تشنجت مشيرة، وقالت بتوتر: أنا عارفة إنها تعبانة، بس حضرتك مينفعش تقولي عليها مجنونة!

الطبيب بلطف صارم محاولا تهدئتها، واقناعها بهدوء:
من امتى والمرض النفسي كان جنون؟ ده مرض زي أي مرض تاني، وهما في المصحه مش موجودين علشان يعذبوها ويكهربوها بجهاز صدمات، زي مابتشوفي في الأفلام، هما هيمشوا معاها على جلسات علشان يغيروا من أفكارها المسيطره عليها، ويوروها إن الدنيا مش واقفة على شخص واحد، ويعلموها تحب نفسها وتقدرها وتحط حدود للقيمة إللي بتديها لخياراتها،ممكن يستخدموا بعض المهدئات مؤقتا، بس الأهم إنهم هيقدروا يوفروا لها بيئه آمنه علشان نضمن إنها متحاولش الانتحار تانى لحد ما نفسيتها تستقر.

ترددت مشيرة، ودموعها تلمع في عينيها، وقالت بنبرة مكسورة: طيب هي لازم تتحجز هناك؟ مينفعش تتعالج في البيت؟

أجاب الدكتور موضحا بعمليه: لأسف لازم تتحجز لفترة مؤقتة لحد مانفسيتها تستقر ونضمن سلامتها وإنها مش هتأذى نفسها تانى، بعد كده ممكن تخرج وتتابع الجلسات مع الدكتور بتاعها، فلازم حضرتك تاخدي القرار دلوقتى علشان نلحق نتصرف قبل ماتفوق.

تنفست مشيرة بمرارة ثم همست بانكسار: أنا عايزة بنتي تبقى كويسة وترجع زي زمان يا دكتور.

ابتسم الطبيب بعينين يملؤها التعاطف: هترجع لو حضرتك قبلتي إننا نبدأ معاها رحلة العلاج النفسي.

مشيرة: طب لما تصحى بس أتكلم معاها

الطبيب بعقلانيه: اولا هي مش هتفوق الا بكره، وبعدين حضرتك شايفه إن واحده سيطر على عقلها فكره إنها تنهى حياتها لمجرد خروج شخص منها، دى واحده مؤهله إنها تاخد قرار بالشكل دى، على الأغلب هيبقي رد فعلها عنيف وهترفض وهنضطر ناخدها بالعافيه، فأنا رأي نقلها وهي نايمه هيكون أفضل.

مشيرة بتنهيده: على العموم أبوها هيوصل النهارده بالليل هو يبقي ياخد القرار أنا مش هقدر أخد قرار زى دى.

وفي الليلة نفسها، وصل والد ندى إلى مصر، شرح له الطبيب النفسي حالة ابنته بتأني وهدوء، فاستوعب الأمر سريعا ووافق على نقلها إلى المصحة النفسية، وبالفعل تم نقلها بحذر إلى المصحة، وظلت ندى تحت تأثير المهدئ حتى صباح اليوم التالي، كأن العالم كله توقف حولها.

جامعة المستقبل العاشرة صباحا.

نرى سلوى تتحرك في أحد الممرات حتى وصلت إلى باب غرفة، طرقت الباب بخفة، وانتظرت حتى سمعت صوت من الداخل يأذن لها بالدخول: اتفضل.

دخلت سلوى لتجد طارق جالسا خلف مكتبه، ومعه بعض الزملاء، فرفعت سلوى، يدها بستاذان: دكتور طارق، ممكن دقيقة لو سمحت؟

نظر لها طارق بصمت للحظة، ثم نهض بتحفظ وتحرك تجاهها، ووقفا عند سور الغرفة، ونظر إليها بعينين مليئتين بالاستفهام.

سلوى بتوتر: ممكن أعرف مبتردش عليا ليه؟
بقالي ٣أسابيع بكلمك مبتردش؟!

طارق ببرود وهو يشير بيده: وأرد عليكي ليه؟

سلوى متعجبة: يعني إيه ترد عليا ليه؟ هو أنا مش خطيبتك؟

طارق بمرارة، وهو ينظر بعيدا: آه خطيبتي إللي سابتني مرمي على الأرض سايح في دمي، وأخذت أخواتها ومشيت، وحتى مكلفتش خاطرها تبص عليا.

شعرت لحظة بالتوتر، ارجعت شعرها خلف اذنها، وقالت: أنا كنت بكلمك عايزة أعتذرلك بسبب الموضوع ده، بعتلك كذا رسالة واعتذرت فيها، وأفهمك إني أنا مبقدرش أشوف دم وبخاف، أعصابي بتتعب، فمشيت، أنا آسفة حقك عليا، بس أنا حاولت أكلمك كثير، وأنت مردتش، حتى عمار أتصل بيك، وبرضو مردتش عليه.

رفع طارق حاجبه باستنكار: والله!! وكان المفروض أرد عليكي إزاي؟ وحضرتك مشيتى وسبتيني وأنا مضروب من خطيبك السابق إللي قولتيلي عليه قبل كده إنه مجرد زميل، وطلع خطيبك، وعديتها.

نظرت له سلوى بثبات وهي تركز النظر في ملامحه:
أنا قولتلك كده في البداية قبل مايكون بيننا أي حاجة، ولما عرضت عليا إنك عايز تخطبني، ووافقت عرفتك كل حاجة قبل حتى ما نقرأ الفاتحه، وأنت قبلت ومزعلتش.

طارق بصوت منخفض وعينان تلمعان بالحزن: صح يا سلوى أنا قبلت وعدتها، بس أنتِ شايفة إللي حصل في الحفله ده ورد فعلك عليه حاجة عادية؟

سلوى بصوت مرتبك: لا، مش حاجة عادية أكيد، بس أنا مليش دعوة بيه ولا وجهت له دعوة أصلا، وبالنسبه لرد فعلى أنا فهمتك، إني بخاف من الدم ومقدرتش أقف، بس أول ماروحت البيت واستوعبت قولت إيه العبط ده؟ إزاي مطمنش على طارق؟ كلمتك كذا مرة، بعتلك رسايل كتير واعتذرت، وأنت مكونتش بترد عليا ولاحتى على عمار…
ثم خفضت رأسها وقالت بهدوء: وأدينى أهو جايه اعتذرلك تانى، وأقولك أنا آسفه.

نظر لها طارق بضيق، وقال بغضب مكتوم: وإللي اسمه مكي ده، هيفضل ينط لنا كتير؟

سلوي بهدوء، وهى تنظر بعينيها الحزينه في اى اتجاه سواه حتى لا يلحظ حزنها: لا خلاص، بعد إللي حصل في الحفله معتقدش هيكلمني تاني.

تنهد طارق، ووضع يده في جيوبه، ونظر إليها بثبات: طب يا سلوى، الامتحانات الأسبوع الجاي خلصيها ونتخطب، ونحط حد للموضوع ده.

سلوى بابتسامة صغيرة: ماشي، أمي قالتلي كده برضو، بس المهم، أنت خلاص مش زعلان مني؟

أشاح طارق بوجهه بعيدا عنها: بصراحة لسة زعلان، بس هحاول أعديها.

رفعت سلوى حقيبتها على كتفها: طب أنا عندي محاضرة.

مال طارق نحوها بخفة: هنتقابل بعد المحاضرة؟

هزت سلوى رأسها نافية: لا، مش هينفع، عندي شغل، بس ممكن تيجي توصلني ونتكلم شوية.

طارق بإبتسامة خفيفة: اتفقنا.

سيارة مصطفى العاشرة صباحا.

كان مصطفى يقود سيارته بسرعة عاليه، وأصابعه تقبض على عجله القياده بعنف، ذهنه مشغول بما يدور في رأسه أكثر من الطريق، قلبه منقبض خوفا على ماسة من حديث ندى، يعرف ندى جيدا، ويعرف ماتتسبب به كلماتها، ومع ذلك، لم يستطع أن يمنع نفسه من الحزن لأجلها، فقد كانت يوما زوجته، وهذا وحده كافي ليشعل داخله غضبا وقلقا مختلطين.

أخرج هاتفه، يتصل بسليم مرارا ولكن لا رد! أعاد الاتصال ثانية، وثالثة ولكن دون جدوى، فصرخ وهو يضرب بيده على الدركسيون، ثم ألقى الهاتف بجانبه بعنف.

وصل إلى الفيلا الواقعة على طريق مصر إسكندرية الصحراوي، الفيلا التي التقي بماسة في طريقها، تلك التي أحرقها سليم ليلة الأمس.

أوقف السيارة بحدة أمام البوابة، كانت الفيلا مغلقة بقفل وجنزير كبير، ورائحة الدخان مازالت تتصاعد من بين القضبان الحديدية، مع بقايا مياه وسواد يغطيان الأرض.

وقف ينظر للفيلا بذهول، عيناه تدوران بقلق، يحاول أن يرى من خلف الحديد، كان المبنى من الداخل مظلم، الدخان والرائحة يخنقان صدره.

اقترب رجل عابر يحمل سقالة على كتفه.

مصطفى بلهفة: هو إيه إللي حصل هنا؟

الرجل: حريقة كبيرة لحد الفجر، كانوا بيطفوها.

اتسعت عينا مصطفى، تنفس بصعوبة:طب وإللي كانوا جوا؟

هز الرجل رأسه: محدش يعرف عنهم حاجة، بس تقريبا مكانش فيه حد.

وقع الكلام عليه كالصاعقة، تراجع خطوة إلى الوراء، وأسند جسده على السيارة للحظات، يحاول استيعاب ما سمع، زاد خوفه على ماسة، هرول سريعا وصعد إلى سيارته، ثم أنطلق نحو “مجموعة الرواي”.

مجموعة الراوي

عند وصوله، ترجل مسرعا، ووقف عند موظفي الاستقبال.

مصطفى: لو سمحت سليم بيه موجود؟

الموظفة: سليم بيه مجاش النهارده يا فندم.

مصطفى بتوتر: يعني هو كويس؟ أصل أنا الدكتور بتاعه وعايز أكلمه في موضوع مهم.

ابتسمت الموظفة بتهذيب: ثانية واحدة يا دكتور.

بحثت بين الأوراق ثم أخرجت بطاقة صغيرة.

الموظفة: ده كارت السكرتيرة الخاصة بيه، أتفق معاها على ميعاد، لأن سليم بيه اعتذر النهاردة ومش هيجي.

أمسك مصطفى البطاقة بعصبية واضحة: طيب شكرا.

خرج ببطء، يمسك البطاقة بين أصابعه، عقله يتصارع مع أسئلة لا تهدأ “يا ترى إيه إللي حصل؟ وهل لغياب سليم دخل بحريق الفيلا؟”

وقف عند سيارته، قلبه يزداد ضيقا، رفع الهاتف واتصل بإيهاب: ألو، يا إيهاب، عرفت توصل لحاجه؟

إيهاب: للأسف تليفونها لسه مقفول.

جز مصطفى على أسنانه بغضب: طب أروح لأهلها يعني ولا أعمل إيه؟! أنا روحت لقيت الفيلا محروقة

إيهاب بهلع: بتقول إيه!؟ طب أنت فين دلوقتي؟

مصطفى بتنهيده: أنا لسة في القاهرة؟!

إيهاب بهدوء: طب تعالى وهنشوف حل

أغلق الهاتف بعصبية، تمتم وهو يفتح باب السيارة بهمس يائس: إن شاء الله ميكونش حصلك حاجة، ويكون إللي في دماغي ده أوهام.

دخل السيارة، وأدار المحرك، والنيران مازالت تشتعل بداخله أكثر من تلك التي ابتلعت الفيلا.
💞____________بقلمي_ليلةعادل

فيلا سليم وماسة، الخامسة مساءً

جلس سليم في مكتبه، أمامه اللاب توب يراجع الملفات بعينين مرهقتين، كان يمد قدمه من حين لآخر ثم يغمض عينيه متألما، كأن الألم يزداد قسوة مع كل دقيقة تمر، تنهد بعمق، ثم نادى بصوت مجهد: يا سحر.

دخلت سحر مسرعة، عينيها مليئتان بالقلق:أيوه يا بيه؟

سليم وهو يضغط على ساقه: من فضلك هاتيلي الدوا من فوق، العلبه الحمرا، وأعملي فنجان قهوة،

سحر بلهجة حنونة: حاضر يا بيه، حضرتك تعبان؟

سليم يتنهد: آه شوية.

سحر بحنان: ألف سلامة عليك يا بيه.

سليم بتنهيدة ثقيلة: الله يسلمك، هي الهانم فين؟

سحر بإبتسامة صغيرة: قاعدة بتتفرج على التلفزيون وعملتلها طبق فاكهة بتاكله.

سليم بإيماءة هادئة: تمام، شكرا يا سحر.

صعدت سحر إلى الأعلى ثم عادت تحمل الصينية عليها فنجان القهوة، كوب الماء، وعلبة الدواء الحمراء، وأثناء مرورها في الممر، ألتقت بماسة، توقفت ماسة فجأة، نظراتها تركزت على الدواء.

ماسة بصوت متردد: الدوا ده لمين يا سحر؟

سحر بخفوت: لسليم بيه رجله وجعاه شوية.

ماسة بعينين مضطربتين: يعني تعبان أوي؟

سحر بنبره حزينه: لا التعب العادي إللي بيجي له، ربنا يشفيه ويعافيه…

وقبل أن تكمل سحر كلماتها، ظهر سليم يسير ببطء نحوهم، وقال بصوت جاد وهو ينظر إليهما: إيه يا سحر، كل دى بتجيبي الدوا والقهوه؟

سحر مرتبكة: آسفة يا بيه، اتفضل الدوا اهو، والقهوه احطهالك في المكتب؟

مد يده، تناول الحبة وابتلعها مع رشفة ماء، ثم قال بنبرة مجهدة: لا خلاص، هطلع أرتاح فوق.

سحر: خلاص هطلعهالك، ألف سلامة عليك يا بيه.

تحرك نحو الدرج، يجر قدمه، متكئا على الدربزبن متجنبا أي حديث مع ماسة كما أوصى الطبيب.

ظلت ماسة واقفة مكانها، قلبها يضيق كلما رأت خطواته المتعبة، فهي تلحظ بطء حركته في اليومين السابقين، لابد أن التعب اشتد عليه منذ اللحظه الذى ظل يركض فيها ورائها، شعرت بالوجع يتسلل إليها، وقبل أن تدرك، تحركت يداها من تلقاء نفسها، تمدها نحوه.

وقف سليم ينظر لكفها الممتد، ثم رفع بصره نحوها، ألتقت نظراتهما، فارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيه، ووضع كفه فوق كفها كأنه وجد سندا حقيقيا.

ماسة بصوت مرتعش: متروح للدكتور وتبطل إهمال في نفسك؟

سليم بتنهيده: بروح ورجعت أعمل عليها علاج طبيعي، بس بقالي يومين مروحتش، علشان بالي مش رايق، كان المسكن مريحني بس النهارده التعب زاد شويه.

ابتلعت ماسة ريقها من إحساسها بالذنب تجاهه، وقالت بنبرة اهتمام خرجت منها رغما عنها: بلاش تهمل في نفسك يا سليم.

نظر إليها بابتسامة خفيفة، وقلبه يخفق بالفرحة: حاضر.

أكملا الصعود معا، وهي تسنده وقلبها يدق بعنف، وتحاول أن تخفي ارتباكها خلف ملامحها الجادة، بينما هو لم تفارق الابتسامة وجهه؛ ابتسامة رجل تحرر من سجنه أخيرا، لمسة يدها كانت له الدواء، شعر كأن الألم في قدمه تلاشى.

انتبهت ماسة لنظراته، ألتفتت نحوه وهي تعيد خصلات شعرها خلف أذنها بتوتر: بتبتسم كدة ليه؟

سليم بعينين لامعتين: وحشني أوي اهتمامك وخوفك عليا.
وسرعان ما صحح بمزاح رقيق: قصدي إنسانيتك.

ارتبكت ماسة، وسحبت يدها بسرعة، وأخفت ارتجافها خلف نبرة صارمة: بلاش كلامك ده، خليني أساعدك وبس، ولا أقولك أطلع لوحدك.

كادت أن تتحرك، لكنه جذبها من كتفها وقال بابتسامة مازحة: يا ستي بهزر معاكي، بلاش قفش، يلا طلعيني.

ارتعشت نظراتها للحظة، وتعالت انفاسها، ثم خفضت بصرها محاولة الهرب من ضعفها أمامه، تنهد هو، وتنهدت هي أيضا، قبل أن يكملا الصعود.

في غرفته.

ساعدته على الاستلقاء على الفراش، عدلت الوسادة خلف ظهره، تلامست خصلات شعرها وجهه، فأغمض عينيه يستنشق عطرها بعمق، كأن العالم كله أختفى وبقيت هي فقط، كان هائما بها، قلبه يفيض فرحا كسجين نال حريته أخيرا.

انحنت تخلع حذاءه، وهو يراقبها بعينين تلمعان بالامتنان، كان قادرا على فعل ذلك بنفسه، لكنه تركها، كأن لمستها هي الدواء الحقيقي.

رفعت رأسها، وجهها ما زال مضطربا: مرتاح كده؟

ابتسم، وعيناه مليئتان بالعاطفة: أيوة، شكرا يا قطعه السكر.

ماسة بضجر ممزوج باهتمام: أنت أكلت علشان القهوه والأدوية دي؟

سليم بإبتسامة: لا مستنى ناكل سوا.

تبسم ماسة بلطف واهتمام: أنا كنت مقررة أطبخ النهاردة بإيدي، هخلي سحر تعملك طبق فاكهة لحد ما الغدا يجهز.

هز سليم رأسه بالإيجاب، وقفت عند الباب: عايز تاكل حاجة معينة؟

بإبتسامة عاشقة: أي حاجة من إيدك حلوة، بس ولو عملتيلي الطاجن إللي بحبه، هبقى ممنون ليكي جدا.

هزت رأسها بإبتسامة بصمت، فتحت الباب وغادرت خطوة، ثم عادت وهي ترفع حاجبها: على فكرة، أنا بعمل كده عشان إنسانيتي، متفهمش غلط، أنا لسة مش طايقاك، بس أنت جوزي، وهتحاسب عليك.

تمتم سليم بابتسامة حزينة: فاهم، فاهم طبعا، ما أنا قولتلك، وحشتني إنسانيتك.

تبادل النظر للحظات، ثم خرجت وهي تلعن قلبها الذي مازال يحن إليه ويخاف عليه، بينما هو أغمض عينيه غارقا في سعادته، وهو يتذكر لمساتها واهتمامها.

وبالفعل نزلت ماسة إلى المطبخ، بدأت في تحضير الطعام بحماس غريب، دون أن تفهم سر الدافع الذي يحركها، وبعد أن انتهت من إعداد كل شيء ورتبت الصينية، صعدت إلى الأعلى، كان سليم قد غفى.

وضعت الصينية على الطاولة القريبة، ثم وقفت تتأمل ملامحه بتركيز، كأنها تبحث عن شيء ضائع منها، اقتربت أكثر، حتى صارت رائحة عطره تلامسها، ترددت، ثم مدت أناملها بخفة، كانت تريد أن تداعب لحيته، قاومت لحظات، لكنها عجزت، فمررت أصابعها برعشة على شعر لحيته، في تلك اللحظة دق قلبها بعنف، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها، كانت تشتاقه مهما كذبت على نفسها، ومهما حاولت أن تبدو صلبة وقاسية، فهي في أعماقها لا تزال تعشقه، ولا تزال تضعف أمامه، لهذا كانت دائما تهرب منه، لأنها تعلم أن البعد يمنحها قوة، أما القرب فيسلبها الإرادة.

تنهدت بدموع غلفت عينيها من ذلك الضعف، وجزت على أسنانها بغضب من نفسها: كيف تفعل كل ذلك بعد ما فعله بها؟ يا الله، أي حب هذا الذي يجعل الإنسان ضعيفا أمام من يحب، مسلوب الإرادة، كأن القلب هو الذي يحكم كل الأفعال؟

مسحت دموعها بسرعة، ثم أخذت نفسا عميقا وربطت على كتفه برفق: سليم، سليم، أصحى.

تحركت جفونه ببطء، فتح عينيه وابتسم: ياااه، يا ريت كل يوم أصحى على عيونك إللي بموت فيهم دول.

نظرت له ماسة، وقد هزها الموقف من الداخل، صدرها ارتجف من قربه ونظرته، وقالت وهى تدعي الانشغال بجلب صنيه الطعام: يلا قوم، أنا عملت الأكل.

بدأ أن ينهض حتى جلس، انزلقت عيناها نحو طبق الفاكهه على الكومودينو، والذى يبدو أنه لم يمسه قط، قالت بصوت خافت: مأكلتش ليه؟

رمقها سليم بإبتسامة صغيرة: مكانش ليا نفس.

قالت وهي تحاول إخفاء ارتباكها: طب عامل إيه دلوقتي؟

هز رأسه إيجابا: أحسن، الحمد لله.

وضعت الصينية أمامه وجلست: طب يلا كل.

نظر سليم إلى الأطباق بأنبهار، فوجد فراخ مشوية على طريقته المفضلة، ورق عنب، وطاجن لسان عصفور بالخضار ومخلل زيتون.

سليم بابتسامه: أنتِ عاملة كل الأكل إللي بحبه!

ماسة ببرود: وأنا كمان بحبه، متنساش كده.

ضحك وقال بتدلل وهو يمسك يده ويدعي الألم: طب ممكن تأكلينى؟ إيدي وجعاني.

نظرت له بسخرية: انسانيتي ليها حدود يا سجنجن.

ضحك بحرارة: تصدقي وحشتني الكلمة دي،وحشتني حتى سجنجن إللي كنتي بتجننيني بيها.

ضحكت ماسة ضحكة خرجت منها رغما عنها، ثم دفعت الأطباق أمامه: طب يلا كل.

بينما يتناول الطعام، رفعت نظرها إليه وقالت بإهتمام: هو أنت كنت تعبان كده علشان الجري إللي جريته ورايا؟

ابتسم سليم بتعب: هو أكيد الفرهده اللى فرهدتهالى جزء من التعب، بس مش السبب الرئيسي، أنا قولتلك بقالى يومين بفوت جلسه العلاج الطبيعي وباخد مسكنات، بس هكلم الدكتور واحجز معاد بكره.

ثم ركز النظر بها، وقال بعينين تلمع: تسلم إيدك يقطعه السكر، أكلك كان واحشني، بس مش أنتِ إللي عاملة ورق العنب؟

أجابت بخجل: سحر إللي عملته، بس أنا إللي سويته.

سليم بابتسامة: شوفتي، بعرف آكلك إزاي؟

رفعت ماسة حاجبها بشراسة: هو إنت كنت عايز ماتعرفش اكلي؟ والله كنت دبحتك!

ضحك سليم: لا يا عم الشرس، إحنا مش قدك!

رفعت ماسة حاجبها: أهو كده الكلام!

وضحكوا سوا.

صمتت لبرهة، وأخذت تحدث نفسها بصمت: ماذا أفعل؟ كيف أمزح معه وكأن شيئا لم يكن؟ أي عبط هذا؟ ثم وضعت الملعقة وقالت فجأة: الحمد لله، أنا شبعت.

رفع حاجبيه: أنتِ مكلتيش حاجة.

ماسة بنيرة مهتزة وهي لا تنظر له: لأ، أكلت كتير النهاردة، لو احتاجت حاجة نادى…
سكتت لحظة، كادت تقول “سحر”، لكنها بلا وعي أكملت: نادي لي أنا في الأوضة.

نظر سليم اليها بصمت، ثم أومأ برأسه بإبتسامة باهتة، كان يشعر بالحزن من مقاومتها، لكنه في الوقت ذاته يغمره أمل جديد.

خرجت من الغرفة مسرعة نحو غرفتها، وهي تشعر بالوجع والغضب، فامسكت وسادة والقتها بعيدا.

منزل لوجين الثامنة مساءً

وقف ياسين أمام الباب، يحمل باقة ورد وعلبة شوكولاتة فاخرة، ضغط على الجرس بإبتسامة هادئة، وعيناه تلمعان بثقة.

بعد لحظات، فتحت له لوجين الباب، كانت بكامل أناقتها، ترتدي فستانا بسيطا لكنه أنيق، تاركة شعرها ينسدل على كتفيها، وابتسامتها تضيء ملامحها.

لوجين بترحاب، وهي تتنحي جانبا لتدعوه يدخل:
ايه المفاجأه الحلوه دى، أتفضل.

ياسين بإبتسامة خفيفة وهو يعبر العتبة: عاملة إيه؟

اومأت برأسها وهي تغلق الباب خلفه: الحمد لله.

مد إليها الورد، وقال بصوت هادئ: اتفضلي.

اخذت منه الباقة، تشمها بإبتسامة إعجاب: ميرسي جدا، شكله جميل أوي.
ثم أشارت بيدها: أتفضل من هنا.

سارا معا نحو الصالون.

لوجين بامتنان رقيق: تعبت نفسك والله ماما بقت كويسة الحمد لله، وكنت هرجع بكره.

رفع ياسين حاجبيه مازحا: مكنتيش عايزني أجي ولا إيه؟

هزت لوجين رأسها بابتسامه: لا، إزاي! أنت تيجي في أي وقت.

في الصالون.

جلست والدتها نهى وبجانبها أختها نغم، حاولت الأم النهوض لتحيته.

فانحني ياسين يصافحها بأحترام: خليكى زى ما أنت، حمدلله على سلامتك يا هانم.

ابسمت نهى بود: الله يسلمك، شكرا، تعبت نفسك.

جلس ياسين بهدوء: مفيش أي تعب.

ثم يلتفت نحو نغم بأبتسامة جانبية: أخبارك إيه يا نغم؟

إجابته نغم بخجل خفيف: تمام الحمد لله.

لوجين بتساؤل: تشرب إيه؟

ياسين بابتسامه: قهوة مظبوطة.

لوجين بمرح: طبعا مفتقد القهوه إللى بعملهالك.

ياسين بابتسامه: آه والله اليومين دول مش عارف اشرب قهوه خالص.

لوجين بابتسامه: دقيقه واحده ويكون قدامك أحلى فنجان قهوه.
ثم تتحرك بخفة نحو المطبخ.
وحينما اختفت داخل المطبخ، ألتفتت الأم نحوه وقالت بصوت منخفض يميل للجدية: أنا حقيقي بشكرك على إللي عملته معانا، المستشفى إللي وديتنا ليها، وإنك دفعت الحساب، وفضلت طول طول الليل مع بناتى، حقيقي مش عارفه اشكرك ازاى.

ابتسم ياسين بخجل: لا شكر على واجب، أى حد مكاني كان هيعمل كده وأكتر.

نهى بنبرة ذات معنى: طيب، أخبار مراتك وبنتك ايه؟

عدل ياسين جلسته، وأجاب بإختصار: الحمد لله، كويسين.

عادت لوجين بالقهوة، ووضعت الصينية على الطاولة برفق، وقالت بمرح: عملتلكم أحلى قهوه هتشربوها في حياتكم.

ثم جلست بجانب ياسين، وقالت بابتسامه: أخبار الشغل من غيري ايه؟ أكيد مالوش طعم.

ياسين ضاحكا: حقيقي، المكتب مستنيكي تنوريه، ووراكي شغل قد كده.

رفعت لوجين حاجبها مازحة: والله حاسة، بس متنكرش إني كنت بظبط كل حاجة بالتليفون.

ياسين باستسلام: مقدرش أنكر.

وأخذ يتناول قهوته، وحينما انتهي وضع الفنجان، ونهض بهدوء: طيب، أنا همشي بقي، كنت بس جاي أطمن على مدام نهي، والحمد لله إنها بخير.

ثم التفت للوجين: ولو حابة تقعدي يومين زيادة، براحتك.

نهضت لوجين، مزحته: إيه ده؟ مش لسه قايل مفتقدني ههههه؟

ياسين مشيرا برفق إلى والدتها بإبتسامة: الهانم أهم،
عن اذنكم.

عند الباب

لوجين بإبتسامة ممتنة: شكرا يا ياسين على الزيارة اللطيفة والسريعة أوي دى.

ياسين بجدية ممزوجة بالدعابة: زيارة المريض لازم تكون سريعه.
ثم ابتسم مازحا: هستناكي بكرة، أنتِ والسندوتشات.

ضحكت لوجين وهي وتلوح بيدها: بس كده، عنيا.

صافحها ونظر في عينيها لحظة صامتة، ثم ابتعد بخطوات ثابتة نحو المصعد. تابعته بعينيها وابتسامة صغيرة حتى غاب عن نظرها.
عادت وجلست بجوار والدتها، بينما نغم فتحت علبة الشوكولاتة وأخذت قطعة بهدوء.

نغم بتلذذ: طعمها حلو أوى.

نظرت نهى إلى لوجين بنظرة جادة لكن الحديث يخفي شيئا آخر: ياسين محترم، بس متجوز.

نظرت لها لوجين بتعجب: ما أنا عارفة يا ماما إنه متجوز.

اقتربت نهى منها، وقالت بصوت حازم: خليكي دايما فاكرة النقطة دي.

تنفست لوجين بعمق، وهزت رأسها: مفيش حاجة بينا يا ماما صدقيني، إحنا أصحاب عادى.

وضعت نهى يدها على يد ابنتها، وتابعت بجدية: لا مش عادي، خصوصا إنه راجل متجوز، مش عايزاكي تتوجعي، علاقتكم حساها قربت أوي وأخدتوا على بعض أوى، وده مينفعش، هو مهما لف مسيره هيرجع لمراته وبنته، أنتِ إللى هتتوجعي يا بنتى.

منزل عائلة مصطفي، الثامنة مساء.

جميع أفراد العائلة يجلسون في ترقب وانتظار، القلق مرسوم على وجوههم، وبعد قليل، فتح مصطفى الباب ودخل، فنهضت العائلة كلها فورا.

إيهاب بلهفة: خير يا مصطفى؟! إيه الحريقة إللى كنت بتقول عليها في التليفون دى؟ إيه إللى حصل؟

نبيلة بسرعة: ماتصبر عليه يا إيهاب ياخد نفسه الأول، عائشة هاتي كوباية مية لأخوكي.

تنطلق عائشة نحو المطبخ، بينما جلس مصطفى على الأريكة منهكا، يلتقط أنفاسه بصعوبة القي مصطفى مفاتيحه على الطاولة، عادت عائشة بكوب ماء وتقدمه له.

لم ينتظر إيهاب، قال: فهمني، إيه إللي حصل؟

احتسى مصطفى رشفة، ثم تكلم بصوت متعب وممزوج بحيرة: معرفش، أنا روحت الفيلا لقيتها محروقة ومفيش حد هناك، وسليم مبيردش على تليفونه، ومش موجود في المجموعة، أنا خايف عليها يكون عمل فيها حاجة!

إيهاب بقلق: طيب معرفتش الحريقة دي سببها إيه؟

رفع مصطفى كتفيه بيأس ثم أنفجر بنبرة مشوشة: مش عارف، تفتكروا يكونوا اتخانقوا مع بعض وحرق الفيلا؟ والله أعلم الملعونة ندى قالتله إيه تاني؟!

حاولت نبيلة تهدئة الجو: ممكن تكون الحريقة دى قضاء وقدر، وأنتم إللى واهمين نفسكم.

إيهاب مستنكرا: قضاء وقدر؟! اشمعنا دلوقتي؟!

نبيلة بعقلانية: واحد زي سليم كان زمانه حرق الفيلا بيها من أول يوم رجعها فيه، مش هيستنى يوم بليلة وبعدين يحرقها!

فكر مصطفى للحظة، ثم قال باقتراح مرتبك: ممكن يكون بعد ماحرقها خرجها من الفيلا، وحطها في مكان تاني…
صمت للحظة ثم تابع بحيرة: طب نكلم أهلها؟
صمت ووضع يديه على جبينه بتفكير عميق: لأ بلاش هنخوفهم على الفاضي، هو أكيد هيظهر…
أضاف بحسم: ولو مظهرش أنا هروح لأي حد من أهله، يوصلني ليه.

إيهاب بسرعة: عامة أنا مظبط الأرقام لو عايز تكلم أختها.

زم مصطفي شفتيه بحيرة واضحة على ملامحه، وهو عاجز عن إتخاذ قرار: خايف نعمل كدة نخوفهم عليها، وبعدين هما بإيديهم إيه يعملوه أصلا؟!

حاولت نبيلة تهدئة الأجواء مرة أخري: أنا متأكدة إنه مش هيعمل لها حاجة.

فقد إيهاب أعصابه لأول مرة: أنتِ اللي طالع عليكي مش هيعمل لها حاجة؟! أنتِ جايبة منين كل الثقة دي فيه بعد كل إللى هى حكته عنه؟!

نظر إليه مصطفى وعائشة بإستغراب.

مصطفي بحدة معاتبه: إيهاب، خد بالك من نبرة صوتك.

تراجع إيهاب فورا: أنا آسف يا ماما مقصدش، أنا هدخل أقف في البلكونة شوية.

نهض متجها إلي الشرفة، ولكن أوقفته نبيلة قائلة بصوت متماسك: إيهاب، هو سمع كلام ندي، وجه ورجعها بهدوء، وحضنها قدامنا، وكلنا شوفنا خوفه ولهفته عليها لما رفعت السكينة على رقبتها، دى كلها مش تصرفات حد هيحرق ولا يأذى، دى تصرفات واحد عاشق التراب إللى بتمشي عليه، ده حتى مصطفي أخوك لما عمل إللى عمله سكتته بنظرة من عنيها.

أيدت عائشة كلام والدتها برفق:وأنا رأيي كدة برضو.

مصطفى بجدية وحسم: عموما، أنا مسافر القاهرة يومين، ولو مظهرش في اليومين دول، هقابل أبوه أقوله يوصلني بأبنه.

هزت نبيلة رأسها بضجر: أنا مش فاهمة أنت شاغل بالك بيها ليه، ماخلاص رجعت لجوزها، عايز منها إيه تانى، إحنا عملنا معاها الواجب وزيادة.

أنفجر مصطفى بضيق: دى كانت هتموت نفسها عشان تاخد منه كلمة إنه مش هيأذينا! وأنتِ تبيعيها كده بسهولة! وحتى مش عايزانا نعرف أخبارها ونطمن عليها!
ثم نظر في عينيها وهو يضغط على كلماته: بقولك أنا روحت لقيت الفيلا محروقة، وندى قالتله إن كان فيه بينا علاقة! واحد زي سليم تخيلي ممكن يعمل فيها إيه بعد كلام ندى ده؟

نبيلة بحزن: أخص عليك يا مصطفى، أنا بعتها !! دى ربنا وحده يعلم أنا حبتها قد أيه، بس بحبكم أنتم أكتر، أنتم ولادي، وأنا خايفة عليكم، إذا كان سليم سكتلك مرة فهو مش هيسكتلك كل مرة…
أضافت بلوم وعتاب: وأصلا مكانش يصح إنك تقول الكلام إللى أنت قولته ده، ولا تقف قصاد راجل وتمنعه ياخد مراته وتتحايل عليها متروحش معاه، دى لا أدب ولا أصول ولا دين ولا أنا ربيتك على كده، ولما أجى أكلمك في الصح والأصول تقول عليا بعتها؟!

هز مصطفي رأسه بإيجاب وهو يقول بنبرة معاتبة في محاولة لإخفاء خجله من نفسه: طب والأصول يا ماما بتقول إن واحدة عاشت وسطنا شهور، وأكلنا مع بعض عيش وملح، يوم ماتمشي منسألش فيها ولا نطمن عليها !!! خصوصا بعد ماعرفنا إللى ندى عملته وأنتِ عارفة كويس قد إيه ندى مؤذية؟! وإللى زاد وغطي إني روحت لقيت الفيلا محروقة، دى كلها حاجات متخلنيش أقلق وأبقي عايز أطمن عليها !!

نبيلة بنبرة قلقة: يا أبنى يمكن هما قافلين على نفسهم وبيتصافوا ويتعاتبوا ويومين ولا حاجة ويظهروا، فبلاش نقلق نفسنا على الفاضي، وربنا يسترها معاها ويجيب العواقب سليمة، قوم يا أبنى غير هدومك على ما أعملك لقمة تاكلها، أنت مكلتش حاجة من الصبح وطول النهار برة.

تنهد مصطفي، ثم هز رأسه بعدم اقتناع، واتجه إلي غرفته.

نظرت نبيلة لأثره وهي تنظر لأعلي وتدعو: ربنا يهديك يا مصطفى يا ابني.

وفي الليل…

عند لوجين، كانت الموسيقى الهادئة تتردد في الغرفة، وهي جالسة على السجادة الرياضة بملابسها الرياضية، أغمضت عينيها، وأخذت نفسا عميقا، ثم مددت جسدها في إحدى وضعيات اليوغا.
لكن عقلها أبى أن يصفو… تطفو صورة ياسين أمامها من جديد: صوته، وقوفه بجانبها، ضحكهما معا، تذكرت دفء اللحظات، وكيف كان قلبها يطمئن في وجوده، فكرت في حديث والدتها، هل يمكن أن يكون حديث والدتها صحيح؟ هل قربها منه خطأ؟

رفرفت بجفونها سريعا، وضعت كفيها على وجهها تخفي ابتسامة صغيرة تسللت رغما عنها، ثم همست لنفسها بحزم “مفيش أي حاجة، صديق وبس، ماما بتهول الموضوع.”

سحبت نفسا آخر بعمق، وكأنها تطرد تلك الأفكار بعيدا، مدت ذراعيها إلى الأمام، وأعادت تركيزها على التمارين.

وفي اتجاه آخر…

كان مصطفى واقفا أمام نافذته، الهاتف مازال في يده، وسليم لا يجيب على اتصالاته، الأفكار تتزاحم في رأسه، وكلما تذكر ما قالته ندى لسليم، أزداد خفقان قلبه واضطربت أنفاسه.

لكن القلق بلغ ذروته بعد أن رأي الفيلا محترقه، لم يعد يفهم شيئا، سوى أمر واحد ظل يسيطر على عقله “يجب أن يلتقي بسليم بأي طريقة ممكنة”

وعند سليم وماسة.

كان سليم قد أتصل بالطبيب النفسي، وروى له ماحدث مع ماسة، ثم سأله عن الوقت المناسب لإعداد المفاجأة التي اتفقا عليها، فأجابه الطبيب أن ينتظر يومين ويتركها على راحتها، مؤكدا أن مايحدث معهما يعد تقدما رائعا.

ظل سليم يفكر بسعادة بكل ما قدمته ماسة له، بينما كانت هي غارقة في صراع داخلي، رغم مرور يومين فقط، شعرت بالضجر والحيرة، والألم الذي يشد قلبها للاستماع إليه، بينما عقلها يرفض، سالت دموعها بصمت، وهي تغوص في أفكارها عن ما هو قادم؟

حتى جاء الصباح، ليبدأ يوم جديد في حياة الجميع يحمل في طياته الكثير.
💞______________بقلمي_ليلةعادل

مكتب ياسين، التاسعة صباحا

دخل ياسين إلى مكتبه بخطوات واثقة، مر على مكتب لوجين، وجدها جالسه بكامل أناقتها، شعرها منسدل على كتفيها، وعيناها غارقتان في الأوراق أمامها، جمالها الطبيعي وبراءتها لفتت انتباهه، فوقف يتابعها بابتسامه واسعه.

ثم تقدم اليها، ومال برأسه قليلا وقال بنبرة لطيفة:
وأنا أقول المكتب منور ليه، حمدالله على السلامه.

رفعت لوجين عينيها، وابتسمت بخفة: الله يسلمك.

أومأ بثقة، وظهر في صوته نشاط صباحي: ها مستعدة؟ النهاردة فيه شغل كتير.

عضت لوجين شفتها بخفة وهي تنظر في شاشة الكمبيوتر: ده حقيقي أنا لسة ببص على الجدول، عندك اجتماعين وكذا مقابلة مهمة، بس متقلقش أنا هظبطلك كل حاجة.

أشار ياسين بيده بعمليه: تمام، أعمليلى فنجان القهوة بتاعك إللي مفتقده، وتعالي عشان نتكلم في الجدول.

أومأت سريعا، وأعادت عينيها إلى الأوراق، تخفي ابتسامة صغيرة، ودخل هو إلى مكتبه.

بعد دقائق، طرقت الباب بخفة، ودخلت تحمل كوب ليمون، ووضعته أمامه بحذر: قولت أعملك لمون بدل القهوة، القهوة من غير فطار تحرق دمك، أنا عارفه إنك مش بتحب تفطر دلوقت، فشويه كده أجيبلك السندوتشات تفطر وبعدين أعملك قهوة.

رفع ياسين عينيه عن اللاب توب، ونظر إليها بابتسامة إمتنان: ميرسي يا چوچا.

ثم مال للأمام، عينيه تلمعان بحيوية صبيانية: بس قبل متسحلينى معاكى في الشغل، ألحقيني بخروجه حلوه أنا حاسس إني فصلان على الآخر.

هزت كتفيها بخفة، ورفعت حاجبيها بإبتسامة مازحة: ممكن أظبطلك خروجة مع أصحابك، تروحوا مكان زي الملاهي، تمسكوا فيه مسدسات لعبة كدة وتقتلوا بعض، مش فاكرة اسمها إيه.

قهقه ياسين، وضرب كفه على المكتب: إبعديني عن الألعاب القتالية، دي خليها لرشدي، هو بيحبها.

لوجين بابتسامه: طب هفكرلك في مكان تاني.

ساد صمت قصير، دقق ياسين النظر في عينيها وقال بدهشة: هو أنا ليه حاسس إنك مش حاطة نفسك معايا في الخروجه؟

ارتبكت، وقالت بخفوت: لا أنا مش هينفع أخرج معاك الفترة دي، لحد ما أتأكد إن ماما بقت كويسة.

لكن الحقيقة أنها كانت تريد أن تبتعد قليلا، تخشى أن يصدق كلام والدتها، وأن يدخلها قربها الزائد منه في حزن، أو يجعلها تحبه دون أن تشعر.

أومأ ياسين ببطء، يخفي خيبة أمله بإبتسامة باهتة: تمام.

حاولت لوجين تغيير الموضوع: طب قولي، أخبارك ايه مع مدام هبة لسه الأمور بينكم مش متظبطه؟

رفع يده سريعا مقاطعا: لا، مش عايز أتكلم في الموضوع ده، خلينا نبدأ شغل.

لوجين بهدوء: حاضر.

ثم مدت يدها بملف وقالت: الأوراق دى محتاجه توقيعك.

أخد منها الملف وقبل أن يبدأ بالتوقيع، رفع عينيه اليها مبتسما: بقولك إيه، إحنا عندنا مزرعة خيل علي طريق الفيوم، إيه رأيك نقضي اليوم فيها؟ أنا شوفت على الإنستا بتاعك إنك بتحبي الخيل.

رفعت عينيها بإرتباك: مش عارفة، بس أصل..

قاطعها بحسم، وصوته يحمل قرارا نهائيا: لا مفيش أعذار، يوم الجمعة هنروح.

لوجين بارتباك: ماشي هشوف.

وبدأ في العمل معا، كان ياسين بين الحين والآخر يلقي نكتة، فتضحك، لكن ضحكتها لم تكن صافية كما اعتاد، إذ ظلت عيناها تحملان قلقا خفيا.

وفجأة، فتح الباب بسرعة، ودخلت فايزة بخطوات حادة: ياسين كنت عاي…

لكنها توقفت فجأة حين رأت لوجين، وقفت لوجين وشدت الأوراق بين يديها، وقالت بتحفظ: صباح الخير يا فايزة هانم.

ضيقت فايزة عينيها، ونظرت اليها بنظره فاحصه، ثم ردت بجفاء: صباح النور، أخيرا جيتي.

لوجين، بنبرة تحمل تبريرا: ماما كانت تعبانة.

لوحت فايزة بيديها: عندي خلفية، ألف سلامة..
ثم نظرت لياسين وقالت بعملية: ياسين كنت عايزاك تركز كويس في المناقصه دى، لازم ناخدها.

اتبسم ياسين، وقال بصوت هادئ مطمئن: متقلقيش هناخدها، حضرتك هتحضري معايا.

رفعت حاجبها بإيجاب: أيوة هكون معاك.

ياسين بتهذب: تمام، عشر دقايق وهكون جاهز.

أومأت برأسها، لكن عينيها لم تفارق لوجين، استدارت نحو الباب، وأمسكت بالمقبض، وقبل أن تغادر، دوى صوت ياسين من الداخل: أنا مش عايز اعتراض هتيجي معايا المزرعة مفيش هشوف، هنعمل سباق خيل مع بعض.

ضحكت لوجين بخفة، وحركت يدها بعفوية: هو أنا ليه حاسة إنك بتحاول تغريني علشان عارف إني بحب الخيل.

ابتسم ياسين بمكر، ومال نحوها: الصراحة آه، الشغل واخدك مني، وماما كويسة خلاص، بلاش هس هس.

ابتسمت لوجين، رفعت حاجبها متحدية: خلاص ماشي، طب واللى يكسب السبق؟

ياسين ضاحكا: مبلاش لاكسبك زى ما بكسبك علطول.

أشارت لوجين بتهديد مازح: لا لحد هنا وإنسى، الخيل حاجه والاسكواش حاجه، أنا كنت لحد أولى إعدادي بتدرب خيل ودخلت مسابقات كتير.

ياسين بابتسامه: عايزين نبقي نشوف الجمدان دى في المزرعه، دلوقت خلينا نخلص إللي ورانا.

كل ذلك، وفايزة تقف خارج المكتب تستمع إلى الحديث، ابتسمت فجأة، وومضت في عينيها فكرة غامضة، كأنما وجدت خيطا تلعب به!

مكتب سليم العاشرة صباحا

في بهو المكتب وقف مصطفى أمام السكرتيرة نور ووقاره يزيده صرامة.

مصطفى بإقتضاب: عايز أشوف سليم بيه؟!

نور بإبتسامة مهنية: فيه موعد سابق؟

مصطفى بصرامة: قولي له دكتور مصطفى.

أومأت نور سريعا، ثم دخلت إلى المكتب، تاركة مصطفى واقفا بجموده، يديه في جيبيه، وجهه مشدود الملامح.

بعد لحظات خرجت نور وقالت: اتفضل يا فندم، سليم بيه في انتظارك.

مكتب سليم

كان سليم يجلس خلف مكتبه العريض، ينظر في الأوراق المبعثرة أمامه، وكأن دخول مصطفى لا يعنيه.

دخل مصطفى بخطوات سريعة، والغضب بادي على ملامحه، وصاح بغضب: كلمتك كتير، مبتردش عليا ليه؟

رفع سليم عينه ببرود، وأجاب بهدوء وهو يشير للمقعد: اتفضل يا دكتور.

نظر له مصطفى ووقف مكانه، وصوته أرتفع أكتر وقال: رد عليا يا سليم، مبتردش عليا ليه؟

سليم ببرود: هو أنا المفروض أبررلك؟

أشتعل وجه مصطفى غضبا، أقترب خطوة من المكتب: عملت فيها إيه؟

حرك سليم مقعده بهدوء وقال بنبرة ثابتة: وهعمل فيها إيه؟ أنت ناسي إنها مراتي؟!

مصطفى بتوتر: سليم الكلام العبيط إللي قالتهولك ندى مش حقيقي، دي واحدة مجنونة صدقني ولا كلمة من اللى قالتهولك صح.

ابتسم سليم بهدوء وثقة: أنا عارف، أنا واثق في ماسة.

أوما مصطفى برأسه: طب كويس، كنت قلقان عليها.

رفع سليم حاجبه وهو يتأمله: مش شايف إن قلقك ده زيادة حبتين؟ وغير مقبول، بتخاف عليها من مين؟ من جوزها؟

جلس مصطفى بهدوء، وصوته صار أكثر حدة: مش شرط علشان أنت جوزها تكون مصدر أمان ليها، متنساش إنها خرجت من بيتك في عز الليل بقميص نومها في حالة صعبة جدا، وواخدة علقة موت، ولما جيت تاخدها من عندنا مخرجتش معاك غير وهي رافعة سكينة على رقبتها وبتطلب منك أمان الناس إللي وقفوا معاها، إزاي قابل على نفسك تعيش مع واحدة مش عايزاك؟! لازم تفهم إنها مش عايزاك ووجودها معاك دلوقتي في الشرع حرام.

اشتعلت عيني سليم بالغضب، ومال للأمام قليلا وهو يقول بصوت منخفض لكنه حاد: ماسة ماشية معايا برضاها، وأظن إنها قالتلك كده بنفسها، وقاعدة في الفيلا برضو برضاها، أنا مغصبتهاش على حاجة.

ثم عاد بظهره على الكرسي مرة أخرى، وهو يحاول تمالك غضبه، مذكرا نفسه بأن هذا الرجل هو من أنقذ ماسة، وتابع على نفس ذات الوتيرة: فأهدى كده يا دكتور يا محترم، وخلينا نتكلم بهدوء، وأعقل الكلام إللى أنت بتقوله.

قبض مصطفى يديه بعنف وصوته امتلأ إصرارا وهو يركز النظر في ملامح سليم: لازم تفهم اني مش هسيبها وهحررها منك، أنا مش هخاف، وعارف إنك ضعيف ومتسند على سلطتك وحراسك وفلوسك، لكن أنت من غيرهم فاضي وضعيف، وأنا مش هسبهالك تمرمط فيها أكتر من كدة؟!

قال كلماته تلك ونهض وخرج بهدوء وقوة

جز سليم على أسنانه بقوة كادت أن يفتك بهم، وقلب عيناه التى كانت تطلق شررا من شدة غضبه، ارتجفت يده لحظة، وفجأة نهض بعنف، وقلب الأوراق المبعثرة على المكتب، ثم مسح سطحه بيده في حركة واحدة، فتساقطت الملفات أرضا شيء واحد هو الذي يجعل سليم يحاول ان يتملك نفسه أن ذلك الرجل هو من انقذ ماسة.

المصحة النفسيه التى نقلت لها ندى، العاشره صباحا.

بدأت ندى تستعيد وعيها شيئا فشيئا، وكانت الإصابات على جسدها واضحة للعيان؛ يدها مكسورة ومغطاة بالكدمات، وقدماها متورمتان، ورأسها مربوط بشاش طبي

ندى بصوت واهن وهى ترمش بعينيها في محاولة لاعتياد علي ضوء الغرفه: آااه، أنا فين، أيه اللى حصل

اقتربت مشيرة من الفراش، وصوتها يعتصره الألم واللوم: إيه إللي عملتيه في نفسك دى يا ندى؟ وكل دى ليه؟ علشان راجل قالك أنا مش عايزك؟ فين كرامتك يا بنتي؟ هي حصلت تنتحري وتموتي كافرة؟! أنا مش عارفة أقولك إيه؟! هتموتيني أنا وأبوكي ناقصين عمر من اللي بتعمليه فينا دى.

مزقت الكلمات صدر والدها، فقال بنبرة مختلطة بين الحزن والغضب ومليئه بالخذلان واللوم: فين ندى بنتى اللى ربيتها؟ راحت فين؟ كان فين دماغك وتربيتك وأنتِ بتأذي ست ملهاش ذنب، طب مفكرتيش في رد فعل مصطفي لما يعرف! وكمان راحه تقوليله بمنتهى البجاحه إن أنتِ إللي أذيتيها؟ أنتِ جبتي الشر والجحود دى كله منين؟!

انفجرت ندى ببكاء متقطع، وهمست بصوت مكسور: كنت عايزها تمشي من قدام عنيه، علشان مصطفى يشوفني ويرجعلي؛ لأنه كان مهتم بيها ومش شايف غيرها.

مشيرة بعنف وحزن في آن واحد: مش الست دي يا ندى ولا غيرها اللى خسروكي مصطفي، أنتِ إللي ضيعتيه من ايدك بعمايلك دي.

ثم أشارت بيدها بحسم وهي تقول: وأسمعي أنتِ هتفضلي هنا، وهتتعالجي، حتي لو غصب عنك، وهتنفذى كل إللى يطلب منك.

صمت المكان لبرهة، ثقل الكلام يملئ الغرفة، بينما الطبيب يكتب ملاحظاته بهدوء.

نظرت ندى حولها باستغراب، وهي تتسائل: هنا؟ هنا فين؟

فتحي بحزم: هنا في المصحه النفسيه، هتتعالجي وتنفذى كل إللي الدكتور هيقولك عليه حتى لو غصب عنك.

صاحت ندى بصدمه: مصحه؟؟ مصحة اييه؟؟؟

ثم وقفت بعنف رغم الألم الذى ينهش جسدها، وصاحت بعنف ونكران، وهي تضع يديها على أضلعها بألم: أنا يستحيل أقعد هنا ثانيه واحده، أنا مش مجنونه علشان أقعد هنا، أنا معملتش حاجة غلط علشان تقولوا عليا مجنونه، أنا كنت بدافع عن حبي، هي إللي كانت عايزة تاخده مني، مصطفى بيحبني أنا، هو بس زعلان منى شويه وأنا هصالحه.

نظر اليها فتحي بحزن وهو يئن على حال ابنته: لا يا ندى، مصطفى مبقاش بيحبك، وأنتِ لازم تصدقي دى.

رفعت ندى عينيها إلى أبيها برجاء يائس ويديها ترتعشان وهي تقول بمهاوده: حاضر يا بابا، أنا مش هتكلم عن مصطفى تاني، ولا هقرب من أي حد يخصه، بس بالله عليكم متسبونيش هنا أنا مش مجنونه.

فتحي بصوت مكسور: أنتِ كنتي هتموتي نفسك يا ندى!

ندى وهي تلهث من البكاء، وتقول في محاولة لإقناعه: مش هعمل كدة تاني.

اقترب الطبيب خطوات قليلة، وقال بصوت هادئ لكنه حاسم: لو بقيتي كويسة هتخرجي، إحنا بنعمل كده عشان مصلحتك وسلامتك.

صرخت ندى بأعلى صوتها: أنا مش هقعد هنا دقيقه واحده، أنا مش مجنونه، أوعوا من وشي ..

اندفع بعض الممرضات نحوها وحاولن الإمساك بها بقوة وحزم، لكنها قاومت، ويدها تلوح في الهواء وتدفع من يحاول الاقتراب منها، وتصرخ مستغيثة بوالديها: يا بابا! يا ماما! متسيبونيش هنا!

وقف والديها ينظران اليها في عجز، ودموعهم تنهمر، فصاحت والدتها من بين شهقاتها: يا دكتور، هما مكتفينها كده ليه، إزاي تعملوا فيها كده؟

الطبيب بنبرة مطمئنة: أحنا بنعمل كده علشان متأذيش نفسها، فمن فضلك أهدى وحاولي تتمالكى أعصابك شويه.

ظلت ندى تصرخ بجنون، وبعد مقاومة يائسة لم تدم طويلا، أمسكها الفريق الطبي، وغرز أحدهم إبرة مهدئة في ذراعها السليم، فبدأ صراخها يخف شيئا فشيئا، وعيناها تغيبان عن الوعي، وهي تردد: أنا مش مجنونة… متسبونيش هنا! حتى سكنت تماما وغفت.

وقف والدايها إلى جوارها، ينظران اليها بعينين غارقتين في الحزن والدموع، قلبهنا يتمزق لكنهما يعلمان أن هذا هو الحل الوحيد لاستعادة ابنتهما.

ومن هنا، بدأت ندى رحلتها الطويلة في علاج أزمتها النفسية، التي طالما أنكرت وجودها من الأساس!

المكتبة الثانية عشر ظهرا

نرى مي جالسة على إحدى الطاولات، غارقة في كتابها، ملامحها جادة وكأنها في عالم آخر، فجأة دخل رشدي، بخطوات سريعة وحماس ظاهر، وصوته يقطع صمت القاعة: أنتِ بتعملي ايه هنا ؟

رفعت مي عينيها بدهشة، تحدق فيه لثواني وكأنها لا تصدق وجوده: رشدي؟! أنت إللي بتعمل إيه هنا؟

جلس أمامها، وقال بإصرار: لا جاوبي عليا، أنا إللى سألت الأول.

هزت مي كتفها بلامبالاة، موضحه: عادي، بقرأ، ما النهاردة الأربعاء، وأنت بقى؟

ابتسم ابتسامة عريضة موضحا: عرفت إنك هنا جيت، مش المفروض تكوني دلوقتي في البيت بتلبسي وتظبطي نفسك علشان العشا؟!

أغلقت مي الكتاب ببطء، قالت بإستنكار: مليش أنا في الجو دى، لسة بدرى على المعاد إللى اتفقنا عليه.

رشدى ضاحكا: طيب بالراحة يا محمود مش كدة
ثم ابتسم بلطف: بس تعرفي إنك وحشتيني.

ابتسمت مي بخجل، ثم تنهدت ومالت للأمام تتساءل بتعجب: أنا عايزة أفهم، هو أنت مش وراك شغل يا ابني؟ نفسي أشوفك مشغول مرة، نفسي توحشني، وأدور عليك وأقلق، أقول يا ربي فين رشدي؟ محتاجة أطمن عليه وأشوفه مختفي فين!

ضحك بخفة، ورفع كتفيه: مش ورايا حاجة، وبعدين الحق عليا ياست البنات إني مش عايز أتعبك يعنى.

عيناها لم تلن، وصوتها صار أكثر صرامة: رشدى أنا بتكلم بجد، هو إحنا مش اتفقنا إنك تركز في شغلك أكتر من كده؟

أومأ برأسه لكنه لم يبدِ اقتناعا حقيقيا: وأنا فهمتك، وقولتلك إللى فيها، وبعدين سليم خلاص رجع و….

قاطعته مي بحسم: وأنت مالك ومال سليم، شيله من دماغك وركز في أهدافك أنت.

ثم مالت بجسدها نحوه قليلا، وصوتها أهدأ لكن أكثر صدقا: أنا عايزاك تجتهد، وتشتغل على نفسك، لكن إللي أنا شايفاه دلوقتي واحد بيلعب وبس، نفسي مرة أكلمك تقولي أنا مشغول، عندي مشروع، مسافر، تاخد رأيي في أي حاجة، وصدقني أكيد هكون جنبك.
ثم اضافت بنبرة مازحة بلطف: ومتخافش هسقفلك على صفقة السكر لحد ما توصل لليفل صفقة البترول، ويا سيدي حتى لو موصلتش للبترول وبقيت صفقة بزازات، هفضل أشجعك بس عايزة أشوف إنك بتحاول وبتاخد حتى لو خطوات بسيطة وحقيقية.

أنفجر رشدي ضاحكا، يهز رأسه بدهشة ممزوجة بالمرح: بزازات! مش للدرجة دي، بس والله مش ورايا حاجة فعلا، مفضي نفسي النهاردة لاستقبال الأميرة مي في قصرنا الملكي، بس أوعدك بعد كدة ههتم بشغلى في المجموعة، وهتاخدي معاد بعد كده علشان تقابليني، بس مترجعيش تشتكى وتقولى أنت مبقتش بتهتم.

ابتسمت مي بخفة وتابعت بغرور مصطنع: لا يا سيدى مش هقول متخافش، وبعدين أنت لسة قاعد بتعمل إيه مش المفروض تكون في البيت بتلبس وبتظبط نفسك علشان تستقبلني!!

رشدى ضاحكا: ده على أساس بترديهالى يعنى !

مي بثقة: آه وإن كان عاجبك، ويلا من هنا بقى طريقك أخضر، خلينى أركز في إللى بعمله.

رشدى ضاحكا: ماشي يا محمود قايم متزقش.

وبعد أن انتهت مي من القراءة، همت بالمغادرة حتى لا تتأخر على موعد العشاء، وما أن خرجت من بوابة المكتبه، وجدت رشدي ينتظرها أمام سيارته بإبتسامة عريضة.

مي بذهول: يخرب عقلك، أنت لسة مروحتش!!

اقترب رشدي منها وقال بنبرة مرحة: مقولتلك إني مفضي نفسي النهاردة للأميره مي، أروح أعمل إيه ألعب معاهم شطارنج؟! وبعدين مش لازم أطمن بنفسي إن الأميرة مي وصلت بيتها الأول.

هزت مي رأسها بقلة حيلة: مفيش فايدة فيك، والله أنت مجنون

رشدى متعجبا، وهو يفتح لها باب السيارة: أول مرة تعرفي؟!

ضحكت مي وهى تمسك بباب السيارة وتهم بالدخول: لا عارفة من زمان.

دخلت مي السيارة ،ثم دخل رشدى من الإتجاه الآخر، وبدأ بالقيادة بسرعة هادئة.

فتح التابلوه وأخرج منه علبة عصير أناناس الذى تفضله وقدمه لها وهو يقول بنبرة مرحة: خدى بلي ريقك، أكيد ريقك نشف من كتر القراية، ومتخافيش مش حاططلك فيه حاجة أصفرة، سايب الحاجة الأصفرة أشربهالك في القصر، علشان أعرف اتغرغر بيكى براحتي.

قلبت مي وجهها بسخرية: رخم اوي ووقح، أحترم نفسك

رشدى بإبتسامة: حاضر، المهم الساعه 5 هاتلاقي عربية جاية تاخدك من قدام البيت، علشان مديله تعليمات بكتالوج السرعة المناسبة للأميرة مي.

مي بإبتسامة دافئة: شكرا يا رشدى.

فيلا سليم وماسة، الثالثة مساء

دخل سليم من باب الفيلا، فاستقبلته سحر بإبتسامة دافئة: حمد لله على سلامتك يا سليم بيه.

خلع سليم جاكت بدلته، وهو يتسائل: الله يسلمك يا سحر، ماسة فين؟

أجابته بابتسامه: في الجنينة.

قال بأهتمام وهو يعطيها الجاكيت: طب أكلت؟

ابتسمت سحر وأخذت الجاكيت: آه فطرت وشربت عصير، بس لسة متغدتش.

سليم بتهذب: طيب حضري لنا الغدا.

تحرك سليم نحو الباب الداخلي المطل على الحديقة، كان الهواء العليل يملئ المكان، لمحها من بعيد، جالسة وسط الخضرة، عيناها شاردة، كأنها غارقة في عالم آخر، وقف لثواني، قلبه يشده إليها، لكنه يقاوم رغبته الجامحة في الاقتراب؛ متذكر وصية الطبيب بألا يضغط عليها، لكنه يشتاق لها يتمنى نظرة، أو كلمة، قد تطفئ في قلبه نارا لا يطفئها شيء سواها، ومع ذلك، لم يستطع منع نفسه من التقدم.

اقترب وهو يبتسم ابتسامة صغيرة، كأنه وجد روحه:
مساء الخير.

رفعت ماسة عينيها، وردت بصوت هادئ: مساء النور.

جلس على المقعد المقابل، متأملا ملامحها: عاملة إيه؟

قالت وهي تتجنب النظر إليه: كويسة.

ابتسم محاولا فتح الحديث: على فكرة، مصطفى جالي النهاردة.

اعتدلت ماسة في جلستها وحدقت فيه بدهشة:جالك فين؟ وليه؟

ابتسم سليم بمرارة: جه يطمن عليكي، ويتأكد إن الوحش إللي أنتِ عايشة معاه معملش فيكي حاجة! شكلك حكيتلهم إني بقلب مصاص دماء بعد نص الليل.

ابتسمت ماسة ابتسامة صغيرة، وقالت بصدق فيه مرارة: لا والله! ربنا يعلم أنا قولت إيه في حقك.

أومأ سليم برأسه وابتسم بخفة، وعينيه تلمعان بمحبة مصدقا إياها: مصدقك أنا بهزر معاكي
ثم تنهد موضحا: كان قلقان من كلام ندى، خاف أكون صدقته واتصرفت معاكي غلط، بس أنا فهمته إن علاقتنا أكبر من كلام فاضي زي ده، وإني واثق فيكي…
صمت لحظة، ثم نظر إليها بتمعن: بس هو شكله بيعزك أوي، لدرجة إنه هددني واتحداني إنه هيخلصك مني لو على جثته.

اقتربت منه قليلا، وقالت برجاء، وهي تنظر داخل عينيه: لو سمحت يا سليم، متتضايقش من طريقته، هو بس خايف عليا، ده إنسان جدع ومحترم، أرجوك متأذهوش.

زفر سليم بعمق، وصوته خرج هادئا صادقا: أنا وعدتك مش هعمله حاجة، أرجوكي صدقيني، زمان كنت بتصدقيني مجرد موعدك، دلوقتي بطلتي؟!

رفعت ماسة عينيها إليه بتساؤل: طب مقالكش عمل إيه في ندى؟

هز رأسه بعدم اهتمام بإستنكار: لا مقالش تفاصيل، جه قال كلمتين وأطمن إنك بخير، وهددني ومشي.
صمت لحظة، ثم سألها: طب أنتِ ليه مكلمتيش حد فيهم تليفونك فوق؟

رفعت كتفيها بلامبالاة حزينة: أنا مش حافظه أرقامهم، وتليفوني كان في الشنطة إللي لابساها يوم ملاقتني…
ثم تذكرت فجأة: هي راحت فين صحيح؟

اوما سليم برأسه: أكيد وقعت منك وأنتِ بتجري، ممكن أدورلك عليها في العربية، ولو عايزة تكلميهم، معايا رقم مصطفى.

أطرقت ماسة بنظراتها وقالت: لا، أنا مش عايزة أكلم حد، أنا عايزاك تسيبهم في حالهم، هما خايفين عليا مش أكتر، بس صدقني ميقدروش يعملولك حاجة.

مال سليم برأسه قليلا نحوها، وصوته يحمل تساؤلا: بس ليه ندى قالت كده؟ تصرفها غريب!

تنهدت ماسة وهي تنظر أمامها بأسف: عشان بتغير، أي كلمة، أي نظرة، بتكبر الأمور في دماغها..
نظرت له وكأنها تشتكي له، قالت بتعجب ممزوج بضجر: أنا مكنتش مصدقة إنها توصل لكدة، كنت فاكراها زيي، وشها يقلب، تزعق شوية وخلاص، بس للدرجة دي من الأذى؟ لاااا.

عقد سليم حاجبيه: أنتِ فعلا كنتي بتخرجي معاه؟

حاولت أن تشرح وكأنها تزيل إتهاما: كنا بنخرج أه، بس مش زي ما أنت فاهم، كنا بنشتغل سوا في نفس المكان، أوقات كان بيوصلني لما ميعاد خروجه يوافق معاد خروجي، ومرتين قعدنا عند البحر، وجابلي آيس كريم، وهي شافتنا مرة، وعملت مشكلة كبيرة، نفس الموضوع اتكرر مع إيهاب، مرتين تلاتة لقاني قاعدة عند البحر، قعد يتكلم معايا، جابلي آيس كريم وزلابية، وهو إللي جابلي التليفون، وجابلي عقدين من الصدف بس والله العظيم…

مد سليم يده ضغط على يدها بثقه: متحلفيش، أنا عارفك كويس، آه متضايق وغيران جدا، بس واثق فيكي.

قالت بصوت ناعم متأثر: بس لازم تبقى عارف إن من شهر ونص، كنت قاطعة معاهم أي تعامل، اليوم إللي لاقيتني فيه، كان أول مرة مصطفى يوصلني من فتره، بس علشان كنت تعبانة..
صمتت قليلا، ثم أكملت بحزن: ماما نبيلة اتضايقت، وقالتلي بطلي تيجي وهما موجودين، الناس هتتكلم، الكلام وجعني، بس لما فكرت في كلامها فهمت إنها عندها حق، أنا ست متجوزة، وحتى لو تعاملنا مع بعض مفيهوش غلط، بس هيفضل عيب، ومن ساعتها بطلت أروح لهم..
ترقرقت عيناها بالدموع:
بس زعلت جدا وصعبت عليا نفسي، علشان ماما نبيلة بطلت تطلعلي، وتتصل بيا زي زمان، تقولي “تعالي يا ماسة أعمليلي أكلة من إيدك الحلوة”، كنت بفرح أوي لما تقولي كدة، حتى وهما مش موجودين، بطلت تكلمني هي وعائشة، حسيت إني غريبة، وإني هفضل البنت إللي هربانة، إللي جابوها من الشارع، إيهاب كان ملتزم بالقواعد، لكن مصطفي لا، هو الوحيد إللي متغيرش معايا، أنا إللي كنت بحط حدود، بس والله يا سليم، مفيش حاجة غلط حصلت بينا.

اقترب سليم منها، نظر إلى ملامحها بصدق: قولتك إني بثق فيكي، مش محتاج حلفان.

تنهدت ماسة وهي تعود بشعرها للخلف: أنا بجد الموضوع بتاع ندى مضايقني جدا، طب أنت أنت كنت عاقل وعارف أنا على إيه؟! تخيل بقى لو المجنونة دي راحت قالت كلام زي ده لراجل تاني! كان ممكن يعمل إيه في مراته! حقيقي مش طبيعية.

تنهد ثم قال بصوت خافت: سيبك منها، قوليلي، حد فيهم حبك بجد ولا مجرد شكوك من نبيلة؟

هزت رأسها موضحة: لا، كانوا بيتعاملوا معايا زي عمار، نصايح وخوف، حتى مفيش سلام بالأيد، هي بس خافت لاحسن حد فيهم يحبني، لإني حلوة وطريقتي حلوة، وممكن يتشدوا لى، يعني حبت تفصل البنزين عن النار قبل ميحصل أي حاجة.

سليم باستفسار: علشان كده شكيتي إن نبيلة هي إللي قالتلي.

هزت راسها بإيجاب: أيوة.

ارتسمت ابتسامة دافئة على شفتيه بصمت، كأنها تعلن عن السعادة التي يشعر بها داخله.

انتبهت له، وتسائلت بدهشة: بتضحك ليه؟

سليم موضحا بإبتسامة مطمئنة: أول مرة نتكلم كدة بهدوء، زي زمان، من غير خناق ولا عناد.

قالت بوجه متعب: أنا تعبت من العصبية والعند، في الآخر أنا إللي بتهلك.

ابتسم سليم وهو يتنهد: عموما أنا مبسوط إننا أخيرا اتكلمنا حتى لو شوية، أنا مش هضغط عليكي، وقت متحبي تتكلمي في موضوعنا هتلاقيني، أنا مستني اللحظة دي.

صمتت لحظة ثم سألت بخفة: هتروح النهاردة العشا؟

هز سليم رأسه بإيجاب: آه هروح، تيجي معايا؟

هزت ماسة رأسها سريعا برفض: لا، روح أنت ولما تيجى ابقي احكيلي.

وفي تلك اللحظة، دخلت سحر قائلة: الغدا جاهز.

نهض سليم، ونهضت ماسة معه، توجها إلى السفرة وجلسا لتناول الطعام، لم يتبادلا الكثير من الأحاديث، لكن سليم كان يشعر بسعادة غامرة، فقط لأنها اقتربت منه، لأنها فتحت قلبها، ولو قليلا.

(بعد وقت)

غرفة سليم
وقف سليم أمام المرآة، يرتدي قميص كاجوال أنيق مع بنطال بسيط، مرر يده على شعره بعد أن صففه بعناية، ألتقط ساعته ووضعها في معصمه، ثم أخذ نفسا قصيرا، وألقى نظرة أخيرة على صورته في المرآه، قبل أن يتجه نحو الباب.

في طريقه للخارج، مر أمام باب غرفة ماسة، في الداخل، كان صوت التلفاز يملئ المكان، توقف لحظة، تردد، ثم طرق بخفة.

جاءه صوتها من الداخل: ادخلى يا سحر.

فتح الباب بخطوات هادئة، ابتسم وهو يقترب: لا ده أنا مش سحر، مساء الخير، عاملة إيه؟

رفعت رأسها فجأة، ارتبكت قليلا، وحاولت أن تبدو هادئه: الحمد لله، خلاص نازل؟

أومأ بابتسامه: أيوه، قولت أعدي عليكي، أعرفك إني نازل، وأشوفك لو محتاجة حاجة.

 

تكملة الفصل

ردت ماسة بهدوء: لا أنا تمام.
تردد لحظة قبل أن يقول: متيجي معايا؟
هزت رأسها بسرعة: قولتلك لا.
سليم بابتسامه: طيب، إيه رأيك أوصلك عند مامتك، وأخدك وأنا مروح؟ أو ابعت أجيبهم يقعدوا معاكى.
تسمرت لحظة، عينها تلمع بأشتياق، ثم رفعت نظرها نحوه: وهتجيبلي عمار وسلوى؟ ولا لسة دول برة الحسبان؟
ابتسم بخفة: هجيبهم يا ستي ، هجيبهم كلهم، يقعدوا معاكي زى ما أنتِ عايزه.
أجابته بمرارة خفيفة: آه ووقتها بقى، عمار ولا سلوى ولا أي حد فيهم يقول كلمه مش على هواك، ألاقي رصاص مسدسك هو إللي بيرد، لا، شكرا أنا لا عايزه أروح لحد ولا عايزه حد يجيلي، أنا كدة تمام.
اقترب منها، وهو يحاول إقناعها بمراره وصدق: هو أنت هتفضلي تعاقبيني على الغلطه دى لحد امتي يا ماسه؟ للدرجه دى مبقتيش تصدقي وعودى وشيفاني وحش أوى كده؟
نظرت له نظرة طويلة متعبة، وقالت بحسم:
أيوه مبقتش أصدقك، وكل مبشوفك قدامي، مش بشوف إلا الخنجر إللي أنت مخبيه ورا ظهرك لأهلي، أنا أصلا خايفه من هدوءك، وحاسه إنك ناوي تعمل حاجة بس أنا مش هغلط وهفضل ساكتة لحد أما أعرف أنت ناوي على إيه؟!
تنهد سليم، مسح وجهه بيده، وكأن كلماتها أصابته في عمق قلبه، تذكر صوت الطبيب “متضغطش عليها”
فابتسم بهدوء وقال بلطف: طيب عموما أنا همشي،
وهسيب عشرى معاكى هنا علشان لو غيرتي رأيك وحبيتى تروحي خديه معاكى، وهخلى سحر تعملك كوباية لبن بالعسل أشربيها، وشك مصفر خالص.
رفعت حاجبها بعناد: ده غصب؟
ابتسم بخفة، وعينيه فيها حنان أبوي: لا مش غصب، ده اهتمام وحب وخوف، ولو مش حابة تشربيه براحتك، محدش يقدر يغصبك على حاجة أنتِ مش عايزاها يا ماسة؟!
رمشت بعينيها وهي تنظر في ملامحه تحاول أن تصدقه، لكن ما زال قلبها غير مطمئن، تسائلت: هتتأخر؟!
ابتسم وهو يستدير نحو الباب: خايفة تقعدي لوحدك ولا إيه؟
ضحكت بسخريه ومراره: تفتكر بعد إللى حصلي في الست شهور دول، ممكن أخاف؟
وقف لحظة، نظر إليها نظرة طويلة، ثم تنهد وقال بهدوء: سلام يا ماسه.
أغلق سليم الباب خلفه بخفة، وبقيت ماسة في مكانها تحدق في الفراغ، تستعيد عرضه الذي قدمه منذ قليل، هل كان عليها القبول؟ أم أن خوفها مازال في محله؟
تساءلت إن كان سليم يتعمد المبالغه ويقوم بتضليلها ليصل إلي غايته الخفية!؟
هزت رأسها بحيرة، ثم تناولت هاتفها، توقف بصرها عند رقم سلوى، ترددت بين الاتصال والتراجع، حتى غلبها العجز، فانهمرت دموعها بصمت، وأعادت الهاتف إلى مكانه، غير قادرة على المجازفة بهم.
نهضت بتثاقل، توضأت، وفرشت سجادة الصلاة، تؤدي ركعتين علها تجد في الخشوع سكينة تطفئ اضطرابها.
في الجهة الأخرى.
كان سليم قد وصل إلى سيارته، حيث وقف مكي بانتظاره، وإلى جانبهما عشري، فتح مكي باب السيارة الخلفي لسليم.
سليم وهو يوجه كلامه لعشري: هتعمل إللي أنا قولتلك عليه، تروح تجيبهم بنفسك، سيبهم يقعدوا زي ما هما عايزين، وعرفهم إن ماسة مستنياهم في الفيلا علشان يطمنوا، متاخدش معاك حد، روح لوحدك.
أجاب عشري بإيماءه سريعة: أمرك يا ملك.
ألتفت سليم نحو مكي، بصوت منخفض: مكي، تحب تروح معاه؟
رفع مكي حاجبيه بسخريه: ليه هيتوه؟! أنا جاي معاك.
ابتسم سليم بقلة حيله أمام رأس صديقه الجامده، ثم مال بجسده داخل المقعد الخلفي، أغلق مكي الباب خلفه، وصعد إلى الأمام بجانب السائق، انطلقت السيارة بهدوء، بينما قاد عشري سيارة أخرى متجها نحو فيلا عائلة ماسة.
فيلا عائلة ماسة، السادسة مساء.
وقف عشري بسيارته أمام البوابة، ثم ترجل وتوجه نحو باب الفيلا، طرق الباب ففتحت له الخادمة على الفور.
عشري بإبتسامة خفيفة: مساء الخير.
تراجعت الخادمة بإرتباك: خير يا عشري؟
عشري وهو ينظر من حوله: في حد هنا؟
هزت الخادمة رأسها بإيجاب: كلهم موجودين.
عشري: طب بلغيهم إني هنا.
أومأت برأسها، ثم أسرعت إلى الداخل، دخلت غرفة المعيشة حيث يجلس مجاهد وسعدية يتابعان التلفاز بهدوء.
الخادمة: ست هانم عشري برة، وبيقول عايزكم.
ما إن نطقت اسمه، حتى انتفضت سعدية واقفة، وضربت بيدها على صدرها بفزع: يا لهوي! ايه اللى جابه؟ مكنا مرتاحين، ولا هو علشان رجع من السفر هيشتغلنا في الأزرق.
ألتفت مجاهد ،محاولا تهدئتها: يا سعدية، صلي على النبي، ما هو راجع من فترة، يمكن في حاجة.
التفت سعدية تسأل الخادمه بصوت مرتجف: هو برا لوحده؟!
أجابتها الخادمة: آه لوحده.
مجاهد بهدوء: شفتي بقى؟ لو كان في حاجة كانوا جم كلهم، خلينا نشوف عايز إيه.
تحرك الأثنان إلى الخارج معا، ليجدا عشري واقفا في منتصف الهول بملامح هادئه.
عشري بإبتسامة: مساء الخير متتخضوش، مفيش أي حاجة، بس الهانم في انتظاركم في الفيلا.
تجمد مجاهد، قال بتلثعم: هانم مين؟! ماسة؟
عشري، بإبتسامة جانبية: آه.
شهقت سعدية وهي تضع يدها على فمها: هو سليم لقاها؟
عشري: أيوه من كام يوم، وهي في انتظاركم دلوقتي، فياريت تجهزوا كلكم علشان اوصلكم.
مجاهد بقلق: يعني سليم عارف؟
عشري بتأكيد: أكيد طبعا وهو إللي بعتني أجيبكم كلكم علشان تشوفوها، هى موحشتكوش ولا أيه؟
ارتجفت سعدية وأنفجرت دموعها بفرح: يا حبيبتي يا بنتي!
ألتفتت بسرعة لمجاهد، وهي تشد ذراعه بلهفة:
يلا يا راجل، خلينا نغير هدومنا بسرعة!
وقف مجاهد مذهولا للحظة، بين الفرحة التي تغمر قلبه والخوف الذي لم يجد كلمات تعبر عنه، فقط أومأ برأسه وهو يتمتم: الحمد لله.
أسرع الأثنان يصعدان الدرج بخطوات متلاحقة، والارتباك بادي على وجهيهما، فتحت سعدية أبواب الغرف واحدا تلو الآخر، تنادي بصوت متهدج:
يا عمار، يا يوسف، يا سلوى، قوموا بسرعة!
تجمع الأبناء الثلاثة ووقفوا أمامها بملامح تملؤها الدهشه، وهي تقول من وسط دموعها: يلا هنروح عند أختكم، سليم لقاها!
ساد صمت قصير، تبادلوا فيه النظرات الغير مصدقة، ثم فجأة انفجرت ملامحهم بفرحة متوترة، أختلطت بالدموع.
يوسف بلهفة: يعني هنشوفها بجد؟!
سعدية وهي تمسح دموعها بكفها المرتجف: أيوه، عشري تحت مستنينا، يلا بسرعة، متضيعوش وقت.
تفرقوا للحظات ليبدلوا ملابسهم على عجل، وقلوبهم تسبق خطواتهم، وكل منهم يحاول استيعاب أن ماسه عادت أخيرا، هبطوا مسرعين وركضوا نحو السيارات، شوقا للقاء الذي طال انتظاره.
قصر الراوي الساعة 5:45 مساء.
نرى كل من فايزة ورشدي وفريدة يقفون في الداخل أمام البوابة في إنتظار وصول مي.
تألقت فايزة في طلتها كأنها تحمل هيبة ملكة من عصرها، وبجوارها فريدة التي لا تقل عنها جمالا، ووقف رشدي بينهم، يرتدي بدلة أنيقة.
فايزة بخنقة وهي تتحدث من طرف أنفها: هنفضل واقفين كدة كتير ولا إيه؟
رشدي بإبتسامة: أنا كلمتها ثواني وهتكون هنا.
وما أن أنهى كلماته حتى توقفت سيارة أمام القصر، كان رشدي قد أرسلها لتصطحب مي، تقدم بخطوات ثابتة نحو السيارة، فتح لها الباب وهو يرحب بها كأميرة.
هبطت مي، ترتدي فستانا رقيقا ويغطى شعرها حجابها الذى زادها جمالا، ترتسم على وجهها ابتسامة رقيقة تخطف الأنظار.
رشدي بإبتسامة واسعة وغزل: إيه الجمال ده كله! إحنا مش قد كده والله.
مد يده محاولا أن يمسك يدها ويقبلها، لكنها سحبت يدها بسرعة، وقالت بحسم: متعملش كدة تاني.
رشدي ضاحكا: خلاص يا محمود انصرف، أصل إحنا هنا بنستقبل الأميرات كده.
ضحكت مي بخفة:مفيش فايدة فيك.
وما أن قالتها حتى ظهرت خلفها سيدة خمسينية مهيبة.
رشدي بدهشة: مين دي؟
مي بهدوء: دي الدادة بتاعتي.
رفع رشدي حاجبه بسخرية: وجايباها ليه بقى؟ حارس شخصي يعني؟
مي بحدة: هو كده إن كان عاجبك؟ لو مش عاجبك، أمشي؟!
رشدي رافعا يديه كأنه يهدئها: بالراحه يا محمود فيه ايه، أنا بس مستغرب يعني هي دي إللي هتمنعني لو كنت ناوي أعمل حاجة؟
ثم أضاف بمزاح وقح: يا مشمش إحنا كرجالة مبنحلش في الحوارات دي، حلوة، وحشة، كبيرة، صغيرة، كله شغال.
نظرت له مي بغضب: رشدى بطل وقاحه وقلة أدب، الا همشي والله.
رشدي متراجع: خلاص آسف.
ثم أشار إلى فايزة وارتفع صوته قليلا وهو يقول بنبرة ساخرة: ودي بقى يا ستي أمي، فايزة هانم رستم أغا، من سلالة آل عثمان ، شفتي مسلسل حريم السلطان؟ أمي بقي تبقى من سلالته.
وتابع بنبرة أكثر مزاحا وهو يضحك: وأنا من أحفاد القاتل إللي قتل إخواته.
ضحكت مي بخفة، ووضعت يدها على فمها برقة:
يا ابني، بطل بقي.
لكن على الجانب الآخر، تبادلت فايزة وفريدة نظرات الصدمة، خصوصا من مظهر مي وحجابها؛ أمر لم يخطر ببالهم أبدا.
تقدمت مي بخطوات واثقة، ورشدي بجانبها، تتبعها الدادة.
مي بأدب: إزي حضرتك يا أفندم؟
فايزة وهى تمد يدها بابتسامة رسمية: أهلا، إزيك؟
مي برقه: الحمد لله.
فريدة برقي: منورانا، أهلا بيكي.
مي بإبتسامة خجولة: ميرسي جدا، أنا آسفة والله لو أزعجتكم بخروجكم هنا لاستقبالي، بس يعني وجودي هنا مكنش هينفع غير لما أتاكد بوجودكم.
فريدة بلطف: مفيش أي مشكلة خالص، اتفضلي، هي دي والدتك؟
مي موضحة: لأ، دي الدادة بتاعتي، أنا متعودة تبقى معايا في كل حته.
فريدة بابتسامه لطيفه: أهلا بيها اتفضلوا.
رشدي مازحا: طب يا ست البنات، هتقعد معانا ولا نسيبها في المطبخ؟
مي بهدوء: عادي، هي ممكن تستناني في الجنينة..
ألتفتت نحو دادتها: تحبي تستنيني فين يا دادا؟
الدادة بإبتسامة: ممكن هنا، في الجنينة الحلوة دي.
رشدي بعدم اهتمام: خلاص، اعتبري الجنينة بتاعتك لفي براحتك.
تحركت مي ورشدي نحو الداخل، بينما بقيت الدادة بالخارج، وما أن وطأت قدم مي أرضية القصر حتى اتسعت عيناها بإنبهار، أخذت تنظر بعينيها في أركان ذلك القصر المهيب ذو المساحة الشاسعة والأساس الملكي المبهر.
مي بإنبهار: هو أنا ليه حاسة إني دخلت قصر من قصور محمد علي؟ روعة بجد! ينفع تفرجني عليه، أنا بعشق القصور الأثرية.
رشدي: ماشي ، بعد العشا.
في الصالون الكبير،
كان جميع العائلة بانتظارها، لحظة دخولها، وقفوا احتراما، لكن علامات الدهشة والاستغراب لم تغادر وجوههم، ماعدا ياسين.
همست منى لطه: شكل المخدرات لخبطت دماغ أخوك، شوف جابلنا مين!
طه مازحا: يمكن هي كمان واخدة حباية زيادة، علشان كده لابسه حجاب.
منى بنظرة تقيميه: لأ، شكلها بنت محترمة فعلا.
قدمها رشدي بإبتسامة فخورة: مي راشد خطيبتى قريبا، دول إخواتي أعرفك عليهم بالترتيب: طه، ومنى مراته وفريدة طبعا عرفتيها إبراهيم جوزها، سليم متجوز بس مراته ماسة مجتش.
أضاف بسخرية خفيفة:
صافيناز، أعز أخواتي، وعماد جوزها هو كمان من أعز أصحابي، وياسين أخويا الصغير، وهبة مراته، وده بقى البوص الكبير، عزت الراوي، بابا.
مي بإبتسامة مهذبة: تشرفت جدا، ميرسي على الاستقبال الجميل ده.
عزت بنظرة متفحصة من أعلى لأسفل: اهلا بيكي، اتفضلي.
جلسوا جميعا، لكن العيون لم تكف عن التحديق بها، غير مصدقين أن رشدي يعرف فتاة مثلها، كانت مي منتبهة لتلك النظرات جيدا، لكنها لم تعلق.
طه بابتسامه: يا ترى يا مي، أيه أكتر حاجة عجبتك في رشدي؟
مي بخجل: إحنا لسة في مرحلة التعارف، بس هو إنسان كويس جدا، يستاهل يعني إن أدي له فرصة بس طبعا مكانش ينفع ياخدها غير في نطاق رسمي علشان أنا متربية على كدة.
صافيناز بسخرية: حلو والله إنك حسيتي إن رشدي إنسان كويس ويستحق الفرصة.
قلب رشدي عينيه ونظر لها نظرة تفهمها، وقال بنبرة ساخرة وحاده: آه طبعا، أصلها بتشوف بقلبها وعينيها، زيك كده بالظبط يا صافي، الناس بتشوفك من بعيد بتقول عليكي تنكة ومغرورة، لكن مجرد ميعرفوكي كويس، يتأكدوا إن المعلومة حقيقية هههههه
ضحك ثم رمقها بنظرة حادة وكأنه يقول “لها اتلمي أحسنلك”
حاولت فايزة لم الموقف سريعا وقالت: طب يلا بينا، نكمل الدردشة على العشا.
السفرة
جلس الجميع على مائدة فاخرة عامرة بالأكلات التركية، بينما سحب رشدي لمي المقعد، كانت لقطة ملفتة للإنتباه للجميع.
فايزة برقي: أتمنى تحبي الأكل التركي، رشدي إللي طلب السفرة تكون تركي النهاردة.
مي برقه: بصراحة مكلتوش قبل كدة، بس متشوقة أجرب.
وأثناء تناول الطعام، كانوا يسرقون النظر من حين لآخر نحو مي فمازالوا لا يستوعبون أن رشدي يعرف مثل تلك الفتاة حقا.
نظرت فايزة إليها فجأة: عرفتوا بعض إزاي بقي، أصل رشدي مقالناش أي حاجة.
مي بهدوء: عن طريق زيزي.
ضيقت فايزة حاجبيها: زيزى بنت عيسى؟
اومأ رشدي: آه.
عزت بهدوء: ووالدك بيشتغل إيه؟
مي وهي تتناول ما في الشوكة: بابا مهندس بترول.
ساد صمت قصير، قبل أن تطرح فايزة سؤالها المباشر: طب، هو إيه إللي خلاكي تجيبي الدادة معاكي؟
مي بتنهيدة هادئة: بصراحة، لما رشدي طلب مني أجي القصر، وأتعرف على العيلة، كنت مترددة جدا، أنا مش متعودة أروح بيوت أصحابي خصوصا الشباب، لكن بما إننا داخلين على خطوة جدية، قولت لازم أجي، بس كان فيه مشكلة أجي ازاي لوحدي؟! ففكرت اني أقول للدادة وأجيبها معايا لإني كدة كدة بعتبرها زي والدتي لإن ماما متوفية من وأنا صغيرة.
سليم بإبتسامة لطيفة: لو حابة تخليها تنضم لينا على العشا، هاتيها.
مي بربكة: مفيش داعي, هي مستنية في الجنينة.
سليم بإصرار: أنا بتكلم بجد، مادام هي زي والدتك، خليها تشاركنا.
رشدي بتأيد: بالظبط، أماني، نادي على دادا كريمة.
مي بإبتسامة ممتنة: ميرسي جدا.
ياسين بابتسامه لطيفه: على فكرة رشدي، كلمني كتير عنك، بس معرفش يوصل خالص المواصفات.
مي بربكة: هو كلمني عليك كتير برضو، وكلمني عنكم كلكم.
وبعد ثواني، دخلت الدادة وجلست بينهم، في أجواء يغلب عليها التوتر والفضول أكثر من الكلمات.
وظلوا يتناولون الطعام ويتحدثون مع مي بهدوء وبعد انتهاء العشاء جلسوا في الصالون الكبير، وفناجين القهوة موزعة أمامهم، والحديث يدور بخفوت.
اتكئ رشدي على الكنبة، متحفزا لأي كلمة، بينما مي بجواره تحاول أن تبدو في كامل ثباتها.
فريدة بإبتسامة متعجبة، وهي تنظر لمي: بصراحة يا مي أنا مستغربة، رشدي ده أشقى واحد فينا كلنا،
وأنتِ شكلك هادي ورقيق، إزاي بتتعاملي مع شقاوته دي؟
تحرك رشدي في مكانه وكاد أن يرد بحدة، لكن مي سبقته في الكلام، ورفعت يدها بخفة، وهي تقول بابتسامه واثقه:
بالعكس، أنا مش شايفاه شقي، أنا شايفاه شخص عنده طاقة كبيرة جدا، بس محتاج يوجهها صح، يمكن أنتم متعودين على صورة معينة ليه، وده خلى حكمكم عليه قاسي شوية، بس هو إنسان عنده عيوب وأخطاء زي أي حد، بس ده ميمنعش إنه طيب وذكي جدا، وممكن ينجح بشكل كبير لو لقى الطريقة الصح إللى يوجه بيها طاقته، والتشجيع الكافي إللي يخليه يواصل نجاحاته بالشكل إللى يسعده.
ساد صمت قصير، تبادلوا فيه النظرات المتفاجئة من دفاعها الواضح عن رشدي، بينما ابتسم رشدى ابتسامة صادقة وهو يشيح بعينيه بعيدا، يخفي أثر كلماتها عليه فهذه أول مرة يلقي مديحا من أحد.
نظر عزت لمي بإبتسامة خفيفة: أنا مبسوط إنك قدرتي تشوفي حاجات في رشدي إحنا مشوفنهاش، ومبسوط أكتر إننا اتعرفنا عليكي يا مي، يا ترى يا رشدي، اتفقتوا بقى؟ هتاخدوا خطوة جدية إمتى؟
اعتدل رشدي في جلسته، وقال بجديه: المفروض أنا وهي نتكلم الأسبوع ده ونحدد معاد، وبعدها نروح لهم البيت أتقدم.
عزت بحسم: أنا معنديش أي مانع، وأتمنى كمان إن الجواز يتم بسرعة.
أومأ رشدي بصمت، ثم التفت الي مي وهو يقول بصوت منخفض: مي، تحبي تتفرجي على القصر شوية؟
مي بإبتسامة: ماشي، بس هاخد الدادة معايا.
تنهد رشدي، وعلق مازحا: مقولتلك إللي فيها.
مي بهدوء: معلش أنا حابة كدة …بعد اذنكم.
تحركت مي مع رشدي، وخلفهم كريمة، تتابعهم نظرات العائله حتى خرجوا.
رفع سليم عينه نحو صافيناز، وقال بنبرة حادة: أنا مش طايقك، ولا طايق حتى أقول اسمك، خدي جوزك وغوري من وشي، وبعد كدة المكان إللي هتشوفيني فيه مشوفكيش قاعدة فيه.
رمقته صافيناز بضجر، لكنها لم تستطع النطق، فالجميع يقف ضدها الآن، وهي في موقف لا يسمح لها إلا بالصمت، ثم نهضت وغادرت برفقة عماد.
التفت عزت نحو سليم، وهو يقول: بصراحة، وجودها مكنتش حابه بس رشدي إللي أصر إن مي تشوفنا كلنا كعيلة.
سليم بهدوء: عادي، بس الصراحة مكنتش متوقعها كدة.
ياسين بتأكيد: أنا عارف الموضوع بقالي فترة، وهي فعلا بنت محترمة جدا.
اشعل عزت السيجار الفاخر: أتمنى إنها تغيره وميضايقهاش، ولا تكون مجرد وسيله علشان يوصلها.
ياسين بجدية: لا، المرة دي مختلفة، أنا حاسس إنه حبها بجد.
فريدة بتأييد: صح دي أول مرة يجيب واحدة هنا طول عمره يعرف بنات، لكن ولا واحدة دخلت القصر الموضوع شكله مختلف فعلا.
هبة بضيق: أنا هطلع أشوف نالا، أظن مش محتاجين مني حاجة تاني.
لم يرد عليها أحد، فصعدت لغرفتها وهي تشعر بالضيق.
بعد قليل، استأذن سليم أيضا: أنا همشي بقى، علشان اتأخرت على ماسة.
ياسين بابتسامه: ياريتك كنت جبتها معاك، وحشتنا خالص وبقالنا كتير مش بنشوفها.
سليم بإبتسامة خفيفة: إن شاء الله تشوفوها في الخطوبة، سلام.
في الممرات الداخلية للقصر
قاد مي رشدي بين الغرف المزينه بالتحف والجداريات، والداده كريمه تتبعهم في صمت، كانت مي منبهرة حتى دخلا غرفته، فتوقفت في منتصف الغرفه تتأملها بدهشه.
مي بعفوية: بصراحة، أنا كنت متوقعة شاب زيك ألاقي أوضته مليانه صور بنات عريانة والدهانات سودا.
رشدي ضاحكا: قديم أوي جو الصور العريانة، والخيالات أنا دلوقتي ليا في الحقيقي.
رمقته بنظرة تحذيرية وقالت: أتلم وبطل قلة أدب.
ثم وقعت عينيها على رف صغير موضوع عليه لعبة معدنية صغيرة، على شكل موتوسيكل رفعتها بفضول، وهي تردد بإنبهار: الله! ده شكله حلو أوي.
رشدي بإبتسامة خجولة: أنا إللي عامله.
مي بدهشه: بجد؟ أنت بتعرف تعمل الحاجات دي؟
رشدي بنبرة حزينة: كنت زمان، وأنا صغير، بس بطلت، كنت نفسي أدخل هندسة.
ضيقت مي حاجبيها بتعجب: وليه مدخلتش؟ معتقدش مجموع، لأنه ممكن يتظبط بالنسبالكم حتى لو خمسين في المية.
رشدي بهدوء، وهو يشيح بنظره: مش قصة مجموع بس ملقتش حد يشجعني، فدخلت اي زي سليم.
مي بإستغراب وهي تمسك تلك اللعبه: طب وليه مكملتش في الحاجات دي.
هز رشدي رأسه بأسف ويحاول أن يظهر اللامبالاة:
لإني برضه مالقيتش أي حد يشجعني ولا حد مهتم، وكل مرة أوريهم حاجة، ماكانش فيه حد بيهتم.
ثم أقترب من مكتبة صغيرة، أزاح بعض الكتب، وأخرج مجموعة ألعاب سلكية معدنية غير متقنة من خلفهم يبدو أنه كان يقوم بتخبيئتهم
رشدي بإبتسامة باهتة: شايفة دول؟ أنا إللي عاملهم، بس مطلعوش مظبوطين، كنت صغير وكنت بزعل أوى لما مظبطش معايا، وكل مرة كنت أحاول أوريهم لماما أو بابا، مكانش حد بيهتم حتى إنه يقولى متزعلش المره الجايه هتعملها أحلي وتنجح، لحد ما عملت الموتوسيكل ده بس حسيتهم ميستاهلوش يشوفوه، يعني إللي مهتمش يشوفني وأنا بحاول أو وأنا لسة في أول تجربة، ميستاهلش يشوف النهاية ولما وصلت مكملتش، أنتِ أول واحدة تشوفه، من وقتها بطلت.
نظرت مي للموتوسيكل بإعجاب حقيقي: رشدي، أنت حقيقي موهب، يمكن إللي ناقصك مش شطارة، ناقصك تصدق في نفسك وتبطل تستنى تشجيع من حد علشان تكمل طريقك، حرام والله تضيع حاجات كتير في حياتك علشان مستني كلمة!.
كان في عينيه لمعة غريبة، كأنه يسمع الكلام لأول مرة.
نظرت مي في ساعة يدها، وقالت بهدوء: طب أنا لازم أمشي بقي علشان اتأخرت.
ابتسم رشدي، وهو يقف امامها محاولا إيقافها، ويردد باندهاش وهو ينظر في ساعته: أتأخرتى إيه الساعه لسه7 ، لسة بدري، مبقالكيش ساعه هنا!
ادخلت مي خصلة شعر سقطت على وجهها داخل حجابها: لا معلش، كفايه كده، مش هينفع أتأخر أكتر من كدة.
مال رشدي للأمام وتحدث بنبرة هادئة: طب، مقولتيش رأيك في العيلة؟
مي بابتسامة صغيرة وهى ترد بعقلانية: مش عارفة، محدش بيحكم على حد من أول مرة؛ لإن معادن الناس بتبان أكتر بالعشرة والتعامل، بس ممكن أقولك كأنطباع مبدأي عنكم، يعنى إن أنتم عيلة راقية جدا، حسيت إن ياسين وسليم محترمين خالص، وفريدة لطيفة أوي.
أطلق رشدي ضحكة خفيفة وهو يغمز لها: طب وأنا؟
ترددت مي لحظة ثم رفعت حاجبيها مازحة: لسة محتارة فيك، بس حابة أعرفك أكتر مع الوقت قبل ما أقول رأي، يلا بقى سلام .
توقف أمامها مرة أخري متسائلا: طب هتتكلمي مع والدك امتى علشان أجي أتقدم لك ؟
مي بهدوء: النهاردة هفتح مع بابا الموضوع وأكلمك.
رشدي، بإيماءة مطمئنة: طيب.
ثم ألتفت نحو كريمة التي كانت تقف بجانبهم وقال مبتسما بمزاح : يلا يا كركر.
وتحركا معا.
💞_____________بقلمي_ليلةعادل
فيلا سليم وماسة، السابعة مساء
توقفت السيارة أمام الفيلا الحديثة، التي كانت شامخة خلف بوابة عالية، محاطة بأشجار مصطفة كأنهم حراس صامتون، وقف الجميع للحظات يتأملون المكان بدهشة واستغراب، تتداخل في أنفاسهم مشاعر الفضول والرهبة.
رمق مجاهد المكان بعينين متسعتين: إيه ده فيلا جديدة؟!
عشري بنبرة هادئة: آه، جابها قريب.
خطا عشري نحو الباب وطرقه بخفة، ثواني وفتحت سحر الباب بوجه مشرق وإبتسامة ترحيب دافئة:
أهلا وسهلا، نورتونا، اتفضلوا.
عشري بهدوء: سحر بلغي الهانم إن أهلها هنا.
سحر بسعادة: هواا.
غرفة ماسة
كانت ماسة جالسة على الأرض، يديها تحتضنان المصحف، والإسدال الأبيض يغمرها بسكينة عجيبة، كأنها قطعة نور وسط الغرفة.
طرقت سحر بخفة، فارتفع صوت ماسة الهادئ:
ايوه يا سحر.
دخلت سحر بخطوات سريعة، عيناها تلمعان: متنزلي معايا تحت، عايزاكي في حاجة مهمة.
أغلقت ماسة الكتاب برفق بعد أن صدقت، ورفعت رأسها بإبتسامة صغيرة: طب متقولي هنا.
سحر، بإصرار: لأ، تعالي يلا.
مدت يدها تجذبها بلطف، فنهضت ماسة ببطء، وخلعت إسدالها وسارت معها، وما إن وضعت قدميها على الدرج، حتى تجمدت في مكانها واتسعت حدقة عينيها، هنا في الأسفل وجوه لم تراها منذ شهور، تسارعت أنفاسها، ودموعها انسابت بلا إرادة، لتخرج صرخة مختنقة: بابا !!! ماما!
ركضت، كطفلة ضائعة عادت أخيرا، خطواتها تتعثر من شدة الشوق، حتى ارتمت في أحضان والدها، ضمته بكل قوتها، تقبل يديه وخديه وهي تبكي بحرقة: بابا وحشتيني أوي.
ثم اندفعت نحو والدتها، التي احتضنتها كأنها تحاول أن تعوض في لحظة كل أيام الغياب، تقبل وجهها ويديها مرارا: وحشتوني وحشتوني!
تدفق إخوتها نحوها، يتلمسونها بأصابع مرتعشة، كأنهم يخشون أن تتلاشى فجأة
عانقت يوسف: حبيبى عامل إيه
يوسف بدموع: مبقتش كويس غير لما شوفتك.
نظر عمار لأسفل بخجل لأنه لم يستطيع حمايتها: عاملة إيه، حقك عليا يا ماسة مقدرتش احميكي منه.
ضمت ماسة عمار بشده: بلاش كلام عبيط، وحشتنى أوى.
وقفت سلوى مذهوله، ودموعها تملئ عينيها، فالتفت إليها ماسة، والتقت نظراتهما، لتندفع نحوها في لهفه، وتنهاران في عناق طويل صامت، يرافقه بكاء يوجع القلب.
اقتربت سحر تمسح دموعها وتضحك بخفة: خلاص بقى، كفاية دموع، المهم إنكم اتقابلتوا تاني.
سعدية وهي تحبس دموعها وتمسح على شعر ماسة:
عندها حق، بس والله الواحد مش مصدق.
ابتسمت ماسة من بين دموعها: مش مهم، المهم إني شيفاكم دلوقت.
ثم رفعت رأسها تنظر لأبيها بتساؤل: جيتوا هنا ازاي؟
رفع عشري عينيه وأجابها: الملك هو إللي أمر، أنا برة لو احتاجتم حاجة.
تركهم بخطوات صامتة، وكأنه يمنحهم وقتا بلا قيود.
عمار بإهتمام: طب أحكي يا حبيبتي إيه إللي حصل؟ هو وصلك إزاي؟ عملك حاجه؟
تنهدت ماسة بتعب: حكاية كبيرة، تعالوا نقعد.
نظرت لسحر بصوت هادئ: سحر من فضلك أعمليلنا عصير.
جلسوا جميعا في الصالة الواسعة، وماسة ماتزال متمسكة بيد أمها، كأنها تخشى أن تبتعد عنها ثانية.
مجاهد بلهفة: أحكي بقى يا بنتي إيه اللي حصل؟ هو إزاي وصلك؟
ماسة بتنهيدة ثقيلة: هقولكم كل حاجة.
بدأت تروى ما حدث، وبعد أن انتهت من سرد ما حدث، قالت سعدية بدهشة: مراته دى مجنونه؟ الحمد لله إنه طلقها، دي بنت مرووشة، بس والله ربنا يباركلهم ويقعدلهم في صحتهم وعافتهم، زي ماحافظوا عليكي، وحموكي من بهدلة الشارع، ربنا يسترها معاك يا مصطفى زي ماسترت بنتي.
مسحت سلوى دموعها بعصبية: هو أنتِ ناقصاها! وبعدين ازاي مخبتيش الخاتم؟
مدت ماسة وجهها بعدم معرفة: مجاش في بالي إنها تدخل الأوضة وتفتش فيها، كنت حاطاه في الدرج، بس هو كان هيعرف يوصلي، كان مستني مكالمة واحدة أعملها.
مجاهد بتنهيده: الحمد لله إنه كويس معاكي دلوقتي.
ماسة بقلق: بس أنا سكوته مخوفني أنا مش فاهمة هو ناوى على ايه؟!
سعدية بصدق: شهادة حق يا ماسة، من يوم مامشيتي، مشفناهوش غير المرة إللي جيتي فيها، ومكناش نعرف إنك هربانة، جه قعد يهدد شويه ومشي ومن بعدها لا شوفناه ولا شوفنا رجالته.
نظرت سلوى لماسة بقلق: طب هتعملي إيه دلوقتي؟
ماسة بقلة حيله: هقعد، هعمل إيه يعني؟ أنا مش قادرة أفكر وخايفة، مش مستوعبة لسه، بقولك مبقاليش يومين!
تساءل يوسف: طب هو فين دلوقتي؟
ماسة بتوضيح: في القصر.
ربتت سعدية قدميها بنصيحة: أنا من رأيي تسمعيه، وتديله فرصه، يمكن يتغير.
هزت ماسة رأسها ودموعها تتلألأ: بقولك خايفة منه.
تسائل مجاهد بصوت حازم: هو الأهم من كل ده! أنتِ أصلا هربتي ليه؟ إيه إللي حصل تاني يا ماسة؟
ترددت لحظة، ثم أخذت نفسا عميقا، رفعت يدها تمسح وجهها بعصبية وأزاحت شعرها للخلف، وقالت بنبرة مرتعشه: إللي حصل إنه ضربني، إداني علقة موت.
ساد الصمت، كأن الجدران نفسها توقفت عن التنفس.
تنهدت ماسة بصوت مخنوق: هقولكم إللي حصل.
أصغوا إليها بوجوه متشنجة، والقلق يزداد مع كل كلمة وبعدما انتهت من سرد ما حدث في هذه الليله، صاحت سلوى بصدمه: يعني هو كان واخد حباية؟
ردت ماسة بعينين تشتعلان بالغضب: صافيناز الحقيرة هي إللي حطتله الحباية! بس هو قالي إنه عاقبها، وأنا متأكدة إنه ضربها ضرب غبي أنا عارفة سليم.
عمار بشك: وأنتِ مصدقاه؟
رفعت ماسة عينيها نحوه بثبات: أيوه، سليم يمكن طباعه صعبة شويه، بس مبيكدبش، بس الموضوع أكبر من الحباية.
تنهدت، وأضافت بصوت مرتعش: أنا مش قادرة أتعامل معاه، كل مبشوفه قدامي مبشوفش غير نظرته ليا الليله دي، بشوف كل ليلة عشتها في الشارع بسببه حتى لو مكانش ليه ذنب، بشوف خوفي عليكم وحرماني منكم طول الفتره دى، علشان كدة رفضت إنكم تيجوا، خوفت يعمل حاجة وإحنا قاعدين سوا.
أضافت ويديها ترتعش عند قلبها بدموع: دلوقتي وأنا معاكم، والله قلبي مش مطمن، وخايفة…
أطرقت لحظة، ثم رفعت رأسها بحدة: قوموا أمشوا قبل مايجي، المهم إني أطمنت عليكم.
سعدية بهدوء، وهي تمسح دموع ماسة بحنان: متخافيش يا حبيبتى، أنا حاسة إنه مش هيعمل حاجة، لو كان عايز يعمل حاجة كان عملها.
مجاهد بهدوء شديد يخفي وراءه اضطرابا: أيوة أمك عندها حق، لو كان عايز يعمل حاجة، كان عملها.
همست ماسه بصوت متحشرج: يمكن عايز يطمني وبعدين ينتقم مني.
هزت سعديه رأسها باعتراض: ينتقم إيه بس يا بنتي، صلي على النبي.
وأثناء حديثهم، قطع المشهد صوت خطوات منتظمه تتقدم من عند الباب، ألتفت الجميع، فإذا بسليم قد عاد.
ما إن رأته ماسة حتى ارتجفت، وقبضت على يد والدتها بشدة، تبحث بعينيها عن أله حادة، لتحمي أهلها كما فعلت مع أهل مصطفي من قبل، وإن كان الثمن حياتها.
سليم بإبتسامة لطيفة، ونبرة هادئة: مساء الخير.
الجميع بنبرة جامدة، شبه موحدة: مساء النور.
ابتسم إبتسامة باهتة وهو يتفقدهم بعينيه: عاملين أيه؟
مجاهد بهدوء: الحمد لله.
سليم بلطف: ديما، البيت بيتكم طبعا، عن إذنكم.
ثم ألتفت وصعد الدرج بخطوات ثابته، تاركا خلفه صمتا ثقيلا، مدركا أنهم مازالوا غاضببن مما فعل، ومع ذلك، كان كل ما يهمه أن ماسة رأت عائلتها أخيرا بعد طول غياب، وسعدت بذلك.
يوسف بصوت منخفض مشوب بالريبة: هو ماله متغير كدة ليه؟
ألتفتت ماسة إليهم بعينين غارقتين في الخوف:
شوفتوا إني ليا حق أخاف؟
وضعت سعدية يدها على يد ابنتها تطمئنها وتحدثها بهدوء: ما يمكن ربنا هداه، وبقى كويس، وغيابك أثر فيه.
تنهدت ماسة، ومسحت وجهها بتعب: طب غيروا الموضوع، أنا عايزة أعرف أخباركم، عاملة إيه يا سوسكا؟ بعرف أخبارك على الفيسبوك؟ ماشاءالله الحاجات إللي بتعمليها قمر، بجد أنا مبسوطة إنك حققتي أكبر حلم ليكي، ألف مبروك يا حبيبتي.
امسكت سلوى يد ماسة، وقالت بدموع تلمع في عينيها: كان نفسي تكوني جنبي
ماسة بابتسامه: أنا جنبك بقلبي.
ألتفتت ليوسف بمزاح: وأنت؟ لسة زي ما أنت فاشل؟
يوسف ضاحكا: معنديش جديد، غير اني بنجح في الجامعة، والحمدلله أموري ماشية في الشغل.
نظرت لعمار بلطف: وأنت يا عمور، هتتجوز إمتى
عمار بابتسامه: بعد ما اخلص الكلية، علشان أكون جهزت نفسي، أنا شغال دلوقتي في شركة سياحة.
ماسة: وأنت يا بابا؟!
مجاهد بنبرة حزينة: أنا لسة ملقيتش شغل، قاعد في البيت، يوسف وعمار هما إللي بيصرفوا سلوي بتصرف على نفسها وبتساعد على قد ماتقدر.
ماسة بإستغراب: هو سليم بطل يديكم فلوس؟
سعدية بسرعة: لأ خالص بالعكس، ده بيبعت أكتر من الأول، بس إحنا حاطين الفلوس على جنب، مابناخدش منهم مليم، أصل هنقول له لا؟ بنخاف منه، فبناخدهم وبنركنهم…
وأضافت بصوت منخفض: كذا مرة نقوله نمشي، وهو يرفض، أخوكي كان عايز يجيب لنا شقة إيجار، بس أنا قولتله خلينا زي ما إحنا، علشان أختك، وكمان حرام خليه يحوشله قرشين عشان يتجوز.
ماسة بجدية: بصراحة يا ماما إللي عملتيه هو الصح، بس يا بابا ليه مش لاقي شغل؟
مجاهد بتنهيده: كل مروح في حته، يقولولي أنت راجل كبير ومحدش بيقبلني.
تسائلت ماسه بقلق: طب يعني الفلوس بتكفيكم؟
هز مجاهد رأسه بإيجاب: بتكفينا الحمد لله، إحنا زمان عيشنا بأقل من كده، ومن فات قديمه، تاه يابنتي.
ماسة بلهفة: أنا تليفوني مفتوح، ابقوا كلموني لو احتاجتوا حاجه، هو سابلي التليفون.
مجاهد بصدق ونصح: بصي يا بنتي، أنا رأيي من رأي أمك، فكري تاني واديله فرصه، وإذا كان على إللي حصل منه مع عمار ومعانا، إحنا مسامحينه، هو برضو عمل معانا حاجات حلوة ياما، مننساش الحلو ونمسك في الوحش، حتى لو الوحش إللي عمله زي الشوكة في الضهر، بس الحق يتقال الراجل ده منع عننا بهدلة كتير.
مسحت ماسة دموعها، بصوت مكسور: كان نفسي ميكونش كدة، كنت متعشمة فيه إنه مش هيعمل فيا كده، بالله عليكم غيروا الموضوع بقي مش عايزة أتوجع، أنا مبسوطة إني شفتكم، كنتوا واحشني أوى.
وضمت والدها بقوة، وظلوا يتحدثون طويلا، حتى حان وقت الرحيل، فقاموا بتوديعها على أمل لقاء قريب.
وقفت ماسة عند باب الفيلا تودعهم بوجه شاحب لكنه ممتلئ بالحنان: خدوا بالكم من نفسكم، لو حصل أي حاجة في أي وقت كلموني علطول، سلوى أبقي كلميني.
سلوى بتفهم: حاضر
بعد أن غادرت العائلة وتحركت السيارة، أغلقت ماسة الباب، ورفعت نظرها إلى الأعلى بخوف، عيونها حمراء متعبة، دمعة واحدة هبطت على خدها ثم تنهدت..
تفكر: لماذا يفعل ذلك؟ ماذا يريد منها؟ هل يريد أن يجعلها تجن أم ماذا؟ هل عقابه حقا أن يجعلها تطمئن له ثم يطعنها بخنجر العقاب؟ أم إنه بالفعل تغير ولا يريد منها سوى المسامحة؟
أخذت نفسا عميقا، ثم صعدت إلى الأعلى، في إتجاه غرفة سليم.
فتحت الباب دون أن تطرق.
وجدته واقفا عند النافذة، يدخن سيجارة، ويستمع لأغنية تركية تملئ المكان، ألتفت إليها وهو يرمقها بمزيج من الاستغراب والهدوء، وألقى بسيجارته.
اقتربت منه ماسة وهي تصيح بضجر: قصدك إيه بإنك تجيبهم هنا؟! عايز توصل لإيه؟!
أجابها بهدوء، ونبرة ناعمة: ولا أي حاجة، أنا كنت عايز أخليكي مبسوطة، عارف قد إيه وحشوكي، أنتِ بقالك تقريبا سنة ونص مشوفتيهمش.
ردت بضجر وهي تنظر داخل عينه: آه بتعمل كده علشان تكسب ثقتى وتخليني أطمنلك زى زمان، وتخدعني بقناع الطيبة والحنان المزيف وبعد كدة هترجع تلبس قناع السجان إللى مش بيعرف يعمل حاجه إلا إنه يهدد ويوجع، أنت بنفسك قولتلى زمان علشان توجع عدوك لازم تخليه يطمنلك، وبعد كدة تطعنه، فأنا المرة دى مش هتخدع بالمصيدة المزيفة دى أنا مبقتش البت العبيطة بتاعة زمان.
صمت للحظة وهو يرمقها بصدمة، رد بصوت تغلفه المرارة: بس أنتِ مش عدوتي علشان أعمل فيكى كده يا ماسة !! وأنا مش وحش للدرجه دى..
اضاف وهو يهز رأسه بأنين موضحا نواياه بصدق يخرج من عينه، بنبرة مبحوحة: أنا مكنتش عايز أى حاجه غير إن أشوفك مبسوطة، عارف إن بقالك كتير مشوفتيهمش وأكيد وحشوكى بس أنتِ بتعاندي
نظرت إليه ماسة من أعلى إلى أسفل، وقلبها يتخبط بين رغبتها في تصديق ما تشع به عيناه وتنطق به شفتاه بصدق، وبين عقلها الذي لا يكف عن تذكيرها بالحقيقة المُره التي عاشتها، فـمهما تظاهر بالهدوء! فهي تعلم أن ذلك الهدوء لم يكن سوى هدوء يسبق العاصفة، عاصفة قد تطيح بها وبعائلتها بأكملها.
أخرج سليم أنفاس ساخنة، وتساءل: بس مشيوا بسرعة كدة ليه؟؟ وليه مخليتهمش يباتوا معاكي؟؟
رفعت ماسه حاحب بتحفز: وأنت عايزهم يباتوا ليه؟ كنت ناويلهم على إيه؟!
رفع سليم حاجبيه متعجبا، وقال بنبرة ساخرة: في إيه ياماسة، أنتِ ليه محسساني إني محمد على ومجمع المماليك علشان أدبحهم في القلعة؟؟
حاولت ماسة كتم ضحتها فهي لم تنتظر ذلك الرد، وضعت يدها على أنفها ثم رفعت وجهها ورسمت الثبات الكاذب.
تابعها سليم بوجع، وهو يقترب منها حتى توقف أمامها مباشرة وهو يركز النظر داخل عينيها: أنتِ بجد خايفة عليهم منى للدرجة دى؟!
ردت ماسة بنبرة لاذعة مخذولة: أه طبعا، وأنت إللي زرعت الخوف ده بإيدك جوايا لما هددتني قبل كدة بيهم، ورفعت مسدسك على أخويا قدامي.
رمش سليم بعينه، وأقترب أكثر حتى لم يعد يفرق بينهما سوى أنفاسهما المختلطة، مد يده وضم كتفها بحنان، وقال بصوت منكسر: صح، أنا عملت كده وندمان، وصدقيني مستحيل أكررها تاني…
زادت ملامحه عشقا وصدقا بعين لا ترمش: أنا بحبك يا ماسة، سامحيني، وخلينا نرجع ونصلح إللي فات.
أمسك يدها برفق، ورفعها ليضعها على صدره حيث يخفق قلبه بعنف شوقا إليها، ثم غطى كفها بكفه، كأنه يثبت يدها فوق قلبه، وقال بنبرة عاشقة صادقة: بلاش تصدقيني أنا، صدقي قلبي، قلبي إللي مستحيل يكذب عليكي
رمشت بعينيها، وارتفعت أنفاسها برجفة.
أضاف وهو يضع كفه على وجهها، ويركز نظره داخل بحور عينيها: بصي في عينيا، شوفي بتقولولك إيه؟
رفعت عينيها ببطئ ونظرت في عينيه، تلك التي تقول كل شيء: ندم، حزن، حب، شوق، وتوسل.
غاصت في أعماقهما برعشة اهتز لها جسدها، دقات قلبه تتخبط تحت كفها، وأنفاسه تختلط بأنفاسها من ذلك القرب الذي هدم إرادتها، وأذاب قوتها، وأخرس غضبها.
بينما هو مازال على ذلك الوضع، يحدق بها بكلمات لا تنطق سوى بالعشق الخالص، وعين تسكنها دمعة متحجرة.
مرت لحظات من الصمت، تكلم فيها القلب والعين فقط.
ارتفعت أنفاسها شيئا فشيئا، وتجمعت الدموع في عينيها بوجع وضعف، من الحرب الداخلية التي تعيشها، فقد مر يومان فقط، واستطاع أن يجعلها تضعف بهذا الشكل، بمجرد أن رأته نسيت كل شيء.
كان هناك صوت داخلها يردد:
“هو بيحبك، وصادق، جربيه، ده سليم.”
وصوت آخر يهتف:
“بس هو برضه إللي وجعك، لو صادق دلوقتي، هيرجع بعد يومين يوجعك ويخذلك تاني”
أغمضت عينيها بضعف أكبر، سالت دموعها، سحبت يدها ببطء، وحاولت التمسك ببقايا قوتها الهشة، وابتعدت بضع خطوات للخلف.
مسحت دموعها، وقالت بصوت قاطع: عموما أتمنى تكون صادق، بس أنا بقي صعب أثق فيك.
ارتسمت نصف إبتسامة أنين وتمنى: مسيرك هتطمني وتصدقيني، الزمن كفيل ينسيكي، ويداوي جروحك.
نظرت إليه بعينين يعتصرهما الوجع، وقلبها يتوق إلي الارتماء في أحضانه والبكاء على كتفه، لكنها لم تستطع تجاوز ما عاشته بعد.
ابتلعت غصتها وحاولت تغيير الموضوع بإبتسامة مصطنعة: بس قولي، انبسطت هناك؟
ابتسم سليم إبتسامة مكسورة: أكيد مش هنبسط، وأنتِ بعيدة عني.
ماسة بفضول: طيب احكيلي، البنت شكلها عامل إزاي؟
عقد بين حاجبيه، متعجبا: مين؟
اقتربت ماسة منه موضحة: البنت إللي هيخطبها رشدي.
تنهد سليم، ثم قال بنبرة عابرة: آه “مي” مش هتصدقي، محجبة.
نظرت له بدهشة: محجبة؟!
هز رأسه بإيجاب: وبنت محترمة جدا كمان.
قهقهت ماسة فجأة، ضحكتها ملأت الغرفة، وراحت تضرب كفيها ببعض بغير تصديق، شعر سليم بقلبه يذوب، فهو لم يسمع تلك الضحكة منذ أكثر من عامين.
ماسه بنبرة ساخرة: مش مصدقة إن رشدي يعرف واحدة زي دي! ينوبك فيها ثواب قولها أهربي!
ابتسم سليم بخفة: ما يمكن هي إللي تصلح حاله.
ماسه بإستنكار: وإللي زي رشدي ده، بيتصلح حاله؟
أقترب سليم خطوات معلقا بإستغراب: غريب إنك بتتكلمي عن رشدي كدة، مع إن علاقتك برشدي كانت كويسة، أعتقد كانت أفضل علاقاتك مع أهلي.
هزت ماسة رأسها ببطء وشرود: صح لإنه الوحيد إللي كان يعاملني حلو من غير تكبر، كمان سهرنا كتير في الفترة إللي كان يومي معكوس فيها، بس عارف؟ حتى وهو بيتعامل معايا كويس، كنت برضه بخاف منه.
ثم أضافت بصوت منخفض: بس واضح إني فاتني كتير، على رأي سحر يوم واحد قادر يقلب كل حاجة، ما بالك بقى ست شهور؟
اقترب منها ووقف أمامها، وهو يقول بنبرة متوسله:
هو ده إللي بحاول أقنعك بيه.
رفعت ماسة عينيها اليه متسائلة: ناوي يعمل معاها ايه؟
سليم بابتسامه: هيخطبها.
مدت ماسة وجهها بإستغراب ممزوج بإبتسامة ساخرة: كمان؟ واضح إن ميشو سحرتله، تفتكر ممكن يتغير زيك؟
مد سليم وجهه: ممكن، أتمنى والله.
سألت بدهشة: بتحب إخواتك ليه بعد كل إللي عملوه معاك؟
سليم موضحا: هو مش حب، لكن عمري ما فكرت أأذيهم أو أتمنى ليهم الشر، ولو لقيت حد فيهم عايز يتغير لأحسن ومحتاج مساعدتى، هساعده.
وقفت أمامه ونظرت له للحظات بصمت، ثم قالت: أحيانا بسأل نفسي “ليه أنت الوحيد إللي كده؟”
ابتسم إبتسامة صغيرة بأمل: بس أنا متأكد إنهم زيي، بس مش لاقين الايد اللى تشدهم، بعدين ياسين وفريدة حاجة تانية، مش شبهنا، وطه كمان.
ماسة باستفسار: فاهمه، بس أنا أقصد صافيناز ورشدي، تفتكر؟
حك سليم خده قليلا بحيرة: رشدي؟ بحس إنه آه، أما صافي، موضوعها مختلف، رشدي مشكلته معايا إنه بيغير، وفاكر إني أخدت مكانه وأخدت منه الحب والحنان، مش قادر يفهم إن كل الحب والتقدير إللي شايفه في عيونهم مصلحة وخوف مش حب، رغم إنه عارف، بس الحرمان والوجع والغيرة عموه عن الحقيقة دي.
ثم تابع بضجر: أما صافيناز، عمرها ما حست بأي تفرقة، بالعكس هي الأقرب للباشا والهانم من فريدة.
ماسة بعقلانية: الكره والأذية ملهومش مبرر، هما إللي عايزين كده.
ثم تنهدت وقالت: أنا هروح أوضتي.
سليم بلهفة: متخليكي قاعدة معايا شوية كمان..
ارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة وقالت: تعرف، دي تاني مرة نتكلم فيها بهدوء، في نفس اليوم.
تحممت ثم تابعت بصوت منخفض، وهي تخفض رأسها هربا من عينيه المتلهفه: معلش محتاجة أنام، تصبح على خير.
هز رأسه بإيجاب وصمت، بينما تحركت هي مبتعدة، وظل هو واقفا يطالع أثرها بعينين يترقرق فيهما الدمع، ووجع يعصف بقلبه.
أما هي، فجلست على فراشها، تتذكر ارتجاف قلبه أسفل يديها، وضعف نظرته اليها، لقد أحضر اليها عائلتها، ولم يمسهم بسوء، ومع ذلك قلبها مازال يرفض التصديق، لا يقوى على المسامحة بعد.
قصر الراوي العاشرة مساء
غرفة صافيناز الجديدة
كانت صافيناز تتحرك في الغرفة ذهابا وايابا، بملامح مشتعلة بالغضب، جلس عماد على حافة الفراش، وعينيه تتابعان خطواتها، ثم لوح بيده، وقال محاولا تهدئتها: متقعدي يا صافي وتهدي شوية.
زفرت بعنف وهي تقول بصوت غاضب: أهدى؟ أهدى إزاي بعد إللي حصل فينا تحت؟
زفر عماد بعمق، وقال بنبره هادئه: اللى حصل دى شيء متوقع وطبيعي جدا، دى أنتِ أحمدي ربنا اوي، وقومي صلي ركعتين، إنها جت على قد كده، أنتِ عارفة كويس معنى إن سليم يعرف إنك عملتي كده في ماسة وكنتي السبب إنها تهرب منه، ده كويس إنه مولعش فيكى وفيا وفي العيال.
رفعت صافيناز يدها إلى جبينها تحكه بعصبية، ثم مررت أصابعها في شعرها لتعيده للخلف، صوتها خرج متحشرجا: عارفة بس مش قادرة، شوفت كانوا بيعملوا معايا إيه تحت؟ كل يوم نفس الإهانة.
وقف أمامها، وامسك وجهها بين كفيه، وهو يقول بهدوء: اهدى يا صافي واسمعيني، احنا دلوقتي لازم نطاطي للموجه، ونفكر إزاي نصلح أمورنا مع سليم، صدقيني، كل إللي بيحصل معاكي ده يعتبر طبطبة ورحمة قدام إللي كان ممكن يحصل.
أشاحت صافيناز بوجهها بعيدا عنه، وضربت الأرض بقدمها بعصبية، وصوتها يرتفع بغضب: يعني نقبل على نفسنا الإهانة ونسكت؟! إحنا بنتفتش يا عماد، عارف يعني إيه بنتفتش!؟
صمت لحظه، وأنفاسها تتسارع من الغضب، وكأن عقلها يجري بأفكار متلاحقة، ثم قالت بنبرة شرسه:
أنا لو هخسر مش هخسر لوحدى، مش دلوقتي كلهم بقوا ملايكه وصافيناز بس اللي شيطان، أنا مش هشيل الذنوب لوحدى، ههد الدنيا عليهم، وهقول لسليم كل حاجه، وبعد كدة نسافر ونختفي، ووقتها يوروني هيعملوا ايه في إللى سليم هيعملوا فيهم لما يعرف اللي عملوا فيه إيه هو ومراته وولاده.
صمتت قليلا، بنظره شاردة، وصوت أبيها يتردد في رأسها، وهو يقوم بتهديدها بأن يخبر عماد كل شيء، وهذا ما تخشاه.
ثم جلست على السرير بانهاك وهي تردد بتخبط بتراجع:
أو ممكن نجيب ماسة، ونساوم سليم عليها، ونخليه يرجع لنا كل حاجه، وبعد كده نديهاله.
اتسعت عينيها، ورفعت شعرها للوراء بحركة سريعة، وأكملت بلهفة: صح ماسة مقابل الأسهم، ومش بس الأسهم بتاعتي، لا هخليه يكتبلي كل ما يملك واعيشه مذلول وشحات طول عمره، وإحنا كدة كدة عارفين مكانها صح؟!
ثم لمعت عيناها أكثر، وانفرجت شفتاها بإبتسامة ماكرة بشر: ومافيش مانع لو كمان لعبنا باعصابه شويه، وقولناله إننا عارفين مكان بنته..
هز عماد رأسه باستنكار: بنته إيه أنتِ كمان، أنتِ ناسيه إن أحنا موتناها من زمان.
ردت بإندفاع وهي تلوح بيدها: يا سيدي نقوله كدة وخلاص، نرجعله ماسة، يرجعلنا الأسهم وكل حاجة، وبعدها نسافر بره ونبقي في أمان، وساعتها نقوله إننا كذبنا عليه في موضوع بنته وإنها فعلا ماتت أو نسيبه متعذب وبيدور على وهم، أو حتى نجيب أي بنت شبه ماسة ونقدمهاله على إنها بنته، هنتصرف ياعماد مش هنغلب.
انفلتت ضحكة قصيرة من عماد وهو ينظر لها بإستغراب: وسليم عبيط يعني مش هيعمل DNA؟
شهقت صافيناز وأمسكت صدرها كأنها تختنق بالوجع: والله يا عماد هموت، مش قادرة أتحمل الإهانة دي أكتر من كده.
جلس بجانبها على الفراش وربت على يدها بتهدئه، وقال بنبره هادئة وحازمة: طيب، أهدي يا صافيناز، خلينا نفكر ونخطط هنعمل ايه، بس بالعقل.
غرفة هبة وياسين
دخل ياسين الغرفة، وكانت هبة منهمكة في ترتيب حقيبتها.
نظر لها ياسين بعينين نصف مغمضتين، صوته هادئ لكنه حاد: خلاص هتمشي؟
لم تنظر إليه وأكملت وضع ملابسها في الحقيبه بعناية، ثم قالت بصوت خافت: آه، إحنا اتفقنا إني هقعد يومين لحد زيارة مي، واعتقد كدة خلصنا المسلسل اللي عملناه عليها النهاردة، ووريناها قد إيه إحنا عيلة دافية وعيله….
رفع ياسين يده، مقاطعا إياها بحده وملل: مش محتاجة تكملي، أنا مصدع ومطلبتش توضيح منك، أنا سألت سؤال وإجابته آه همشي، وخلاص خلصنا.
لم تستطيع هبة منع نفسها من الرد، وقالت بنبرة مليئة بالاستفزاز: أنت أسلوبك بقى مش حلو.
ضحك ياسين، وضرب كف على كف، ثم جلس على المقعد: حلوه النكته دى، وأنتِ أسلوبك إيه بقى؟!
تنهدت هبة بعنف، أغلقت حقيبتها بعصبية، ووقفت أمامه بضجر: أنا هروح عند ماما، مش هينفع أقعد في الفيلا لوحدي، وكمان علشان تخلي بالها من البنت وأنا في الشغل، على الأقل هناك هكون وسط أهلي، مش لوحدي بين الحيطان والحراس والخدم.
ابتسم ياسين ابتسامة حزينة، وقال بنبره هادئة لكنها حازمة: أقعدي في المكان إللي تحبيه، بس ياريت متعرفيش أهلك المسافة إللي بينا بقت كبيرة قد ايه، لكن إللي أنتِ شايفاه، أعمليه يا هبة.
نهض ياسين تحرك إلى الشرفة، وقف هناك، بينما اقتربت هبة بخطوات مترددة، عيناها مليئتان بالقلق:
بس إيه البنت إللي أخوك هيخطبها دى؟ أزاي واحدة زيها ترتبط برشدى؟!
نظر لها ياسين، وقال ببرود: وإيه المشكلة؟
اسندت هبة، ظهرها على السور وهي تقول: المشكلة إنها حد محترم أوى، حرام تتجوز واحد زي رشدي، صايع ومغتصب وبلاويه كتيره، دى مفيش حاجة حرام معملهاش…
ثم أضافت بصوت ضعيف متأثر: صعبانة عليا أوي، تخيل أنا كدة ومقدرتش ولا اتحملت، أومال هي بقى هتعمل ايه!؟
نظر لها ياسين بعينين حادتين، وقال: ملكيش دعوة بحد يا هبة، خليكي في نفسك، بطلي تعملي فيها واعظة، وشوفي حياتك وأخطائك الأول وبعدين أبقي عدلى واتكلمي على أخطاء غيرك.
جزت هبة على أسنانها وقالت بضجر: أنا غلطانة إني بتكلم معاك، بكرة هخرج من الشغل على أهلي وهقولهم إنك مسافر.
ياسين بتساؤل: وهشوف البنت إزاي؟
هبة بتنهيده: خلاص هقولهم عندك شغل كتير، وبتيجي متأخر، هتصرف.
هز ياسين رأسه إيجابا في صمت، ومضت هبة تكمل ما كانت تقوم به، بينما ظل هو يحدق في الفراغ أمامه، يعتصره الحزن والأسى لأن حياته مع هبة وصلت إلى هذا الحد.
غرفة عزت وفايزة
كانت فايزة تجلس أمام التسريحة، ترتدي قميص نوم أنيق يعلوه روب طويل، وبيدها منديل تزيل به مستحضرات التجميل عن وجهها، انعكست ملامحها في المرآة، بينما عزت خرج لتوه من الحمام، مرتديا روبا فوق بيجامته، وتمدد على الفراش باسترخاء يراقبها من بعيد.
فايزة وهي تنظر في المرآة: شوفت مي؟ مقولتش رأيك فيها؟
مد عزت رأسه بإيجاب: الصراحة، البنت شكلها مؤدب جدا، واضح كمان إنها من عيلة ملتزمة ومش شبهنا خالص.
ابتسمت فايزة ابتسامة خفيفة وهي تتابع مسح وجهها: مظبوط، هي عجبتني، ومعنديش أي مانع إننا نروح نطلب إيدها.
رفع عزت حاجبيه بدهشة وعدل جلسته على الفراش: مش معقول! فايزة رستم هتنزل من برجها العالي وتروح تطلب مي بنت المهندس راشد؟
ألتفتت فايزة إليه، بعد أن وضعت المنديل على الطاولة أمامها، ونظرت له بتعجب: إيه المشكلة؟
هز عزت رأسه وهو يضحك ساخرا: المشكلة إنها من طبقة أقل مننا، وأنتِ دايما عندك حساسية من النوع ده.
عدلت فايزة جلستها، نظرت في المرآة وبدأت تمشط شعرها: لكن بنت ناس، باباها مهندس، ووالدتها الله يرحمها بالتأكيد كانت ست محترمة، أنا هعمل تحرياتي عنها، وبعدين ده رشدي! تفتكر هيفرق معايا رشدي يتجوز مين؟
نظر عزت لها نظرة مطولة ولوح بيده: أنا إللي عارفه كويس إن ميهمكيش الا نفسك وصورتك قدام المجتمع، ورشدي، حتى لو مستهتر، هيفضل اسمه على اسمك، ابن فايزة رستم أغا.
قهقهت فايزة، وردت بثقة وهي تستدير له: سليم راح اتجوز خدامة، تفتكر أنا ممكن أتضايق لو مي اتجوزت رشدي؟ وبعدين مي مش زي ماسة، فيه فرق كبير، مي أعتقد في نفس المستوى المادي بتاع هبة ممكن أقل شوية بس مش كتير، وواضح إنها بنت هادية ولطيفة، وكفاية أصلا إنها قبلت برشدي.
صمتت لحظة وقطبت حاجبيها: آه صح! بخصوص هبة، أنا بدأت أتضايق منها، وشكل ياسين بدأ يتضايق هو كمان…
ثم ضيقت عينيها بتساؤل:
البنت إللي اسمها لوجين دي مين إللي شغلها؟
رفع عزت عينه بإستغراب: مين لوجين؟
فايزة بتعجب: أنت مش عارف مديرة المكتب الخاصة بإبنك أسمها إيه؟
رد عزت بلامبالاة وهو يعدل جلسته على الفراش:
وأنا هركز في حاجات تافهة زي دي ليه؟
ابتسمت فايزة ابتسامة ماكرة: لا، مش تافهة، دول بيخرجوا مع بعض كتير.
عزت باستغراب: وأنتِ إيش عرفك؟
اتكأت فايزة على التسريحة وغمزت بعينيها: شوفت صورهم كذا مرة، البنت جميلة الصراحة، باباها الله يرحمه كان سفير، ومامتها مستشارة، أصل أنا عملت عليها شوية تحريات.
مال عزت بجسده للأمام: وناوية على إيه يا فايزة؟
ضحكت فايزة واستدرات مرة أخري وهي تصفف شعرها في المرآة: كل خير، عايزة أعمل تجديد دم في العيلة، ياسين لازم يطلق هبة، وقربه من لوجين هيسهل عليا كتير، ومي كمان لازم تتجوز رشدي، حتى لو باباها كان شغال سفرجي، هجوزها له
نهضت وجلست أمام عزت موضحة: البنت دي هتغير كتير من رشدي، كفاية أوي إنه بعد عن السهر بشكل معقول؟! يمكن يعقل لما يتجوز واحدة زي مي، أما الباقيين، هحاول أتخلص منهم، واحد واحد، وعماد أولهم.
ضيقت فايزة عينيها وتساءلت بخبث وهي تمسك يده: مش ناوى تقولي إيه إللي ماسكه على صافي؟ حاجة ممكن تخلي عماد يطلقها؟ خيانة مثلا؟
ضحك عزت وحرر ذراعها بلطف: لا مش خيانة ومش ماسك عليها حاجة.
دققت فايزة النظر في ملامح عزت، وصوتها صار عميقا ونظراته أكثر جدية: إحنا عشرة سنين يا عزت، صافيناز جاية حاطة رأسها في الأرض وقابلة بأوضاع كتير استحال تقبلها، وأنا متأكده إنك ماسك عليها حاجة كبيرة…
اقتربت منه أكثر وخفضت صوتها بتحذير: عموما، صافي مش سهلة احذر منها.
قلب عزت عينه بقوة شخصية وقال بصوت حاد: وأنا عزت الراوي صدقيني، لو حسيت إنها هتغدر هندمها.
مالت فايزة تجاهه، وهمست: لسة معرفتش سليم كان مسافر ليه؟
هز عزت راسه وقال ببرود: لا.
فايزة بنبرة منخفضه: أنت عرفت إنه جاب فيلا جديدة؟
اشعل عزت سيجاره، وأجاب: أيوة عرفت، وقاعد فيها.
نظرت له فايزة بقلق وسألته: تفتكر وصل لماسة؟
زفر عزت دخان السيجارة: مش اولادك، بيراقبوها خليهم يشوفوا.
قالت فايزة بعد صمت قصير: ماشي، بس لو رجعت، هتبقى كارثة كبيرة، لأنها أكيد هتتكلم.
رفع عزت صوته بغضب مكتوم: وطبعا هتجربوا تخرسوها.
أجابته فايزة بسرعة: هنحاول نسكتها بالتهديدات، مش هنعمل حاجة تانية، إحنا لسة روحنا في إيد سليم.
بان على ملامح عزت الإرتباك، وقال بصوت متردد: فايزة، أنا قلبي مش مطمن، حاسس إن الأيام إللي جاية مخبيلنا حاجات صعبة، إحنا كان لازم نحسب حساب اليوم ده من زمان، اكيد هيجي عليها وقت وتتكلم، ولو اتكلمت يبقي إحنا انتهينا، تعرفي؟ ساعات بفكر نقتلها عشان ندفن السر معاها.
نظرت له فايزة بهدوء وقالت ببرود: أنا معنديش مانع.
تنهد عزت وهو يمرر يده على جبينه: مش عارف، محتار في قراري، البنت دي لو رجعت وقالت لسليم على إللي كنتم بتعملوه معاها، واني عرفت وسكت، يبقى حفرنا قبرنا بإيدينا.
فايزة بثقة وقوة: ماسة دي بنت جبانة، وأهلها في إيدينا، وأنا بعرف اخرصها إزاي.
تغيرت نبرة فايزة فجأة وقالت: سيبك دلوقتي من ماسة، خلينا في رشدي ومي، أنا موافقة على البنت دي، أعمل حسابك هنروح نطلبها.
أومأ عزت ببطء وقال: تمام، وأنا هتكلم مع رشدي، في موضوع إنه لازم يروح مصحة ويتعالج، أو حتى يتعالج هنا في القصر، وهاخد موضوع مي حجة علشان يوافق.
فايزة بإبتسامة باردة: تمام.
💞_____________بقلمي_ليلةعادل
منزل مي الواحدة صباحا
غرفة نومها
كانت مستلقية على فراشها، ممددة برأسها على الوسادة، وعيناها شاردة في السقف، رغم شرودها، لم تفارق الابتسامة ملامحها، فقد كان ذهنها ممتلئا بصورة رشدي، وبالليلة التي تعرفت فيها على عائلته.
قطع خيط أفكارها صوت هاتفها على الكومود، مدت يدها بتكاسل، أخذته، فرأت رسالة جديدة من رشدي:
“مستنيكي بكرة الساعة 4:00 في المطعم.”
ابتسمت بخفة، ثم أعادت الهاتف بجوارها، وضعت يدها على صدرها، كأنها تحاول أن تفهم دقات قلبها المتسارعة، تساءلت بصوت خافت:
“أنا ليه مشدودة ليه كده؟”
فهي تعرف جيدا أن لا شيء يجمعها برشدي، فهو مختلف عنها تماما، من عالم آخر لا يشبه عالمها، لا يحمل أيا من الصفات التي كانت تتمناها في شريك حياتها، ومع ذلك هناك خيط خفي يشدها إليه أكثر فأكثر، العلاقة بينهم تأخذ شكلا جديدا في كل مرة يلتقيان فيها.
أدارت رأسها على الوسادة، ألتقطت الهاتف من جديد، فتحت معرض الصور، وبدأت تتأمل لقطات الرحلة: صورها معه، ضحكاته العفوية، نظراته المباشرة التي كانت تفضح كل ما يخفيه.
ثم انتقلت لصورة أخرى، عينيه فيها ثابتتان عليها، نظرة حادة وصريحة، لكنها مليئة بدفء لم تعتاده، رفعت يدها ولمست الشاشة بخفة، كأنها تلمس ملامحه نفسها، وبين صورة وأخرى، عادت إلى ذهنها كلماته الصريحة:
“أنا بتمنى أتغير علشانك.”
توقفت يدها، واتسعت ابتسامتها أكثر، لحظتها فقط، أدركت أنها عالقة في دائرة لا تعرف إن كانت بداية حب؟! أم مجرد ارتباك قلب لم يتذوق هذه المشاعر من قبل!؟
تمتمت بصوت هامس: إزاي قدرت تخترقني كده، وإحنا مفيش بينا أي تشابه؟
شعرت بحرارة تسري في وجهها، قلبها يخفق بسرعة غير عاديه، وضعت الهاتف بجانبها لتتخلص من هذا الشعور، لكن بعد لحظات لم تحتمل فعادت وألتقطته من جديد، وكأنها أسيرة لصورته.
وفجأة، ظهر إشعار رسالة جديدة، كانت من رشدي،
“لسة صاحية؟ كنت بفكر فيكي.”
اتسعت عيناها، تسارعت أنفاسها، أعادت قراءة الرسالة مرة واثنتين وثلاثة، ابتسمت ابتسامة مرتبكة، وضغطت الهاتف على صدرها، تغمض عينيها للحظة وكأنها تريد أن تحفظ إحساس الكلمات داخلها.
ثم همست بخجل: يا ربي أعمل إيه معاك؟
جلست في السرير، وبدأت تكتب ردا، لكنها ترددت، ومسحت الكلمات أكثر من مرة، فهي لا تعرف كيف تعبر عن مشاعرها، مشاعرها التي تكبر مع كل يوم يمر، ومع كل رسالة منه.
وفي النهاية وضعت الهاتف بجوارها، وشدت الغطاء على جسدها كأنها تبحث عن دفء يسكن ارتباكها.
عيناها ظلت معلقتين بالسقف، والابتسامة لا تفارق وجهها، بينما قلبها يقربها خطوة جديدة نحو رجل لم تتخيله يوما في عالمها، فيما عقلها يهمس بتحذير خافت، لكنها ولأول مرة، اختارت أن تصغي لقلبها.
غرفة رشدي الوحده صباحا
جلس رشدي على الأريكة، السيجارة بين أصابعه، وعيناه معلقتان بالسقف في شرود عميق، كان يسترجع في ذهنه حديث “مي”، وتحديدا انبهارها بالأشكال التي صنعها بيديه في صغره، ابتسم ابتسامة باهتة، كمن يتذكر أمنية قديمة؛ كم تمنى أن يلتفت أحد إلى موهبته، أن يمنحه كلمة تشجيع، أو حتى نظرة تقدير، موهبة وأدها منذ سنوات طويلة حين لم يجد من يهتم بها.
فجأة، مد يده إلى الهاتف وأتصل بـ “شوقي”، وطلب منه بعض الأدوات، وبعد قليل، جاء شوقي حاملا ما أراد: أسلاكا حديدية، مسدس شمع، روابط، وأدوات أخرى صغيرة.
جلس رشدي أمام مكتبه، وبسط الأدوات أمامه، بدأ العمل مترددا، يحاول مرة تلو أخرى، فيفشل، ثم يعاود من جديد بعناد لا يلين، والليل يمضي طويلا وهو غارق فيما يصنعه.
وأخيرا نجح، ارتسمت على وجهه ابتسامة واسعة، صافية، كإبتسامة طفل حقق انتصارا كبيرا طال انتظاره.
لكن لا ندري بعد، ما هو الشكل الذي أبدعه رشدي،
ولا نعلم هل سيقدمه لـ “مي” كهدية، أم سيحتفظ به لنفسه سرا، كخطوة أولى لعودة روحه القديمة.
فيلا سليم ماسة الثالثة مساء
نرى عثمان يتحرك في الفيلا وهو ينظر من حوله بإستغراب؛ فهو كان في أجازة ولا يعرف أي شيء مما حدث.
توجه إلى الحارس الذي يقف عند المدخل وسأله: إيه المكان ده؟
أجاب الحارس: فيلا جديدة.
نظر عثمان، ودهشته واضحة على وجهه: جابها أمتي؟
رد الحارس: مش عارف، إحنا فجأة لقينا مكي باشا بيتصل بينا وأدانا عنوان الفيلا هنا، جينا وظبطنا الدنيا، وأمنا المكان، أصل الهانم رجعت.
اتسعت عينا عثمان بدهشة: رجعت! إمتى؟
أجاب الحارس: من كام يوم، وكل الكلام ده حصل في الأجازة إللي أنت كنت واخدها.
تنهد عثمان: طيب، هروح أدي التمام لعشري.
توجه عثمان إلى المبنى الصغير، حيث كان عشري جالسا في الخارج بهيبته المعتادة، يدخن شيشته.
أقترب عثمان: أنا جيت يا باشا.
عشري بإقتضاب وهو يسحب دخانه: طيب.
نظر عثمان إليه مستغربا، تساءل بخبث: مكلمتنيش ليه، وأنتم بترجعوا الهانم؟
نظر له عشري بتعجب قال بنبرة حادة: المفروض نقولك كل تحركاتنا ولا إيه!
عثمان بتوتر، وهو يحرك يديه بعصبية: مقصدتش يا باشا، بس يعني حاجة مهمة زي دي لازم أبقى عارف، وأقطع أجازتي.
رد عليه عشري بشدة، وهو يرفع حاجبه، ويدخن شيشته ببطء: لا مش لازم يا عثمان، وبلاش تدي نفسك قيمة أكبر من قيمتك؟ أنت زيك زي أي واحد هنا، ممكن نمشيك عادي، الفرق الوحيد إنك مع الملك من زمان.
تمتم عثمان وهو ينظر حوله، وقال بخبث: طب أنا هقوم أشيك على الرجالة، بفكر أخدهم وأدربهم شوية، بس هلف كدة أشوف الفيلا والأماكن إللي ممكن أدربهم فيها.
هز عشري رأسه: هي دي هتغيب علينا يعني؟ مكان التدريب ورا خلي حد من الرجالة يوريهولك.
ألتفت عثمان حوله متفقدا المكان: هو مكي إجازة النهاردة؟
عشري بلا مبالاة، وهو يتثاءب قليلا: آه.
هز عثمان رأسه، وتنهد بعمق، ثم بدأ يتمشى في الجنينة الواسعة، كانت عيناه تتحركان مع كل خطوة، تلتقطان أدق التفاصيل؛ الأشجار العالية، الممرات الملتوية، وحتى الأسوار التي تحيط بالمكان.
لم يكن الأمر مجرد نزهة أو تدريب كما ادعى، بل محاولة مدروسة لرسم صورة كاملة عن الفيلا الجديدة: مداخلها، مخارجها، وكيفية تأمينها، أراد أن يروي كل هذا لعماد، لكن ما الذي يدفعه لهذا الحد من الولاء لعماد؟ هل هناك سر يخفيه عثمان سيكشف لاحقا؟
منزل سارة، الرابعة مساء
كانت أصوات الضحك تملئ المكان، حيث جلس عماد على الأرض بجوار مازن يلعبان البلاي ستيشن، بينما كانت كارمن تشاركهما الحماس بالصراخ والتصفيق، الجو كان مليئا بالفرحة والدفء.
دخلت سارة بخطوات نشيطة وابتسامة عريضة على وجهها، وبين يديها كعكة وبعض الأكياس الصغيرة، وضعت الكيكة على الطاولة وقالت بمرح:جبتلكم مفاجأة يا ولاد.
قفز مازن من مكانه بحماس، وكارمن ركضت نحوها تهتف: ياااه ماما جت بالكيكة!
ضحكت سارة وربتت على رأسهما، ثم جلست معهم تشاركهم اللعب والمرح، الجو ازداد دفئا، وصار المكان وكأنه يحتضنهم جميعا بروح واحدة.
وسط هذا الانسجام، رن هاتف عماد على الطاولة، صمت الجميع لثواني، مد عماد يده بسرعة وأمسك الهاتف، وعندما رأى الاسم ارتبك، رفع عينيه نحو سارة، ففهمت أنه لا يستطيع الرد أمام الأولاد.
ألتفتت نحوه وقالت بحزم: يلا يا مازن خد أختك وأدخلوا جوة؛ عشان بابا يتكلم في التليفون.
نظر مازن لوالده ببراءة وقال: طب يا بابا متدخل تتكلم أنت جوة.
نظرت اليه سارة بصرامة وهي تشير له: أنا قولت إيه؟
أنكمش مازن وأطفئ اللعبة وهو يقول: حاضر يا ماما.
ثم أمسك يد كارمن، ودخلا الأوضة، وأغلقا الباب خلفهما بهدوء.
رفع عماد الهاتف وأجاب بصوت مضطرب: إيه يا عثمان، فيه ايه؟
جاء صوت عثمان من بعيد من المرحاض، وكأنه يهمس بسر: ماسة هانم رجعت.
تصلبت ملامح عماد، كأن الأرض توقفت حوله، فوقف وهو يقول بصدمة: إيه؟ بتقول إيه؟ رجعت؟
تابع عثمان بعد تردد قصير: بقالها كام يوم حاولي تلات أيام، أنا لسة عارف لأني كنت واخد أجازة، ولما رجعت لقيت الباشا جاب فيلا جديدة، ولما روحت فهمت إللي حصل.
تنفس عماد بعصبية وهو يضغط على أسنانه: طب شاكك إنها قالت حاجة؟
عثمان بتردد: الله أعلم يا باشا، بس أنا حبيت أعرفك.
شد عماد على أسنانه: ماشي يا عثمان.
ضحكة خبيثة وصلت من سماعة الهاتف: أستنى يا باشا، هو الخبر ده ببلاش؟
أجاب عماد بحدة مكتومة: متقلقش، بكرة حسابك في البنك هيكبر، ربع مليون سلام.
أغلِق الخط بشرود، كانت سارة تراقبه بعين قلقة، فاقتربت وسألته: مالك يا عماد؟ في إيه؟ مين اللى رجعت؟
رفع رأسه إليها، وقال بصوت مضطرب: ماسة رجعت.
رفعت سارة حاجبيها بإستغراب: وده يخليك متعصب وخايف كده؟
ضرب عماد كفه في الطاولة وقال بنبرة مضغوطة: أيوة خايف! ما يمكن تقول كل حاجة لسليم، إيه إللي هيخليها تسكت دلوقتي؟
اتكأت سارة بظهرها على الأريكة، وعينيها مركزتان فيه ببرود وهدوء وعقلانية: إللي خلاها تسكت طول السنة إللي فاتت، هو نفسه إللي هيخليها تسكت دلوقتي، هي عارفة إن أهلها لسة في إيدينا، لو كانت عايزة تتكلم، كانت اتكلمت من زمان.
مرر عماد يده على رأسه بإرتباك: بس ممكن تكون قالتله، وسليم دلوقتي بيفكر إزاي ينتقم.
هزت سارة رأسها بثقة: لا، حاجة زي دي لو وصلت له مكانش هيعرف يخبيها، أنتم بهدلتوا مراته، كسرتوا نفسها وهي في حضنه، لو كان عرف بالحقيقة، كان دفنكم صاحين مش هيستنى دقيقة واحدة يفكر.
مالت سارة نحوه وهمست وهي تتابع: بس دلوقتي أهم حاجة إنك متخافش، أهلها لسة في إيدينا، ابعتلها رسالة صغيرة عن طريق عثمان، كفيلة تفكرها إن أي كلمة هتطلع من بوقها معناها نهايتهم، بس كأني صافيناز هي إللي بعتتها مش أنت أوعى تظهر في الصورة.
رفع عماد راسه، وشرد بتفكير: صح، هكلم صافيناز أعرفها.
شدت سارة الهاتف من يده بعصبية: هو كل حاجة تروح تقولها لصافيناز؟
نظر عماد بتعجب: لازم تبقى عارفة علشان نفكر سوا.
سارة بغيرة وضجر: فكر معايا أنا، هو أنا مش كفاية ولا إيه؟
ثم أضافت بنبرة خبيثة تحمل في بطنها الكثير: وبعدين زي ما هي مخبية عنك حاجات، أنت كمان خبي عنها.
عماد بثقة: صافيناز مبتخبيش عني حاجة.
ضحكت سارة ضحكه صغيرة بإستنكار، ثم مدت يدها وأمسكت هاتفها تلهو به ببرود وهي مبتسمة بخبث: زين قمور أوي، بس لا شبهك، ولا حتى قريب منك.
انتفض عماد واقفا، ملامحه تغيرت فجأة، وصوته خرج غاضبا: سارة كفاية تلقيح، بقالك فترة مش طبيعية، وكلامك بيستفزني.
وقفت سارة وتقدمت نحوه، نظرتها ثابتة وصوتها أكثر حدة: أنت بتزعقلي؟
أمسك بيديها بقوة، وقال بصوت غاضب ةمرعب في آن واحد: أيوه بزعقلك، دي مهما كان مراتي وشايله اسمي، ممكن أصدق أي حاجة، إلا الخيانة سارة أعقلي.
ابتسمت سارة وهي ترفع ذقنها متحدية، وعينيها تسخران منه: أبلع ريقك يا حبيبي، علشان إللي واقف تدافع عنها دي، مدياك بالقفا
تجمد وجه عماد، وصوته صار متقطعا يخرج بصعوبة: قصدك إيه؟
رفعت سارة رأسها بثقة، وحدقت في عينيه طويلا قبل أن تطلق كلماتها كرصاص بارد: قصدي إن زين ومريم، مش عيالك.
تجمد عماد مكانه، اتسعت عيناه كأنهما ستنفجران، الهواء أختنق في صدره، وملامحه ارتجفت بجنون،
وصاح بغضب: أنتِ اتجنينتي يا سارة؟ ولا حصل حاجه في مخك؟
سارة وما زالت تنظر في عينيه بثبات، وصوتها حاد قاطع: لا بقولك الحقيقة، زين ومريم مش عيالك.

أضف تعليق

error: Content is protected !!