Ads by Google X

القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية وجلا الليل الفصل السادس عشر 16 - بقلم زكية محمد

    

رواية وجلا الليل الفصل السادس عشر 16

الفصل السادس عشر
رمت قذيفتها وظلت تشاهد وقع أثرها على الموجودين، الذين نالتهم بعض الشظايا والتي أصابت أماكن متفرقة بداخلهم، حالة ذهول طغت عليهم، وتلك التي شعرت بمن يسحب قلبها من بين أضلعها، ويلقيه بعيدًا فتفارق الحياة، وجهها يحاكي شحوب الموتى، والآخر تجمد كمن وضعوه في القطب الشمالي، تباينت تعابير الوجوه ما بين صدمة وتشفي فور وقع الخبر على آذانهم .
شعرت بأن الدنيا أصبحت أضيق من خرم الإبرة، كما حست بأنفاسها تُسلب منها وكأنهم طردوها وحرموها منه، دارت بها الأرض فلم ترى سوى البقعة السوداء التي جذبتها نحوها، فاستسلمت للغرق فيها .
فاقوا على صوت ارتطام عنيف بالأرض، فنظروا ناحية الصوت ليجدوا جسدها المتكوم والذي تلاشت الحياة منه .
شعر بروحه تُسحب منه وهو يراها هكذا، حملها بقلب يضخ بشدة حتى كاد أن ينفجر من خوفه عليها، وهتف بعبارة صارمة وهو ينظر ناحية عمه :- اللي قالته بتك دة مش هعديه بالساهل واصل .
قال ذلك ثم توجه للأعلى ليطمئن عليها، بينما رددت هي بغيظ وهي ترى جزعه الظاهر للعيان :- مالكم ممصدقينش إياك ! اللي بقوله صدق ولو رايدين تتوكدوا أكتر هاتوا أمها وهي تقولكم .
هتف سالم بحزم :- شوف بتك بتقول إيه يا سالم ! دة حديت تطير فيه رقاب .
صرخت بانفعال :- أنا مش كدابة يا عمي يا عطيات، أنتِ يا اللي اسمك عطيات .
أتت من الداخل بسرعة وهتفت بطاعة :- أيوة يانورا يا بتي .
مطت شفتيها بضيق قائلة بازدراء :- بتك ؟ أنا ميشرفنيش أكون بتك، بزيداكِ وچد .
ازدردت ريقها بتوتر وأردفت بتلعثم :- خير ؟ ندهتيلي .
أشارت للجميع قائلة بابتسامة متشفية :- قوليلهم يلا إن بتك بت حرام .
لو وضعوها في نار حارقة، خيرًا لها مما تطلبه منها، أصابتها صدمة عارمة من معرفتها لما دفنته طوال تلك السنوات، واليوم الذي قررت أن تفصح عما يجثو فوق صدرها، أتت أخرى لتشاركها السر وليس أي سر، يا ليتها احتفظت به في تلك الغرفة المظلمة بفؤادها، ولم تخرجه أبدًا ليرى النور، يبدو أنه حان الوقت لتكشف الأوراق، وينال كل واحد جزائه .
هتفت زبيدة بسخط وتشفي :- وأدي آخرة اللي يتچوز من غير ما يسأل عن الأصل، ما تتحدتي وقولي كيف دة حصل ؟ صُح يا ما تحت السواهي دواهي . بقلم زكية محمد
بدأت دموعها تتساقط كالمطر في ليلة شتاء عاصف، وجسدها غمرته البرودة على الرغم من شهر أغسطس، عجز لسانها عن النطق، وأي حديث يستطيع أن يعبر عما بداخلها، انتبهت لصوتها الذي تابع بكره :- من دلوك تلمي خلقاتك أنتِ وبتك وتهملوا الدار، بدل ما انتوا موسخينها بعمايلكم دي .
– مرت عمي !
كان ذلك صوت خالد والذي نزل من الاعلى، وحينما سمعها تلفظ بتلك الكلمات، فارت دمائه ولم يستطع الصمود، وقف في مواجهتها قائلًا ببرود :- أظن حاچة زي دي ملكيش صالح بيها .
جزت على أسنانها بغيظ، ورددت بغضب :- كيف دة يعني ؟ وسمعة العيلة يا دكتور ؟
وجه أنظاره لعطيات قائلًا بلهفة :- قولي يا خالة أنها كدابة مستنية إيه ؟ مش چديدة عليهم بيحبوا الخراب كيف عنيهم .
إلا أنه لم يتلقى منها سوى الصمت، ليعي هنا أن كلامها قد يكون صحيحًا، جحظت مقلتيه بعدم تصديق وأردف برجاء :- اتكلمي ساكتة ليه ؟ حديتها صدق ؟
بكت بصوت مسموع وهي تسمع لرجائه والذي سيعود حاملًا الخذلان معه، ليزمجر بكمد :- ردي علي وقوليلي، ريحيني يا خالة .
رفعت عينيها نحوه وهمست بحروف متقطعة :- صدق يا ولدي حديتها صدق .
كانت اجابتها القشة التي قسمت ظهر البعير، يا ليتها ما نطقت بها وظل متشبثًا بذلك الأمل الضعيف، بدلًا من رميه من أعلى سفح جبل والسقوط متناثرًا إلى قطع صغيرة .
تدخل عامر والذي لا تقل صدمته عن الجميع، وهتف بتعقل :- كيف دة يا عطيات ؟ أنتِ واعية للي بتقوليه دة ؟
أردفت بمرار وحزن يخيم على قسمات وجهها :- أيوة يا حچ عامر واعية زين للي بقوله .
أردف بعدم تصديق :- وكيف ما تقوليش حاچة زي دي قبل سابق ؟ أنتِ كيف تسكتي على الچريمة دي ؟
أنهارت باكية وهي تردد :- والله غصب عني يا حچ، غصب عني .
هدر بانفعال :- غصب عنك كيف ؟ كيف تخدعينا إكدة دي چِرس وفضايح وميتسكتش عليها واصل، أتكلمي قولي مين اللي زاقك علينا ؟
ابتسمت بتهكم وأردفت بوهن :- محدش زقني، كل اللي كنت ريداه حيطة تداريني أنا وبتي بدل المرار اللي شوفناه .
أردف بصرامة :- مين أبو البت ؟ غلطتي مع مين ؟
صرخت بدورها بانفعال :- مغلطتش ويا حد أنا ضحية بس في نظركم خاطية .
ردد بغيظ :- اتحدتي قري واعترفي خلينا نشوف حل للمصيبة دي .
هتفت بوجع نابع من أعماقها :- أقول إيه يا حچ عامر دة حديت فاتت عليه عشرين سنة كتمته ودفنته چواتي و بزوره كل سنة أقعد أبكي مع حالي وأنا بفتكر المرار اللي عشته .
مسح على وجهه بنفاذ صبر قائلًا :- لاه أنتِ لازمًا تقولي مين أبو البت عشان ألحق أتصرف .
نظرت لملامح وجوههم الباهتة والمصدومة من ذلك الخبر و أردفت بوجع وهي تبحر داخل أعماقها حتى وصلت لتلك المقبرة التي تدفن فيها ذكرياتها المؤلمة :- زمان يوم ما كنت لسة شباب كنت عايشة مع أبوي العمدة سويلم وأخوي ناچح بعد ما أمي ربنا أفتكرها .كان الكل يعملي حساب وأنا كنت متدللة وميعچبنيش العچب و مبرضاش بأيوتها حد بس أبوي كان يقولي براحتك يا بتي أهم حاچة سعادتك لحد ما في يوم كنت في السوق في المركز بشتريلي شوية حچات إكدة لأچل حظي المهبب قابلني إهناك صدفة ومن وقتها قعد يتربصلي في الراحة والچاية لحد ما خنقني فراح هو طلب يدي من أبوي بس أنا موافقتش …..
صمتت قليلاً ثم أردفت بندم :- ويا ريتني وافقت حلف ليچيب منخيري الأرض و فعلاً عمل إكدة في مرة كنت طالعة أشتري حچات ليا خطفني وخدرني ودبحني وأنا لحالي ممعيش حد ينچدني منيه بعدها علطول أبوي عرف وكان فاكرني عملت إكدة بمزاچي .
أبوي وأخوي عدموني العافية وحبسوني في أوضة ضلمة و حلفوا عليا ما هيخلوا النهار يطلع عليا تاني غير وهما دافنيني في الجَبَّانة .
الست اللي ربتني الله يكرمها هي اللي هربتني في الليل لحد ما طلعت من النچع و أدتني فلوس ودهب من اللي كانوا حيلتي أسلّك بيهم حالي لحد ما أشوفلي مُطرح يتاويني .
عشت أيام ما يعلم بيها إلا ربنا وأنا خايفة لا حد منيهم يعْتَر فيا ويقتلني ما هما عنديهم حق بعد ما بقيت عار عليهم .
سكنت في دار بسيطة صاحبها كان مسافر وقعدت فيها بعديها بشهر عرفت إني حِبلى اتخربط ماخبرتش اعمل ايه ولا أروح لمين قعدت حابسة روحي بين الأربع حيطان في بلد غريبة ما خبراش فيها حد .
عدت الأيام وبطني كبرت أي حد كان بيسألني كنت بقولهم أبوه مات والناس صدقوا وخالت عليهم .
بعد فترة الزاد خلص ويا المال اللي حيلتي ومعرفتش هتصرف كيف ؟ لحد ما في يوم واحدة چابتلي شغلانة إني أشتغل خدامة في البيوت وعدت السنين وولدت و ربيت بتي وأنا بتنقل من بيت لبيت عشان لُقمة العيش لحد ما اعترت على المطرح دة إهنة في دارك ودة چميل مش هنساهولكم طول عمري .
كانت الصدمة حليفتهم وهم يستمعون إلى تلك الأحداث التي من الصعب تصديقها، بينما ردد خالد بتساؤل :- طيب واسم مين اللي متسچلة بيه وچد في البطاقة !
أردفت بهدوء :- دة اسم الشيخ نچاتي الله يرحمه كنت بخدمه لما كنت لسة حِبلى ولما عرف بحكايتي حلفته ما يقول لحد و يستر علي فراح كتبها على اسمه من أول ما ولدت ومات بعديها بسنة واحدة .
– يعني إيه؟ نچاتي مش أبوي أنا… أنا بت حرام ….بت حرام يا أما كيف ما بيقولوا ؟..
كان هذا صوتها القادم من خلفهم، حينما نزلت بعد أن استردت وعيها، وهي تحدق فيها بذهول وصدمة لما سمعته، ركضت ناحيتها والدتها واحتضنتها قائلة ببكاء :- غصب عني يا بتي متوچعنيش أكتر الله يرضى عنك .
رفعت عيناها المنتفخة قائلة بوجع :- أومال مين أبوي يا أما ؟
أوصدت مقلتيها بعنف لعلها توقف سيل الدموع المنهمر الذي يفيض من مقلتيها ورددت بكره لذلك الشخص الذي لم تمقت أحد سواه في حياتها :- أبوكِ يبقى راشد الكاشف عمدة نچع رفاعة اللي كنت عايشة فيه، قبل ما تتنقل العمودية ليهم واللي كانت في يد أبوي .
جحظت أعينهم بصدمة فهم على علم بهذا الشخص، كما تجمعهم بعض المصالح المشتركة، يا له من حقير يدعي التقوى وهو بالأساس لا يعرفها، تحدث عامر بانتباه :- طيب إيه اللي يوكدلنا حديتك .
أردفت بصدق :- والله ما بكدب يعني هتبلى على واحد من الباب للطاق، أنا مش مهم بس بته اللي لازمًا حقها يرچع .
تحدث بلوم :- يعني لو معرفناش بالصدفة كنتِ هتكفي على الخبر مچور إكدة ؟
أسرعت تبرر بتوضيح :- يا حچ أنا وحدانية أنا وبتي محدناش حد نتحامى فيه، عشان إكدة سكت .
أردف عامر بروية :- طيب ليه كاتمة وساكتة دة كله ؟ هو دة حديت يتسكت عليه ؟
رددت بألم ينبع من أعماق روحها المهترئة :- ومين هيصدقني يا حچ ؟ دة غير الفضيحة اللي ركبتها لناسي .
صمتت لتذرف الدموع بوجع قائلة :- أروح أقول إيه هو يعني هيعترف بيها بسهولة إكدة دة مش بعيد كان قتلني أنا وهي سامحني يا حچ إني كدبت عليك في حچات كتير لما چيت إهنة بس أنا كنت بعمل إكدة عشان أقدر أحمي نفسي وبتي زين .
أردف بجمود :- بس لازمًا اللي عمل إكدة يعرف يا عطيات البت لازمن تتسچل باسم أبوها الحقيقي .
صرخت بفزع وهمت بأن تقبل يده بتوسل إلا أن الآخر أسرع في سحبها وهتفت ببكاء :- أحب على يدك ما تفضحنيش يا حچ انت إكدة بتفتح بيبان اتقفلت من زمان .
هتف بهدوء :- متخافيش أنا راچل يعرف ربنا واللي بيحصل دة ظلم وأنا مرضهوش ليكم واصل هچبلك حقك ومتخافيش من أيوتها حاچة قومي لبتك طبطبي عليها وخديها في حضنك هي بحاچتك دلوك وانت يا خالد هِمْ بينا ورانا مشوار مينفعش يتسكت عليه أكتر من إكدة .
أومأ له بطاعة وهو لا يزال تحت تأثير الصدمة :- حاضر يا أبوي .
غادر المكان واحدًا تلو الآخر، وهم يشعرون وكأنهم كانوا يشاهدون عرض مسرحي ليس إلا، يا له من يوم شاق وأحداث لم تخطر على البال .
طالعت عطيات وجد بأسى وحزن وهي ترى إنهيار ابنتها فاحتضنتها بقوة وانفجرتا في موجة بكاء مرير وكل واحدة تستمد العون من الأخرى وظلت نعمات تبث لها كلمات الأسف والندم في أذن ابنتها بخفوت على خطأ لم يكن لها أي ذنب فيه.
★★★★★★★★★★★★★
صعدوا لشقتهم الخاصة ووضعت الصغيرة بغرفتها بعد أن غفت، لتخرج وتجلس قبالته وهي تزفر بعدم راحة، ومن يصدق شيء كهذا !
طلب منها أن تعد له كوب من القهوة فنهضت لتعدها له، ليصدح فجأة هاتفها بصوت يعلن عن قدوم رسالة على تطبيق الواتس اب، دفعه الفضول لرؤية الرسالة وخاصة أن هاتفها لم تجري له كلمة مرور، قرأ الرسالة من الخارج لتدفعه الغيرة حينما رأى الراسل، فتح التطبيق وضغط على المحادثات الخاصة بينهم، لتفور الدماء فورًا وتتصاعد الحرائق بداخله، زجر باسمها بخشونة لتأتي على الفور قائلة :- أيوة يا يحيى رايد حاچة مع القهوة ؟
لم يرد عليها وإنما قبض على ذراعها بقسوة، ويده الأخرى الهاتف الذي سلطه أمام وجهها قائلًا بفحيح دب الذعر بداخلها :- ممكن أفهم دة ايه ؟
شعرت بمن بتر لسانها فعجزت عن الحديث، فراحت تلتقط حروفها تلفظها بجهاد منقطع النظير وتلعثم شديد :- أ…ببب…مممم ….أاااا …
رجها بعنف وقد طفح الكيل :- بقولك إيه دة ؟ مش وقت تهتهة .
أردفت بخوف :- والله أنت فاهم غلط، أنا مليش صالح دة هو …هو والله العظيم .
ضغط على شفتيه بغيظ حتى كاد أن يدميها وردد بحدة :- وبتردي عليه ليه ؟ قرطاس أنا !
أردفت بألم من قبضته وبتبرير :- لاه وقتها مكناش لسة أتچوزنا وبعدين قالي أنه مش هيفاتحني في الموضوع دة تاني طالما أتچوزت .
لاحت ابتسامة ساخرة على شفتيه وأردف باستخفاف :- لا محترم والله، ولما هو إكدة باعتلك الكلام دة ليه ؟ بقلم زكية محمد
حاولت أن تفلت يدها من أصفاده القاسية، وأردفت بخفوت :- مخبراش أنا ذات نفسي أتفاچأت .
هز رأسه بسخرية وردد بصرامة :- رقم الدكتور الزفت دة همسحه دلوك وخليني أشم خبر إنك بتكلميه .
رددت بوجع ودفاع :- أنا مبلكمش حد يا يحيى، وأديك شايف زين إني مبردش عليه .
ردد بغيظ :- يبقى سيبهولي أنا أتصرف وياه .
قوست شفتيها وهي على وشك البكاء قائلة :- طيب سيب دراعي هيتخلع في يدك .
انتبه لفعلته فسحب يده فورًا، لتفر من أمامه هاربة كمن تلاحقها الأشباح، بينما شدد على شعره بضيق من نفسه، فهو بمجرد أن رأى ذلك السمج يتودد لها في الرسائل، شعر بمياه المحيط تلطمه بقوة، وكم ود لو يكون ماثلًا أمامه، لأبرحه ضربًا لم يذقه بحياته، نيران أشتعلت في غابات صدره، أضرمتها غيرته عليها فهي تخصه هو وليس أحد آخر، دلف خلفها ليرمم بعضًا مما كسره .
تقف تتابع القهوة وهي تدلك ذراعها، وكلما سقطت عبرة مسحتها بعنف، شهقت بفزع حينما وجدت ذراعين يكبلانها فعلمت صاحبها ومن غيره يجرؤ على فعل ذلك، قبل أعلى رأسها قائلًا بندم :- مقصدش أوچعك بس واد الفرطوس دة فور دمي .
أردفت بضيق :- أوعى يا يحيى القهوة هتفور كفاية اللي باظت .
أدارها نحوه قائلًا بمرح :- لاه لازمًا أصالحك الأول وبضمير كمان .
هزت رأسها بنفي قائلة بحزن :- لاه أنت ما واثقش فيا يا يحيى، كيف رايد تصالحني وأنت مش واثق فيني ؟
أردف بهدوء :- أولًا أنا واثق فيكِ والا مكنتش خليتك على زمتي من بدري، بس أنا مكنتش واعي لما شوفت النطع دة وكلامه الماسخ، خلاص ميبقاش قلبك أسود .
أشارت لنفسها قائلة بدهشة :- أنا قلبي اسود يا يحيى ؟
تناول كفها وقبله ببطء مهلك لأعصابها، وردد بحب :- أنتِ أحن قلب في الدنيا كلاتها .
زمت شفتيها بحنق قائلة :- كُل بعقلي حلاوة كُل، وأنا المفروض أصدقك يعني !
ردد بمزاح :- ما أنتِ اللي طرية وكيف فص الفينو .
ضيقت عينيها بغيظ من تشبيهه لها، بينما تابع هو بضحك :- زعلانة ليه هو في حد يطول يبقى كيف فص الفينو، أبيض ومربرب إكدة ويشفط كل اللي قدامه، قصدي اللبن اللي في الكوباية .
مطت شفتيها باستنكار وأردفت بغضب مكبوت :- فص الفينو بردو ! أوعى يا يحيى انت بدل ما تكحلها عميتها .
قالت ذلك ثم انصرفت للخارج، بينما داعب أنفه بحرج مرددًا :- عندك حق، طيب أصالحها كيف دلوك ؟ أچيبلها شوقلاطة ؟ لاه لأحسن تفور وأنا ما ناقصش، أچبلها معزة ؟ فكرة برضو ..
نفخ بضيق واتبعها ليجدها تأكل السندوتشات بغل، فجلس إلى جوارها واختطف الطبق من أمامها، لتطلق صيحة معترضة، وتردد بحنق وهي تمضغ الطعام :- هات السندوتشات يا يحيى دي بتاعتي .
طالع الطبق بدهشة قائلًا :- ميتا عملتيه دة ؟
حاولت الوصول للطبق قائلة بضجر :- ملكش صالح .
جز على أسنانه بكمد، وردد بهدوء مغاير يغلبه المرح :- فينو بياكل فينو يا ناس .
دمعت عيناها وهي تظنه يسخر من هيئتها، ليردد بصدمة :- شمس أنتِ بتبكي ؟
صرخت بانفعال :- عشان أنت بتتمسخر علي كل شوية .
اتسعت عيناه بذهول، فهو لم يقصد بتاتًا أن يصلها ذاك الفهم الخاطئ، فأردف بلهفة :- يا شمس في فرق بين إني أتمسخر عليكِ وبين إني بهزر معاكِ، عمري ما أعملها وبعدين أنتِ عچباني إكدة .
تطلعت له بلهفة تستشعر صدق كلماته، بينما احتضنها بحنو وهو يرى اهتزاز ثقتها بنفسها، بسبب سمنتها تلك والتي تعرضت لكثير من التنمر بسببها، أردف بحب :- أوعاكِ تخلي حد يهز ثقتك، متسمعيش لحد أديني بقولك أها أنا راضي فرأي الناس ميسواش نكلة، سامعة ؟
هزت رأسها بسعادة غامرة، وهي تشعر بأنها فراشة تحلق في سماء العشق، تتراقص على أنغام السعادة، فهو الوحيد القادر على جعل البسمة تشق طريقها نحوها، وهو الوحيد الذي تشعر بأمان العالم إلى جواره .
★★★★★★★★★★★★★★★★★★★★
بعد مرور أسبوع كانت تسير بغبطة وسرور مرسوم على ملامحها الجميلة، والتي تحررت من سجن الحزن أخيرًا، توقفت قدماها حينما سمعت همهمات خافتة قادمة من غرف الضيوف المبنية تحسبًا لأي طارئ، فمشت نحو الصوت بحذر وحيطة، وجدت الباب مغلقًا ولكن ليس على آخره، اقتربت حتى وقفت قبالة الفتحة، لتتسع مقلتاها بصدمة وكادت أن تطلق شهقة عالية، إلا أنها وضعت يدها على ثغرها فقتلتها، رمشت بعينيها للعديد من المرات لعلها في حلم أو بالأحرى كابوس، وما زادها هلعًا همساتهم وحديثهم الذي جعلها على حافة السقوط، تراجعت للخلف وهي تهز رأسها بعنف، وليس عند هذا الحد فقط بل شعرت بروحها تسحب منها، وقلبها على شفا جرف من التوقف، حينما لمحته يدلف مقدمًا نحوها، لم تفكر كثيرًا إذ ركضت نحوه، وفعلت ما جعله يقف كالتمثال الحجري، يجاهد في استيعاب ما فعلته وتفعله ……..
*****************************
reaction:

تعليقات