Ads by Google X

القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية اغصان الزيتون الفصل الخامس و التسعون 95 - بقلم ياسمين عادل

            رواية اغصان الزيتون كاملة بقلم ياسمين عادل عبر مدونة كوكب الروايات


 رواية اغصان الزيتون  الفصل الخامس و التسعون 95


 

“حين ترفُضكَ الأماكن و الأشياء و الفُرص، ستحتويكَ إمرأة تحبك”

___________________________________

تتطلع إليهم بقلقٍ مفرط، وقد أصبح الخوف جزءًا متجذرًا فيها، جزءًا تكرهه بشدة ولا ينتمي لأيًا من طباعها الشجاعة. عيناها مرتكزة عليهم حينًا؛ وحين آخر تنظر للملفات الألكترونية المحملة على هاتفها لبعض القضايا التي تنظر فيها، لكن بالها غير قادر على التركيز في أي شئ سوى في تلك العلاقة التي كلما مرّ الوقت ازدادت متانة وقوة. رفص “زين” القطار البلاستيكي بيدهِ أولًا، وأصرف نظره عنه وكأنه لا يريدهُ، فـ اتشعت الإبتسامة على وجه “حمزة” وهو يضع أمامه السيارات الصغيرة ويصفّها في شكل متوازي، ليبدأ الصغير في المسك بواحدة منهم يلوح بها في الهواء، وقبل أن يضعها في فمه لحق به “حمزة” وأبعد يداه عن وجهه وهو يردف :

– لأ لأ.. كده غلط.

أفلت “حمزة” يده من خلف ظهر الصغير بتلقائية غير محسوبة، فـ ترنح “زين” قليلًا قبل أن يترك ظهرهِ كي يفترش على الكلأ الأخضر، لحظات وكان “حمزة” يساعده على الجلوس مرة أخرى ويساند ظهره الضعيف من جديد قائلًا بتحسرٍ حزين:

– مش كان زمان عمتك معانا دلوقتي!.. كانت بتحب تلعب معاك أوي.

حرر تنهيدة ثقيلة من صدرهِ ولكنها لم تُخفف عنه أثقاله، وكأن الحرارة المنبعثة من جوفهِ تُزيد الحريق نارًا مُسعرة لا تهدأ ولا تنطفئ مهما مرّ عليها من الوقت. رفعهُ “حمزة” عن الأرض وأجلسهُ على ساقيهِ، فتشبث الصغير بقميصهِ واجتذبه قليلًا، كأنما يريد الصعود على كتفهِ، فـ رفعه “حمزة” نحو صدره أكثر حتى أصبحت رأسه في مواجهة كتفه، فـ ضمهُ له برفقٍ لين وهو يمسح على ظهرهِ بحنو، لينبعث إليه ذلك الدفئ الناعم اللطيف، وهذه الرائحة الجميلة التي يشتمها ما أن تقرب منه. تخللتهُ بعض السكينة، وكأنه عوض الله له ليمحو عنه قسوة ما عاشه في الليالي الماضية، ورغم صغر ذلك الطفل وعدم قدرته على تقديم أي داعم لأحد، إلا أن “حمزة” هو الأكثر احتياجًا له وليس العكس، يعانقه من أجل شفاء جراحهِ ورتق كل الفتوق التي تركتها أحزانهِ وهمومه.

قطع عليها شرودها المتواصل رنين الهاتف، ونظرت لشاشتهِ لحظتين قبل أن تعاود النظر حيالهم، ثم نهضت خِلسة ومشت في هدوء لخلف المنزل، خطوات معدودة فصلت بينها وبين الرد على المكالمة المرئية (مكالمة ڤيديو)، ثم رفعت الهاتف لتظهر صورتها كاملة عبر تقنية التصوير، وابتسمت وهي تقول :

– أزيك يا عمي طمني عليك.

كان وجههِ بشوشًا گعادته، لم ترى فيه بادرة غضبٍ أو انفعال كما ظنت في البداية :

– أنا بخير طول ماانتم بخير يابنتي، طمنيني عنك انتي، وإزاي عايشة في البيت ده.

شعرت بالذنب، وإنه متوجبًا عليها تأمين الطمأنينة لعمها كي لا يظن فيها الظنون :

– متقلقش عليا يا عمي أنا كويسة.. أديني شويه وقت بس وأنا هلاقي المخرج اللي يطلعني من هنا كسبانه.

بدت تعابير وجهه غير راضية تمامًا عما يحدث، وكل ما يهمّ صدره الخشية من وقوعها بشكلٍ يعجز أي منهم على مساعدتها فيه :

– مبقاش ينفع يا سُلاف، سيبيله ابنه يابنتي وأرجعي لحضني.. أنا مش هقدر استحمل فقد تاني وانا في العمر ده، ممكن أروح فيها.

اضطربت ضربات قلبها وارتبكت على الفور ارتعابًا من تعابيره المريبة :

– بس ياعمي أرجوك.. ربنا يخليك ليا ويطول في عمرك.

وتحشرج صوتها قليلًا وهي تتابع بتأثرٍ :

– أنا ماليش غيرك يا عمي.

واصل “مصطفى” محاولات التأثير عليها، للمغادرة وترك كل شئ كما هو، والذهاب بشكل نهائي من هنا :

– عشان كده مش هطمن غير لما ترجعي جمبي.. الأول كنت مطمن عليكي وانتي وسط كل الرجالة بتوعنا، إنما دلوقتي انتي لوحدك يا سُلاف.. ريحي عمك وتعالي.

أومأت “سُلاف” برأسها إيجابًا و :

– حاضر ياعمي حاضر.. المهم.

انقطع صوتها فجأة ونظرت خلفها بعدما أحست بصوت احتكاكٍ بالأرض، فتفاجئت به يقف خلفها مباشرة وقد رأى “مصطفى” لأول مرة في حياته. كتمت “سُلاف” شهقة خافتة، وأغلقت الهاتف كليًا وهي تهتف بلهجة معترضة :

– انت متسحب ووواقف ورايا كده ليه، بتتجسس عليا؟.

نفى عن نفسه تلك التهمة مؤكدًا على صفو نيته :

– خالص.. انتي اللي مكنتيش حاسه بنفسك وانتي بتكلمي!.. هو ده عمك؟.

زفرت “سُلاف” وهي تضع هاتفها في جيب بنطالها وهتفت بـ :

– إيه اللي يشغلك في حاجه زي دي!؟.

– كل حاجه تخصك تشغلني.

وضع ذراعه على كتفها وسحبها لتسير بجواره وهو يسأل :

– قوليلي بقى، هتعرفيني على عمك أمتى؟.

أبعدت ذراعهِ عنها وهي تلتفت لترنو إليه بإستهجان شديد :

– أعرفك عليه؟؟؟.

لم تتغير ملامحه الجدية وهو يتابع :

– آه طبعًا، مش نسايب!

كركرت بضحكة عالية، ساخرة من الوضع الذي بقيت عليه :

– نسـايب مرة واحدة ؟؟.

استمعت لصوت بكاء “زين” يقترب منها، فـ تبدلت تعابيرها كليًا وهي تسأل بتوترٍ :

– انت سيبت زين فين؟.

ومرّت من جوارهِ بعجالةٍ لكنها توقفت على حيت غرة، حينما رأت تلك المربية الأجنبية تقترب منها وهي تحمله، بينما الصغير منفطر من فرط البكاء، فـ همّت “سُلاف” نحوها وانتزعتهُ من يديها بتحفزٍ وهي تصيح فيها :

– عملتيله إيه؟.

ثم تجاوزتها ومرت كي تبتعد من هنا متحججة بمحاولتها لتهدئة “زين”، فلم يُرد هو أن يضغط عليها لأكثر من ذلك الآن، وتركها تفرّ لتعيش تخبُطها قليلًا، هو على يقين من ذلك، إنها تعايش حالة من التخبط والإضطراب لم تعيشها من قبل، قرأ ذلك في عيناها وإيماءات جسدها الذي يرفض بإستمرار التواجد بقربهِ، بالرغم من أن شفتيها لم توحي بذلك. مُنذ أن قبّلها وهو على دراية تامة إنها ستنصاع يومًا، ستستسلم له ولكن الأمر ليس يسيرًا البتة، وهو على أهبة الإستعداد لإنتظار الأيام – بل والسنون أيضًا – على أن يأتي ذلك بثماره، وأن ينجح في إقامة تلك الأسرة الصغيرة الذي سيسد بها الفجوة العظيمة التي حطّت على حياتهِ فـ سلبتهُ كل شئ.

***************************************

لم يعرف للراحة معنى، ولم يرغب في الإنتظار كثيرًا كي يُنفذ مخططهِ في القضاء على “صادق” أولًا، ثم العودة على الفور لأرض البلاد. ترك “صلاح” كأسهِ فارغًا وهو يستمع لذلك القاتل المحترف في رسم خطتهِ لدخول منزل “صادق” ثم إنهاء أمرهِ على الفور، وما أن أنهى حديثه حتى أبدى “صلاح” إعجابه به :

– Very good. جيد للغاية.

فسأله القاتل سؤالًا أكثر جدية :

– When will the rest of my money be transferred? متى سيتم تحويل باقي أموالي؟

– Tomorrow. غدًا

نهض “صلاح” عن جلسته وهو يستطرد :

– Before finishing the job, the money will be in your account. قبل إنهاء المهمة ستكون النقود في حسابك.

– good. جيد.

سحب “صلاح” معطفهِ وهو يقول :

– I’m going to go to the hotel to check in, so it looks like. سأذهب للفندق كي يتم تسجيل دخولي فتبدو زيارتي عادية.

مازال وجهه محتفظًا بهذه التعابير البغيضة، التي امتلأت بالحقد الشديد والغضب الأعمى، ليقول في شماتةٍ :

– I want to see his death while inside the pool eating my fresh fruit. أريد رؤية موته وأنا بداخل المسبح أتناول فاكهتي الطازجة

ضحك الرجل ملء فمه، وسحب سكينهِ عن الطاولة ليغرزها في ثمرة التفاح وهو يقول :

– Tomorrow is going to be a fun day, have fun man. غدًا سيكون يوم ممتع، استمتع يارجل

كان متجردًا من المشاعر، لا يحس شيئًا سوى إنه يسعى نحو الطريق الذي سينهي عذاب ضميره الميت، حينما يقتصّ لإبنته ستجد روحهِ أمانها، بعدما غُدر بها ولقت أسوأ مصير قد تواجه فتاةٍ قطّ، ليس بقتلها فقط، بل بتمثيلها واستغلالها للقضاء على ذلك الخائن الذي شاركها أثمها. ذهب “صلاح” من هناك وكل عقله مرتكزًا على ليلة غد، في الغد سينتهي عذاب طويل وتبدأ معه خطوات أخرى نحو عدوٍ آخر، كي تنتهي قائمة الذي وضعهم نصب عينيهِ، وتعود أيامهِ العظيمة مرة أخرى.. هكذا كـان ظـنـه، جاهلًا بتخطيطات القدر، وقد سُجِلّ مصيرهُ بالفعل، ورُفـع القلـم.

****************************************

وضع “راغب” الغِطاء على ساقي والده، ثم ضبط له وضعية الوسادة الناعمة خلف ظهرهِ وهو يقول :

– ومن ساعتها متصلتش هي؟.

أرخى “مصطفى” كتفيه للخلف وهو يجيبه بنبرة يشوبها شئ من القلق:

– لأ، أنا مش هرتاح طول ما هي هناك لوحدها كده!.. لازم حل يا راغب.

نفخ “راغب” أنفاسهِ بإندفاع وهو يجلس بجواره قائلًا :

– يمكن العيون اللي سيبناها ورا حمزة تساعدنا نرجعها يا بابا، إحنا مش عايزين منه غير إن روابطنا كلها تتقطع، ياخد ابنه ويطلقها ويحلّ عننا.

– وانا مش عايز غير بنت أخويا ترجع لحضني عشان نرتاح بقى.

ربت “راغب” على كتف والده وهو يطمئنه :

– هانت يا حج.. أوعدك كلها أيام وكلنا نرتاح.

رفع “مصطفى” رأسه لأعلى، وعيناه تتقرب بالدعاء المُلح لله – عز وجل – :

– يا مهون يارب.. هون عليا الباقي زي ما ألهمتني الصبر سنين يارب.

**************************************

سفح أبيض ناصع البياض، كأنه غلاف من الثلج يحيط كل مكان، تجلس “يُسرا” على أحد المقاعد مرتدية ثيابها البيضاء، مكتئبة وحزينة، حتى هلّت عليها “أسما” بخطواتها المسرعة، فنهضت “يسرا” لتركض نحو والدتها تستقبلها بترحابٍ شديد، وظلت كل منهما في مكانها كأنهن يتحدثن معًا، يُبردن نار الشوق الجارف الذي بدد كلاهما، وإذا بعنق “يسرا” يسيل منه خيوط الدماء گالفيض المنهمر، حتى وقعت رأسها أرضًا وباتت بلا رأس، فصرخت” أسما” محاولة إنقاذ رأسها التي بدأت تختفي وسط الثلج الذائب.

إنها ساعات ما قبل صلاة الفجر، وحتى الآن لم تهنأ بالنوم لساعة واحدة كاملة. منذ أن بدأت أسنان “زين” في البزوغ وهو لا ينام ليلًا بسبب أرقهِ وآلامه، ومؤخرًا أفرط في البكاء أيضًا مع ارتفاع طفيف في درجة حرارته. اضطرت “سُلاف” النزول لأسفل من أجل تعقيم اللعبة المطاطية التي يستخدمها الرضيع في (العض) من أجل تخفيف بعضًا من ألمه، وأعدت له وجبة من الحليب أيضًا حتى تكون جاهزة للإطعام.

تجاهلت تمامًا إنها تتجول في المنزل بمنامتها المريحة، والتي أظهرت من مفاتنها الكثير، بسبب انشغالها بالبحث عن الطريقة التي تخفف بها من وجع “زين” ، وها هي تصعد لغرفتها من جديد وهي تهز الرضّاعة جيدًا، مرت من الردهه قاصدة مكانها، فـ اخترق آذانها صوت أنين مكتوب مصحوب بآهات غريبة، دققت مسامعها جيدًا وهي تدنو من باب غرفة “أسما”، فوضح الصوت أكثر. ارتعد بدنها وسرت فيه رجفةٍ مرتعبة، وهي واقفة بين قرار فتح الباب أو تجاهل الأمر والركض فورًا نحو غرفتها، ظلت مشوشة هكذا للحظات، حتى قررت فتح الباب ومواجهة الغيب الذي ينتظرها خلفه. فتحت الباب ببطءٍ متردد، فأصدر صريرًا مرعبًا تناغم مع صوت الأنين الذي لم يتوقف، ثم مدت يدها تتحسس الحائط حتى وصلت لزر الأنارة، ثم ضغطت عليه وعيناها تنظر بترقبٍ، لتتفاجأ به نائمًا بوسط الفراش ويصدر عنه أصواتًا كأنه يتألم. مشت نحوهِ بعجالةِ ونظرت في وجهه وهي تنادي :

– حمزة؟؟.. انت كويس؟.

كان محمر الوجه متناثر على جبهته العرق، يتنفس بلهثٍ وصعوبة كأنه يركض بداخل كابوسهِ. ترددت “سُلاف” ما بين إيقاظه أو تركه هكذا!.. وبقيت حيرتها لثوانٍ عديدة وهي تراه في حالٍ مثير للشفقة، فتركت ما بيدها وجاورته نومتهِ وهي توقظه برفق :

– حمزة أصحى، انت بتحلم.. حـمزة.

هزتهُ قليلًا متابعة :

– يا حــمـزة.. قــوم جـرالك إيـه فجأة كده ؟؟.

فتح عيناه فجأة، وصوت شهقتهِ متحشرج في حلقهِ وكأنها لقيمة تعثرت فيه، وانسالت دموع الصمت من طرفيه وهو يتنفس بصعوبةٍ شديدة، ثم نظر من حوله وأردف :

– أمي.. أمي فين، كانت هنا أنا شوفتها!.

والله إن قلبها آلمها، لما آلت إليه حالته من وضع مثير للشفقة. ذمّت على شفتيها بضيقٍ بيّن، ثم ضغطت على كتفه قائلة :

– أهدى يا حمزة.. مفيش حد هنا غيرنا.

فرك وجهه بكلتا يديه گالذي على حافة الإنهيار، من فرط الكبت والكتمان كاد كل ذلك يطفو على سطحهِ الآن؛ فـ اختار عتابها لأنها حرمته اكتمال كابوسهِ الذي رأى فيه أمه :

تأهبت للنهوض عن مكانها معاتبة نفسها للتدخل فيما لا يعنيها – كما ذكرت سابقًا وما زالت تذكر – :

– مقصدتش.. Sorry.

قبل أن تنهض كانت يداه تتشبث بها تثبتها بمكانها، وبدون أن يفكر كان يلقي برأسه على صدرها ونصف جسدهِ بالكامل مسنودًا عليها :

– لأ خـليكـي.. متـمـشـيش.

ما الذي تفعله تحديدًا في هذا الموقف لا تعلم، ما هي خطتها لصدّ ذلك القرب الحميمي لا تدري، حتى إنها لا تغرف لماذا طوّقته بذراعيها گالتي تمتص منه كل أحزانه!؟.. ولماذا أشفقت على عدوها الذي تتبرأ منه في كل فرصة؟.. لماذا تلين مع رؤية أول لحظة ضعف تجتاحه وتمدّهُ من قوتها؟.. لا تعرف جوابًا لأي من تساؤلات عقلها المتحفز للأجوبة، لا تعرف سوى إنه بين أحضانها الآن، تحاول إيقاف نزيفهِ دون أن تتأخر عنه، دون أن تُلبي نداء عقلها الذي يُجرّم ما تقوم به، مُصغية لقلبها الذي يـقودها الآن…

**************************************

reaction:

تعليقات