القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية جبر السلسبيل الفصل السابع و عشرون 27 بقلم نسمة مالك

رواية جبر السلسبيل الفصل السابع و عشرون 27 بقلم نسمة مالك 


رواية جبر السلسبيل الفصل السابع و عشرون 27 بقلم نسمة مالك 



... بسم الله الرحمن الرحيم.. لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. 


"جابر".. 

ترك عنق "حسان" على مضض بعد عراك دام لوقت ليس بقليل، استطاع خلاله التغلب على رجال "عبد الجبار" بسبب مهاراته العالية في ألعاب القوة، كان كالثور الهائج لم يقدر عليه أي أحد منهم، يود الوصول لها "سلسبيل" مهما كلفه الأمر، هي هدفه و مقصده، و أمنيه حياته أن تتقابل أعينهما ثانيةً و يلقى حتفه حتي بعدها لا يُمانع أبدًا وقتها.. 


"يا ولد العم أدخل فتش عنِها چوه الدار بنفسك".. 

قالها "حسان" و هو يلهث بعنف كمحاولة منه لألتقاط أنفاسه التي كادت أن تنقطع على يد ذلك الغاضب الذي رمقه بنظرة متعجبه حين رآه يبتعد من أمامه ليفتح له طريق نحو باب المنزل الداخلي.. 


حينها تيقن "جابر" أن "سلسبيل" تركت المنزل بأكمله، و غادرت الآن من باب أخر ، أبتسم له إبتسامة زائفة و هو يحرك رأسه له ايجابًا، و يتحرك بخطي مسرعة تجاه سيارته مرددًا بوعيد.. 

"هرجعلك يا حسان.. و بلغ اللي مشغلك إني مش هسيبه و هوصله".. 


أنهى جملته، و انفجر هدير محرك سيارته ليتطاير الغبار من حولها عاكسًا غضبه عليها، قاد بأقصى سرعة ممكنة حتى أصبح بالجهة الأخرى للمنزل، دار بعينيه بالطريق يبحث عنها و هو لم يرها منذ أن كانت طفلة بالسابعة من عمرها، كيف أصبح شكلها حاليًا و قد أوشكت على إتمام العشرون العام!!!.. 


"أنتي فين يا سلسبيل.. كفايا فراق لحد كده يا حبيبتي".. 

همس بها محدثًا نفسه بقلب ملتاع أهلكه البعاد، لا يُهم بالنسبة له الآن كيف سيتعرف عليها، يثق أن قلبه سيقوده إليها بالتأكيد.. 


كانت "سلسبيل" تسير برفقة "عفاف" نحو السيارة التي تنتظرهما على جانب الطريق فور خروجهما من المنزل، هرول السائق بفتح الباب لها، كادت أن ترفع إحدي قدميها لتدلف داخل السيارة و إذا فجأة يوقفها صوتٍ متلهف صرخ بأسمها بصوته الحارق و الرياح تصفر من حوله.. 

"سلسبيل...".. 


تسمرت "سلسبيل" مكانها، و أطبقت عينيها، بينما اشتعلت عيناه خلفها حتى أصبحت جمرتان من اللهب، هل ما يعيشه حقيقي؟؟؟ هي أمامه بالفعل أم أنه يتوهم وجودها؟!!.. 


فتحت عينيها ببطىء دون أن تستدير، بينما نظراته النارية تلفح ظهرها، فهمست بصوتٍ لا يسمع .. 

" جابر....".. 

لا تعلم كيف سمع همستها حينها انبعث صوته الخافت المزلزل من خلفها، صوت قد أصبح أجش عن ذي قبل إلا أنه مازال يرفض النسيان، لا يقبله بتاتًا.. 

"أيوه جابر يا سلسبيل".. 

أردف بها، و هو يقترب منها حتى أصبح خلفها مباشرةً.. 


ابتلعت غصة مؤلمة بحلقها و هي تستدير ببطء بدا له و كأنه أعوام بل دهوراً فوق سنوات بعدها عنه، قبل أن تستقر أمامه مخفضه الوجه، تسارعت نبضات قلبه، و حبس أنفاسه و هو يتطلع لها بعينيه المتلهفه، و صدره ينتفض بعنف.. 


رفعت وجهها المحمر أخيرًا ثم عينيها فالتقتا بعينيه حينها تزلزل كيانه كله دفعة واحدة، هي صغيرته "سلسبيل" بعينيها الواسعتان الأسرتين، و ملامحها الفاتنة البريئة التي زادت جمال فوق جمالها بعدما أصبحت أنثى مكتملة الأنوثة.. 


أما هو فلم يعد ذلك المراهق ذات السابعة عشر عامًا كما تركته، لقد إزداد طولاً كثيرًا حتى أصبح ضعف قامتها القصيرة بمرتين أو ربما ثلاثة، مفتول العضلات بهيئة مخيفه بعض الشيء خاصةً بظهور عروقه البارزة من شدة انفعالاته المتضاربه و غضبه العارم.. 


طال بهما الصمت و كأنه يتذوق تلك النظرة بعد سنوات طويلة، الجمرتين المشتعلتين بعينيه اشتعلتا الآن كحمم بركانية ما أن التقتا عينيها،نظراته لها تغيرت كليًا، أصبحت نظرة عاشق تملك منه الإشتياق حد الجنون، يتلهف لعناقها كما كانت تفعل معه كلما لمحت طيفه من بعيد، تركض تجاهه مسرعة و ترتمي داخل صدره و تعانقه بفرحة غامرة، ليبادلها هو العناق بكل ما أوتي من قوة،ولكن دوام الحال من المحال.. 


فنظرتها له الآن قطعت نياط قلبه على حين غرة، عينيها بها حزن دفين، ترمقه بنظرات عاتبة، تخبره بها أنه قتل شيئًا غاليًا بداخلها حين تركها لوالدها يُعذبها كل هذه السنوات!!.. 


قتل شغفها تجاهه، لهفتها في التحدث إليه، أمنيتها في اللقاء به، رجائها في وصله، قتل كل إحساس صادق كان له وحده، لا تنكر أنه مازال يسكنها، ولكن حضوره أصبح بقلبها باهتًا ولم تعد تنتظره..


"يله يا سلسبيل يا بنتي اركبي وقفتنا دي كده غلط، 

 عبد الجبار بيه عمال يرن عليا عشان يتأكد أننا ركبنا" ..

كان هذا صوت "عفاف" قطعت الصمت، و أفاقته على واقع مرير قد تنساه لثوانٍ معدودة، 

لقد حُرم عليه معانقتها الآن، لم تعد صغيرته، و لا يملك أي سلطة عليها، فهي على ذمة رجل غيره.. 


تكلفت" سلسبيل " الإبتسامة و تحدثت بجمود أدهش" جابر " قائلة.. 

" أعذرني أنا مش هقدر أقف مع حضرتك أكتر من كده، و لا حتى هقدر أقولك اتفضل لأن جوزي مش موجود".. 


تفهم حديثها جيدًا، و قد ظن أنها تخشي من بطش زوجها، فتحدث هو بتنهيدة حزينة قائلاً.. 

" سلسبيل أنا رجعت عشانك، و دورت عليكي في الصعيد لحد ما وصلت لوالدك و عرفت منه أنه جوزك بالغصب مرتين، و مش عايزك تخافي من أي حد و لا اي حاجة بعد كده.. أنا معاكي و في ضهرك، و مش أنا بس لا.. ده جدك والد مامتك، و خالتك كمان كلنا قلقانين عليكِ و هيتجننوا و يشفوكي".. 


"جدي و خالتي!!! ".. همست بها بداخلها بغصة يملؤها الأسى، و الكثير من الأسئلة تدور بذهنها تمنت لو تحصل على إجابتها منه، لكنها فضلت الصمت في الوقت الحالي منعًا للمشاكل التي ممكن يفعلها زوجها فور علمه بحديثها معه دون علمه و أرادته، فأمسكت يد " عفاف " جذبتها تجاه المنزل مرة أخرى و هي تقول ببعض الحدة تخفي خلفها ضعفها و رغبتها في البكاء.. 

"اللي عايز يشوفني هاته معاك المرة الجاية أنت عرفت البيت بس يكون عبد الجبار هنا،و قولهم ميقلقوش عليا خالص أنا عايشة مع جوزي برضايا مش غصب عني زي ما أبويا فهمك.. عن إذنك".. 


تركته و عادت لداخل المنزل غالقة الباب خلفها، تركته يحملق في أثرها مذهولًا من معاملتها الجافة معه ،ماذا كان ينتظر من امرأة متزوجة مثلها!!! ،صفعته الحقيقة و فاجئه واقعه المرير رغم علمه أن معاها كل الحق فما مرت به بعد فراقها عنه ليس أبدًا بهين.. 


بقي مكانه بعض الوقت إلى أن صدح صوت هاتفه برقم أصدقاءه الذين تمكنوا من خطف الطبيب المعالج لمعذبته، ضغط زر الفتح على الفور مغمغمًا.. 

"أيه الأخبار!!".. 


"أنت فين يا جابر إحنا وصلنا الچيم من بدري و الواد الدكتور ده مش عايز ينطق بحرف واحد مع إننا عملنا معاه الصح" .. 


عاد "جابر" لسيارته، و أدار المحرك ثانيةً،و عينيه مازالت على الباب الذي دلفت منه "سلسبيل"، و بنبرة هادئة لا تخفي غضبه المشحون تحدث.. 

" سيبوه.. أنا جي له ".. 


انطلق بسيارته تاركًا قلبه بحوزاتها كعادته، و قد علم أن طريقه إليها أصبح أكثر تعقيدًا بوجود هذا المدعو ب" عبد الجبار"، و مع كل ما مر به إلا أن هناك إبتسامة انبلجت على محياه الجذابة لأنه أخيرًا رآها و تأملها ولو حتى دقائق معدودة هدأت ضجيج قلبه قليلاً.. 


........................... صلِ على محمد......... 


"عبدالجبار".. 


أطلق أنفاسه المحبوسه في رئتيه عندما أخبره الطبيب أنهم أستطاعوا إنقاذ زوجته "خضرا" بعدما تبرع لها بدماءه لإنقاذ حياتها التي كادت أن تخسرها بسبب غضبها، و غيرتها المتهورة التي افقدتها كل ذرة تعقل بها و دفعتها للانتحار.. 


"مش عايزك تقلق يا عبد الجبار بيه، و أطمن سيادتك المدام كويسة".. 

قالها الطبيب و هو يعطي ل "خضرا" علاجها عبر الإبرة الطبية المعلقة بيدها.. 


"و لما هي زينة مفقتش لحد دلوجيت ليه!!!".. 

أردف بها "عبدالجبار" الجالس على مقعد بجوار سريرها، و ممسك يدها الأخرى بين كفيه، يتحسس نبضاتها بقلق بائن بوضوح على ملامحه المجهدة.. 


أجابه الطبيب بعملية قائلاً.. 

"العلاج فيه مهدئات، و مسكنات هتنيمها لحد الصبح ".. 


طبع" عبد الجبار " قبلة عميقة على رأس زوجته الغارقة في النوم قبل أن ينتصب واقفًا، و يغادر الغرفة برفقة الطبيب غالقًا الباب خلفه، و تحدث بأمر قائلاً و هو يهرول مسرعًا بخطوات شبه راكضة نحو الخارج.. 

"عاوز اتنين حريم يفضلوا معاها لحد ما أعاود، و لو في أي حاچة چدت اتصل بيا هچيك طوالي".. 


كان يتحدث و الهاتف على أذنه يعاود الإتصال ب"عفاف" للمرة الذي لا يعلم عددها، قفز داخل سيارته، أشعل المحرك و هم بقيادتها إلا أنه اطفئ المحرك ثانيةً حين وصل لسمعه صوت زوجته"سلسبيل " تتحدث بستحياء، و بصوتٍ اختنق بالبكاء قائلة.. 

" عبد الجبار.. أنا رجعت البيت تاني مركبتش العربية، و أطمن ابن خالتي مشي خلاص".. 


"أنتي زينة؟!".. 


تأوهت بخفوت و هي ترد بهمس متألم.. 

"لا.. مش كويسة.. محتاجلك..تعالي أنا مستنياك يا عبد الجبار.. تعالي عشان خاطري ".. 


اصطك على أسنانه بعنف كاد أن يهشمها، و أطلق زفرة نزقه من صدره و هو يقول بلهفة.. 

"أنتي خابرة زين إن خاطرك غالي عندى يا بت جلبي، بس عندي شغل مهم لازم يخلص ، عشان أكده بعتلك السواق بالعربية لاچل ما يچيبك عندي رايدك تبجي چاري يا سلسبيل " ..


دمدمت" سلسبيل "بخجل قائلة.. 

" اممم.. يعني الشغل ده مش ممكن يتأجل يوم واحد كمان.. أنا ملحقتش أشبع منك و لا من هوا إسكندرية و لا قعدت قدام البحر معاك، و لا حتى اتفرجت على البيت اللي قولت عليه أنه بيتي!!!".. 


صمتت لبرهةً و تابعت بحسرة.. 

" وبعدين مش أنا طلع عندي خالة و جدي كمان لسه عايش و شكل ابن خالتي راح يجبهم من المنصورة و يجي علشان يشوفوني زي ما قالي".. 


" أنتي اتحدتي وياه!!! ".. صاح بها بحدة، لتجيبه هي بضحكة خافتة حين استشعرت غيرته عليها و كم راقتها كثيرًا.. 

" تعالي و أنا احكيلك اللي حصل، و بصراحة أنا عايزة اقابلهم يا عبد الجبار بالذات جدي عندي أسأله كتير مافيش حد يقدر يجاوب عليها غيره هو، بس عايزاك تكون جنبي و معايا.. مش عايزه اقابلهم لوحدي".. 

قالت الأخيرة بصوتٍ تحشرج بالبكاء، بكاءها كان بمثابة قبضة اعتصرت قلبه، و اشتعلت نيران غيرته حين تخيل عودة ابن خالتها هذا برفقة عائلتها، لا لن يتركها بمفردها معاهم.. 

" چايلك.. چايلك يا سلسبيل".. 


........................ سبحان الله وبحمده........ 


" جابر".. 

صب جم غضبه، و غيظه، و يائسه على الطبيب المعالج ل "سلسبيل"،الذي يتطلع له بأعين زائغة تدل على شدة فزعه، و أرتعاد قلبه من هيئته المتوحشة، تأكد أنه سيلقي مصرعه الآن على يد ذلك الغاضب لا محالة..


تقطعت أنفاسه، و شهق بقوة حين سكب على رأسه زجاجة كاملة من البنزين و هو يصيح بوعيد..

"هولع فيك لو منطقتش!!!"..


"هنطق..هقول..هتكلم..بس أبوس رجلك أطفي الولاعة دي"..

صرخ بها برعب دب في جميع أوصاله، و صمت لبرهةً و تابع قائلاً بصوتٍ مرتجف..

"أول ما مدام سلسبيل دخلت المستشفى كانت حالتها خطيرة جدًا، نفسيًا و عضويًا و واضح أنها اتعرضت لعنف و ضرب مبرح و حروق في كل جسمها تقريبًا"..


كان يستمع له بقلب يعتصر ألمًا، يبكي دمًا على حال صغيريته و ما حدث لها..


ابتلع الأخر لعابه بصعوبة بالغة مكملاً..

"جتلي مدام خضرا مرات عبد الجبار بيه و قالتلي أنا عايزاك تعرفلي البنت دي هتقدر تحمل و تخلف ولا لاء.. أنا استغربت من سؤالها ده و قولتلها هرد عليكي لما أعملها كل الفحوصات اللازمة.. و بعد ما مشيت بلغت عبد الجبار بيه بكلامها ده بنفسي بدل ما يعرف من برة و يعملي مشكلة خصوصًا أنه عنده عيون كتير في كل حته.. أول ما قولتله كده لقيته بيقولي بلغها أنها و لا تقدر على العلاقة الزوجية كمان"..


عقد حاجبيه بتعجب، و تحدث بتساؤل قائلاً..

" بمعني؟! "..


صمت الأخر للحظة، و من ثم قال بأسف..

" طلب مني أبلغ مراته إن سلسبيل هانم متقدرتش على الحمل و الولاده و لا حتى العلاقة الزوجية!!!".. 


يتبع الفصل التالي اضغط هنا 

 

الفهرس يحتوي علي جميع فصول الرواية " رواية جبر السلسبيل " اضغط علي اسم الرواية 

 

reaction:

تعليقات