Ads by Google X

القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية شمس الياس الفصل الثاني بقلم عبدالرحمن أحمد الرداد

  رواية شمس الياس  بقلم عبدالرحمن أحمد الرداد  للقراءة و التحميل pdf

                                               

                                                                                          


رواية شمس الياس الفصل الثاني 

عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده".


بداخل شقة «إلياس» أخرج عصا ضخمة وبيده الأخرى حمل سكينًا وهرول تجاه الباب لكن «إيلين» وقفت أمامه ورددت بعينين دامعتين:
- بالله عليك بلاش يا إلياس
نظر إليها بنظرات تحمل الجمود والإصرار:
- وسعي من وشي يا إيلين، النهارده أنا قاتل أو مقتول
ظلت مكانها أمام الباب وفردت ذراعيها في الهواء لتقول بترجي:
- بالله عليك أنا مليش غيرك وممدوح تحت ناوي على شر، مش عايزين الفلوس دي اللي هيجي من وراها أذى
رغم غضبه الشديد إلا أنه اقترب منها ووضع يده على وجهها قائلًا بابتسامة:
- حبيبتي أوعدك ارجعلك بخير وكمان مراد معايا أنا مش لوحدي، علشان خاطري وسعي، يرضيكي يتقال عليا إني جبان وخايف أنزل
ترددت كثيرًا بعد جملته الأخيرة قبل أن تحرك رأسها بمعنى "لا" ثم ابتعدت من طريقه ليفتح هو الباب وقبل أن يخرج أمسكت معصمه لينظر هو لها مننظرًا ما ستقوله فرددت بصوت هادئ يحمل الخوف:
- ارجعلي بخير
رسم ابتسامة حب على وجهه وردد بهدوء:
- هرجعلك بخير إن شاء الله
تركته وخرج من شقته ليجد صديقه المقرب يفتح باب شقته هو الآخر وبيده عصا ضخمة ووالدته تركض خلفه قائلة:
- ارجع يا مراد أنت وإلياس دول مش ناويين على خير
التفت لوالدته وردد بإصرار:
- متقلقيش يا ست الكل هنربي العيال دي وهنطلع، وبعدين اللي يشتم إلياس كأنه شتمني أنا
ابتسم له صديقه بحب وربت على كتفه قائلًا بإعجاب:
- ونعم الأخ يا مراد

توجه الاثنين إلى الأسفل كتفًا لكتف ووقفوا مباشرةً أمام هؤلاء الذين قد جلبهم «ممدوح» لأخذ حقه، هدر «إلياس» بصوت ضخم هز كيانهم وأرعبهم بشدة:
- الظاهر إنكم متعرفوش إلياس كويس، اللي شايف نفسه راجل ومكتوب في بطاقته دكر يقرب مني وأنا أقسم بالله ما هوريه نور الدنيا دي تاني
شعروا جميعهم بالخوف إلا أن «ممدوح» ردد بصوت مرتفع ليحثهم على العراك:
- أنت متقدرش تعمل حاجة والكترة تغلب الشجاعة يا إلياس
ابتسم له وقال بسخرية:
- مقدرش اعمل حاجة؟ أومال مين اللي لسة معلم عليك من شوية!
هنا اندفعوا جميعهم لبدأ الشجار إلا أن صوت ضخم أوقفهم جميعًا، توجهت الأنظار إلى صاحب هذا الصوت ليجدوه الحاج «خلف» الذي أوشك على إتمام العقد السادس من عمره وعلى الرغم من ذلك إلا أنه يتمتع بالقوة والصلابة كما أن سكان تلك الحارة يعتبرونه كبيرهم نظرًا لقدمه وقوة إيمانه وحكمته أيضًا.

اقترب ووقف بينهم ثم وجه نظرة نارية لـ «ممدوح» الذي نظر إلى الأسفل خوفًا من رد فعله تجاهه، التف الأول إلى «إلياس» وأردف بنبرة شبه مرتفعة:
- أنا بقول عليك عاقل يا إلياس، مش أنت اللي مكانه يبقى هنا بالمنظر ده
نظر إلى الأسفل ودافع عن نفسه قائلًا:
- أنا مغلطتش يا حاج خلف، أنا بدافع عن حقي، ممدوح من فترة قالي إن عليه وصل أمانة بـ 10 آلاف جنيه وهيتسجن ورغم حالتي ورغم إني بقبض ملاليم ومسؤول عن بيت سلفته المبلغ، أيوة أنا غلطان علشان مخلتهوش يمضي على وصل أمانة بس ايدي مش متكتفة واعرف اخد حقي منه
تقدم تجاهه بخطوات هادئة قبل أن يضع يده على كتفه وهو يقول بهدوء:
- حقك تاخده بالعقل، حاجة زي كدا تيجي تكلمني وأنا هروح بنفسي اجيبلك حقك منه لكن الشكل ده وحش ووحش اوي كمان، أنت يبني متعلم وفاهم
ثم وجه بصره إلى «مراد» وتابع عتابه:
- وأنت يا مراد المفروض تعقل صاحبك وتنصحه مش أول ما يقولك هتخانق تقوله آمين أنا معاك
نظر هو الآخر إلى الأسفل وقال بجدية:
- لو حد هيجي على إلياس أنا لازم أبقى جنبه، هم جايين تحت البيت وأديهم مش فاضية ده مش هيبقى وقت نصيحة أو تعقل خالص

رمقه لبضع لحظات ثم التفت واقترب من «ممدوح» الذي كان موجهًا بصره إلى الأسفل فقام برفع رأسه بيده بقوة ليواجهه قائلًا:
- أنت عامل بلطجي يا ممدوح! يعني مش مكفيك إنك واخد فلوسه وجاي تبلطج عليه، يا أخي ده مهانش عليه تتسجن وسلفك الفلوس ده جزاءه؟

رفع رأسه وحاول الدفاع عن نفسه:
- بس يا حاج ده عــ ...
قاطعه بحده وهو يحدق به بغضب شديد:
- اسكت خالص لغاية ما أكمل كلامي، الفلوس بتاعة إلياس ترجعله، قدامك أسبوعين لو الفلوس مرجعتش أنا اللي هقف في وشك وأنت عارف كلمة خلف عاملة إزاي، غور باللي أنت جايبهم دول وحسابك معايا بعدين

بالفعل رحلوا جميعًا وهم يجرون أذيال الخيبة بينما عاد «خلف» إلى «إلياس» مرة أخرى ليقول بهدوء واضعًا يده على كتفه:
- مش كل حاجة حلها الخناق يابني، الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»، حقك يجي بس بالعقل أنت قولت عايز حقي هو موافقش ساعتها نلجأ لحل تاني وتالت وآخر حاجة تستخدمها هي العنف
ابتسم له بحب وهز رأسه عدة مرات بالإيجاب قبل أن يعده قائلًا:
- إن شاء الله مش هتتكرر تاني يا حاج خلف، اعذرني على اللي حصل
ابتسم وربت على كتفه ثم وجه بصره إلى «مراد» الذي قال مسرعًا:
- لا مؤاخذة يا كبير الحارة أنا كمان بقولك مش هتتكرر تاني، ربنا يديك الصحة وطول العمر يا حاج خلف يا بركة
اتسعت ابتسامته وربت على كتفه قبل أن يبدل نظراته بينهما قائلًا:
- ربنا يهديكم

على الجانب الآخر كانت تقف هي ووالدتها يتابعون ما يحدث وأعجبها كثيرًا قوة «إلياس» الذي عبر عنها بصراخه المرتفع منذ قليل فهي تابعت هذا الشجار من البداية وأوقفت والدتها لترى ما سيحدث لكن تدخل الحاج «خلف» وقضى على طموحاتها في رؤيته يؤدب هؤلاء الشباب، انتظرت حتى ابتعد «خلف» وجذبت والدتها ثم اتجهت إليه قائلًا بابتسامة:
- كنت زي الأسد يا إلياس في وشهم
لاحظت وجود ابن خالتها «مراد» بجواره فوجهت بصرها تجاهه وتابعت:
- وأنت كمان يا مراد
حاول رسم ابتسامة على ثغره قبل أن يقول باقتضاب:
- تسلمي يا أماني
وقبل أن تتفوه بكلمة أخرى رمق صديقه بنظرة سريعة قائلًا:
- أنا هطلع أنا يا مراد ونتقابل قبل صلاة الجمعة

لم ينتظر رده وصعد إلى الأعلى بسرعة فهو يعلم جيدًا أن «اماني» لن تتركه فهي تحاول جاهدة وبكل الوسائل أن تتقرب منه لكنه لم ولن يُعطيها ما تتمني فقلبه أحب منذ أن كان طفلًا وانتهى الأمر.

صافح هو خالته التي اخبرته بذهابها للتسوق بينما اتجهت «أماني» إلى المنزل فرفع «مراد» صوته قائلًا بتعجب:
- رايحة فين يا أماني؟
نظرت إليه ورفعت أحد حاجبيها قائلة:
- طالعة لخالتي هكون رايحة فين يعني
تركته وصعدت إلى الأعلى بينما بقى هو وضرب كفيه ببعضهما وهو يقول بتذمر:
- والله أنا عارف إني مش هعرف أنام النهاردة، أماني جت يعني مش هتبطل رغي مع ماما واقعد أنت يا مراد ابكي على حظك المنيل

صعدت إلى الأعلى فوجدته قد دلف إلى الداخل وقام بإغلاق الباب مما جعلها تشعر بالغضب وودت لو تطرق على هذا الباب لكي يظهر لها وترى وجهه مرة أخرى لكنها تراجعت وقررت التوجه إلى خالتها.

على الجانب الآخر جلس «إلياس» واقتربت هي منه قائلة بابتسامة:
- والله عمو خلف ده راجل طيب كويس إنه انقذك منهم
عقد حاجبيه بتعجب لما تقول ولوح بيده في الهواء قائلًا:
- أنتي هبلة ولا صاحية النهاردة دبت في دماغك إنك تعصبيني وتستفزيني؟
ضحكت بصوت مرتفع عليه قبل أن تقترب منه لتخرج لسانها قائلة:
- أيوة هو كدا
هدأ وعرف كيف يضغط عليها ويغضبها لذلك رسم ابتسامة هادئة على وجهه وهو يقول:
- مش هتصدقي شوفت مين تحت، أماني بنت طنط نعمة، جت تقولي إني كنت واقف في الخناقة زي الأسد هي دي الناس اللي بتفهم مش تقولي عم خلف انقذك
اتسعت حدقتاها بعدم تصديق وتحول وجهها إلى اللون الأحمر من شدة الغضب، رمقته بنظرة نارية ولم تعرف بماذا تقول فضربت الأرض بقدمها واتجهت إلى غرفتها على الفور.

شعر بالانتصار عليها ونهض من على تلك الأريكة ليتبعها، جلست هي على سريرها وعقدت ذراعيها بضيق شديد فردد هو من الخارج:
- يارب نجيب الكتب في يومنا اللي مش فايت ده وبعدين وربنا هحلف ما هقعد وهنزل اقعد على القهوة
في خلال ثوانٍ قليلة كانت أمامه حاملة لكتبها وكانت نظرات اللوم تنطلق من عينيها فابتسم وقال بمرح:
- على فكرة سهل أوي حد يعصبك، اعقلي كدا وخليكي عارفة إن عيني من بنت خالتي مش بنت خالة مراد، يارب نفهم
وضعت كتبها على المنضدة أمامها ثم رفعت رأسها لتنظر له قائلة بلوم:
- مش دي من الناس اللي بتفهم بردو؟
جلس أمام تلك المنضدة وفتح الكتاب الأول قبل أن يرفع بصره لها قائلًا:
- شوفتي إن الاستفزاز وحش؟ كنت بستفزك زي ما سيادتك بتستفزيني
جلست هي الأخرى وقالت بحزن واضح:
- هزار عن هزار يفرق
ترك الكتاب من يده وأمسك يدها التي سحبها بهدوء وهو ينظر إلى عينيها مباشرة، أطبق على يدها بهدوء وقال بنبرة جادة:
- إيلين أنتي عارفة كويس أوي أنتي بالنسبة ليا ايه وأي حاجة تحصل عكس كدا متصدقيهاش، أنتي عارفة أنا بحبك من أمتى! من قبل حتى ما توعي على الدنيا دي، كنتي لسة مولودة قد كف ايدي دلوقتي، أنتي بنتي قبل ما تكوني حبيبتي وأنا مستني تخلصي ثانوية علشان ساعتها اخطبك قدام أهل الحارة كلهم واتجوزك
ثم حول نبرته وتابع مازحًا:
- ولا سيادتك هترفضي وتقولي عليا عجوز علشان أكبر منك بـ ١٠ سنين؟
ابتسمت بسعادة واطبقت بيدها اليمنى على يده التي يمسك بها يدها اليسرى وقالت بحب:
- أنت لو أكبر مني بعشرين سنة هوافق، أنا وعيت على الدنيا دي لقيتك معايا وبتدافع عني وبتساعدني وتعلمني وزي ما أنت قولت أنا بعتبرك أبويا واخويا قبل ما تكون اكتر حد بحبه على الكوكب ده
رفع أحد حاجبيه وردد بعدم رضا:
- ما بلاش أخويا بالله عليكي
ضحكت بصوت مرتفع وهو ينظر إلى وجهها بهيام تام فهو يعشق ضحكها، هدأت هي ونظرت إليه قائلة بجدية:
- أنت وعدتني هتقولي إحنا بقينا لوحدنا كدا إزاي لما أكبر واديني كبرت، كل اللي أعرفه إنك ابن خالتي وهربت بيا لما حد حاول يأذينا
اختفت ابتسامته وتذكر تلك الليلة التي خسر فيها كل شيء فلاحظت هي تبدل ملامحه لتقول بحيرة:
- ليسو؟ وشك اتغير ليه!
حاول رسم ابتسامة مزيفة ليقول على الفور:
- ما قولنا بلاش ليسو دي، وبعدين افتكرت حاجة كدا، أنا أيوة وعدتك بس لسة مجاش وقت اللي هحكيهولك ده، أوعدك بعد ما تخلصي السنة دي وتخلصي ثانوي رسميا هحكيلك كل اللي عايزاه تمام!
هزت رأسها بالإيجاب عدة مرات وهتفت بحب:
- تمام

***

في غرفة واسعة وضخمة تحمل الكثير من الصور لأشخاص غير معروفين ولكنهم في عالم صاحبة تلك الغرفة أبطال خارقون وليس مجرد بشر، كانت هي غارقة في النوم حين ارتفع رنين هاتفها فتململت في فراشها لكنها لم تستيقظ، اختفى صوت الرنين للحظات قبل أن يرتفع مرة أخرى فتحركت بهدوء قبل أن تفرد ذراعها وتجذب الهاتف تجاهها، ضغطت على شاشته لتجيب دون أن ترى من المتصل ووضعته على أذنها قائلة بصوت نائم:
- أيوة!
ارتفع صوت صديقتها من الجهة الأخرى قائلة بحماس:
- ايه يا سما معقولة لسة نايمة لغاية دلوقتي ده الساعة بقت ١١ الضهر يا بنتي
حاولت استيعاب ما تقوله قبل أن تفرك عينيها قائلة بنفس النبرة:
- النهاردة الجمعة يا ميرا مش فاهمة عايزة ايه ما تسيبيني أنام
رفضت صديقتها الاستسلام أمام نبرتها الضعيفة وردد بصوت مرتفع:
- يابنتي فوقي النهاردة الجمعة يعني اليوم اللي المفروض بنتقابل في علشان نكمل البرنامج بتاعنا، فوقي يا سما إحنا باقيلنا جزء بسيط ومش هينفع نكسل في الآخر
استسلمت الأخرى أمام إلحاحها ونهضت من نومها قائلة:
- قومت يا ميرا قومت وبعدين اليوم طويل
- لا اصحيكي دلوقتي علشان عقبال ما تفوقي وتخلصي كل اللي عايزاه هتكون الساعة ٢ الضهر أصلا
جذبت جهاز اللابتوب من جوارها لتضعه أمامها مباشرة قبل أن تقول بجدية:
- طيب يا ستي أنا فوقت أهو هقوم اخد شاور وافطر واصلي وهجيلك ولا اقولك تعالي أنتي أنا مكسلة أصلا اتحرك
وافقتها صديقتها وقالت بسعادة:
- خلاص تمام هجهز واجيلك يلا باي
- باي

***

رفع أحد حاجبيه منتظرًا إجابتها على هذا السؤال لكنها نظرت إليه بحيرة وعجزت عن الإجابة عليه فأخذ منها القلم وقام برسم دائرة على رقم هذا السؤال ثم رفع رأسه لها وقال بجدية:
- بصي يا إيلي سؤال زي ده باين إنه صعب جدا ومش هتعرفي تحلي التكامل ده نقوم نعمل ايه! هنبص على الإجابات ونفاضل كل ناتج لوحده هيطلع ناتج منهم هو هو نفس القيمة اللي قدام التكامل بتاع السؤال وبكدا تبقي عرفتي الإجابة من غير ما تكاملي التكامل الصعب ده
ارتسمت ابتسامة واسعة على ثغرها وقالت بسعادة:
- تصدق فعلا فكرة حلوة أوي، السؤال ده جنني
ابتسم لابتسامتها ووضع القلم أمامها مرة أخرى وهو يقول:
- طيب يلا فاضلي كدا النواتج دي وشوفي أنهي الصح
بالفعل بدأت في حل هذا السؤال في الكشكول الخاص بها وتوصلت أخيرا للإجابة. رفعت صوتها وقالت بسعادة:
- الإجابة هتبقى الإختيار الأخير
هز رأسه بالإيجاب وصفق لها قائلًا:
- برافو عليكي، يلا خشي على السؤال اللي بعده

استمر في مساعدتها على المذاكرة مع شرح ما لم تستطع فهمه حتى أصبحت الحادية عشرة والنصف فنهض من مكانه وقال بجدية:
- كملي وأنا هخش آخد دش واغير علشان انزل أصلي الجمعة
هزت رأسها بالإيجاب وذهب هو لتنفيذ ما قاله وبعد أن انتهى من حمامه خرج وارتدى جلباب أبيض اللون ثم فتح باب شقته واتجه للخارج ليغلق الباب خلفه، في تلك اللحظة فُتح باب شقة صديقه وخرجت «أماني» وهي تقول بابتسامة:
- ايه ده يا إلياس أنت رايح تصلي الجمعة؟
نظر إلى ملابسه قبل أن يعاود النظر إليها مرة أخرى قائلًا بسخرية:
- سؤال ذكي الصراحة، لابس جلابية وخارج أكيد نازل أصلي يعني، خشي نادي مراد خلينا نلحق
اقتربت منه أكثر وأشارت بيدها للخلف لتقول بصوت هادئ:
- مراد بيلبس وجاي، قولي أنت عامل ايه كويس
وضع يديه بجيب جلبابه وردد ببرود مستفز:
- فل الفل
في تلك اللحظة خرج «مراد» وهتف بصوت مرتفع:
- خلاص يا ماما عرفت هجيب ايه وبعدين مش واخد الزبالة أنا نازل أصلي
ثم وجه نظره إلى ابنة خالته وتابع:
- خدي الزبالة ارميها يا أماني اعملي حاجة مفيدة في حياتك
ضحك «إلياس» واتجه إلى الأسفل فتبعه صديقه تاركًا ابنة خالته تقول باعتراض شديد:
- أعمل حاجة مفيدة في حياتي! طيب مش رامية الزبالة يا مراد ها

لم يُعطيها اهتمام واتجه مع صديقه إلى الأسفل ثم توجها إلى المسجد القريب، دلفا إلى الداخل وجلسا في الصف الأول أمام الإمام الذي قام ببدأ خطبته بعد أن قام المؤذن برفع الأذان، مر من الوقت خمسة عشر دقيقة وانتهى الخطيب من خطبته قبل أن تُقام الصلاة، بعد مرور عدة دقائق خرج المصلين من المسجد بعد أن انتهت الصلاة وأثناء ذلك جذب «إلياس» حذاءه وبدون قصد اصطدم برجل يظهر عليه كبر السن وأدى ذلك لاتساخ ملابسه، رفع وجهه سريعًا لكي يعبر عن أسفه وأنه لا يقصد ذلك لكنه شعر بالصدمة مما شاهده، لقد مرت سنوات كثيرة لكنه لم ولن ينسى ذلك الوجه أبدًا، ظل موجهًا بصره له دون أن يتحدث وكأن لسانه قد أُلجم ليتحدث هذا الرجل بغضب شديد:
- مش تحاسب يا زفت أنت
ظل صامتًا فعقله لم يستعب حتى الآن أنه أمامه، الكثير من السيناريوهات غزت رأسه وفكر في فعل الكثير وقبل أن يأخذ قرار محدد ردد هذا الرجل مرة أخرى:
- أنت كمان أخرس، مش عارف ايه الأشكال دي
اقترب شاب آخر منهما ونظر إلى هذا الرجل قائلًا بتعجب:
- فيه ايه يا بابا واقف وبتزعق مع مين؟
نظر له «إلياس» فهو للتو اكتشف أن هذا هو ولده وابتسم ابتسامة هادئة ليقول:
- خبطت في والدك بالشبشب وهو بيزعق مع إني مكانش قصدي خالص
رمقه هذا الشاب بنظرات نارية قبل أن يهتف بغضب واضح:
- وأنت مالك مبسوط كدا ليه! أشكال تقرف
ثم نظر إلى والده وردد بنفس النبرة:
- يلا يا بابا نخرج من المنطقة الزبالة دي، أنا أصلا كنت رافض نيجي المشوار ده
هنا لم يستطع «إلياس» تمالك غضبه واندفع تجاهه كالأسد الذي وجد فريسته، قبض بيده اليمنى على رقبته ودفعه بقوة إلى الخلف وهو يقول بتهديد صريح:
- الأشكال اللي تقرف دي ممكن تدفنك مكانك ومحدش هيقدر يدافع عنك حتى أبوك اللي واقف قصادك ده، والمنطقة اللي بتقول عليها زبالة دي ممكن متخرجش منها تاني ولو خرجت مش هتبقى خارج على رجلك فاحترم نفسك ومتقولش كلام أنت مش قده، امين؟
هنا اقترب «مراد» على الفور وحاول الفض بينهما وهو يقول:
- فيه ايه يا إلياس اهدى وسيبه دول بردو ضيوف في منطقتنا
رمقه هذا الشاب بخوف شديد بينما اقترب والده ليقول بأسف واضح:
- أنا آسف يابني، سيبه معلش
نظر له بابتسامة واسعة وردد بإصرار شديد:
- مش هسيبه يمشي على رجله غير لما يتأسف على اللي قاله
هنا صاح هذا الشاب بغضب:
- أنت شكلك اتجننت اتأسف لمين!
شدد من قبضته على رقبته وهدر فيه بصوت غاضب:
- اقسم بالله لو ما اتأسفت على اللي قولته ما هسيبك تمشي على رجلك
حاول «مراد» التدخل إلا أن «إلياس» هتف بصوت مرتفع:
- استنى أنت يا مراد
لم يجد هذا الشاب مفر من يديه فهو في منطقة مشبوهة كما يشبهها هو ويجب عليه فعل ما بوسعه ليخرج سالمًا من هنا لذلك هز رأسه وقال بصوت مبحوح:
- أنا آسف
وضع يده اليسرى خلف أذنه وردد بتساؤل:
- قول تاني كدا بتقول ايه؟ سمعني
عاد جملته مرة أخرى بهدوء:
- أنا آسف
هنا تركه «إلياس» فرحل على الفور هو ووالده من أمامه ليبقى هو يتابعهما بنظراته النارية فوجودهما الآن اشعل بداخله نار الانتقام، الانتقام لماضيه الذي كان أشبه بالجحيم.

وضع «مراد» يده على كتفه ونظر إليه هاتفًا بتعجب وحيرة بسبب ما حدث منذ ثوانٍ قليلة:
- ممكن تفهمني ايه اللي حصل وليه مسكت في الواد ده كده؟
نظر إلى صديقه وكور قبضة يده ثم ضغط عليها بقوة وهو يقول:
- خبطت في أبوه من غير ما اقصد راح شتم وهو سيادته جيه فضل يغلط ويقول أشكال تقرف ومنطقة زبالة فعرفته مقامه، وبعدين عرفت منين انهم ضيوف أنت تعرفهم؟
هز رأسه بمعنى "لا" ووضح مقصده من جملته تلك:
- لا معرفهمش بس أول مرة اشوفهم في المنطقة علشان كدا قولت ضيوف وبعدين دول باين عليهم من الناس اللي مناخيرهم في السما، مش فاهم ايه اللي جابهم منطقتنا
ردد هو بصوت منخفض غير مسموع:
- حظهم، ربنا بعتهم علشان افتكر اللي فات مع اني منسيتهوش ولا ثانية واحدة
رفع «مراد» حاجبيه قائلًا بتعجب:
- بتقول ايه؟
هز رأسه بلا مبالاة وأشار إلى المقهى قائلًا:
- تعالى نقعد شوية وفكك

***

وصلت أخيرًا لمنزل صديقتها ورمت نفسها على فراشها بسعادة كبيرة فهما على أعتاب نجاح كبير لم يكن متوقع منذ البداية، أسرعت ونهضت من مكانها وهي تقول بابتسامة:
- هانت يا سما هانت، فاضل على الحلو تكة
جلست هي الأخرى أمام صديقتها وهتفت بسعادة:
- فعلا يا ميرا البرنامج اللي هنعمله ده هيكون ثروة ومش بعيد كل الشركات والمنظمات العالمية يتنافسوا علشان ياخدوا نسخة منه
رفعت أحد حاجبيها وقالت بثقة كبيرة:
- وليه لا البرنامج بتاعنا هيكون أول برنامج مفيهوش ثغرة واحدة، هيبقى نظام حماية استحالة حد يخترقه، ده غير كدا لما حد يحاول بس يخش على السيستم أو يخترقه بيفصل البورت اللي جاي منها الـ Attack وبيقدر يعرف مين حاول يعمل الاختراق ده ومكانه وكل حاجة عنه حتى لو مستعمل ألف vpn أو أي نظام تخفي وبعدين يشغل البورت تاني وكل ده في أقل من ثانية
أمسكت اللابتوب الخاص بها ورفعته إلى الأعلى وهتفت بجدية:
- وكل اللي قولتيه ده ميجيش خمسة في المية من المميزات اللي بيقدمها البرنامج، هانت يا ميرا هنخلصه ونتحدى أقوى هاكر في العالم يخترقه ولما يفشل ساعتها قولي أهلا بالنجاح
صاحت صديقتها بسعادة:
- وليه ساعتها، هنقول دلوقتي، أهلا بالنجاح
ارتفع ضحكهما وسط سعادتهما بهذا المشروع الضخم الذي سيغير حياتهما بلا شك.

***

حمل كوب الشاي وارتشف منه القليل قبل أن يرمق صديقه الشارد بحيرة قائلًا:
- مالك يا إلياس! من ساعة خناقتك مع الواد ده وأنت سرحان، طبعا أنت عارف إننا أكتر من أخوات يعني لو فيه حاجة قول وفضفض خلينا نفكر بصوت عالي
فاق أخيرًا من شروده ووجه بصره إلى صديقه الذي يجلس مقابلًا له ثم هتف بهدوء:
- عايز تعرف ايه؟
أشار بيده إلى حيث سار الرجل وابنه وأردف متسائلًا:
- مين الراجل ده هو وابنه؟ تعرفهم!
ابتسم ابتسامة هادئة وعاد بظهره إلى الخلف قبل أن يعقد ذراعيه أمام صدره قائلًا:
- الراجل ده مين! هقولك يا مراد بس متتصدمش، الراجل ده يبقى عمي! عمي أخو أبويا، عرفت بقى يبقى مين! يتبع للفصل الثالث اضغط هنا ......................رواية شمس الياس  جميع الفصول  كامله بقلم عبدالرحمن أحمد الرداد


                   

reaction:

تعليقات