القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية سر وعلن الفصل الرابع 4 بقلم زيزي محمد

رواية سر وعلن الفصل الرابع 4 بقلم زيزي محمد

رواية سر وعلن الفصل الرابع 4 بقلم زيزي محمد

الفصل الرابع...
تزاحمت أفكاره للخروج من ذلك المأزق لدرجة أن كل فكرة والأخرى تتسابق للخروج للعلن، والرجل يصمت وينظر نظرات غامضة وأحيانًا غاضبة، أما هي فأدركت ما يحدث، حاولت إنقاذ ما يحدث بسرعة، اقتربت منهم تبتسم ابتسامتها الملعونة، ولكن حَقًا هو في أمس الحاجة لابتسامتها الآن، حتى تهدأ من حدة الوضع الراهن، مدت يدها تصافح الرجل بترحاب كبير استعجب له يوسف ومالك البناية...
 _ يا أهلاً وسهلاً، نورتنا وشرفتنا..
 وبطرف عيناها تغمز ليوسف حتى ينقذ الوضع، فخرج صوت يوسف عَادِيًا بقدر الإمكان : ادخل يا شيخنا واقف على الباب ليه؟!.
 لم يتزحزح خطوة واحدة وبقي واقفًا هكذا كالصنم يناظرهم نظرة بمعنى ماذا يوجد هنا، داست بقدمها فوق قدمه، فنهرها يوسف بعينيه عن فعلتها تلك، أما الرجل فما زال يجهل ما يفعلونه، حتى تحدث يوسف فجأة وبدون أي مقدمات : أعرفك يا شيخنا دي....
 صمت لبرهة ثم مد يده وحاوطها مبتسمًا : نور مراتي!!.
 كانت تهز رأسها مع حديثه وابتسامتها ترتسم فوق ثغرها وتتسع ولكن فور أن أنهى حديثه تلاشت ابتسامتها وحل الذعر ملامحها، لسانها أين هو!!، لا تعلم، عقلها توقف عند نقطة واحدة هي زوجته ويده الممدوه بأريحية فوق كتفها، أما الراجل فاحتلت إمارات الدهشة ملامحه ليقول بنفس لكنته الضعيفة : اتجوزت يا راجل..
 نظر لها يوسف نظرة سريعة يستشف رد فعلها، فوجدها ترمقه بغضب وابتسامتها اهتزت، لم تعد تعرف تعبس أم تبتسم فبدا وجهها وكأنه أصابه الرعاش....أما هي فحاولت أن تبتعد بهدوء دون أن يلاحظ الرجل، لمسته بعثرت مشاعرها وجعلتها في حالة تجهلها، حالة لم تتعرض لها من قبل ..أصابع يده التي تقبض بقوة فوق لحم كتفيها انصهر داخلها لملامسها الخشن، يجب أن تبتعد وبسرعة، هذا الوضع يحبس أنفاسها، ويجعل مشاعرها في حالة من الفوضى صعب أن تهدأ...ابتعدت قليلاً رغمًا عنه وأشارت للرجل بالجلوس، أما هو فجهل سبب فعلته تلك، لما قبض وبقوة فوق كتفيها، هل ليثبت للرجل أنها زوجته، أم أنه يريد أن يرضى غريزته ويقترب منها ليرى رد فعلها، ورغم تزاحم المشاعر والأفكار إلا أنه قرأ توترها وتلك الرعشة التي هاجمت جسدها فور محاوطته لها، حسنًا الليالي طويلة وستوضح له حقيقتها حتى وإن حاولت أن تخفيها، فمهما كنت بارعًا في إظهار علنك، داخلك يتلوى كالسمكة الصغيرة التي كُتب في مصيرها بأن تقع فريسة لصياد ماهر، سرك سيظهر للعلن حتمًا وسيريح عقل من أنشغل بالتفكير لمعرفة خباياك!، استفاق من شروده على صوت مالك البناية : واتجوزت أمتي يا يوسف..
ضيقت عيناها للحظات ترمق الرجل باستفهام، لما يصر دائمًا على التحدث باللهجة المصرية رغم ضعفه بها، انتبه لها يوسف فهتف وعلي وجهه ابتسامة صغيرة : شيخنا بيحب يتكلم بلغتنا، بيعز مصر أوي يا حبيبتي!!.
 رفعت حاجبيها ساخرة من نطقه لحبيبتي، ورغم سخريتها إلا أن ياء الملكية التي كانت في نهاية الكلمة، أدهشتها لدرجة شعرت بأنها أول مرة تستمع إليها، حبيبتي كررتها بداخلها بنفس طريقته ونغمة صوته، نغمة وقعت على مسامعها وكأنها لحن موسيقى عزف ببراعة على أوتار قلبها المسكين الذي كان بمثابة أول مرة يتعرض لهذا النوع من الحديث أو المواقف...انتبهت لحديث يوسف وحكايته التي اختلقها في دقائق، حكاية صدقتها هي شَخصيًا وخاصةً نظراته التي أرسلت القلق في نفسها : نور قريبتي من بعيد ولما نزلت آخر إجازة كتبت كتابي عليها وعلشان ظروف أختي معملناش فرح، وهي جت على هنا...
 حمحم الرجل متأسفًا : طب مش كنت تقول يا جدع، وأخبار أختك إيه، تمام إن شاء الله .
 هز رأسه بإيماءة بسيطة متمتمًا : الحمد لله...
 حول الرجل بصره نحو نور قائلًا ببسمة صغيرة : أسف يا مدام والله أنا أحب يوسف مثل أخويا وأكثر، بس الله يلعنهم الجيران، بلغوني أنه جاب بنت معه، وكده سمعه مو حلوة على سكنى..
 خرج صوتها ضعيفًا : مفيش مشكلة.
 عاد الرجل وتحدث بلطف أكثر : والله أنا أحب مصر أوي أوي، وأحب آكلها وشعبها، وبحب أتكلم زيكو آوي..
 ضحكت بخفه : ما هو واضح ...
 التزم يوسف الصمت، مستغرقًا في تفكيره، أما هي كعادتها عندما تعتاد على شخص تنغمس بحرية في الحديث معه، حتى أنها دعته على العشاء، نعم!!، عشاء ماذا!!، استفاق يوسف على حديثها وهي تؤكد على الرجل بحرارة شديدة : أبدًا لازم حضرتك تشرفنا في يوم على العشااا، وهاعملك الأكل اللي بتحبة...
 اتسعت عيناه بصدمه، فحاول أن ينهرها بشتى الطرق، ولكن هي لا توجد هنا، هي في عالمها التي استمعت بالحديث مع الرجل على أشهر الأكلات المصرية، آه داخلية كتمها يوسف، تمنى أن يقف ويكسر عظام رأسها اللعين، يكفي مصائب، مصائبها من نوع غريب يجعله كالأبله أمام حلها، بداية من مكوثها معه حتى هذه اللحظة، نهض الرجل على استيحاء هاتفًا : إن شاء الله أحاول أجاي بعد يومين...
 ابتلع ريقه بصعوبة وهو يقول : أكيد هاتنورنا..
 غادر الرجل الشقة، وفور خروجه صاحت نور بصوتها المرتفع : أنت تجننت أزاي تقول عليا مراتك، لا وكمان تحط أيدك عليا، أيدك دي هاقطعها ليك لو فكرت تتمادي أكتر.. 
 ستصيبه بالجنون، ستخرجه عن طور تعقله، المعتوهة كانت تقف منذ قليل وتصر على دعوته، والآن تصيح باعتراض على خطته، هل هي برأسين مثلاً تساءل بداخله فقال بنبرة هادئة أو لنقل الهدوء ما يسبق العاصفة : هو أنتي مجنونة، أنتي مش كنتي لسة بتعزمي الراجل على عشا وبحب آوي...
 ضحكت بسخرية لتقول : بعزمه علشان اثبت الخطة المهببة عنده، الراجل كان شاكك يا أستاذ.
 ردد خلفها الكلمة متعجبًا : خطه مهببه..
 هزت رأسها بالموافقة عدة مرات، فالتوى فمه متهكمًا وتغلب على نبرته الغطرسة : أنتي تطولي يابنتي، أن اسمك يرتبط باسمي، احمدي ربنا...
 رفعت أحد حاجبيها على غطرسته قائلة : أنا نفسي افهم واخد مقلب في نفسك ليه، براحة شوية...
 احتشد الغضب في صوته ليقول : براحة أنتي، ومتعليش صوتك تاني عليا، واللي عملته كان بسببك..
أشارت على نفسها متعجبة : بسببي أنا!!، أنت مش سامع الراجل بنفسك بيقول الجيران هما السبب..
 هز رأسه مجيبًا بحدة : ما هو يا هانم افهمي، أنا كنت هـ أاجر من الباطن، وصاحب البيت ميعرفش، وطالب زفت راجل مستأجر علشان لو سأل أقوله ابن خالتي صاحبي أي حاجة قاعد معايا...
 قاطعته هي لتقول بتفكير : آه والوضع هايختلف لو معاك بنت...
 التوى فمه باستهجان قائلًا : طب ما أنتي بتفهمي أهو، ومينفعش أقول إنك أختي علشان شاف ريم أختي قبل كده معايا في مصر..
 صاحت بتسرع وابتسامة بلهاء فوق محياها : هي ريم أختك...
 ضيق عيناه وهو يرمقها بمكر : آه في حاجة!!.
 هزت كتفيها بلامبالاة وهي تنهض تتجه لغرفتها : هو مش هايجي أصلاً متقلقش، بس أنت متاخدش لعبه الجواز دي حكاية بقي، الراجل جهة وخلصنا فضيناها...
 وقفت على أعتاب غرفتها تنهي حديثها، فنهض هو الآخر يقف يحدثها بنبرة حادة خفيفة تحمل التهديد : لا بقولك إيه يا نور، اللعبة دي سر ما بينا، وهاتفضل كده طول ما أحنا بره على السلم أو في الأسانسير، لو حد من الجيران شم خبر هاتلاقيه ناطط هنا تاني، أنا معنديش أي استعداد أخسر الشقة دي علشان خاطر حد، أنا تعبت وانتقلت من سكن لسكن كتير، لغاية ما وصلت لشقة زي دي، وزي ما أنا بساعدك تشوفي شغل، تساعديني محدش يشك في حاجة لغاية ما أطلقك..
 _ نعم!!!.
 كتم ابتسامته وهو يتجه لغرفته هو الآخر يهتف بعبث : لغاية ما تنقلي سكن تاني يعني، وقدامهم هاقول طلقتك وبالتلاته...
 أشار إليها بيده برقم ثلاث وعلى وجهه ابتسامة مشاكسة، فقالت هي بكبرياء : اللي زيك لو اتجوز واحدة زي ميرضاش يطلقني، تمسك فيا بأيدك وسنانك...
 رمقها باستهزاء : ليه الكونتيسة نور، اللي زيك ميقعدش على ذمتي يوم، أنتي مش نوعي المفضل..
 شعرت بنيران بداخلها لو سمحت لها بالخروج ستلتهمه بشدة، ولكن كظمت غضبها لتقول : نوعك بسمسم صح...
 _ مش هرد عليكي، هاسيبك بنارك كده..
 دخل غرفته وهو يضحك بصوت مرتفع، أما هي فاحتقن وجهها بغضب منه، البارد مازال يتفوق عليها في ردوده، قصف جبتها وبقوة دخلت غرفتها هي الأخرى وقفت أمام المرآة تنظر لنفسها تهمس لنفسها بتفكير : مالي ياعني، ما أنا قمر أهو هو اللي أكيد نوعه وحش زيه.
 زفرت بحنق وهي تنظر لنفسها تقول بتوبيخ : وأنتي مالك به، وبالنوع اللي بيحبه، أنتي جاية هنا لهدف تحققيه أوعي تفكري في أي حاجة تانية تعطل مستقبلك.
 تحركت نحو النافذة تنظر للسماء بتفكير، تسمح لنفسها بالانغماس في حربها مع الذات، زاولتها تلك النجمة التي تتوسط السماء الصافية، نورها الساطع يضاهي باقي النجوم، نورها أرسل في نفسها أمل لبداية جديدة، جعلها تتغاضى عن صراعها ذاك وتأجله لحين إشعار أخر..
أما هو فجلس بمنتصف فراشة ينظر لسقف الغرفة ويستعيد بذهنه ما حدث اليوم، لم يترك تفصيله واحدة إلا وتذكرها وخاصةً لمسته لها، حرب اندلعت بداخله ما بين مؤيد لخطته ومعارض لها، ناهيك عن حربه مع ذاته التي بدأت منذ مكوث تلك المجنونة هنا، من سيكتب له النصر والهزيمة، ضجيج عقله يجعله كالتائه في صحراء جدباء، ذلك الصدع الذي كاد أن يشق صدره لنصفين يجعله على حافة السقوط في الهاوية فاحذر أن تنساق خلف قلبك وصوت أفكارك المضطربة ..هكذا حدث نفسه حتى يستطيع الخروج من تلك الحالة التي أوقع نفسه بها...
 *********
مرت الأيام رتيبة عليها، تنتظر اتصال صديقه لإخباره بأمر عملها، تحاول الابتعاد عنه بقدر الإمكان حتى لا يظن بها سوءً، أما هو فكان مستمعًا بداخله بمواقفهم القليلة إلا أنه أحب بها روح المشاكسة والمجادلة، حتى تصرفاتها الهوجاء انتقلت له كالعدوى، فمثلاً بعد تحفظه عليها، وخاصةً أمر عملها بالخارج، إلا أنه يتوق لمحادثتهم القليلة رغم أنها أن فترة مكوثها معه في نفس المكان مازالت قليلة، إلا أنها أضفت على حياته شيء جميل، بعدما كانت تمر الأيام عليه مملة، ورغم عدم علمه بطهي الأسماك أصر على شرائها مقنعًا نفسه لما لا يطلب منها مساعدتها، حجه اتخذها حتى يراها بعدما ابتعدت عن مرمى عيناه لمده يومان، وقفا معًا بداخل المطبخ تساعده بصمت وكل منهما انشغل بالتفكير بمشاعره، حمحم عده مرات حتى يجذب انتباها والبلهاء لا تلاحظ، التفتت بجسدها بسرعة وبيدها صحن الصلصلة في نفس وقت التفات يوسف بحثًا عن الملح، اصطدما ببعض فوقع الصحن أرضًا وتناثرت الصلصة حولهم في كل أرجاء المطبخ، انخفضا معًا كل منهما يحاولان إصلاح ما حدث، قالت هي بتوتر : والله ما كنت أقصد. 
 _ حصل خير.
 ماذا!، يوسف يقول ماذا، تعجبت لهذا، توقعت توبيخه لها وإعطائها درس في النظافة، رفعت عيناها تناظره غير مصدقة لما يقول، فتقابلت نظراتهم، صمتت الألسن وتحدثت العيون لتبوح بكل ما تخفيه الصدور وتشابكت في نظرات طويلة لا تفصلهما سوى حديثه وهو ينهض : متتعبيش نفسك أنا هاعمل كل ده، قومي..
 تنحنحت حاولت تنظيف حلقها فخرج صوتها مهتز من فرط مشاعرها : لا أنا هاعمل أهو..
 وقف يدور حول نفسه بحثًا عن سائل التنظيف، فوقعت عيناه بالصدفة على ظهرها وهي جاثية أرضا تمسح آثار الصلصة هنا وهناك، جذب انتباهه ارتفاع بيجامتها قليلًا فانكشف مساحة صغيرة من ظهرها، اغلق عيناه بقوة وهو يجاهد نفسه ألا ينظر لها، هو في أقوى جهاد النفس، في حرب مع الذات، تمنى أن يخرج منها دون أن يفقد عقله، ستجنه، ستجعله يخرج عن طور تعقله لقد افتتن بجمالها، جمالها الذي مازال يحارب نفسه وعقله الباطن على نسيان ملامحها التي اختطفت أنفاسها منذ اللحظة الأولى، سحرته، وقيدت عقله بأصفاد الغرام القوية، سحرته وهو مازال يحاول فك شفرات سحرها للنجاة من الوقوع بحب غير مكتمل أركانه من وجهه نظره، انتبه لحديثها وهي تشير له : يوسف هات الصابون..
 نطقها لاسمه بهذا الشكل جعله متخبط ما بين الخوض في مشاعره أكثر أو نهرها على ملابسها غير اللائقة معه، وقع اختياره على تعنيفها فقال بعصبية استعجبت هي لها : نور قومي أنا هاعمل كل ده..
 فتحت فمها تبرر له بضيق : أنا قولتلك أسفه وهاعملها..
 وضع المنشفة التي كانت بيده بعنف : نور قومي، ومتلبسيش لبس زي كده في وجودي تاني..
 نهضت على الفور تنظر لنفسها بغرابة ماذا بها ثيابها، بنطال من القطن قصير إلى حد ما وستره تصل أكمامها لنصف ذراعيها، رفعت بصرها تطالعه باستفهام، فأجاب هو على الفور بنبرة هادئة : نور، قبل ما تفكري تلبسي أي حاجة، ياريت تفكري أنك قاعدة مع راجل مهما كان، أنا واحد غريب عنك أنا عاوز مصلحتك..
 حسنًا لن تجادله هو يحادثها بهدوء وبأسلوب لبق ومنمق احترمته أكثر، وقررت ألا تعارضه، في النهاية هو لا يفكر بها سوء، هي لا تريد أكثر من ذلك، هزت رأسها بالموافقة واتجهت لغرفتها تبدل ثيابها وعقلها ينشغل بالتفكير به، لم يحاوطها أحد بهذا الاهتمام مثله من قبل، لم تشعر بخوف أحد عليها حتى إنها شعرت للحظات كأنها ورقه خريف ضائعة بين عواصف الحياة، لم يحتويها أحد حاولت أخراجه من عقلها، تنهدت بقوة وخاصةً بعد موقفه هذا، لقد أيقظ مشاعر قد أخمدتها من قبل...
********
 استيقظت بسعادة ونشاط غير عادي منذ مجيئها دبي، اليوم ستذهب مع يوسف لإجراء مقابلة للعمل بإحدى الفنادق كما أخبرها يوسف بالأمس، أسبوعان وهي تنتظر ذلك العمل بفارغ الصبر، اليوم ستضع قدمها على بداية الطريق وتنطلق نحو أحلامها دون الرجوع إلى ماضي كلما تذكرته مزق قلبها، مبررة لنفسها أن الماضي قد مات وفات...كاذب من قال إن الماضي قد مات، لان الماضي الذي فات ومات سيعيش بداخلنا للأبد، تاركًا اثارة السلبية تلهبنا بنيران لا يمكن إخمادها...لجمت تدفق أفكارها وقررت التركيز أكثر على انتقاء ثيابها، وقفت قليلًا حتى اهتدت أخيرًا لجيب سوداء يصل طولها لركبة وسترة بيضاء، عكصت شعرها القصير للخلف مرة، ولكن تراجعت وقررت تركه بحريته ينسدل خلفها، وضعت أحمر شفاها لونه هادئ من اللون الوردي، نثرت عبقها ثم ألقت قبله لنفسها في المرآه، ارتدت حذاء ذو كعب عالي من نفس لون السترة، استدارت للخلف مرة واعتدلت بوقفتها مرة تنظر لنفسها بالمرآة، فصاح يوسف من الخارج بحنق : يا برنسيسة أخلصي علشان الحق أروح شغلي، أنا واخد ساعتين تأخير بالعافية..
 تأففت بضيق : طيب طالعة أهو..
 جلس بنفاذ صبر فوق الكرسي يعبث بهاتفه هاتفًا بهمس : يا رب نخلص..
 وقع على مسامعه صوت خطواتها المرتفعة، رفع بصره تدريجيًا يطالعها، مقررًا توبيخها على تأخيرها، ولكن لُجِم لسانه، وأيضًا لسان عقله، خطفت أنفاسه الوقحة بِطلتها تلك، تصاعدت نيران بداخله جهل تسمياتها، نيران غيرة عليها، أم حفاظًا على مظهره أمام الجيران، حسنًا لن يختلف كثيرًا حول التسمية، وسينهض موبخًا لها عما ترتديه فقال بلهجة حازمة حادة : ادخلي غيري هدومك بلاش قلة حيا..
تقلصت ملامحها هي الأخرى بحدة لتقول : نعم!!، قلة حيا، أنت بتكلمني أنا كده.
 أخشن صوته وهو يجيبها : آه أنتي، إيه اللي لبساه ده.
 هبطت ببصرها نحو ثيابها تنظر بتعجب قائلة : ماله لبسي، ما هو كويس...
 استطردت حديثها وهي ترفع وجهها تقول بوقاحة : وبعدين أنت مالك أصلاً.
 اقترب منها خطوتان فتراجعت هي للخلف كرد فعل طبيعي منها وأردف بنبرة مليئة بِالتحدي والقوة : أوعي تكوني فاكرة أن ممكن اسمحلك تخرجي كده، أياً كان حياتك كانت إيه قبل ما تيجي هنا، أنتي دلوقتي قاعدة في مملكتي وتمشي زي ما أنا عاوز وبراحتي وكلمة زيادة اعتبري الشغل ده لاغي...
 أسبلت أهدابها لطريقته معها في الحديث فقالت بشجاعة : أنت بتكلم معايا كده ليه، هو أنت هاتصدق اللعبة اللي قولتها لا يا بابا، أنا محدش يتحكم فيا.
 ثارت ثائرته وهو يقول : لا يا نور الزمي حدودك، أنا هاتكلم ونص، بدام رضيتي وقعدتي هنا، أنا قولتلك قبل كده، أنتي قاعدة هنا بقواعدي، وأنا لا يمكن اسمحلك تنزلي كده، وبعدين يا هانم هو أنا بجرك لسمح الله للغلط، بالعكس أنا عاوز مصلحتك، لان باين عليكي هبله ومتهورة، وهتطمعي الناس فيكي أنا لآخر لحظه عاوز أقف جنبك وأنتي بتجادلي في الغلط..
 بعد حديثه هذا، ستبتلع أي حديث قد يخرج من فمها، لم يفشل أبدًا في أن يكبر بنظرها، يزيد من احترامها له، شعرت بصغر نفسها أمامه، خجلت من تفكيرها الأرعن وهتفت بتلعثم وخجل : أنا يعني أول مرة أشتغل، ويعني كنت بقول إن اللبس كده كويس.
 هز رأسه نافيًا وقد هدأت نبرته ولانت ملامحه : لا مش كويس أبدًا، مش كويس تطلعي بيه بره البيت أصلاً..
 رفعت بصرها تقول باستفهام متعجب : هو مخليني وحشه آوي كده.
 أغلق عيناه للحظات، المجنونة مازالت تريده أن يفقد عقله ورزانته، يتحدث بشيء والبلهاء تفكر بطريق آخر، فقال بصوت خافت وجذب متعلقاته ينهى ذلك الحديث : لا مخليكي جميلة آوي..
 وقبل أن يغادر الشقة وقف يطالعها بنظرات ذات مغزى تمنى أن تتفهمها : بس البنت مينفعش تطلع وتبقى جميلة بالشكل ده لأي حد، لازم تحافظ على نفسها من أي نظرة كده ولا كده، صوابعك مش زي بعضها ياريت تفهمي، هستناكي تحت في العربية بسرعة غيري وانزلي. 
 غادر الشقة، بعدما لقنها درس جديد استوعبته جيدًا، وستعلن استسلامها له هذه المرة، أبدلت ثيابها ببنطال أسود وسترة وردية واسعة وذو أكمام، أغلقت باب الشقة خلفها وهي تدعو الله أن يوفقها في عملها وحياتها الجديدة، وفور أن هبطت للأسفل ووقعت عيناه عليها وخاصةً ثيابها ابتسم لها بلطف لتفهماها حديثه ، فأرسلت له ابتسامه ممتنة على كل شيء قدمه لها حتى الآن، وصلا للفندق وهبطا معًا متقدمين للداخل، أجري يوسف اتصالاً بصديقة وهي!!، هي ليست هنا، شاهدت تصميم الفندق بإنبهار، انتبهت بعد دقائق لرجل يقف أمامهم يرحب بهم : يوسف حبيب قلبي واحشني..
 صافحه يوسف بحرارة قائلًا : حبيبي يا حسام، أخبارك..
 _ زي الفل يا معلم..
وقع بصره على تلك الجميلة التي تقف بجانب يوسف تنظر له بإرتباك، فقال بجرأة : هي دي، طب ما جميلة جِدًا أهي، امال بتقولي عادية ليه..
 الآن فهمت سر مكالمته، لِمَ شعرت بالضيق والحنق منه، هل لأثر حديثه عليها، لِمَ لا يراها جميلة، بلهاء هو منذ قليل قالها صريحة لها، ولكن ظلت تدور حول نفسها كالبلهاء بسؤالها لِمَ قال عليها ليست جميلة؟!. انتبهت لحديث حسام : تلاقيك خايف عليها علشان كده لما طلبت صورة ليها رفضت..
 نعم، طلب صورة لها، وهو رفض!!، ما هذا، لما يتصرف بهذا الشكل، أما هو فكانت نيران الغيرة تتأجج بداخله، مقنعًا نفسه بأنها تحت حمايته ويجب أن يحميها أو يغار عليها لن يختلف مع المسمى الآن...رمقها بنظرة خاطفه : استني ثانية بس..
 وبعدها جذب حسام بقوة ليقفا في أحد الجوانب بعيدًا عنها، هاتفًا بحده : أنت ياض مش هاتتلم بكلامك ده، ولا الشغل في الفنادق نسّاك نفسك..
 ابتسم الآخر متعجبًا : إيه يا عم براحة، أنا قولت إيه، أنا بثني على جمالها..
 امتعض وجه يوسف وهو يهتف باعتراض : بـــ إيه يا أخويا..
 _ جمالها...
رد بها حسام بإبتسامة سمجة محولاً بصره نحوها، فضغط يوسف بيده على وجه حسام وأجبره على النظر إلية هاتفًا بتوعد : لو مظبطتش نفسك هاظبطك، نور محدش يقربلها هي جايه تشتغل وبس، متخلنيش أندم إني طلبت منك مساعدة.
 رفع حسام يده باستسلام : خلاص اهداا بس هي أصلاً لازم تتدرب على الأقل أسبوعين تلاته، لغاية ما تقدر تقف في الاستقبال..
 هز رأسه موافقًا وهو يتقدم نحو نور فقال يوسف : هاتي أوراقك أديها لحسام...
 أخرجت أوراقها بتوتر من حقيبتها ومدتهم نحو حسام، ألقى حسام بهم نظرة سريعة ليقول : إيه ده أنتي جاية بفيزا سياحة.
 هزت رأسها بالموافقة لتقول بإرتباك : آه فيها حاجة.
 _ لا مفيش عادي، مشكلة بسيطة وبتتحل..يالا أنت يا باشا روح شغلك، وسيبها هنا علشان تبدأ.
 أومأ إيماءة بسيطة ولم يبعد بصره عنها، لم ترتبك قط من أسئلة حسام، بل من نظراته التي شعرت أنها تخترقها وتسبر أغوارها، نظراته تريد معرفة خباياهااا..وهي لم يعد لديها الاستطاعة لتخفي سر ماضيها، لم يعد لديها القدرة على خوض تلك اللعبة، لعبة سر وعلن.

يتبع الفصل التالي اضغط هنا
الفهرس يحتوي على جميع فصول الرواية "رواية سر وعلن"اضغط على اسم الرواية


reaction:

تعليقات