القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية شمس الحياة الفصل الثالث 3 بقلم روان سلامة

 رواية شمس الحياة الفصل الثالث 3 بقلم روان سلامة

رواية شمس الحياة الفصل الثالث 3 بقلم روان سلامة

Rawan Salama:
#شمس_الحياة
الفصل الثالث:
                          عيناك.. آخر رحلةٍ ليليةٍ 
                  وحقائبي في الأرض تنتظر الهبوب 
                 تتوسل الأشجار باكيةً لآخذها معي 
                       أرأيتم شجراً يفكر بالهروب؟ 
                            والخيانة، والذنوب.. 
                    هذا هو الزمن الذي فيه الثقافة، 
                                    والكتابة، 
                                   والكرامة، 
                             والرجولة في غروب. 
 

قبل خمسة أشهر: 
يجلس نديم مع عمه فاروق في غرفة المكتب، غرفة كبيرة بها شباك يطل على الحديقة، أثاثها كلاسيكي يشبه أثاث القصور التاريخية يمتاز باللون البني المطعم ببعض الألوان الذهبية التي زادت من فخامته، ويوجد بها بعض التحف الأثرية الموضوعة فوق المكتب وبداخل المكتبة، على الحائط يوجد صورة سليمان المنزلاوي وزوجته فاطمة المنزلاوي في إطار كبير.
نظر فاروق لنديم بحزن قائلا له:
_بص أنا عارف أن اللي أنا هقوله ده صعب بس اسمع الحكاية بتاعتي للآخر.
_اتفضل يا عمي.
_أنا هحكيلك قصة الحادثة بتاعة أبوك وأمك كلها أنا عارف إن أنا حكتهالك قبل كده بس كان في حاجات مخبيها عليك وجه الوقت تعرفها دلوقتي.
بدأ حديثه بهدوء قائلا:
_طبعا أنت عارف أن الحادثة اللي هما اتوفوا فيها دي حادثة مدبرة.
المهم كنت أنا وأبوك وأحمد الهاشمي بنشتغل مع بعض من زمان أوي كنا عاملين مشروع لينا بعيد عن شغل العيلة، كنا عايزين نعتمد على نفسنا وميتقالش اشتغلوا بالواسطة عشان ولاد سليمان المنزلاوي.
أكمل فاروق ولمحة أسى تظهر بصوته:
_أحمد ده كان عايز يكبر الشغل بسرعة ومش فارق معاه الطريقة، وفى يوم أتعرض عليه أن احنا نشتغل في صفقات مشبوهة وغسيل أموال وهو وافق بس لما جه عرض علينا أنا وأبوك عارضنا، بس أبوك خد منه موقف جامد وفسخ الشراكة معاه، فهو قرر ينتقم منه عشان لما الشراكة اتفسخت الشركة وقعت واتقفلت.
صمت بضع لحظات وهو يشعر بغصة في حلقه فحثه نديم على الحديث قائلا:
_كمل حصل إيه بعد كده؟
أكمل فاروق بحزن من تذكره هذه الليلة المشؤمة قائلا: _لعب في فرامل العربية وحصلت الحادثة واتوفى أبوك وأمك...... من وقتها وأنا بحاول أمسك عليه أي حاجة بس مش عارف لأنه كان واخد احتياطه كويس ومش سايب وراه أي أثر بس أنت دلوقتي بقيت شغال في المخابرات وفي مهمات سرية وأكيد تقدر توقعه وتحاسبه على اللي هو عمله زمان.
نظر له نديم نظرة لم يعرف لها تفسير وقال له بصوت هادئ:
_وأنت بقى قررت تقولي النهاردة بالذات، أقدر أعرف السبب؟
_قررت أقولك لما حسيتك جاهز لده وبعدين أنا عرفت ان الراجل ده عنده بنت تقدر تقرب منها وتعرف كل حاجة عن أبوها.
قال له نديم بنبرة غضب ظهرت جليا بصوته:
_أنت عارف أن أنا مش بالحقارة دي ومستحيل أستغل بنته عشان هو غلط غلطة زي دي.
ياريت تعرفني لو في حاجة تاني مخبيها عليا يا.... عمي.
قال آخر كلمة باستنكار، فنظر له عمه بأسى قائلا له:
_لأ مفيش بس أقدر أعرف هتتصرف إزاي.
قال له بغموض وهو ينهض من على الكرسي:
_نديم المنزلاوي متعلمش يثق في حد عشان كده أنت مش هتعرف أنا هعمل إيه غير وقت ما أنا أحب...مش ده اللي حضرتك علمتهولي من صغري يا عمي.
أنهى جملته وخرج من المكتب متوجها صوب غرفة الطعام فوجد الجميع يتناولون طعام الإفطار باستثناء وِقَّاص..... وكريم بالطبع فهو أغلب الوقت لا يتواجد بالمنزل، فقبل ناردين من وجنتها قائلا:
_صباح الخير يا جماعة.
_صباح النور.
أردف نديم متسائلا:
_وِقَّاص فين يعني مش شايفه؟
أجابه زياد مازحا كعادته:
_راح يقابل الجو بتاعه.
نظر له يزيد نظرة محذرة وهو يردف بتوضيح:
_راح يفطر مع صبا برا وهيقابلنا في الشركة.
قال نديم بهدوئه المعتاد:
_تمام خلاص يلا افطروا بسرعة عشان نطلع على الشركة عشان ورايا شغل تاني النهاردة.
سرعان ما هتفت ناردين بنزق:
_أكيد رايح تعمل بطولة جديدة بقى وتقبض علي راجل شرير صح؟
فضحك الجميع علي طريقتها الطفولية وأردف هو في نبرة غامضة:
_لأ مش صح يا لمضة أنا رايح أمهد الطريق للقبض عليه....أقولك خليكي في حالك.
استطرد وهو ينهض قائلا:
_أنا رايح الشركة أقل من 10 دقايق تكونوا خلصتوا وحصلتوني ومحدش يتصل بوِقَّاص هو لما يخلص هيجي لوحده، ومعلش يا يوسف وصل ناردين الجامعة وأنت رايح المستشفي، وأنت يا زياد روح الجامعة يلا هتتأخر على المحاضرة الأولى.
فور أن انتهى من إملاء أوامره عليهم ذهب بخطى هادئة متزنة.
قال زياد متذمرا:
_هي تفرقة عنصرية ..... والله تفرقة يقومنا من على الفطار واحنا بطننا بتصوصو عشان اللي يروح الجامعة واللي يروح الشركة وسايب الاستاذ وِقَّاص مع حبيبة القلب يفطروا برا.

أردف يوسف بدوره:
_يا ابني اتلم بقى دي خطيبته ده أنت حشري أوى.
قالت له ناردين بنظرات فهمها يوسف جيدا:
_لأ أنا موافقاك يا زياد متزعلش نفسك معلش بقى ما هي ناس ليها حب وناس ليها دكاترة تسد النفس يلا بقى لازم نستحمل يا ابني.
هتف يوسف بسخرية:
_إيه يا بنتي ده جدتي بتتكلم يلا قومي عشان هنتأخر ورايا عملية.
هتف زياد مسرعا:
_والنبي توصلوني معاكوا ده أنا ابن عمك الغلبان الكحيان اللي حتى عربيته اتاخدت منه.
قال له يوسف بشماتة:
_ما أنت تستاهل عشان تبقى تترفد حلو من الجامعة ومش هنوصلك يلا امشي بقى.
جذب ناردين برفق فور أن أنهى حديثه وخرجا سريعا وبعد وقت قليل من قيادته للسيارة.
قالت له ناردين متسائلة:
_يوسف بقولك إيه صحيح هو أنت هتعمل إيه في العملية دي يعني؟
نظر لها متعجبا فهي عادة لا تسأل عن العمليات ولكنه تجاهل تعجبه قائلا:
_هعمل عملية نقل كبد بس بتسألي ليه يعني؟!
أردفت برهبة ظهرت جليا بصوتها:
_يعني أنت هتفتح بطنه وتطلع منها الكبدة بتاعته وترجع تقفلها تاني وتفتح بطن الراجل التاني وتحطها جواه وتقفله.  
فضحك هو على حديثها قائلا من بين ضحكاته:
_حاجة زي كده مش بالظبط يعني.
_لأ طب بص بقى أنت كدة تنزلني هنا وحلو أوي كده يا ابن عمي أنت من طريق وأنا من طريق، ما أنا مش هقعد مع سفاح بيقطع بطن البني آدمين.
فضحك يوسف بشدة على سذاجتها ثم أردف قائلا:
_يا بنتي بقطع إيه وسفاح إيه بس، أنا بنقذ حياتهم وبعدين احنا وصلنا الجامعة أصلا.
نزلت مسرعة من السيارة قائلة له:
_طب سلام بقي....لأ ويقولي بنقذهم ده بيقطع بطنهم.
أخذت تتمتم ببضع كلمات لم تصل إلى أسماعه بينما أخذ هو ينظر إلى طيفها وهي تذهب و لبسمة تعلو وجهه، فكم يحب نقاءها وسذاجتها التي تنسيه العالم بأجمعه.
 
                                     *****
في منزل أحمد الهاشمي الذي يتسم بمساحته الشاسعة، ومع ذلك يتسم بالبساطة من الداخل، فهو يتميز بألوانه الهادئة وأثاثه البسيط الذي يعطي انطباع بالراحة النفسية والهدوء.
استيقظت روجين من نومها وبدأت ترتدي ملابسها لتذهب إلى عملها، فارتدت بذلة رسمية نسائية باللون الأبيض، وقميصا بلون السماء، وارتدت الحذاء بنفس لون القميص، وقررت تصفيف شعرها على هيئة ذيل حصان وأنزلت منه بعض الخصلات البنية على وجهها، ثم أخذت الحاسوب المحمول الخاص بها ونزلت إلى الأسفل فوجدت والدها يجلس على الطاولة يتناول وجبة الإفطار بهدوء.
ذهبت إليه والبسمة تعلو ثغرها ثم قبلته من وجنته قائلة:
_صباح الخير يا أحلى أب في الدنيا.
فابتسم لها والدها قائلا:
صباح النور يا شمس حياتي.
_أنا رايحة الشغل بقي عشان متأخرش على الاجتماع.
_روحي يا حبيبتي وربنا يوفقك بس خلي بالك من نفسك.
 
                                  ******
 
في مطعم يتميز بالرقي والهدوء يجلس وِقَّاص مع صبا وهو يحاول إقناعها بإتمام الزواج قائلا لها:
_ما توافقي بقى يا بنتي أنتي خايفة من إيه طيب؟
أردفت هي بتردد وحيرة:
_مش عارفة يا وِقَّاص خايفة ناخد القرار بسرعة ونندم بعدين.
هتف هو بمشاعر عشق صادقة أفصح عنها كثيرا:
_أنا عمري ما هندم في أي يوم على قرار خدته بخصوص علاقتنا، بالعكس أنا هندم على كل لحظة بنضيعها دلوقتي.
قالت هي بعد تفكير دام لحظات:
_طب إيه رأيك نخليها كتب كتاب بس؟
_ماشي يا ستي مع إني مش شايف سبب للتأجيل ده بس حاضر......بقولك صحيح هو أنا قلتلك قبل كده أن عنيكي حلوة.
أردفت هي بمزاح في محاولة منها لإخفاء خجلها:
_ وِقَّاص أنت بتقولي كده كل يوم تقريبا.
فقال لها بحنق:
_يمكن تحسي بيا وتخلينا نتجوز بقى يا ظالمة.
ضحكت هي تلك الضحكة التي تأسر قلبه وعقله في كل مرة يراها، قائلة له:
_ما احنا خلاص هنكتب الكتاب أهو هتفق مع بابا بس وتعالى أقعد معاه وهو إنشاء الله هيوافق.
_لأ ما هو كده كده هيوافق عشان لو موافقش أنا ممكن أخطفك ونهرب ونعملها دخلة وكتب كتاب بقى.
ضحكت هي بشدة على حديثه قائلة له بمزاح:
_وأنا قلتلك قبل كده انك مجنون.
قال لها وهو يشرد داخل خضراوتيها:
_بحبك.
 
                                  *******
كانت روجين تجلس بمكتبها شاردة الفكر تتذكر ما حدث معها منذ أكثر من سنة وستة أشهر، عندما تركها آدم وسافر بحجة أن يعمل بالخارج ليؤمن المال لزواجهم، وتتذكر كيف كانت تشعر بالانكسار لأنه أعلمها بهذا قبيل سفره بساعتين فقط، تتذكر جفاء مشاعره وهو يقول لها :
_بصي أنا هسافر بس هرجعلك تاني استنيني على ما أكون نفسي عشان نتجوز وأقدر أعيشك في نفس مستواكي.
وأخذت تتذكر كيف تصنعت القوة والصلابة أمامه بعد أن حاولت جعله يتراجع وهي تقول له:
_بس أنا مش فارق معايا وضعك المادي المهم ان أنت تفضل جنبي يا آدم وبعدين أنت شغال في شركات المنزلاوي يعني وضعك كويس.

تتذكر كيف كانت رائحة عطره الرجولي تمتزج مع رائحة القهوة، تتذكر حتى صوت الموسيقى فكان المقهى يضع سيمفونية الوداع الأخير وكأنه ينعيها بفقدان حبيبها، تتذكر أيضا كيف تحاملت على نفسها وعلى مشاعرها ووضعت على الطاولة خاتم خطبتهما وقطعت علاقتها به وكأنها تحاول الاحتفاظ بآخر ما تبقى من كرامة لديها، فهذا لم يكن أول موقف يلغي به شخصيتها، فهي دائما ما كانت تشعر أنه يتخذ القرارات وحيدا، وأنه يثق بحبها أكثر من اللازم لأنها كانت ساذجة ..... متهاونة معه.
هي من كانت تعتذر له دائما..... كان يخطئ وهي تسامحه قبل أن يعتذر.
تتذكر كيف بكت بحرقة وانكسار بعدما ذهب وتركها وكأن دموعها كانت تأبى السقوط أمامه، وكأن عبرات روجين الهاشمي تأبى السقوط أمام أي شخص، وها هي هنا الآن تعيش حياتها وكأن شيئا لم يكن، فهي تجاوزته وتجاوزت كل الأحلام التي لم تسكن سوى في خيالها هي.
قطع سيل الأفكار المتدفقة بداخل رأسها صوت طرقات على باب مكتبها فاستعادت قوتها الظاهرية مرة أخرى قائلة:
_اتفضل.
فتح الباب ودخل منه شاب طويل القامة عريض المنكبين يتميز بخصلات شعر سوداء كظلام الليل الحالك في فصل الشتاء، وأعين بنية وبشرة سمراء قليلا......نعم توقعاتكم صحيحة فهو نديم المنزلاوي.
هتف بصوت أجش:
_الآنسة روجين الهاشمي؟
قالت له بنبرة عملية:
_أيوه مين حضرتك؟
_أنا نديم المنزلاوي، كنت حابب أتكلم مع حضرتك في موضوع مهم بس ياريت في مكان برا الشركة. 
أردفت هي بجمود:
_أقدر أعرف إيه هو الموضوع ده وليه مينفعش نتكلم فيه هنا؟
_الموضوع يخص والد حضرتك وأكيد مش هتكلم معاكي في مواضيع تخص حياتنا الشخصية في الشركة ومكان شغلك ولا إيه؟
كانت سترفض الحديث معه ولكنه عندما ذكر والدها بالأمر تحرك الفضول بداخلها، فقالت له بعد لحظات قليلة من التفكير:
_طيب تقدر تديني عشر دقايق وبعدين نروح أي كافي نتكلم فيه.
_آه أكيد براحتك.
أخذ ينظر إليها وهي تذهب إلى أن اختفت من أمامه ولكنه لم ينجذب إلى جمالها، لكن عينيها هي التي جذبته إليها فهو شعر أن عينيها بها الكثير من المعاني، بها شيء يجذب من ينظر إليها وكأنها تسحر الناظرين، فأخذ يتذكر عينيها الخضراوتين التي ما إن نظر إليهما حتي شعر أنه يقف في وسط الغابة ذات الألوان الصافية، كم تشبه نبات الميرمية في نقاء لونه الأخضر، ولكن لماذا عيناها فقط هي ما تجذبه إليها؟!
فهي كانت جميلة المظهر وشعرها البني المموج قليلا يعطي لها مظهرا رائعا وبشرتها البيضاء وجسدها المتناسق، كل هذا يظهرها رائعة الجمال في نظر أي رجل، لكنه لم ينجذب إلى أي شيء من هذا فهو رأى الكثير من الفتيات الجميلات والحسناوات المظهر ولكنه لم ير عيونا بمثل هذا الجمال من قبل، وفجأة عادت هي إلى مكتبها قاطعة سيل هذه الأفكار المتدفقة التي تدور في رأسه قائلة بهدوء:
_نقدر نروح مكان نتكلم فيه اتفضل.
 
                                   ******
في مكان مقفر وخال من الناس كان يقف رجل صوته غليظ ويتحدث بحدة مع آدم الشرقاوي. 
_أنا قلتلك مينفعش تظهر في حياتها دلوقتي وأنا هعرفك الوقت المناسب عشان كده هنبوظ كل حاجة.
_بس أنا مش لعبة في إيدك عشان أنت تؤمرني وأنا أنفذ من غير ما أعارضك. 
فقال له بنبرة استعلاء يظهر فيها كم هو يحتقره:
_لأ أنت لعبة في أإدي وأنت عارف ده كويس أوى أنا ممكن دلوقتي أفعصك تحت رجلي ومحدش هيسأل فيك اوعى تنسى إن أنا اللي شغلتك وأن انا اللي عملتك، أنا اللي عملت آدم الشرقاوي ومن غيري كان زمانك لسه شغال في شركات المنزلاوي حتة موظف ملوش لازمة اوعى تنسي نفسك وأنت بتكلمني. 
ذهب وتركه لكي يركب سيارته قائلا له:
_ومتظهرش لحد ما أقولك فاهم ولا لأ؟
بعد ما ذهب أخذ ينظر آدم لسيارته وهي تبتعد بنظرات حقد وكره وقال بصوت منخفض:
_مش آدم الشرقاوي اللي يتقاله كده ويبقى لعبة في إيد حد وأنا عارف هتصرف ازاي.
 
                                     ******
في مقر شركات المنزلاوي يجلس يزيد ووِقَّاص في غرفة المكتب الرئيسية وعلامات الوجوم تظهر على وجه كل منهما.
بدأ وقاص حديثه قائلا بضيق:
_المستثمر مش راضي يقابل حد أو يتكلم مع حد غير إياد وأنا مش عارف أقول إزاي لنديم.
أردف يزيد بعد تفكير دام أقل من دقيقة:
_أنا بقول احنا منقولش حاجة أصلا ونسيبه لما يقعد مع المستثمر ويقوله هو أسهل.
_لأ طبعا احنا كده هنبقي بنحطه قدام الأمر الواقع وهو ممكن يلغي الشغل كله.
_طب هنعمل إيه يعني ما أنت عارف ان أخوك مبيطقش يسمع اسم نديم ونديم مبيطقش يسمع اسم أخوك.
هتف وِقَّاص برجاء قائلا:
_طب ما تقوله أنت بقي عشان أنا هبقى عريس قريب وكده يعني فهحتاج حياتى.
قال له يزيد باستنكار:

_خلاص هقوله يا عريس يلا اشتغل بقى وأنا هروح أكمل شغلي.
نهض يزيد ذاهبا إلى مكتبه وجلس على كرسيه الجلدي الأسود وهو ينظر إلى صورة نورهان الموضوعة بإطار فوق سطح مكتبه..... أخذ ينظر إليها وكأنها يراها أمامه.... ينظر لها نفس النظرة التي كان ينظرها إليها وهي أمامه، ثم أخذ يتحدث مع الصورة وهو يتحسسها بأنامل مرتعشة وكأنه يشعر بملمس شعرها الحريري ووجهها تحت يديه:
_أنا عارف انك سمعاني ومتأكد انك حاسة بيا، شفتي حصل إيه النهاردة مش وِقَّاص أخيرا هيتجوز عقبال يوسف لما يتلحلح هو كمان ويتجوز ناردين......و....
حاول استجماع كلماته ليكمل حديثه ولكنه لم يستطع ابتلاع تلك الغصة بحلقه وأخذ ينظر إلى الصورة لبعض الوقت وقد امتلأت عيناه بالدموع، ثم نهض من على كرسيه قائلا:
_أنتي وحشتيني أوي أنا هجيلك دلوقتي وأحكيلك كل حاجة وأبقى جنبك.
نزل السلم مسرعا وركب سيارته وبعد وقت قليل وصل إلى المقابر المدفونة بها نورهان ووقف أمام قبرها وهو يتصنع الابتسامة قائلا لها:
_أنا جتلك زي ما وعدتك أهو ومنستكيش.....أنتي عارفة ان زياد دخل حقوق زي ما كان دايما يقولك ان هو نفسه يدخلها وبقى في سنة رابعة كمان..... أنا عارف اني قلتلك قبل كده بس حبيت أقولك تاني، ووِقَّاص اخيرا هيتجوز مش عارف صبا ازاي وقعته عشان ياخد قرار زي ده و........
فجأة أجهش بالبكاء كالطفل الصغير فهو لم يعد قادرا على تصنع السعادة والابتسام يكفي أنه يتصنع السعادة والاستمتاع بالحياة أمام الآخرين....يتصنع النسيان أيضا، فعلى الاقل لن يتصنع الصلابة والقوة أمام نصفه الآخر.... أمام موطنه ومسكنه، لن يتصنع أمام حبيبته، فأخذ يقول لها من بين شهقاته:
_أنتي عارفة ان أنتي وحشتيني أوي أنا مش قادر أنساكي زي ما بيطلبوا مني.....أصل هما مش فاهمين.....مش فاهمين ان أنا لو نسيتك هموت يا نورهان أنتي كنتي حياتي ومفيش حد بينسى حياته..... أنتي وحشتيني أوي، وحشتني ضحكتك اللي لما بتضحكيها بحس ان الشمس طلعت وحياتي نورت، وحشتني عنيكي اللي كانت زي السما كنت لما ببصلها بحس اني طاير فوق في السما وبنسى كل حاجة حواليا أنتي كلك وحشتيني أوي ........ 
صمت قليلا في محاولة منه لاستعادة رباطة جأشه ثم هتف:
_بصي أنا همشي دلوقتي وهروح أشوف عمتو زي كل يوم زي ما وعدتك بس هجيلك تاني وعمري ما هنساكي.
وضع زهرة باللون البنفسجي فوق التراب الذي يغطيها وكأنه يقدم لها حبه وعشقه في هذه الزهرة، وكأنه يخبرها أنه لم ينساها ولن ينسها لأنه وببساطة عشقها بجميع جوارحه.
 
                                *********
وصل نديم وروجين إلى المطعم ثم جلسا قبالة بعضهما، فبدأ نديم حديثه والهدوء يطغى على صوته:
_أنا عارف أن اللي أنا هقوله ده صعب بس أنا عايزك تسمعيني للآخر وبعدين تقولي رأيك وتقرري أنتي هتساعديني ولا لأ..... تمام؟
قالت له بنفاذ صبر:
_تمام بس ياريت حضرتك تتكلم على طول من غير مقدمات.
حاول هو إخفاء نظرة الاستنكار بعينيه ثم بدأ حديثه قائلا:
_والدي ووالدتي اتوفوا في حادثة وأنا عندي 15 سنة وغالبا ماتوا في حادثة مدبرة، في حد لعب في فرامل العربية والحد ده احتمال كبير يبقي والدك و....
قاطعت حديثه سريعا بنبرة حادة لم تعهد استخدامها كثيرا:
_أنا مسمحلكش تتهم بابا بحاجة زي دي، أنا ابويا مش قاتل عشان يعمل كده.
حاولت النهوض مسرعة فأمسك يدها وجذبها قائلا لها بجمود:
_ممكن تقعدي وتسمعيني للآخر لو سمحتي عشان نعرف مين اللي عمل كده بجد.
فجلست على مضض تاركة له المجال ليكمل حديثه، فاستطرد هو قائلا:
_من وقت ما اتوفوا وأنا عمي هو اللي كان بيهتم بيا وأنا كنت عارف أن هما ماتوا في حادثة مدبرة فعشان كده أنا طلعت ظابط في المخابرات عشان أعرف مين اللي ورا الموضوع ده وعمي قالي أن السبب في موتهم والدك عشان كانوا هما التلاتة شركا مع بعض في شركة صغيرة، و تعرض في يوم على والدك أن هو يشغل الشركة في غسيل الأموال ولما والدي وعمي موافقوش وفسخ والدي الشراكة معاه واتخانقوا فوالدك لعب في فرامل العربية والعربية اتقلبت بيهم.
قاطعت حديثه قائلة في حدة مرة أخرى:
_هو أنت عبيط يا ابني ولا إيه أنت جايبني هنا عشان تقولي أن أبويا قاتل وشغال شغل مش مظبوط، متوقع مني بقى أن أنا هصدقك عادي يعني؟ ليه ملاك بجناحين قاعد قدامي، وبعدين عايز مني إيه أصلا؟
قال لها بنبرة جاهد لخروجها هادئة:
_ممكن تهدي وتسمعيني للآخر.
_اتفضل.
_أنا أولا مش مصدق أن والدك عمل كده ولا أن هو معملش كده، أنا عايز أكشف الشخص اللي كان سبب في موت أهلي مش أكتر ومش بتهم والدك بحاجة.
تأفف بضيق مكملا حديثه:
_بصي أنا مضطر أحكيلك وأثق فيكي وأتمنى تساعديني أنا مبثقش في أي حد حتى عمي، أنا مش مصدق كلامه ولا واثق فيه فأنا كنت عاوزك تساعديني ونتجوز جواز صوري و.....

سقطت عليها هذه الكلمة كالصاعقة فنظرت له باستنكار وتعجب ولكنها تركته ليكمل حديثه.
_عشان عمي ميعرفش أن أنا مش مصدقه وكمان عشان أبقى قريب من والدك وأقدر أعرف مين السبب في ده بجد.
ما إن أنهى حديثه حتى أخذت هي تصفق له بيديها باستنكار قائلة:
_لأ بصراحة سيناريو رائع أنت أهبل هو إيه اللي أنت بتقوله ده؟ أنت عايزني أتجوزك عشان تضر بابا.
هتف هو بصرامة محذرا:
_ياريت تلزمي حدودك في الكلام ومتختبريش صبري أكتر من كده أنا عديتهالك أول مرة مش هعديها تاني وممكن ترفضي بأدب عادي. 
ثم استطرد بنبرة مستفزة بعض الشئ:
_وبعدين طالما أنتي واثقة من براءة أبوكي كده خايفة تساعديني ليه؟ مين قال أن أنا هضره؟ أنا مش هضره أنا عايز أعرف المذنب، و لما أعرفه هرجع أفتح القضية تاني وأسلمه للعدالة.
صمت لعدة لحظات وهو يتابع تعبيرات وجهها ونظرات عينيها ثم نهض قائلا:
_عموما ده الكارت بتاعي فكري وبعدين كلميني.
وضع لها الكارت الذي يحوي رقم هاتفه وعنوان الشركة على الطاولة ونهض بجمود تاركا خلفه مئات الأفكار التي تدور في رأسها.
                                  *******
 
وصل يزيد إلى مصحة الأمراض النفسية ودخل إلى غرفة ليلي المنزلاوي، كان يظهر على وجهها آثار الحزن والإرهاق ولكن بالرغم من كل هذا تظهر بعض ملامحها الجميلة التي أخفاها الزمن بغطاء من الحزن، تجلس على الكرسي لا تتحرك ولا تتكلم فهي لا تستجيب إلى أي علاج منذ أن توفيت ابنتها نورهان.
ذهب يزيد وجلس بجانبها أرضا وهو يمسك يدها برفق واضعا رأسه على قدمها مثل الطفل الصغير الذي يذهب ليرتمي بين أحضان والدته لتحتويه وتسمع شكواه قائلا لها:
_أنتي عارفة أن أنا رحت لنورهان النهاردة وحكتلها كل حاجة حصلت معانا وقلتلها انها وحشتني أوى ......عمتو أنا مش قادر أكمل حياتي من غيرها حتى أنتي مقدرتش أعالجك وأخليكي تبقي كويسة....عمتو لو بتحبيها بجد استجيبي للعلاج هي أكيد بتتعذب عشانك.... طب عشان ناردين أنتي متعرفيش أن هي بتعيط كل يوم قبل ما تنام أنتي كنتي بالنسبة ليها أم، هي خسرت أختها ومامتها مرة واحدة في نفس اليوم، هي بتحاول تبان قوية بس هي ضعيفة ومكسورة من غيرك. 
وكريم...... كريم مبقاش يرجع البيت تقريبا وحاولنا معاه كتير بس هو مبيسمعش لحد، أنا خايف يكون بيعمل حاجة غلط.
ارجعيلنا بقى عشان العيلة دي ترجع تاني إيد واحدة ونرجع نتلم كلنا.
كان يتابع وجهها بتركيز لعله يجد محاولة أو مبادرة منها لتغير تعبيرات وجهها الجامدة وكأنه يحاول التشبث بآخر خيط من الأمل ولكنه لم يجد أي استجابة منها، فنهض وقبل يدها ورأسها وذهب إلى الخارج فهو لا يريد إظهار ضعفه وحزنه أكثر من ذلك كي لا تسوء حالتها.
 
                                     *****
عاد نديم إلى المنزل فوجد الجميع يجلسون مع بعضهم ويتبادلون الضحكات، وكانت ناردين تجعل وِقَّاص يجلس في المنتصف بينها وبين يوسف وهي تقول موجهة حديثها إلى يوسف:
_بقولك إيه بقى ملكش دعوة بيا كفاية اللي طلعت بتعمله في الناس أنا بدأت أخاف على نفسي. 
فأردف يوسف بنفاذ صبر:
_هو أنتي ليه محسساني أن أنا بقتلهم يا بنتي. 
قال زياد بدوره وهو يساند ناردين في موقفها:
_ما هي معاها حق يا جو يعني أنت تقعد تقطع في البني آدمين وبعدين عايزها تعاملك عادي كده.
انضم نديم إليهم وهو يقول ليوسف باستنكار:
_لأ صحيح ملكش حق أنت عايز تقطع في البني آدمين عادي كده.
فنفذ صبر يوسف هاتفا بضيق:
_في إيه يا جدعان هو أنتو محسسني أن أنتو أول مرة تعرفوا اني جراح كنتوا فاكرني متخرج من زراعة يعني وقاعد أسقي الجنينة ولا بزرع ورد في أعضاء المرضى.
انفجروا جميعهم ضاحكين فور أن أنهى جملته وهتف وِقَّاص بسخرية:
_كل مرة يعملوا عليك نفس النمرة دي وبيضحك عليك في الآخر.
وبينما هم يمزحون عاد يزيد من الخارج ووقف يشاهد هذه العائلة..... الجميع يمثلون على بعضهم ويتصنعون الفرح والسعادة في محاولة لكل منهم بإقناع نفسه أنه سعيد بينما هو حتى لا يقدر على تمثيل السعادة، فهو أصبح عاجزا حتى عن التصنع.
فصعد إلى غرفته منسحبا في صمت وقبل صعوده رآه نديم فقال لهم بضيق:
_احنا لازم نشوف حل عشان يزيد مينفعش نسيبه كده، هو على الوضع ده بقاله 3 سنين.
فأردف يوسف بيأس:
_يمكن ده الأحسن عشانه يمكن وهو مع ذكريات نورهان كده عايش مبسوط ويمكن لو خدنا الحاجة الوحيدة اللي بيحبها منه ميبقاش عنده سبب عشان يعيش.
هتف وِقَّاص في محاولة لتغيير مجرى الحديث:
_نديم كان في موضوع مهم عايزك فيه.
سأله نديم قائلا:
_في إيه يا وِقَّاص ؟
بدأ حديثه بتردد:
_هو يزيد كان هيقولك بس أنت شايف وضعه هو بصراحة ......المستثمر الألماني عايز يلغي الشغل.

_ليه يعني حصل حاجة؟
_هو مش حابب يتعامل مع حد غير إياد.
فور أن سمع نديم اسمه حتى علت ملامح الضيق وجهه فهتف قائلا:
_أنا هتكلم مع المستثمر بكرا ولو حكمت هلغي الشغل معاه.
_بس يا نديم....
قاطع نديم حديثه بجمود قائلا:
_الكلام انتهى في الموضوع ده وياريت اللي عنده حاجة يقولها يحتفظ بيها لنفسه.
 
                                    *****
جلست روجين تفكر في ما تفوه به نديم "طالما أنتي واثقة من براءة أبوكي كده خايفة تساعديني ليه" وأخذت تحدث نفسها قائلة:
_أيوه يعني أنا خايفة من إيه أنا متأكدة أن بابا برئ ومعملش حاجة وأنا ممكن أقبل عشان أثبت براءته بس وبعدين هو قال جواز صوري يعني أكيد مش هيبقى لينا دعوة ببعض أصلا. 
نزلت عند والدها قائلة له بتردد:
_بابا عايزة أسألك على حاجة.
_أكيد يا حبيبتي اسألي.
_هو أنت تعرف واحد اسمه إسماعيل المنزلاوي.
أجابها متأثرا بعدما تذكر صديقه:
_ياه ده كان صديقي من زمان أوي كان وقتها عندك 10 سنين تقريبا وكنا متشاركين في شغل أنا وهو وأخوه لغاية ما حصل مشكلة وفسخنا الشراكة وهو بعدها ربنا رحمه..... بس أنتي إيه اللي عرفك بيه؟
قالت بعد تفكير دام للحظات قصيرة:
_أصل أنا النهاردة قابلت ابنه نديم المنزلاوي وقالي أن هو يعرفك وطلب رقم حضرتك عشان ييجي يتقدملي.
بعد وقت قليل كانت قد أنهت حديثها مع والدها وذهبت إلى غرفتها وأخيرا حسمت قرارها.
أمسكت هاتفها واتصلت بنديم وما هي إلا بضع ثوان قليلة واستمعت إلى صوته قائلا بهدوء:
_إيه لحقتي تقرري بسرعة كده؟
أردفت هي بجمود وكأنها لم تتفاجأ بمعرفته لها:
_أنا موافقة.
_متأكدة أن أنتي قد اللعبة دي؟
_روجين الهاشمي مبتدخلش نفسها في حاجة هي مش قدها.
_متنتظريش ان أنا أثق فيكي في يوم من الأيام لأن نديم المنزلاوي مبيثقش في حد أبدا.
__________________________________________
#روان_سلامة

يتبع الفصل التالي اضغط هنا
الفهرس يحتوي على جميع فصول الرواية "رواية شمس الحياة"اضغط على اسم الرواية



reaction:

تعليقات