القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية شمس الحياة الفصل السادس والعشرون 26 بقلم روان سلامة

 رواية شمس الحياة الفصل السادس والعشرون 26 بقلم روان سلامة

رواية شمس الحياة الفصل السادس والعشرون 26 بقلم روان سلامة

              تطيرين مثل الفراشة بين الدفاتر والإصبعين...
                  فكيف أقاتل خمسين عاما على جبهتين؟.
                               وكيف أجامل غيرك؟
                                 كيف أجالس غيرك؟
                  كيف؟ وأنت مسافرة بين عروق اليدين....
                     وبين الجميلات من كل جنس ولون..
            وبين جميع الوجوه التي أقنعتني وما أقنعتني...
            وما بين جرح أفتش عنه وجرح يفتش عني...
                           أفكر في عصرك الذهبي...
             وعصر المانوليا..عصر الشموع...عصر البخور
               وأحلم بعصرك الذي كان أجمل كل العصور..

كان كريم يمسك بالمخدرات والرسالة بيده، ثم فتح باب غرفته وخرج مسرعا وألقاهم أمام الطبيب المسؤول عن حالته قائلا بغضب:
_هي دي أهم مصحة في مصر يا دكتور لأ برافو بجد عندكم حراس وممرضين مفيش زيهم في مكان تاني.
عاد مرة أخرى إلى غرفته وهو يشعر بصداع في رأسه وآلام تفتك بجسده، فهو يحتاج إلى المخدرات بشدة ثم بدأ جسده يرتعش وأمسك رأسه بقوة وهو يضغط عليه ليخفف من آلامه.

                               *********

كان يوسف يقف أمام قبر والدته وخيبة الأمل تعلو وجهه، كان يشعر من داخله بالضعف والانكسار فهو لم يستطع البقاء مع من يحب، بدأ حديثه مع والدته والدموع تملأ عينيه قائلا:
_ماما ياريتك لسه جنبي كنت سألتك وعرفتيني إيه هو الصح...أنا مقدرتش أكمل حياتي معاها كأن مفيش حاجة حصلت خفت...خفت بعد فترة تبدأ تلومني وتبعد عني، خفت لما تبص في عيني تشوفني ابن قاتل عيلتها.... خفت تبطل تشوفني يوسف اللي بيحبها بجد، أنا بعدت عشان تفضل فكراني زي ما أنا وتفضل صورتي قدامها زي ما هي...خفت يأذيها تاني، أنا كنت بموت في كل لحظة هي تعبانة فيها، كنت بموت وأنا شايفها نايمة قدامي في أوضة العمليات...أنا بحبها وعمري ما هنساها.

                                 ********

أعادت ناردين قراءة الخطاب أكثر من مرة ودموعها تنهمر على خديها ثم نهضت وهي تبحث عنه بجنون داخل الغرفة، ولكنها لم تجده ولم تجد ملابسه أيضا فخرجت من الغرفة مسرعة متناسية آلامها وطرقت باب غرفة يزيد عدة مرات، فنهض هو مسرعا وفتح الباب ولكنه فزع من هيئتها الباكية وهي تقف أمامه، ثم سألته بوهن:
_يزيد يوسف فين؟ عشان خاطري قول.
أسندها وأجلسها على الكرسي قائلا:
_حصل إيه يا ناردين؟ اهدي الأول عشان الجرح.
أعطاها كوبا من الماء لعله يهدئ من روعها، ولكنها دفعته بعيدا عنها قائلة بانهيار:
_يزيد يوسف راح فين؟.
أجابها بصدق:
_يا ناردين معرفش والله هو حصل إيه أصلا مش هو كان معاكي؟!
مدت له يدها بالخطاب بأنامل مرتعشة وهي تبكي، بعد عدة لحظات كان هو قد أنهى قراءة الخطاب، أردف بحزن على وضع أخيه:
_أنا مش عارف هو فين أنا مكنتش أعرف أن هو بيفكر يعمل كده.
أردفت برجاء:
_يزيد عشان خاطري كلمه اعرف هو فين والنبي.
_حاضر يا ناردين اهدي بس وأنا هكلمه والله.
استيقظ الجميع بفزع بسبب أصواتهم العالية وبسبب طرقاتها على الباب بقوة فذهب الجميع باتجاه غرفة يزيد، حينما رآها نديم بهذا الوضع انتابه شعور بالقلق فاقترب منها بهدوء جالسا على ركبتيه قائلا وهو يمسح دمعاتها بحنان:
_ناردين حصل إيه يا حبيبتي بتعيطي ليه؟. 
احتضنته هي بشدة وكأنها تلقي ما بجعبتها من آلام بين أحضانه، قائلة بصوت متحشرج:
_نديم يوسف مشي...يوسف مشي وسابني.
أردف متسائلا وهو يمسد فوق ظهرها:
_ازاي يا ناردين اهدي واحكيلي حصل إيه اتخانقتوا طيب؟. 
أجابته وهي تعطيه الخطاب بأيد مرتعشة:
_نديم عشان خاطري اعرف مكانه أنا مش هقدر أعيش من غيره.
حاول الجميع الاتصال به ولكنهم لم يستطيعوا الوصول إليه فهو قد أغلق هاتفه. 
كانت تجلس ناردين في حديقة المنزل وهي تبكي وتجلس روجين بجانبها تحاول تهدئتها قائلة لها:
_متقلقيش يوسف هيرجع هو بيحبك بجد.
أردفت هي بضعف:
_لأ يا روجين يوسف مش هيرجع تاني هو خايف أبطل أحبه وأبعد عنه، بس أنا مش هعمل كده يا روجين، يوسف ده أهم واحد في حياتي كلها.
احتضنتها روجين بحزن وهي تحاول مواساتها وبعد قليل من الوقت نهضت ناردين مسرعة وهي تدخل إلى المنزل بخطى متعجلة ثم قالت لنديم برجاء:
_نديم أنا عايزة أروح المستشفى بتاعة يوسف.
قال لها إياد بهدوء:
_إحنا اتصلنا سألنا عليه وقالوا أن هو واخد اجازة ومراحش النهاردة.
هتفت بإصرار:
_أنا هروح المستشفى لو مفيش حد يوصلني أنا هروح لوحدي.
اقترب منها نديم وهو يمسح على ظهرها بحنان قائلا: حاضر هوديكي بس ممكن....
قطع جملته عندما شعر بسائل لزج على يديه فنظر إليها فوجد دماء ناردين، قال لها وهو يتوجه نحو سيارته بقلق:

_ناردين الجرح اتفتح إحنا لازم نروح المستشفى بسرعة.
أركبها بالسيارة وتبعته روجين مسرعة قائلة وهي تركب بالسيارة:
_أنا هاجي معاك.
انطلق نديم بطريقه ليتجه نحو المشفى وشعوره بالقلق على شقيقته يتسلل إلى قلبه. 
قالت له ناردين بوهن:
_نديم وديني مستشفى يوسف.
أردف هو بحنو ممتزج ببعض القلق:
_حاضر يا ناردين بس ممكن تهدي عشان الجرح.

                                  *******

كان يزيد يجلس مع إياد ووِقَّاص وزياد بالحديقة وهم يفكرون في جميع الأماكن التي يمكن ليوسف التواجد بها.
قال يزيد بحنق:
_أنا مش فاهم إيه اللي هو بيعمله ده، ده اسمه غباء.
أردف إياد بهدوء:
_يزيد اللي هو بيعمله ده مش غباء، يوسف بيتهم نفسه وخايف ناردين تبعد عنه بسبب اللي هي عرفته، هو ادى ردة فعل طبيعية لأي إنسان خايف يخسر حب الشخص اللي هو بيحبه.
هتف يزيد بضيق:
_لأ يا إياد هو اتصرف غلط تقدر تقولي مين فينا ضامن عمره، هو يضمن هو هيفضل عايش قد إيه أو ناردين، هو يعرف هي ممكن تتصرف إزاي، ناردين لو حصلها حاجة يوسف هيلوم نفسه طول حياته.
قال وِقَّاص بتفهم:
_يزيد أنت صح بس كل واحد ليه ردة فعل مختلفة.
أردف يزيد بأسى:
_هو اختار الهروب والهروب عمره ما كان حل...لو كان حل كنت أنا مشيت لما عرفت بس أنا فضلت هنا عشانه، عشان مسيبهوش لوحده.
أردف إياد مهدئا:
_هنلاقيه يا يزيد وهنفهمه وهو هيرجع لناردين تاني هو مش هيقدر يفضل بعيد عنها أكتر من كده.

                                 ******

_يعني إيه رماها أنا مش قلتلك المخدرات ياخدها بأي طريقة.
هتف بها فاروق المنزلاوي وهو في قمة غضبه.
أجابه آدم قائلا:
_يا باشا المخدرات وصلت لحد باب الأوضة وهو رماها في وش الدكتور أنا مالي.
_آدم أنت شكلك هتبوظلي كل شغلي وأنا لو حكمت أقتلك هعمل كده، أنا مضيعتش كل السنين دي عشان أخسر في الآخر.
_أنا نفذت الأوامر اللي أنت قلت عليها و...
أغلق فاروق الهاتف دون سماع بقية حديثه وهو يفكر في حياته القادمة وفي أبنائه الذين فعل كل هذا لأجلهم.

                                  *******

كان يتحدث سليمان المنزلاوي على هاتفه قائلا بهدوء:
_أنا عايز أعرف مكان يوسف تتصرف وتلاقيه وتعرف كمان في أسرع وقت مين بعت الرسالة دي.
أجابه الشاب بتهذيب:
_يا فندم أنا قدرت أوصل لاسمها من الراجل اللي وصل الجواب اسمها صباح وهعرف عنوانها في أقرب فرصة، وهحاول أعرف مكان الدكتور يوسف لو فتح تليفونه.
_لو وصلت لأي جديد كلمني.
_حاضر يا فندم.
أغلق سليمان الهاتف ثم تنهد بقوة وكأنه يخرج كل الآلام التي بجعبته قائلا لنفسه:
_أنا مش هخسر يوسف ويزيد، مش هسيبهم يضيعوا مني زي ما فاروق ضاع.

                                    ********

أوقف نديم السيارة أمام المشفى ونزل منها وهو يسند ناردين، بينما كانت هي تبحث بعينيها عن يوسف لعلها تلمح طيفه فيرتوي فؤادها من العشق، حين وصلت إلى الغرفة ووجدت أسيل بانتظارها ومعها بعض من أدوات التعقيم، فروجين اتصلت بها وأعلمتها بالوضع.
بدأت أسيل بتعقيم الجرح وكان نديم ينتظر بالخارج فقالت ناردين متسائلة:
_أسيل أنا عايزة أسألك على حاجة وعشان خاطري لو تعرفي قوليلي.
سألتها أسيل بقلق:
_في إيه يا ناردين؟.
أردفت برجاء:
_متعرفيش يوسف فين؟ لو تعرفي عرفيني يا أسيل عشان خاطري.
أجابتها برفق:
_مش عارفة هو جه النهاردة الصبح خد أجازة لمدة 3 شهور وأنا افتكرته خدها عشان يكون جنبك حتى هزرت معاه وقلتله الأجازة طويلة بس هو مقالش أي حاجة.
أردفت ناردين بخيبة:
_أسيل ممكن لو جه أو عرفتي أي حاجة تقوليلي.
أجابتها بابتسامة:
_حاضر هبقى أعرفك متقلقيش.
بعد بضع دقائق كانت قد انتهت أسيل وخرجت إلى الخارج وتعلو وجهها ابتسامة صغيرة قائلة:
_الجرح كويس ياريت متتحركش كتير عشان ميفتحش تاني.
أردف نديم بامتنان:
_تمام شكرا جدا يا دكتورة أسيل.
أردفت هي ببسمة:
_العفو ده شغلي أنا معملتش حاجة.
_والله لأ أنا كده أجبلكم اتنين لمون وأمشي بقى.
هتفت بها روجين بحنق.
قال لها نديم بتهكم:
_روجين دي صاحبتك على فكرة وبعدين أنا مبخونكيش معاها ده أنا بشكرها.
أردفت روجين بتحذير:
_نديم أنت عارف لو نطقت كلمة خيانة دي تاني أنا هعمل فيك إيه أنت حر بقى.
أكملت موجهة حديثها إلى أسيل:
_وأنتي يا هانم روحي يلا اجهزي عشان هتيجي معايا البيت مش عايزين نسيب ناردين لوحدها اليومين دول وهكلم صبا ونور عشان نحاول نشغلها.
قالت أسيل بمزاح:
_أوامرك يا ريس.
ذهبت نحو مكتبها، بينما قبل نديم جبين روجين بحنو قائلا:
_ربنا يخليكي ليا وميحرمنيش منك أبدا.
قالت له بمزاح:
_لأ تقليدية دي أنا عايزة حاجات جديدة.
أردف ببسمة:

_إنتي شكلك اتعودتي بقى.
أومأت برأسها بابتسامة، خرجت ناردين إليهما قائلة بإنهاك:
_أنا عايزة أروح، مش يلا ولا إيه؟
قال نديم برفق وهو يسندها:
_يلا هننزل تحت خمس دقايق بس وأسيل هتيجي وبعدين نروح.
أركبها نديم في السيارة برفق وكانت هي ما تزال ممسكة بخطاب يوسف بيدها وتعيد قراءته للمرة العاشرة تقريبا، وبعد عدة دقائق نزلت أسيل اليهم وركبت السيارة بجانب ناردين وانطلقوا في طريقهم إلى المنزل.

                                    *******

بعدما عادوا إلى المنزل كان يجلس نديم مع سليمان بغرفة المكتب.
قال له سليمان:
_نديم في موضوع مهم عايز أكلمك فيه.
أشار له الآخر أن يلتزم الصمت قليلا، ثم أخذ هو يدور بالمكتب وهو يبحث عن شيء ما، ثم ألقى نظرة أسفل طاولة المكتب وأخذ يتحسسها من الأسفل بيده إلى أن وجد جهاز تنصت صغير الحجم، فقربه من جده وكتب له على ورقة "ده جهاز تنصت وعمي بيسمع كل حاجة إحنا بنقولها كلمني في أي حاجة وابقى قولي الموضوع في الجنينة" أومأ سليمان برأسه ثم قال له:
_إحنا لازم نعرف مكان يوسف مينفعش نفضل ساكتين على الوضع ده.
أجابه نديم قائلا:
_متقلقش هنعرف مكانه قريب....أنا هروح أطمن على ناردين بعد إذنك.
خرج وأغلق الباب خلفه وبعد عدة دقائق نهض سليمان ممسكا شيئا ما بيده واتجه نحو الحديقة فوجد نديم بانتظاره هناك، جلس بجواره قائلا:
_عرفت منين أن هو حاطت جهاز تنصت؟. 
أجابه نديم بثقة:
_أنت نسيت أن أنا كنت شغال في المخابرات ولا إيه يعني دي أول حاجة بفحصها لما بدخل أي مكان.
ابتسم له سليمان بفخر متسائلا:
_طب وتعرف منين أن هو مش حاطت في الجنينة؟.
_لأن كل الكلام المهم بيتقال في المكتب وهو مش هيستفيد حاجة لو حط هنا.
أكمل ساخرا:
_هيقعد يسمعنا وإحنا بنتكلم عن البنات يعني.
نظر له سليمان بصدمة فقال نديم مسرعا:
_لأ متفهمنيش غلط يعني إحنا كل واحد بيتكلم عن خطيبته أو مراته بس وممكن شوية مشاكل تافهة.
ضحك سليمان عليه ثم مد يده بالخطاب قائلا:
_اقرا ده.
أخذه نديم من يده وبعد ما انتهى من قراءته قال بشرود:
_ده نفس الخط.
سأله سليمان باستغراب:
_خط إيه؟!. 
_أنا جالي من فترة جواب شبه ده بس مش مكتوب فيه اسم عمي وده نفس الخط.
_ومعرفتش مين بعته؟.
_لأ بصراحة أنا نسيت الموضوع لأن حصل مشاكل كتير.
أردف سليمان بعد لحظات قصيرة:
_اللي بعته واحدة اسمها صباح وهعرف عنوانها بعد كام يوم.
سأله نديم بتفكير:
_يعني أنت عرفت كل حاجة بسبب الجواب ده؟.
_آه وعايز أعرف كنت تعرف أنت وإياد منين وامتى.
قص عليه نديم كل ما حدث بينهم وبين آدم. 
سأله سليمان:
_وأنت معرفتناش ليه كل حاجة من الأول؟.
_كنت عايز أمسك عليه أدلة.
سأله سليمان بغموض لم يفهم هو سببه:
_وكنت هتحبسه بيها صح؟.
أجابه نديم بانزعاج:
_هو مش ده الطبيعي ولا إيه؟.
أعاد سليمان سؤاله قائلا:
_أنا سألتك جاوب كنت هتحبسه بيها؟.
_آه عشان مكنتش هستحمل أشوف قاتل أبويا وأمي وهو عايش حياته عادي من غير ما يتحاسب.
أردف سليمان بنبرة لم يفهم غايته منها:
_تعرف أن يوسف لما مشي كان معاه حق.
ذهب بهدوء وتركه يجلس وحيدا مع دوامة أفكاره.

                                   *******

كانت ناردين تجلس مع بقية الفتيات في الشرفة ولكن عقلها كان يفكر في يوسف فقط وكانت ماتزال ممسكة بالخطاب الذي تركه لها بيدها ومعه الوردة البيضاء.
قالت روجين محاولة إيجاد موضوع للتحدث:
_نارفين إنتي في كلية إيه؟
أجابتها نارفين ببسمة:
_في إعلام.
قالت روجين موجهة حديثها لناردين:
_كلية حلوة صح يا ناردين وأهو يبقى عندنا مذيعة في العيلة وبتطلع في التليفزيون.
هتفت أسيل بمزاح:
بقولك إيه أنا هطلع معاكي أول حلقة في البرنامج وتقدميني بقى وإنتي بتقولي الجراحة العظيمة الدكتورة التي لم تنجب البشرية مثلها من قبل، حاجات كده يعني.
ضحك الجميع عليها باستثناء ناردين فهي لا تستمع إلى حديثهن، بل تعيد جميع مواقفها مع يوسف بداخل رأسها مرة أخرى.
قالت صبا بخبث:
_يا جماعة الأخبار الجديدة عند نور...هتقولي ولا أقول.
أردفت نور بخجل:
_بطلي غلاسة بقى.
هتفت روجين موجهة حديثها إلى ناردين:
_ناردين دول عشان أخوات هيخبوا علينا وإحنا منسمحش بده.
عندما لم تجد منها رد هزتها برفق قائلة:
_ناردين إنتي مش سامعة إحنا بنقول إيه؟.
أجابتها بصوت منهك:
_مسمعتش يا روجين معلش.
قالت صبا:
_بنقول الأخبار الجديدة عند نور هانم خليها تعرفنا بقى.
سألت ناردين:
_أخبار إيه؟.
أجابت نور بخجل:
_إياد قالي أن هو بيحبني.
هتفت روجين بصوت مرتفع:
_احلفي إياد قالك أن هو بيحبك بجد!
_آه قلتلها والله صدقيها.
هتف بها إياد من الحديقة والبسمة تعلو وجهه، فهو كان يجلس مع بقية الشباب بالأسفل وسمعوا صوت روجين المرتفع.

قالت لها نارفين:
_ده إنتي وقعتيه على الآخر.
كانت وجنتاها تشتعلان من كثرة الخجل فقالت صبا:
_بطلوا غلاسة كده مش هنلحق نجوزها.
ابتسمت ناردين بضعف قائلة:
_مبروك يا نور إن شاء الله تفضلوا مع بعض على طول.
جذبت صبا الخطاب من يد ناردين مسرعة قائلة:
_أنا عايزة أفهم بقى إيه اللي إنتي ماسكاه في إيدك من أول ما قعدنا ده.
جذبته ناردين من يدها قائلة بغضب وهي تنهض:
_حاجة متخصكيش.
أردفت روجين بأسى بعد ذهاب ناردين:
_الجواب اللي يوسف سابهولها قبل ما يمشي معلش يا صبا هي متقصدش.
قالت صبا ببسمة صغيرة:
_أنا فاهمة، شوية بس وهدخل أشوفها، خليها تهدى دلوقتي.

                                 *********

كانت تذهب أسيل لتعود إلى منزلها فرأت سيف يقف بجانب سيارته ليذهب هو الآخر، فقالت له بعفوية وبصوت مرتفع بعض الشئ:
_أهلا باشا مصر مشفتكش من ساعة الكلبشات الحمد لله.
أردف سيف بسخرية:
_أنا مش فاهم إنتي إزاي دكتورة بصراحة.
قالت بغرور:
_ومش أي دكتورة يا ابني ده أنا جراحة.
_ابنك وجراحة أومال لو مكنتش باشا مصر كنتي هتقولي إيه؟
_استغل نفوذك وسلطتك بقى و....
قاطعها قائلا:
_إيه يا بنتي إنتي ما صدقتي...إنتي مروحة؟.
أجابته باستنكار:
_آه مروحة، إيه ناوي تبعت بوكس يروحني ولا إيه؟. 
أجابها ببسمة سمجة:
_لأ يا ظريفة كنت هقولك أوصلك لو معاكيش عربيتك. بس....
قاطعت حديثه وهي تركب بالسيارة قائلة:
_لو كده ماشي ما تقول من الأول.
كان ينظر هو إليها بذهول فأخرجت رأسها من شباك السيارة قائلة:
_يلا مش هستناك كتير عشان توصلني.
ضحك على تلقائيتها وركب بجانبها ثم سألها قائلا:
_حافظة الطريق من هنا ولا هنتوه.
أردفت بغرور مصطنع:
_أنا مخي أصلا GPS سوق بس أنت وأنا هقولك.
قاد السيارة وهو يتجه إلى الاتجاهات التي تخبره بها.

                                  ******

كان إياد يجلس مع نور بالحديقة ثم نهض وأخذ وردة حمراء اللون وأعطاها لها وعيناه تمتلئ بالحب قائلا:
_نور أنا بحبك أوي.
نظرت له بسعادة وهي تأخذها منه قائلة:
_وأنا كمان بحبك....تعرف أن أنت غيرت فيا حاجات كتير أوي.
قال متسائلا:
_زي إيه؟
_إياد أنت رجعتلي ثقتي في نفسي تاني، لما بدأت أشوف نفسي بعنيك شفت حاجات أنا مكنتش عارفة انها عندي.
أردف ببسمة تسحر قلبها:
_وإنتي رجعتيلي حياتي تاني أنا معاكي رجعت أحب تاني وأضحك وأنا مبسوط بجد.
سألته نور قائلة:
_إياد أنا عايزة أسألك ليه قلتلي أن أنت بتحبني دلوقتي يعني بكل الرومانسية الحلوة دي؟. 
أجابها ساخرا:
_أصل إنتي نحس أنا لساني يوم ما نطق كنا هنموت كلنا فقلت بقى أنا لازم أعوضك وأقولها بطريقة أحسن وفي وضح أحسن.
قالت متسائلة بتهكم:
_وأنا المفروض دلوقتي أحبك ولا أتخانق معاك يعني.
أردف مداعبا:
_أنا بقول تحبيني بقى والمسامح كريم.
ضحكت هي عليه واحتضنها هو قائلا بهدوء:
_نور أنا عايز آجي أطلب إيدك من والدك.
قالت باندهاش:
_دلوقتي؟.
أجابها مصححا:
_لأ طبعا إنتي ما صدقتي ولا إيه ممكن نخليها بكرا الصبح.
ضحكت هي عليه قائلة:
_إياد أنا بتكلم بجد.
_بصي ممكن بس نستني كام يوم على ما نعرف مكان يوسف ونصلح الوضع بينه وبين ناردين وبعدين آخد معاد وآجي أطلب إيدك.
قالت بنفاذ صبر تخفي خلفه خجلها:
_إياد هو أنا مينفعش أديهالك من دلوقتي ونخلص بقى.
انفجر هو ضاحكا عليا وشردت هي بضحكاته الرجولية المحببة إليها.
قال لها وهو ينهض:
_بقولك إيه تعالي أوصلك بدل ما أخدها من دلوقتي فعلا.

                                *******

كانت روجين تنام بين أحضان نديم ثم سألته قائلة:
_نديم أنت بتفكر في إيه؟
أجابها بشرود:
_بفكر في كلام جدو، تعرفي قالي إيه؟ قالي يوسف كان معاه حق لما قرر يمشي ويسيب البيت.
_طب هو حصل إيه عشان يقولك كده؟.
أخذ يقص عليها حديثه مع جده فرفعت وجهها ونظرت له بلوم قائلة:
_بس هو عنده حق.
سألها بانزعاج:
_عنده حق في إيه يا روجين؟!.
أجابته بهدوء:
_عنده حق عشان أنت مجربتش تحط نفسك مكان يوسف وتشوف هو حاسس بإيه....يوسف مش هيقدر يقولك متبلغش عن أبويا، وحتى زعله مش قادر يظهره قدامكم عشان هو حاسس بالذنب ومش قادر يبص في عين ناردين، خايف في يوم تبعد عنه ويبقى بالنسبالها ابن قاتل أبوها وأمها بس...خايف أنت مترجعش تثق فيه زي الأول وتعرفه كل حاجة، كل دي حاجات جواه أنت مش قادر تفهمها.
_يعني أنا السبب ان هو يمشي ويسيب البيت؟. 
_لأ مش ده اللي أنا قلته بالعكس أنت ممكن تبقى السبب أن هو يرجع البيت تاني.
أردف بعد عدة لحظات من التفكير:
_هحاول أعمل اللي أقدر عليه عشان ألاقيه وأخليه يرجع البيت.
قالت ببسمة صغيرة:
_وأنا واثقة أن أنت هتقدر تعمل كده.
سألها بخبث:
_إيه اللي مخليكي واثقة أوي كده؟
أجابته بدلال:
_عشان أنا بحبك وأنت جوزي وحبيبي وكل حاجة.
_روجين بقولك إيه إحنا مش هنجيب عيال بقى أصل أنا بحب العيال أوي.

                                   ******

بعد مرور أكثر من ساعة وسيف يدور بسيارته في الشوارع أوقف السيارة قائلا بنفاذ صبر:
_والله إنتي شكلك ولا عارفة الطريق ولا نيلة وإحنا شكلنا تهنا أصلا.
قالت له متصنعة الثقة:
_لأ على فكرة إحنا هندخل شمال أصلا.
أردف باستنكار:
_صدقتك أنا، أسيل إنتي بتستهبلي إنتي مش عارفة إحنا فين أصلا.
أردفت ببراءة:
_بصراحة لأ وأنا عايزة أروح...سيف روحني.
هتف بسخرية:
_هو إنتي تعمليلي فيها سبع رجالة في بعض وأنا حافظة كل الطرق وفي الآخر تقوليلي أنا تهت روحني طب كان لازمته إيه من الأول.
_يعني أنت مش هتروحني وهتسيبني هنا أتخطف بقى.
_يا بنتي هو أنا قلت كده....بقولك إيه أنتو بيتكم فين اسم الشارع إيه أي حاجة؟
_البيت جنب بيت روجين في....
قاطعها قائلا:
_أسيل إنتي بتستهبلي؟.
سألته ببلاهة:
_ليه؟ أوعى تقولي أن إحنا جنب البيت.
_لأ مش جنبه بس أنا عايز أفهم مقلتيش ليه من الأول أن هو هناك وبعدين إنتي كنتي شوية وهتطلعينا على السويس. 
_ما هو أنا مكنتش أعرف أن أنت تعرف البيت.
قال باستنكار:
_آه وحبيتي تعملي فيها اللي قادرة على التحدي وعلى المواجهة.
هتفت بحنق:
_لأ مسمحلكش أنا...
قاطعها قائلا:
_والله لو مسكتيش هنزلك هنا دلوقتي وابقي شوفي بقى هتروحي إزاي ومثلي دور اللي قادرة على التحدي براحتك.
أردفت مسرعة بمزاح:
_هو أنت ما صدقت ولا إيه يا باشا مصر خلاص أنا هسكت أهو.
قاد هو السيارة في طريقه إلى منزلها وهو يسترق بضع نظرات إليها.

                                ********

في صباح يوم جديد استيقظ نديم على صوت رنين هاتفه وكان سليمان هو المتصل فأجابه بصوت ناعس:
_أيوه يا جدو في حاجة ولا إيه؟ 
_أنا عرفت مكانها هستناك في الجنينة عشر دقايق وتبقى عندي.
نهض نديم بهدوء لكي لا يوقظ روجين، ثم أبدل ملابسه وترك لها ورقة كتب فيها "أنا مهانش عليا أصحيكي من النوم بدري كده أنا رحت للست اللي بتبعت الجوابات مع جدو لما تصحي كلميني يا شمسي".
نزل بهدوء واستقل كل منهما سيارته وذهبا بطريقهما، وبعد قليل من الوقت أوقف سليمان السيارة وتبعه نديم ونزلا من السيارة فوجداه حيا فقيرا منازله قديمة، بها بعض التشققات من الخارج، كانت المسافات بين المنازل متقاربة إلى حد كبير والأطفال تلعب الكرة على الطرقات، فاتجه سليمان إلى المنزل وتبعه نديم، كان السلم به بعض الدرجات المتكسرة ويظهر على باب المنزل أنه قديم للغاية، فطرقه سليمان بهدوء وبعد لحظات كانت تفتح له الباب امرأة في عقدها الخامس فنظر لها سليمان والصدمة تعتلي وجهه قائلا:
_صباح!.
كانت تنظر هي الأخرى له بصدمة ممتزجة ببعض القلق قائلة له:
_سليمان بيه!.
كانت ماتزال صباح تنظر إليه باندهاش حتى قاطع نديم نظراتهما قائلا:
_هو إيه اللي بيحصل وأنتو عارفين بعض منين أصلا؟!.
أفسحت صباح الطريق لهما ليدخلا إلى المنزل قائلة: _اتفضل يا سليمان بيه.
دخل سليمان إلى المنزل وتبعه نديم، كان منزلا بسيطا ولكنه يشعرك بالراحة، يتكون من بضع قطع بسيطة من الأثاث ويوجد على الجدار الذي يواجه الباب إطار به صورة لها مع طفل صغير ومعهما محمد المنزلاوي أكبر أبناء سليمان المنزلاوي، فأخذ سليمان ينظر إلى الإطار بشك وهو يفكر هل يعقل أن يكون ابنه على علاقة بهذه المرأة في الماضي، وأخذت الكثير من التساؤلات تدور بداخل عقل نديم، فماذا تفعل صورة والده في هذا المنزل ومع هذه المرأة؟ ومن هذا الطفل؟.
قطعت صباح سيل أفكارهما المتدفقة قائلة وهي تشير نحو أريكة باللون الكحلي:
_اتفضلوا.
جلس نديم بجانب سليمان وهو ينتظر أي تبرير منطقي يصدر منها ولكن آماله خابت حين سمع صوتها تقول:
_تحبوا تشربوا إيه أجيب لحضرتك قهوة زي زمان يا سليمان بيه؟.
أجابها سليمان بهدوء ورزانة:
_إحنا مش عايزين نشرب حاجة بس ممكن تقعدي عشان نتكلم.
جلست صباح على الكرسي المقابل لهما وهي تدعو من داخلها لكي لا يعلم سليمان المنزلاوي بوجود ابنها ولكي لا يعلم أنها هي من أرسلت الخطاب.
قال نديم بتساؤل وهو يشير نحو الإطار:
_أقدر أعرف إيه سبب وجود صورة بابا هنا ومين اللي في الصورة ده؟
قالت صباح متجاهلة سؤاله:
_وأنا أقدر أعرف إيه السبب في وجودكم هنا؟
أجابها سليمان وهو ينظر إلى نديم بنظرة معناها أن يهدأ وبعد قليل سيعلم كل شيء:
_أنا عايز أعرف إنتي ليه بعتي الجوابات دي ليا أنا ونديم وعرفتي اللي فيها ده إزاي؟
أجابته متصنعة الجهل وهي تبعد نظرات عينيها عنه: _جوابات إيه دي أنا مبعتش حاجة؟
قال نديم بنبرة تحذير طفيف:
_إحنا عارفين أن إنتي اللي بعتيهم وأظن أن إنتي طالما تعرفي كل ده عننا يبقى كمان تعرفي أن أنا ظابط مخابرات وأقدر ألبس ابنك أي تهمة.
أردفت صباح باستنكار:
_أنت لو أذيت ابني هتعيش وضميرك بيتعذب طول عمرك.
قال سليمان بهدوء:
_صباح إحنا مش جايين نعمل مشاكل أنا عايز أفهم منك كل حاجة وأعرف إيه موضوع الجوابات دي.
قالت بتردد وهي تنظر نحو الإطار:
_الظاهر أن جه الوقت اللي كل حاجة هتتكشف فيه يا محمد.
_____________________________________

يتبع الفصل التالي اضغط هنا
الفهرس يحتوي على جميع فصول الرواية "رواية شمس الحياة"اضغط على اسم الرواية


reaction:

تعليقات