القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية شمس الحياة الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم روان سلامة

 رواية شمس الحياة الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم روان سلامة

رواية شمس الحياة الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم روان سلامة

                             يا ناراً تجتاحُ كياني
                             يا ثَمَراً يملأ أغصاني
                        يا جَسَداً يقطعُ مثلَ السيفِ،
                            ويضربُ مثلَ البركانِ
                                    قولي لي:
                كيف سأُنقذُ نفسي من أمواج الطُوفَانِ؟
                                     قُولي لي:
                   ماذا أفعلُ فيكِ؟ أنا في حالة إدْمَانِ..
                        قولي لي ما الحلُّ؟ فأشواقي
                            وصلَتْ لحدود الهَذَيَانِ...

 

بدأ يقص يزيد ما حدث على وِقَّاص قائلا بشرود:
_لما الحادثة حصلت لنورهان كانت بتكلمني في التليفون يمكن لو مكانتش بتكلمني الحادثة دي مكانتش حصلت أصلا.
قال له وِقَّاص بأسى:
_بس أنت عارف إن التحريات أثبتت أن دي حادثة مدبرة وأن الفرامل اتلعب فيها.
_بس مش قادر متهمش نفسي.
أكمل قائلا:
_والفلوس أنا كنت ببني بيها دار للأيتام باسم نورهان.
استطرد باستهزاء:
_إيه كنت شاكك فيا ولا إيه؟
قال وِقَّاص سريعا:
_لأ يا يزيد أنا عمري ما فكرت في ده بس أنا مكونتش فاهم ازاي ليك إيد في موتها.
أردف يزيد بهدوء:
_أديك فهمت كل حاجة.
قال وِقَّاص برجاء:
_يزيد عشان خاطري روح لدكتور عشان تقدر تكمل حياتك مفيش حد بيموت مع حد يا يزيد.
أردف وهو ينظر إلى صورتها:
_أنا مكمل حياتي بس بالطريقة اللي أنا شايفها صح، أنا عايز أكملها وقلبي مع نورهان.

                                *******

كان نديم يجلس قبالة كريم ينتظر سماع حديثه، فقال له كريم والحزن يظهر بعينيه:
_نديم أنا عايز أتعالج عايز أبدأ حياة جديدة من غير مخدرات عايز أبدأ حياة نضيفة.
ابتسم نديم وظهر السرور والفرح على وجهه جليا وقال:
_كريم أنت بتتكلم بجد.
_آه يا نديم كفاية اللي ضاع مني، أنا ضيعت 3 سنين من عمري وضيعت أوقات كان ممكن أعيشها مع الناس اللي أنا بحبهم عشان ولا حاجة...بس أنا عايز أشوف ماما قبلها يا نديم، عايز أعتذرلها وأحضنها، عايز أقولها كل اللي جوايا الأول.
نهض نديم قائلا وهو يحتضنه:
_أنا هعملك كل اللي تطلبه مني المهم أن أنت تبقى كويس وترجع تاني زي زمان.
خر كريم من غرفة المكتب وهو يشعر بشعور غريب يتسلل بداخله، يشعر براحة، يشعر وكأنه يطير في السماء مثل العصفور الحر، فهو من اليوم لن يكون أسيرا لمغيبات العقل مرة أخرى، توجه نحو غرفة نارفين وطرق الباب بهدوء فسمحت له بالدخول.
كان يقف أمامها وبداخله شعور وكأنه لأول مرة يراها وكأنه لم يستوعب فكرة عودتها غير الآن في هذه اللحظة فقط، فذهب واحتضنها ودموعه تنهمر على خديه قائلا لها بصوت متقطع:
_أنا آسف...أنا آسف على كل لحظة ضيعتها كان ممكن أعيشها معاكي.
أمسك يدها وجلس بجوارها على السرير قائلا والحزن يملأ صوته:
_نارفين أنا هتعالج وأرجع زي الأول عشانك وعشان ماما...عشان أعوضك عن كل اللي فاتك، نارفين سامحيني أنا عارف أن....
قاطعته قائلة وهي تبكي:
_كريم أنا مسمحاك بس عايزاك تتعالج بسرعة وترجعلي تاني عشان أعيش معاك كل اللي فاتني...أنا عارفة أن أنت قوي وقدها.
قبل جبينها قائلا:
_أوعدك أن أنا هكون قوي عشانك.
أردفت نارفين وهي تزيل عبراتها:
_كريم ممكن تنام معايا النهاردة؟
أومأ كريم برأسه بسعادة، ثم تمدد على السرير ونامت هي بين أحضانه.

                               *********

صعد نديم إلى غرفته والسعادة تملأ وجهه فوجد روجين جالسة على الأريكة تنتظره، فذهب هو وجلس إلى جوارها قائلا بسعادة:
_روجين كل حاجة بدأت تتصلح وترجع زي الأول تاني.
ابتسمت هي بسعادة فأكمل هو قائلا:
_كريم هيتعالج يا روجين وهيرجع زي الأول وعمتو بدأت تتحسن تاني.
أردفت بابتسامة:
_أنا قلتلك كل حاجة هترجع زي الأول وأحسن كمان الحمد لله.
_كل حاجة بدأت تتحسن لما إنتي دخلتي حياتي زي ما تكوني الشمس اللي جت نورت حياتنا كلنا.
احتضنها هامسا بأذنها:
_بس أنا عايز أجيب منك شمس صغيرة تبقى شبهك في كل حاجة.

                         **********

فتحت ناردين باب الغرفة وعندما دخلت إلى الداخل وجدت يوسف نائما، فذهبت لتجلس جواره قائلة بنعومة:
_يوسف قوم أنا جيت أنت لحقت تنام؟!.
لكنها عندما لم تجد أي استجابة منه هزته بيدها هاتفة:
_يوسف قوم أنت هتستهبل وتعمل فيها نمت بجد.
جذبها هو بسرعة لتقترب منه وتشعر بأنفاسه الحارة قائلا لها:
_إيه لحقت أوحشك؟
أجابته هي بتوتر:
_لأ...آه يعني...أوف معرفش.
ضحك هو عليها قائلا:
_خلاص إيه ده.
أكمل قائلا بحب:
_بس إنتي وحشتيني بقى.
قالت هي بصوت منخفض:
_وأنت كمان وحشتني.
أردف هو ممازحا:
_بتحني على طول كده؟ إيه ده ما بتصدقي؟.
ابتعدت هي عنه بحنق قائلة:
_تصدق أنا غلطانة إني قلتلك كلمتين حلوين أصلا.
جذبها هو من يدها برفق نحوه قائلا بحب:
_أنا بحبك يا ناردين.

                               ********

في صباح يوم جديد استيقظت روجين وهي تشعر بقبلة نديم لها، فقالت له بصوت ناعس:
_لأ أوعى تقولي هنصحى من النوم.
أردف ساخرا:
_هو إنتي ليه محسساني أن إنتي نمتي ساعتين بس؟
قالت وهي تتثاءب:
_عايزة أنام شوية كمان.
_إنتي بقيتي كسلانة أوي إيه ده يلا قومي بقى.
قالت بتأفف وهي تنهض:
_خلاص قمت أهو إيه العذاب ده.
نظرت إلى الوسادة بتأثر قائلة:
_مكانش نفسي أسيبك أو أبعد عنك والله بس ربنا على المفتري بقى.
قذف الوسادة عليها قائلا بسخرية:
_إنتي ليه محسساني أن أنا ببعدك عن حب حياتك يعني.
قذفتها عليه مرة أخرى، ثم ذهبت مسرعة إلى المرحاض،
ارتدت بنطالا ضيقا باللون الأسود، وكنزة ذات حمالات رفيعة باللون الأبيض، وارتدت فوقها معطفا جلدي باللون القرمزي القاتم، وحذاءا باللون الأسود.
ارتدى هو كنزة بلون السحاب، وبنطالا باللون الأبيض، وحذاءا بنفس لون البنطال.
وبعدما انتهى الاثنان من ارتداء ملابسهما نزلا إلى الأسفل وجلسا على طاولة الطعام مع الجميع، لاحظ نديم نظرات سليمان إلى فاروق الغامضة وكان يلحظ على وجهه الإرهاق، فسأله قائلا:
_جدو أنت كويس شكلك تعبان؟
أجابه بإنهاك:
_أنا كويس متقلقش عليا.
بعد قليل من الوقت كان الجميع أنهوا طعامهم، فنهض نديم قائلا لكريم:
_يلا ولا إيه؟. 
قال كريم والبسمة تعلو وجهه:
_يلا.
سألهم فاروق بهدوء مصطنع:
_رايحين فين يا ولاد؟.
كان سيجيبه كريم ولكن أوقفه نديم قائلا:
_رايحين مشوار.
خرج إلى الخارج مع كريم وتبعته روجين ومعها نارفين، فسأله كريم قائلا:
_نديم أنت ليه معرفتوش؟!.
_هعرفك كل حاجة في الطريق.
احتضنت نارفين كريم بقوة قائلة له:
_هستناك وأنا متأكدة أن أنت هترجع إنسان جديد.
ابتسم هو مردفا:
_أوعدك أن أنا هرجع وأكون أخ بجد.
طبع قبلة على جبينها بحنان وذهب ليركب السيارة، واحتضن نديم روجين قائلا وهو يمد لها يده بمفتاح سيارته:
_خدي مفتاح العربية عشان تروحي بيها الشغل وأنا هوصل كريم بعربيته.
_ملوش لزوم يا نديم أنا هتصرف.
_روجين يلا خديها وكلميني أول ما توصلي.
_حاضر.
استقل نديم السيارة بجانب كريم وانطلقا في طريقهما.

                             ********

طرقت نور باب مكتب إياد بخفة، ثم دلفت سريعا والبسمة تعلو وجهها قائلة:
_إياد الحملة كسرت الدنيا والناس كلها بتتكلم عن الشركة.
قال بابتسامة واسعة علت محياه:
_مبروك يا ستي لعبت معاكي على الآخر طبعا.
أردفت بغرور مصطنع:
_يا ابني أنت المفروض تحمد ربنا أن أنا عملت الحملة دي أصلا.
قال بجرأة:
_نور أنا بحمد ربنا أن إنتي دخلتي حياتي أصلا.
قالت هي بتوتر:
_طيب أنا...أنا بقول الشغل خلص بقى وأنا همشي.
_نور إنتي رايحة فين ده باب البلكونة.
_بجد؟ آه صح طب سلام بقى.
قال قبل أن تخرج من المكتب:
_بقولك عايز أشوفك تاني هبقى أكلمك.
خرجت هي سريعا وهي تشعر كأن الخجل سيقتلها، لا تعرف سر هذا الشعور الغريب الذي يتسلل إلى قلبها بجانبه، وكأن فؤادها يحلق في السماء العالية مثل العصفور الحر.

                               *********

وصل نديم بصحبة كريم إلى المنزل الذي تبقى به ليلى المنزلاوي، قالت الممرضة حين رأتهم:
_هي جوا ادخلولها وفي مفاجأة صغيرة كمان.
دخل كريم مسرعا وتبعه نديم وعندما رأته ليلى امتلأت مقلتاها بالدموع قائلة بوهن:
_كريم.
لم يصدق كريم ما سمعه فاغرورقت عيناه بالدموع وهو يضع نفسه بين أحضانها قائلا:
_ماما قولي اسمي تاني...أنا وحشني صوتك أوي.
مسحت بحنان على خصلات شعره السوداء قائلة بتأثر وضعف:
_كريم...وحشتني أوي...يا ابني.
كان نديم يقف والبسمة تعلو وجهه وعيناه ممتلئة بدموع السعادة، فهو لم يتخيل أن حالتها ستتحسن بمثل هذه السرعة.
أردف كريم وهو ممسك بيديها:
_ماما أنا جاي أقولك أن أنا هتعالج، أنا هرجع زي الأول وأحسن كمان.
استطرد بدموع:
_ماما أنا آسف...أنا آسف على كل لحظة كنت سايبك فيها لوحدك و...
مسحت دموعه بأناملها قائلة بصعوبة:
_متتأسفش أنا مش زعلانة منك....أنا كان قلبي واجعني عليك أنت...
قال نديم بسعادة:
_كريم خلاص قرر أن هو هيتعالج وفي فترة علاجه تكوني إنتي رجعتي أحسن من الأول وهتبقوا عيلة واحدة تاني وتعوضوا كل اللي فات.
احتضنها كريم بقوة، ثم قبلها من جبينها قائلا لها بصدق: _أنا بوعدك أن أنا هتعالج وهرجعلك تاني، هرجعلك كريم بتاع زمان...هرجعلك ابنك وإنتي كمان ترجعيلي أمي.
طبع قبلة حانية فوق جبينها، ثم ذهب إلى الخارج وتبعه نديم واستقلا السيارة، فسأله كريم قائلا:
_احكيلي بقى ليه معرفتش حد؟
قال نديم بهدوء:
_كريم عمو فاروق هو السبب في كل اللي بيحصل ده....
قص عليه نديم كل شيء وعلت الصدمة وجه كريم، ثم سأله بضعف قائلا:

_يعني هو السبب في كل ده...يعني هو السبب في موت نورهان...هو السبب في كل حاجة دمرتنا؟!
قال نديم محاولا تهدئته:
_كريم هو هيتعاقب وهياخد جزاءه المهم أن أنت تتحسن عشان تقدر تقف جنب عمتو ونارفين.
أردف وهو يشعر كأنه تائه:
_طب ليه عمل كده؟ عشان إيه؟ عشان الفلوس؟ كان هيعمل إيه تاني كان هيقتلنا كلنا؟!
_هنعرف كل حاجة في وقتها ومش هسيب حق نورهان يا كريم.

                             *********

بعد قليل من الوقت كان يقف نديم بجانب كريم داخل مصحة لعلاج الإدمان، وطلب نديم من الطبيب أن يتم القيام بالأمر بسرية تامة وأن لا يعلم أي شخص عن وضعه غيره هو فقط.
وقف نديم وهو يحتضن كريم أمام الغرفة التي سيقبع بها قائلا:
_أنا عارف أن أنت قدها وهتتحمل، أنا مش هعرف أجيلك لأن الزيارات هتتمنع في أول فترة بس هطمن على وضعك دايما وأوعدك إني هجيلك أول ما الدكتور يسمح.
تركه وذهب فقالت الممرضة لكريم:
_أستاذ كريم ممكن ناخد موبايل حضرتك لأنه مينفعش يفضل معاك فترة العلاج.
قال لها بهدوء:
_ممكن أعمل تليفون الأول.
_أكيد طبعا.
قام كريم بالاتصال بنور فأتاه صوتها قائلة:
_كريم! خير في حاجة ولا إيه؟
قال بامتنان:
_نور أنا عايز أشكرك على كل كلمة قلتيهالي.
_في إيه يا كريم أنت كويس؟
_ده أكتر وقت أنا كويس فيه...نور أنا رحت مصحة وقررت أتعالج.
قالت بسعادة لم تحاول إخفاءها:
_كريم أنت بتكلم بجد؟!.
_آه وكله بفضلك يا نور، يمكن لو مقلتيليش الكلام ده كان ممكن أفضل طول حياتي مدمن وأموت بجرعة مخدرات زايدة....
قاطعته بصدق:
_بس أنت قوي يا كريم وأنت اللي قررت تساعد نفسك.
_توعديني نفضل أصحاب بعد ما أتعالج؟
أجابته بسعادة:
_أكيد هنفضل أصحاب.
أغلق الهاتف وأعطاه للممرضة بهدوء، قالت له ببسمة صغيرة:
_إحنا هنوفر لحضرتك دكتورة نفسية تتابع معاك وهتكون الدكتورة ثريا لأن فترة العلاج بتبقى صعبة شوية.
_تمام.
_تقدر حضرتك ترتاح في الأوضة والدكتورة هتتابع معاك بكرة.

                              *********

كان يتحدث سليمان على هاتفه قائلا:
_يعني أنت متأكد أن السبب في موت محمد ونورهان واحد.
_أيوه يا فندم الحادثتين حصلوا بنفس الطريقة، وكمان الشركة متورطة في صفقات سلاح.
أغلق سليمان الهاتف بانكسار فكيف لابنه ان يفعل كل هذا.

                             ********

كان يجلس نديم مع إياد في مكتبه، فسأله إياد قائلا:
_نديم أنت كنت متأكد إزاي أن عمي هو السبب في كل ده؟.
أجابه بثقة:
_بدأت أشك فيه لما شفت الرسالة اللي اتبعتت لنارفين، كان مكتوب فيها "أوعي تثقي فأي حد حتى عيلتك" وهو كان دايما يقولي كده وأنا صغير، ولما آدم قالنا اتأكدت من شكوكي كلها.
_طب وهتعمل إيه في موضوع آدم؟
_أنا ظبطت الورق بتاع والدته و طيارتها بالليل هكلمه أعرفه.
نهض نديم واتصل بآدم فأتاه صوته سريعا قائلا:
_أيوه يا نديم في حاجة ولا إيه؟
_آدم أنا جهزت الورق بتاع والدتك وطيارتها الساعة 1 بالليل، هتلاقي هناك ناس مستنينها في مطار ألمانيا عارفين صورتها وشكلها، هياخدوها وهتتعالج في أحسن مستشفى هناك.
أردف آدم بامتنان:
_نديم أنا مش عارف أشكرك إزاي بجد.
_لو عايز تشكرني بجد يبقى متسافرش وتساعدني، عايز منك أدلة تثبت التهم على عمي.
_هحاول أجبلك أدلة.

                             **********

كان وِقَّاص يجلس في مكتبه فوجد جده يتصل به، فأجابه مسرعا، أتاه صوت سليمان قائلا:
_وِقَّاص أنت في الشركة؟. 
_آه يا جدو في حاجة ولا إيه؟. 
_وأنت مروح عدي على مراتك هاتها تتعشى معانا ونبه على الكل أن هو يبقى موجود على العشا النهاردة.
_حاضر يا جدو.
بعدما أغلق معه توجه إلى مكتب إياد وجلس قبالته قائلا بتعجب:
_هو جدو بيفكر في إيه؟ اتصل بيا قالي أجيب صبا على العشا وعايز الكل يبقى موجود.
_مش عارف يمكن عايز نكون كلنا ملمومين على العشا عادي يعني.
_طيب أنا هروح أكلمها بقى.
أوقفه إياد قائلا:
_وِقَّاص بقولك إيه ما تخليها تجيب نور معاها.
أردف وِقَّاص بسخرية:
_يا ابني اتقل شوية ده أنت مفضوح أوي.
_ولا اعمل اللي بقولك عليه وأنت ساكت.
_حاضر يا أخويا هخليها تيجي معاها.

                               ********

كانت تجلس ناردين مع يوسف بحديقة المنزل فقال لها: _بقولك إيه تعالي نخرج نتغدى برا، هوديكي مطعم متتخيليهوش.
قالت بسعادة وهي تصفق بيديها:
_بجد! ياه أخيرا هتخرجني في حتة عدلة، استنى بقى أطلع أغير هدومي.
_أمسك يدها قائلا:
_لأ خليكي زي ما إنتي كده حلو أوي.
_بالبنطلون الجينز!.
_آه تعالي بس.
ذهب وركب بالسيارة بجانبها وقادها لبعض الوقت، ثم أوقف السيارة وفتح لناردين الباب قائلا:

_يلا وصلنا.
نزلت من السيارة وهي تنظر حولها بصدمة قائلة:
_يوسف أنت بتستهبل ده مكتوب "كبدة الكيف".
قال وهو يجذبها من يدها:
_تعالي بس اقعدي هنا وهأكلك كبدة مكلتيش زيها قبل كده.
ذهبت وجلست على طاولة من الموضوعة في الشارع وهي تنظر حولها بتعجب فالمطعم مكون من سيارة قديمة، موضوعا حولها بضع طاولات صغيرة ويكتب على اللافتة "كبدة الكيف".
ذهب يوسف وأحضر بعض الشطائر ووضعها أمامها على الطاولة فنظرت لهم بتردد قائلة له:
_يوسف بقولك إيه أنت متأكد أن دول نضاف؟. 
قال وهو يأكل:
_يا بنتي أنا باكل من هنا بقالي أكتر من عشر سنين.
أردفت متسائلة:
_طب هو ليه اسمه كبدة الكيف؟
_عشان هي زي الكيف بالظبط لما بتاكلي منها مرة بتفضلي تاكلي منها طول عمرك.
قالت بسخرية:
_يوسف أنت بتفتي صح؟
أجابها باستنكار:
_طبعا بفتي أعرف منين أنا يعني.
بدأت ناردين بالأكل، ثم قالت ليوسف:
_تصدق طعمها حلو والله.
قال بغرور مصطنع:
_طبعا يا بنتي مش زيك كنتي بتأكليني راتاتوي وتقوليلي حلو.
_لأ بقولك إيه هو كان حلو بجد.
_كلي بقى وإنتي ساكتة والنبي.
قالت متسائلة:
_يوسف تفتكر بعد ما نخلص ممكن يجيلنا تسمم؟.
أجابها ببساطة:
_هو أنا متأكد أصلا.
قالت وهي تكمل طعامها:
_طب كل بقى عشان نلحق نروح.

                            ***********

وصل وِقَّاص إلى منزل صبا وعندما نزلت إلى الأسفل مع نور ذهبت لتحتضنه قائلة:
_أنت وحشتني، أنا بقول أنت تقدم استقالتك وكفاية شغل.
قال بهمس:
_لو هقضي حياتي كلها معاكي مستعد أقدم استقالتي بكرة الصبح.
ابتعدت عنه متسائلة:
_هو صحيح جدك عازمنا ليه على العشا النهاردة يعني غريبة؟
أجابها بسخرية:
_تلاقيكي وحشتيه ولا حاجة، أنا أعرف منين يعني هنروح ونعرف دلوقتي.
أكمل وهو يفتح باب السيارة:
_يلا اركبوا عشان منتأخرش.
ركبت صبا بجانب وِقَّاص في المقدمة وركبت نور في الخلف وانطلقوا في طريقهم نحو المنزل.

                               *********

في المساء كان الجميع ملتفين حول طاولة العشاء، كان يجلس فاروق قبالة سليمان، سأل وِقَّاص قائلا:
_ليه النهاردة بالذات أصريت نتجمع كلنا على العشا؟. 
نظر سليمان بداخل عيني فاروق بغموض قائلا:
_عشان جه الوقت اللي الكل يعرف فيه الحقيقة.
قال إياد بهمس لنديم:
_نديم أنت عرفته حاجة؟
_لأ بس شكله عرف كل حاجة لوحده.
همست روجين بصوت منخفض لنديم:
_نديم هو في إيه؟
قال متصنعا الجهل:
_مش عارف يا روجين هنعرف كل حاجة دلوقتي.
نهض سليمان المنزلاوي واقفا بشموخ وهو ينظر بداخل عيني فاروق قائلا:
_تحب تقولهم أنت الحقيقة يا...
أكمل باستنكار قائلا:
_يا ابني ولا أقولهم أنا؟.
قال فاروق بتعجب:
_حقيقة إيه؟.
قال سليمان بقوة مخفيا الألم بداخله:
_تقولهم أن أنت السبب في كل حاجة بتحصل.
قال متصنعا الجهل:
_إيه اللي أنت بتقوله ده؟ أنا مش فاهم حاجة.
_اللي بقوله أن أنت السبب في كل حاجة، أنت السبب في موت أخوك...
أكمل بضعف قائلا:
_أنت قتلت أخوك ومراته وياريته كان كفاية ده أنت كمان اللي قتلت مراتك...قتلت مراتك وقتلت نورهان ليه كل ده ليه؟.
أكمل بقسوة قائلا:
_ليه؟ عشان الفلوس؟ عملت كل ده عشان الفلوس...قتلت كل الأرواح دي عشان شوية فلوس، ملعون أبو الفلوس اللي تخلي واحد يقتل أخوه ومراته.
كانت الصدمة تعتلي أوجه الجميع، كان يزيد يجلس وهو ينظر إلى والده بصدمة، فهل هو السبب في كل هذه الآلام التي عاشها؟ هل هو السبب في موت نورهان ووالدته؟ ولكن كيف امتلأ قلبه بالحقد لهذا الحد الذي يجعله يقوم بقتل زوجته وأخيه؟. 
كان يجلس يوسف وهو ينظر إلى ناردين ودموعها منهمرة على خديها والصدمة تعلو وجهه، كيف سيكمل حياته معها بعد أن علم أن والده هو السبب بمقتل والديها؟ والده هو من سلب منها طفولتها بجانب والديها، سلب منها رائحة والدتها وحنان والدها...وسلب منه هو الآخر والدته.
كانت تنظر نارفين حولها وهي لا تفهم أي شيء مما يحدث، كيف يكون هو السبب في موت أخيه بل وفي موت نورهان شقيقتها؟...إذا هو السبب في مرض والدتها وحالة كريم ولكن لماذا فعل كل هذا؟.
كانت صبا تمسك بيد وِقَّاص وهي تراه يشعر بالضعف ويشعر كأنه تائه لا يفهم أي شيء مما يدور حوله.
كانت نور تنظر إلى إياد ولكنها لم تر على وجهه أي علامات للصدمة ولكنها وجدت الحزن يعرف طريقه إلى وجهه وإلى عينيه جيدا.
كانت روجين تنظر إلى نديم بتفحص، فهي علمت أنه كان يعرف كل شيء من قبل ولكن علامات الحزن كانت تظهر جليا على وجهه.
كان حسين ينظر بانكسار إلى أخيه فكيف يفعل كل هذا بهم. 
بينما فاروق كان يشعر أن كل مخططاته فشلت وكان يخاف من خسارة أبنائه، فهو فعل كل هذا لأجلهما لكي لا يشعرا مثله.

نهض حسين قائلا بانهيار:
_فاروق قول حاجة قول أن مش أنت اللي عملت كل ده.
هتف فاروق والحقد يظهر بصوته وبعينيه:
_أنا اللي عملت كل ده، أنا اللي قتلت أخويا ومراته بس تعرف ليه؟. 
استطرد مشيرا نحو والده:
_بسببك، أيوه بسبب سليمان المنزلاوي عشان طول عمره كان بيفضل محمد علينا كلنا، دايما هو اللي صح وهو اللي كلمته تمشي علينا وليلى بنته اللي مفيش حاجة بتترفضلها حتى لما اختارت تتجوز واحد جربوع معاهوش ولا قرش وافق وساعده وشغله في الشركة اللي من حقنا إحنا.
أكمل بنفس الحقد مشيرا إلى أخيه قائلا:
_وأنا وحسين ولا لينا أي لازمة كأننا مش ولادك صح ولا لأ يا...
أكمل باستهزاء:
_يا بابا.
نظر إليه سليمان بصدمة وهو يشعر أن عالمه يهدم فوق رأسه قائلا:
_أنت اللي كنت أناني وعايز كل حاجة ليك لوحدك، كنت دايما عايز تسبق بخطوة حتى لما بدأت تشتغل في الشركة كنت عايز تاخد أنت القرارات كلها وتلغي كل اللي معاك.
قال الآخر بحقد وكره:
_لأ أنت اللي كنت إنسان متسلط وعلمت محمد ده وخليته يحس أن هو أهم واحد فينا وأنا قتلته، أيوه قتلته عشان أكسرك وأهدك وآخد كل حاجة....بس أنت فضلت واقف على رجليك وعملت نديم مكان محمد، بقى هو أحسن واحد عندك وأنا مكنتش عايز ولادي يطلعوا زيي، كنت عايز أنهي نديم عشان ولادي.
نظر إلى أبنائه قائلا بصدق:
_أيوه عشانكم، كنت عايزكم تاخدوا فرصتكم ومتشوفوش اللي أنا شفته.
أكمل وهو ينظر إلى سليمان والحقد يملأه:
_وبعد كده أنا كنت عايز أقتل ناردين عشان عارف أن هي دي اللي هتكسره بجد، لعبت في فرامل العربية بس نورهان هي اللي ماتت وماتت معاها زهرة مراتي بس تعرف أنا كنت هقتلها عشان عرفت كل حاجة وكانت عايزة تقولك ووقتها ليلى تعبت وكريم بقى مدمن...بقى مدمن بسببي.
قال بفخر:
_أنا اللي بعتله ناس تجره للطريق ده وبكده قدرت أكسركوا كلكم بس أنا لسه مخلصتش و...
نهض يزيد ممسكا والده من ياقة ملابسه قائلا بغضب:
_وأنت مخدتش بالك أن أنت كسرت ابنك ودمرته قبل أي حد، أنت إيه؟ أنت استحالة تكون إنسان.
أبعده إياد عنه محاولا جعله يهدأ.
هتف فاروق بحنق:
_أنت مينفعش تتكسر، أنت لازم تقف على رجلك مش ولاد فاروق اللي يتكسروا.
قال له يوسف بسخرية:
_ومين قالك أن إحنا ولادك، مفيش أب يعمل كده في ابنه يا فاروق يا منزلاوي.
هتف فاروق بغضب وهو يسحب غطاء الطاولة ليطرح الطعام أرضا:
_لأ أنا مش هخسركوا أنا عملت كل ده عشانكم أنتو.
قال له نديم وهو يمسكه من ياقة ملابسه:
_أنت هتخسر كل حاجة عشان أنت قاتل وأناني.
دفعه فاروق قائلا وهو يخرج سلاحه:
_لأ مش فاروق اللي يخسر تبقى أهبل لو افتكرت أن أنا ممكن أخسر يا نديم.
وقف الجميع ووجوههم تعلوها الصدمة وأمسك يوسف بيد ناردين وهو يقف أمامها لكي لا يصيبها مكروه.
همس نديم لروجين وهو يقف أمامها قائلا:
_شمسي متخافيش كل حاجة هتبقى كويسة بس متتحركيش من مكانك.
أوقف إياد نور سريعا خلفه قائلا لها بهمس:
_نور أنا لازم أقولك حاجة مهمة.
سألته بخوف:
_دلوقتي؟. 
همس بحب قائلا:
_نور أنا بحبك، مكنتش عايز أقولهالك في الوضع ده بس محدش ضامن أنه يطلع سليم.
همست وهي ممسكة يده بقوة:
_إياد أنا كمان بحبك أوي. 
وقف وِقَّاص أمام صبا فحاولت هي إبعاده قائلة:
_وِقَّاص أنا خايفة عليك.
أمسكها بإحكام قائلا:
_صبا لو خايفة عليا بجد خليكي واقفة ورايا.
كان يقف فاروق وابتسامة النصر تملأ وجهه قائلا وهو يوجه سلاحه نحو الجميع:
_حلو أوي شكلكوا كده...إياد ملوش لزوم توقف نور وراك مش هستفيد لما أقتلها وأنت كمان يا وِقَّاص صبا مش هتفدني بحاجة دوقتي.
أكمل وهو ينظر إلى سليمان بتحدي:
_بس لو قتلت نديم مثلا هكون ضمنت نهاية سليمان المنزلاوي.
حاولت روجين التحرك لتقف أمامه ولكنه لم يسمح لها قائلا بهمس:
_مش هستحمل أن أنا اخسرك يا روجين.
أردفت بدموع:
_ولا أنا هستحمل يا نديم.
كان فاروق ينظر بأوجه الجميع بتحدي قائلا:
_ممكن أقتل نارفين مثلا...أو ناردين إيه رأيك؟
ضغط يوسف على يدها ليطمئنها قائلا برجاء لوالده:
_بابا عشان خاطري بلاش ناردين.
وجه فاروق السلاح نحو رأسه قائلا:
_أنا مش هقدر أقتل حد غير نفسي، مش أنت دايما كنت بتشوفني ضعيف يا سليمان؟ أنا هقتل نفسي قدامك عشان أكسرك، عشان تعيش طول عمرك بعذاب الضمير.
وقفت ناردين أمام يوسف، ثم احتضنته وكأنها تحميه من رؤية هذا المشهد ودفن هو وجهه بعنقها ودموع عينيه تسقط فوقها.
ووقفت روجين بجانب نديم ممسكة يديه بقوة.
قال له يزيد بسخرية يخفي خلفها ألمه:
_يلا اقتل نفسك عشان تدمر ولادك تاني ما أنت إنسان أناني، طول عمرك أناني، أنت مش أب أنت مش إنسان أصلا.
فجأة وجه فاروق سلاحه نحو ناردين وشعر يوسف بارتجافة جسدها بين يديه إثر اختراق الرصاصة لظهرها، فنظر على يديه الممتلئتين بدمائها، ثم قال لوالده بألم:

_ليه؟ ليه عملت فيها كده ذنبها إيه؟. 
سمع همسها بصوت وهن وهي تقول له:
_يوسف عايزاك تعرف....تعرف أن أنا...بحبك أوي...أنت أكتر حاجة....حلوة حصلتلي في حياتي.
أغمضت خضراوتيها وهي تشعر كأن حياتها تسلب من أسفل قدميها، التف الجميع حولها ونديم يشعر بالانكسار والألم وكأنه سلبت منه حياته.
هتف يوسف بصوت ملئ بالألم:
_ناردين متسيبينيش أنا مش هقدر أعيش من غيرك...ناردين إنتي بقيتي كل حياتي.
_________________________________________


يتبع الفصل التالي اضغط هنا
الفهرس يحتوي على جميع فصول الرواية "رواية شمس الحياة"اضغط على اسم الرواية


reaction:

تعليقات