القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية المرآة وابنة الشماس الفصل التاسع9 - أحلام حسين

    رواية المرآة وابنة الشماس البارت التاسع    بقلم أحلام حسين غنيمات



 رواية المرآة وابنة الشماس  الفصل التاسع 9

وهناك حيث الأبوان اللذان ما زالا لا يعلمان شيئًا عن فلذة كبدهم، ما زال الوضع على ما هو عليه، من الشوق الذي يزداد يومًا بعد يوم، ومن القلق الذي نخر عظامهم كما نخر السوس الخشب، والخوف الذي تملك أجسادهم، التي هزلت من قلة الطعام، حزنًا على فقيدٍ لا علم لهم بمكان تواجده.

_ أنوار، ما بك؟ يجب عليكِ تناول بعض الطعام، حتى يقاوم جسدك التعب، الذي حصل جراء قلة تناولك الطعام.

_ لا أستطيع، أرجوك محمود، كفاك محاولة، لقد عافته نفسي، فلم أعد أرغب تناوله.

_ لا يجوز حبيبتي، أتريدين أن يحزن حسن، حين يراكِ على هذا الحال.

_ حسن، وأين حسن منا الآن؟ بالله عليك قل لي، أين هو؟ لأذهب له مهرولة، أحتضنه ليزول كل ذاك الألم القابع في منتصف صدري.

قالت أنوار كلماتها والدموع تخط طريقها على وجنتيها، كمدًا وحزنًا على فِراق ولدها الغالي، ووحيدها.

_ عزيزتي، لست أنا من سيقول لك بأن لكل غائب حجة، فلا نعلم ما حدث معه، وإنه لأمر محير حقًا، فليس حسن من يبتعد عنا بإرادته، في بداية الأمر غضبت منه، واعتقدت بأنه ترك عروسه لإنه لا يريد الزواج منها، ولا يريد إغضابي لأنه رُبط بعهد معي، لكن حين جلست وحيدًا وفكرت، علمت وقتها بأنه لم يكن ليفعلها حتى لو كان مجبرًا، هناك شيء عظيم يجبره على كل هذا الإبتعاد، وأرجو أن أعلمه، لكن لا أعلم ولم أستطع العلم، فكل من قام بالبحث عنه يخبرني وكأن الأرض انشقت وابتلعته، فلا وجود له عليها ولا أثر، لم ندع مركزًا أمنيًا أو مشفى إلا وبحثنا به، حتى أننا بحثنا بالمصحات وبكل مكان سُجل فيه وقوع حادث، لكن لا شيء، لا أثر، وهذا إن دّل فيدل على سلامته، وأنه سيعود وعلينا انتظاره، فلا تفعلي حبيبتي بنفسك كل ذاك حتى تهلك، فلا قوة لي بدونك، رجاءً قاومي.

محمود أيضًا أبٌ يتمزق من الداخل لفقدان ولده الغالي، لكن يجب عليه البقاء صلبًا، حتى يمتلئ قلب أنوار عزيمة للصمود، وعليها الصمود فهي من ستفتح لوحيدها باب العبور، وهي من سيطال قلبها الفرحة الأكبر، بعلمها بوجود شقيقتها حيةً ترزق، فلا بد لها من المقاومة، ولا سبيل لها إلاها.

مسحت أنوار دموع عينيها، حين رأت بأن محمود يعتمد عليها ليقاوم، فعلمت بأن عليها المقاومة لأجلها وزوجها الحبيب وولدها الغالي، ستقاوم رغم الألم، ورغم العقبات، ستصمد إلى أن يشاء الله، ويعود الغائب، ويُعلم سبب غيابه.

بدء معتز يشعر بأن ريماس بدأت بالتغير، والمواجهة للعالم، وتقبلها للواقع الذي تحياه، وأن ضعفها وخوفها من الاحتكاك بمن هم حولها بدأ يقل يومًا بعد يوم، فلم تعد ترغب بالبقاء وحيدة، ولو حصل ودعاها للخروج تستجيب دون معارضة أو مواربة، مما أنعش الأمل بداخله بأن تتقبل زواجها منه قريبًا، فلم يعد يُطيق صبرًا للبعد.

_ قلب الماس، يا قلب الماس، أين أنت؟ هيا، حتى لا نتأخر عن موعد الفيلم.

_ أنا هنا معتز، دقيقة وانتهي.

والدقيقة ثقيلة على قلب العاشق، ليقضيها بالانتظار بعيدًا عن معشوقه، لكن للانتظار لذته حتى يتم اللقاء، ويكتمل بجماله.

_ ها قد انتهيت، هيا بنا.

لكن هناك من أصبح بعالم الخيال، بمجرد أن وقعت عيناه على مالكة قلبه، بطلتها البهية، التي سلبت لبّه.

_ معتز، معتز، هيا، ما بك؟

فاستيقظ الحالم، بتكرار نداء المحبوبة، مخرجًا له من عالم الأحلام، ليسقط على أرض الواقع، ويجد نفسه في واقع أجمل من الخيال، وهو أن لابد وللخيال أن يتحقق، طالما قلب الماس حليلته، وملك يمينه، فمضى اليوم، وقُضيت السهرة، وكل منهم يتغلغل في قلب الآخر أكثر من ذي قبل، ويصبح حقيقة راسخة في حياة الآخر، فلا مفر منها ولا مهرب.

وهناك حيث شموس، وختمها الجديد الذي أصبح واقعًا مريرًا تحياه، بعد أن أنهت حديثها مع حسن بمغادرتها المفتعلة أو هروبها من وقع الاعتراف المفاجئ لها، الذي صدمها وأسعدها أيضًا، لكن الفرحة الآن مليئة بقبضة مريرة، أحكمت السيطرة على قلبها، وبدأت تشعر بمفعول الختم الحارق عليها، وكل ذاك وقول والدها وإعترافه لها بأمر الختم الذي لم تكن تعلم عنه شيئًا، ومعرفتها الآن بأنها المختارة لتسهيل عملية الإنتقام من والدها، وربما قتله، وبكلتا الحالتين إن لم يُقتل الشماس على يديها، فسيُقتل قلبه حزنًا وكمدًا على فقدها، ويجب عليها البقاء قريبة من حسن، حتى لا يُحكم الختم الحارق سيطرته الكبرى عليها، ويتمكن من قلبها وعقلها الذي لو نَفَذَ إليه لأحرق عالم الشماس وأخفاه عن بكرة أبيه، لما لشموس من قدرات تضاهي بقوتها قدرات الشماس شخصيًا، فهو من رباها ودربها وعلمها كيف تستغل قدراتها أحسن وأفضل استغلال، لكن شموس لاحظت بأن تواجد حسن بجوارها لم يُفقد الختم الحارق من السيطرة عليها، ولقد شعرت بذاك التضاد العجيب، بين رغبتها بالبقاء بجوار حسن ومبادلته الاعتراف، وبين شيء آخر يضغط على قلبها ويجعلها نافرة من حسن وتود الابتعاد عنه، مما جعلها تركض هاربة مخلفةً خلفها حسن، لكنها توجهت من فورها لأحضان والدها، علَّها تجد لديه الأمان والحماية.

_ أبي، أبي، هل لي بالحديث معك لمفردنا رجاءً؟

_ بالطبع غاليتي، ماذا هناك؟ هل تشعرين بشيء مخالف لما أخبرتك؟

قال الشماس كلماته وهو يشير للجميع بالانصراف، رغم علامات الاعتراض البادية على ملامحهم خوفًا على حاكمهم بأن تؤذيه شموس، ولكنه لن يقبل بأن يؤذي ابنته، حتى لو كان الأذى نفسيًا فيكفيها ما تعاني الآن.

_ أبي أشعر بعدم الراحة، وعدم السيطرة، ألم تخبرني بأن بقائي بجانب حسن سيخفف من سيطرة الختم الآخر عليّ.

_ أجل عزيزتي، هل حدث أمر مختلف عن ما أخبرتك به؟

_ لقد شعرت بشعوران متضادان، أحدهما يود البقاء، والآخر يود الذهاب مصاحبًا لقبضة تعتصر فؤادي للفرار، فشعرت بسيطرته عليّ كما لو كان حولي وما زال ذاك الشعور قائمًا.

كل ذاك الحديث جعل الشماس يسبح في أفكاره، جراء ما قالته شموس، فلا يوجد تفسير له سوى أن العابر وصاحب ختم العقرب بالقرب من ابنته وليس بعيدًا عنها، مما يتوجب عليه القيام بالمراوغة، ليتم كشفه، ومن أفضل من الشماس بالمراوغة، إذن لم يبقى أمامه سوى الحل الوحيد لحل هذه المعضلة، لكن ما هو الحل يا ترى؟ وماذا سيفعل الشماس لِيُبقي على حياة ابنته؟

_ عزيزتي، لقد أخبرتك بأن للختم تأثيرًا عليك، وكل ما تشعرين به، هو نتاج سيطرته عليك رويدًا رويدًا.

_ أبي، أنت تعلم بأنني لست بغبية، وشعوري ذاك ما هو إلا دلالة على قرب العابر مني بمستوى قرب حسن مني ولربما كان أكثر قربًا منه، فأرجوك لا تعاملني كطفلةٍ بالمهد، وكن صريحًا معي كما اعتدت منك دائمًا.

_ حسنًا عزيزتي، لأكون صادقًا أكثر، يبدو بأن العابر قريبٌ منك كقرب حسن منك وأكثر، لكن لا أعلم من هو، وكيف تمكن من القرب منك، وماذا أفعل لأعلم.

كانت كلمات الشماس تلك موجهة لها لتهدأ، فلا يريد منها الثوران وخروجها عن المألوف، ولا يريد لها أن تعلم بما يفكر، فسيطرة الختم ستتحكم بتصرفاتها، مما يجعلها تقوم بأمور لا ترغب القيام بها، حتى لو كانت السلطة لغيرها في ذاك الوقت.

_ أبي، أنتَ لا تعلم، أنا الآن أشعر بالاختناق، النفور، البغض لهذا العالم، لقد كدت أحرق الزهور التي كنت أعشق، لولا نداء حسن الذي أخرجني مما كنت فيه، لكنت الآن قد فعلتها.

_ بنيتي، عزيزتي وقرة العين ونبض القلب، أنتِ تعلمين أن كل ما تمرين به خارجٌ عن سيطرتك، فلا تبتأسي، وقاومي تلك الهالة من الجبروت الطاغي على ذاتك، قاومي كما قاومت كل صعبٍ مر بحياتك، كوني قوية كما عهدتك، جبارة على الألم، أعلم أن الأمر صعب، لكن قاومي لأجلي، لأجل حسن، لأجل من تحلمين باللقاء بهم يومًا، قاومي لأجلك، لأجل الحياة التي ترغبين بها، لأجل اللحظات التي حلُمتي تحقيقها يومًا.

_ وهل تعتقد بأن الأمر سهل أبي؟ إن الأمر خارج سيطرتي، أقاوم وأقاوم لكن لابد له من التمكن مني، وأخاف أن أؤذيك يومًا، وأنا لا أعلم ولا أشعر، أموت رُعبًا من مجرد التفكير بذاك، لا أرغب بأذيتك، أنت كل ما أملك، أنت من وهبتني الأمل في الحياة، من علمني كيف أتحمل وأصبر، أنت من أعطاني الأمل بيومٍ لا بد له من قدوم، إن آذيتك إعلم بأني سأقتل نفسي ولن أتوانى عن فعلها للحظة، لن أقوى بدونك أبي لن أقوى.

إنهارت قوى الصمود لدى شموس، وخط الدفاع الحامي لروحها، وأخذت بالبكاء لمجرد التفكير بأنها ستؤذي الشماس يومًا، وهو من كان لها كل الأمل، والدّرع الحامي، مما جعل الشماس يزداد تأثرًا بها، ويزداد إصرارًا لما يفكر به، حتى لو كان على سبيل حياته هو.

غادرت شموس قاعة والدها، وبمجرد تخطيها للباب تعاظم شعورها بالنفور، وكأن من كانت تبكي منذ لحظات ليست هيّ، وكل هذا يتعاظم بقربها من العابر ومالك ختم العقرب الحارق، أما الشماس بمجرد مغادرتها استشعر بقواه شيئًا، مما تتطلب منه استدعاء حسن في التو واللحظة، وحين قَدِّمَ حسن، أخذا يتجاذبان أطراف الحديث، فأخبره مما تشتكي شموس، وأنه لا بد لهم من التحرك بسرعة البرق، وأخذ الشماس يُلقي على حسن بما يفكر، وما أستشعره بمجرد خروجها من عنده، ليتعالى الرفض تارة والقبول تارةً أخرى من حسن، ولا أحد يعلم ما تم الإتفاق عليه، فقد تم الأمر بينهما فقط، وبسريةٍ تامة، وبدأ كل منهم باتخاذ التدابير، لإتمام الأمر على أكمل وجه، ودون إثارة للشكوك، حتى لا يعلم العابر ويُلقي بسمومه بعقل شموس، وتضيع فرصة محاولتهم إنقاذها.

مر يومان، وما زالت الترتيبات تسير بهدوء، وازداد فيهما اقتراب حسن من شموس، لحمايتها وفرض سيطرة ختمه عليها أكثر، ولتكون الغلبة له بالنهاية، ولا أحد يعلم ما يجول بعقله وعقل الشماس.

_ حدثيني عن طفولتك، وعن عائلتك، وما تذكرين عنهم.

_ سبق لي وأن حدثتك، وأخبرتك عن ذكرياتي وعائلتي وما أذكر منهم.

_ أعلم، ولكن حدثيني عنك، أريد أن أعلم من هم عائلتك ظِلال، واسم كل فردٍ منهم لو أمكنك التذكر، أود معرفة كل شيء عنك يا خاطفة.

_ ها قد عدنا لخاطفة، ألن تتوقف عن ندائي بها.

_ وأنتِ، ألن تتوقفي عن المراوغة، وادعائك بعدم سماعي، وتجاهل اعترافي الذي خصصتك به.

_ حسنًا، حسنًا، لن أُراوغ، ولكن لنعد لأمر عائلتي، أما عن عائلتي فما أذكره أن اسمي ظِلال محمد، وأمي كان يدعوها أبي بنور حياته، ولا أعلم إن كان اسمها أم لقبًا منه، وشقيقتي...

وما كادت شموس تنطق باسم شقيقتها، إلا واستمعت لنداء درعها الحامي، واقترابه من مجلسهم مهرولًا، يُخبر حسن بأن الباب قد فُتِح، وأن بإمكانه العودة إن أراد، أو البقاء هنا.

فماذا سيختار حسن؟ هل سيختار العودة لأجل من ترك خلفه وإتمام العهد؟ أم سيختار البقاء لأجل من أحب وحفاظًا على حياتها؟

يتبع الفصل العاشر  اضغط هنا 
الفهرس يحتوي على جميع فصول الرواية كاملة :"رواية المرآة وابنة الشماس" اضغط على اسم الرواية 
reaction:

تعليقات