القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية المرآة وابنة الشماس الفصل الثامن8 - أحلام حسين

    رواية المرآة وابنة الشماس البارت الثامن   بقلم أحلام حسين غنيمات



 رواية المرآة وابنة الشماس  الفصل الثامن8


سارا متجاوران، وحين اقتربا من الوصول لقاعة الطعام، شعرت شموس باحتراق بسيط في منطقة معينة من ظهرها أسفل كتفها، وما كان ذاك سوى ختم العقرب، الذي خُتمت به شموس بحلول أولى خطوات العابر الجديد أرض الشماس، فما كان منها إلا أن ارتفع صوتها صارخًا، مما لفت نظر حسن المتقدم عنها بخطوات بسيطة، مما جعله يقفز لها خائفًا عليها.

_ ماذا حدث؟ هل أصبتِ بشيء؟

_ لا أعلم، أشعر باحتراق مفاجئ أسفل كتفي.

_ ربما أنهكت في التدريبات، لهذا تشعرين بذاك الألم.

_ لا، لم أنهك نفسي، فأنت بالقريب العاجل ستتمكن من قواك بشكل ممتاز، لأنك سريع البديهة.

_ إذن ماذا هناك؟ لما هذا الألم المفاجئ؟

_ لا أعلم، وهيا بنا فقد اقتربنا، وهم بانتظارنا أكيد.

عادوا للسير مجددًا، إلى أن وصلا إلى قاعة الطعام، فما إن وقعت عينا الشماس على ابنته، حتى استشعر وجود خطب ما بها، نظرًا لملامحها المتألمة الواضحة لعين أبٍ يحفظ تفاصيل أبنائه، فما كان منه إلا أن انتفض قائمًا مهرولًا لها، يتساءل عما حلَّ بها، فَهَدأت من روعه، قائلةً أنها بخير، وليس هناك داعٍ لكل ذاك القلق، فلم يقتنع الشماس بإجابتها، وتوجه بالسؤال لحسن علَّه يُجيب، فما كان من حسن إلا أن أجابه صادقًا، بأنها شعرت فجأة بالألم والاحتراق في ظهرها وتحديدًا أسفل كتفها، فأصيب الشماس بالهلع، خوفًا عليها، وخوفًا من أن يعود الماضي بكل أوجاعه وألآمه، ماضٍ أخذ منه أخاه الحبيب، وسيد عالمهم السابق؛ حين خُتمت زوجته بختم حارقٍ سام، فما استطاعت المقاومة والتصدي لتبعات هذا الختم، وما استطاع أخاه الصمود كثيرًا خلف قرينته الرفيقة، صمتٌ عمَّ أرجاء القاعة، بعد ما قاله حسن، فكلٌ فرد من الأفراد المتواجدين بالقاعة يعلم جيدًا الماضي الأليم، الذي حلَّ على أرضهم جراء هذا الختم، لكن حسن الوحيد الآن الذي يقف جاهلًا لما كان، فما كان منه إلا أن تساءل عن علامات الصدمة الجلية على مُحيا الجميع، وما إن قال شيئًا خاطئًا، فما كان من الشماس إلا تدارك نفسه، وتحلى بالثبات لو قليلًا فالقادم لا يبشر بالخير أبدًا، فأمر الحراس بمرافقة شموس لمخدعها، وطلب المعالج لها، وما إن غادرت شموس برفقة الحرس؛ حتى خَارَّت قوى الشماس الظاهرة، وجلس على مقعده مُنكِسَّ الرأس، حزين لا يعلم ماذا يفعل لإنقاذ ابنته، فما كان من حسن إلا أن اقترب منه متسائلًا ما الأمر، وماذا حدث لكل هذا الاضطراب الذي يراه بين الجموع، فأجابه أحد أفراد المجلس، بأنها قصة ماضية وبدأت بالتكرار، فطلب منه أن يوضح الشرح ويسترسل، فما كان منه إلا أن شرح قصة الختم الحارق لحسن، وأن هذا الأمر عاد للتكرار، ليسقط قلب حسن في هوة سحيقة من الخوف، الذي استحكم عليه، فما كان منه إلا أن يهتف بهم مستجديًا الحل، فأجابه الشماس وقتها أن لا حل، فللختم سلطة على مالكه، فانتفض حسن مجددًا صارخًا كيف لها أن تُختم بِختم جديد، وهو صاحب الختم الأول والآخر ولا مالك سواه، وهو قرينها الرفيق ولن يكون هناك سواه مهما حدث، فحاول الجميع تهدئته، إلا أنه لم يهدأ، وأصبح يسير هنا وهناك متخبطًا باحثًا عن الحل، فهل من حل لنجاة شموس؟ أم أن القادم أصعب.

بعد مرور بعض الوقت، استأذن المعالج للدخول لحضرة الشماس، فأمر الشماس بدخوله سريعًا، فبدأت الأصوات تعلو بالقاعة، متسائلين جميعًا، متأملين أن تُخطئ ظنونهم، وأن تكون العلامات الظاهرة على شموس وشعورها بالاحتراق، ما هو إلا جراء التعب من التدريبات أو أي شيء عدا أمر الختم، إلا أن المعالج أحبط ظن الجميع بأن أكد على ختم شموس بختم العقرب الحارق، وأنها ستبدأ بالتأثر به قريبًا، وستظهر عليها علامات التبدل والنفور والكره للجميع، وربما وصل بها الأمر لأذية كل من تحب إذا طُلب منها ذاك، والخوف الأعظم الآن أصبح مركزًا نحو الشماس المستهدف الأول لهذا الأمر، فأصيب حسن والشماس بالخوف، وتعاظم القلق لديهم، كُلًا منهم يمتلك نحوها خوف مختلف، أحدهم خائفٌ مرتعب على ابنة رباها فأحسن تربيتها وكانت عوضًا له عن كل مُر، وأحدهم خوفٌ على حبيبة وخاطفة انتظرها دهرًا لتظهر فتلقي ظِلالها عليه فتستكين روحه بها، أما أعضاء المجلس بدأ كل منهم بتنفيذ ما يراه صائبًا بهذا الوقت، وأولها تأمين الحماية الكبرى للشماس، فقد ثبت لهم الآن أنه المستهدف الأول والهدف الرئيس لهذا الفعل، فمن قام به أراد قتل الشماس بأبشع الطرق ولا يوجد أبشع من قتل الأب على يد ابنته الغالية.

مر الوقت، واستعادت شموس نشاطها وثباتها، وقدرتها على تحمل الألم، فما عادت تشعر به كما السابق، ولم تعلم بأنه توغل بجسدها وعقلها، وبدأ بث أولى سمومه عليها، فبدأت شموس الآن بالنفور والشعور بأحاسيس ما كانت تمتلكها سابقًا، ككرهها لهذا العالم ورؤيته بصورة مخالفة لما كان عليه بنظرها سابقًا، فما عادت تراه جميلًا مشرقًا بهيًا، بل بدأت تشعر بالاختناق فيه وكأن أحدهم يقوم بالضغط على عنقها لتزهق أنفاسها، مما زاد الأمر سوءًا وازدياد شعورها النافر من هذا العالم بما فيه، فبدأت بالخروج علَّها تستعيد نفسها، وتشعر بالتحسن ظنًا منها بأنها متعبة فحسب، ولم تعلم بأن هذا تأثير الختم عليها، فكما كان سيطرة ختم القرين الرفيق عليها بالحب وعدم السيطرة على تصرفاتها، سيكون لختم العقرب الحارق سيطرة مماثلة بالكره والبغض وأذية من تحب، فمَنْ مِنْ كِلا الأختام ستغلب سيطرته على الآخر، ومن منهم سيفوز بمالكه.

وأثناء تنقل شموس بين الأراضي والزهور، وشعورها برغبة حارقة بإحراق هذه الزهور البيضاء نقية اللون، فما كادت أن تفعلها إلا أن صوت حسن جذب انتباهها، وألهاها عما كانت تنوي فعله، لتنظر له مستجيبة لندائه باسمها.

_ شموس، كيف أصبحت الآن؟ هل أنت بخير؟

_ لماذا؟ هل تراني أقتل نفسي حتى لا أكون بخير.

رد شموس الحاد على حسن أعلمه بأن الختم بدأ سيطرته عليها، ولكن لن يكون حسن إن لم يجعل السيطرة الأقوى لختمه، كما أخبره الشماس منذ بعض الوقت، بأن عليه التواجد حولها ومعها كثيرًا، حتى تكون السيطرة الأغلب لختمه، فلا يتمكن منها ختم العقرب، إلي أن يتم إيجاد العابر المتسلل ومالك الختم الحارق، ليتم إزالة ختمه عنها وسيطرته عليها، بما أن شموس مختومة بختم القرين الرفيق المملوك لحسن قبلًا، قبل أن يُحكم سيطرته عليها كما فعل مع زوجة أخاه الراحل، فهناك أمل إن تم إيجاده أن تُنقذ شموس، ولا يحل بها ما حلَّ بزوجة أخيه، التي لم يتمكن أحد من إيجاد العابر المتسلل لأرضهم وقتها، ولم يعلم أحدهم بأن العابر قريب من شموس ومن الجميع، فهو الآن أحد أفراد حرس الشماس المستجدين، ومن ضمن المكلفين بحماية شموس، وله سيطرة كبرى عليها كسيطرة حسن، بسبب قربه الشديد منها، بل لرُبما كان أكثر قربًا من حسن نفسه، فحسن يتركها أحيانًا، أما هذا فمرافق لها في كل مكان، حتى عندما تأوي إلى مخدعها، يبقى بالقرب منها، مما سيجعل السيطرة الأكبر له ولختمه بابتعاد حسن عنها، حينها يكون الخوف الأكبر من شموس، فلن تكون قادرة على التحكم بتصرفاتها، وستكون تحت سيطرة ختم العقرب الحارق، فهل ستدوم سيطرته؟ أم أن ختم حسن سيجعل منها أقوى ويدفعها للمقاومة.

_ لا، بل أراكِ بأفضلِ حال، مشرقةً بهية يا خاطفة.

استفزت شموس كلمة خاطفة، مما جعلها تخرج عن طورها، ويملأ الغضب ملامح وجهها البهي، وتنتفض صارخةً به:

_ ما بك يا هذا، ألن تملَّ من تذكيري بخطأي وجلبي إياكَ ها هُنا.

_ هذا وخطأك، ماذا تقولين؟، ألا تعلمين لما أدعوكِ بالخاطفة.

كانت هذه كلمات حسن، التي رد بها على كلمات شموس، التي آلمت قلبه العاشق، الخائف على محبوبته، ويشعر بالقلق تجاهها، لكنه يعلم الآن أن هناك سيطرة أخرى تتحكم بأقوالها وانفعالاتها، مما يجعله يلتمس لها العذر.

_ لا، لا أعلم، فلم تخبرني سابقًا، ولكنك تشعرني بأنني أخطأت بجلبك لهذا العالم، وها أنا ذا أقر وأعترف بخطأي فما كان عليَّ جلبك، والسماح بعبورك.

_ حسنًا، لتهدأي سأخبرك، فأما الخاطفة فأدعوكِ بها لخطفك قلبي وعقلي وجُلَّ كياني، أنتِ من جعلت من الشخص الثابت الرزين بداخلي يهتز، ويخرج عن السيطرة عن نفسه وثباته، من جعلت مني لا أعلم بأي أرض أقف ولا أي موضع أنا، من أتوه بمجرد النظر لعيناها، أنتِ خاطفةُ نفسي وقلبي، أعجبك هذا أم لا فلن أتنازل عن حقي بك، ولا تظني بأن للختم سيطرة على قلبي أعمق من سيطرة عقلي، الذي خُطف بنظرةٍ ألقتها عيناي ووقعت عليك يا خاطفة، فأنا انتظرتك دهرًا طويلًا لتحتلي عالمي وكياني، أما الختم فاختار ما كان مقدرًا لنا منذ الأزل، وأما عن خطأك المدعى بجلبي وعبوري لهذا العالم، فقد كان أجمل خطأ، وأفضل الأخطاء المرتكبة على الإطلاق، والآن ألا زال لديك شكوك وهواجس تعانين منها بسبب لقب الخاطفة يا خاطفة.

قال حسن كلماته تلك والإبتسامة تزين محياه الندي، فأخيرًا نطق لسانه بما يعتمل قلبه، فأراح قلبه وأحكم سيطرته على عقله، الذي جعله يتوقف عن الضغط عليه بعهده المقيد، وتناساه حتى لو كان لفترةٍ وجيزة، على أمل إنقاذ شموس، وإبعاد شر الختم المسيطر عليها، أما شموس، فما كان منها إلا أن اختلفت ملامحها، وتعاقبت بين متفاجئة ومسرورة لذاك الاعتراف، ومِنْ مَنْ الشخص الذي مالَّ قلبها له، وفقدت السيطرة بحضوره، سواء كان ذلك الفقدان بسبب الختم أو لسببٍ آخر، إلا أنها تشعر بشعورٍ مماثل لشعوره، ولكن الآن هناك ما يمنعها من البوح، ويضغط بقبضته على قلبها، حتى لا ينطق لسانها ما يتمناه قلبها وموطن أسرارها، فما كان منها إلا أن إبتعدت عن حسن مغادرة، لكن غادرت بقلبٍ يتراقص فرحًا مع إحكام قبضةٍ مريرة لقلبها الصغير، الذي يتمناه أكثر من أي شيء ويبغضه نافرًا منه بلا سبب مبرر، سوى أن سيطرة الختم الحارق ازدادت قوة بابتعادها عن من يرغبه القلب ويتمنى وصاله.

فهل سيحكم ختم العقرب الحارق سيطرته على شموس؟ أم هل سيتمكن حسن من إحكام سيطرته أكثر منه، وأكثر من سيطرة أي ختم، وهل سيتم كشف العابر ذو الختم الحارق؟ أم سيبقى مجهول الهوية طويلًا، حتى يفرض سيطرته الكاملة على جسد شموس، كل ذاك وأكثر من تساؤلات لا بد لنا من أن نعلم إجابتها، لكن ممن..



يتبع الفصل التاسع اضغط هنا 
الفهرس يحتوي على جميع فصول الرواية كاملة :"رواية المرآة وابنة الشماس" اضغط على اسم الرواية 
reaction:

تعليقات