القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية المرآة وابنة الشماس الفصل السابع 7- أحلام حسين

  رواية المرآة وابنة الشماس البارت السابع   بقلم أحلام حسين غنيمات



 رواية المرآة وابنة الشماس الفصل السابع 7

تم الإتفاق على إكمال شموس تدريباتها لحسن، بتواجد الشماس شاهدًا على ما قيل، فسار كل منهم متجاوران متوجهان لساحة التدريب، وكلٌ منهم في سحابة من المشاعر الهائجة، والفَرِحَة لتواجدهم متقاربان، كُلٌ يشعر بالراحة والقوة تارة، والتخبط تارةً أخرى، فبلحظة يتحكم العقل، وباللحظة الأخرى يتحكم القلب، فمن منهم ستكون له الغلبة والسُّلطان؟.

_ أين وصلت بتدريباتك حسن؟ كان هذا سؤال شموس الموجه لحسن لحظة وصولهم ساحة التدريب.

_ ما زلت أتدرب على قراءة الأفكار، فكما تعلمين ليست بالأمر الهين، هل يمكنني أن أتخطى الأمر وأبحر في أفكار البعض دون علمهم وسماحهم لي بذلك؟.

_ أجل يمكنك ذلك، كما يفعل أعضاء المجلس لسلامة هذا العالم من العابرين، فهناك من يعبر ليجلب الهلاك لعالم الشماس، وقتها يتعين عليهم التوغل بأفكار العابر الجديد لِيُعلَمَ صفاء نيته نحونا، وإن ثبت العكس، يُنفى لعالم آخر لن يستطيع فيه العودة هنا أو لعالمه، فلا ضرر ولا ضرار وقتها.

_ أتعنين بأنه يمكنني أيضًا قراءة أفكارك دون طلب الإذن! ألم يكن ذلك غير مسموح لحماية الخصوصية؟

_ أجل، ولكن هناك من يفعلها لمعرفة مشاعرنا تجاهه أو التأكد منها، غير أننا هنا لا نُكن الضغينة لبعضنا، بل كُلٌ منا يرجو الأفضل للبقية.

_ ليت هذا الأمر كان متواجدًا في عالمي، فهناك تكثر الضغينة والحقد، وتكثر المكائد، وتكثر الجرائم والتجاوزات بداعٍ وبغير داع، كل مسؤول يسعى نحو المكانة والمنصب، وحين يتولى زمام الأمر يتناسى الشعب ومن كان له داعمًا، رأيت بعالمكم ما أرغب رؤيته بعالمي، وليتني أراه، لكن النفس البشرية خُلقت أمارة بالسوء.

قال حسن كلماته وهو يشعر بالسوء، مما كان يراه من تخاذل من كل ذو سلطة، ومن استسلام من شعوب قُهرت وذُلت، أما شموس فشعرت بالأسى نحوه، لما رأته من حزن بعينيه، وجرحٍ غائر في نفسه.

_ لا تشعر بالحزن حسن، فكل عالم وُجِهت أموره بإرادة ملكية أسمى وأعمق من إرادة الجميع.

_ صدقتِ يا خاطفة.

قال حسن كلمته ولم يشعر بأنه نطقها على مَسْمَعٍ من شموس، بل ظن نفسه ينطقها بقلبه.

_ ماذا قلت؟ لما تناديني بالخاطفة! كل هذا لأنني جلبتك لهذا العالم، لِتَعلم إذن بأنني وقتها لم أكن المتحكمة بالأمر.

_ ماذا؟ متى قلت هذا؟

_ الآن منذ لحظة.

_ لم أشعر بذلك، أنا آسف، ولا ليس لأنك جلبتني ها هُنا، وكيف لك بأن لا تتحكمي بالأمر.

_ لا أعلم، لم أكن أرغب بجلب من يعاني كما عانيت أنا سابقًا وما زلت أعاني، لكن وقتها كان عقلي رافضًا لما أفعل، وجسدي يقوم بعكس الفعل، هذا كل ما أعلمه.

وقتها شعر حسن بأن لما قاله الشماس بخصوص القرين الرفيق له علاقة بالأمر، وأن شموس وقعت تحت تأثير الأمر، وأيُّ أمرٍ ذاك، من جعله حبيسًا هنا، لا يقوى على العودة قصرًا، ولا هو راغبٌ فيها، فإذا عاد تأذت من هو أصبح لها مُحبًا، وإن لم يعد تأذت من هيَّ مربوطة بعهد كَبلَّه معها، ولكن لفت نظره بأن شموس بدأت بالتحدث عن نفسها، والبوح بأنها عابرة مثله، فسألها دون مواربة للأمر:

_ منذ متى وأنت ها هُنا؟

_ منذ سنوات كثيرة، لم أعد أحصيها، عبرت أنا كما عبرت أنت، وأغلق الباب خلفي كما أغلق خلفك، فأصبحت حبيسة هذا العالم، الذي أهواه، رغم بعدي عن من فارقت.

_ من فارقت؟ ومن عائلتك؟ ألا زلت تذكرين أحدًا منهم؟

_ أبي وأمي وشقيقتي الكبرى، أما عائلتي فلا أذكر الكثير عنها، فقد كنت ما أزال صغيرة، أما تذكري لهم، فما زلت أذكر أحضان والدتي الآمنة، ومداعبات والدي الحنون، وملاعبة شقيقتي لي رغم الفارق الكبير بيننا بالسن،

قالت كلماتها وهي تشعر بالحنين لتلك الذكريات، التي أشعل فتيلَّها أسئلة حسن، الراغب بمعرفة كل ما يخصها، علَّه يقدر على مساعدتها في العودة إذا فُتِح الباب لكليهما، لكن المعضلة أن الباب لن يُفتح إلا لحسن حاليًا، فما زال الأمل قائمًا على أن يقوم أحد والديه بفتحه له، فما سيكون مصير شموس إن هو عاد وبقيت هي تصارع هنا مصيرها المحتوم، جراء فراقها عن قرينها الرفيق، وهل سيرأف الختم بصاحبته ويُمدها بالقوة؟ أم سيستنزف قواها واحدةً تلو الأخرى، إلى أن تهلك روحها ويهلك معها جسدها، فيسقط صريعًا مفارقًا العالم والأحبة.

_ هذا يعني بأنك لا تذكرين من أي عائلة أنت، لا تملكين سوى الذكريات المختزنة بذاكرتك لهم.

قال حسن كلماته، ولم يخطر بباله أن يسألها عن أسماء أفراد عائلتها، ولو سأل لعلم بأنها شقيقة والدته الغالية المفقودة، التي لم يسمع بقصتها سابقًا، ولم يعلم بوجودها قبلًا، وهنا ظهرت المعضلة الأكبر بحق، فقد أصبحت شموس محرمة على حسن، وأصبح الوصل منها غير ممكنًا، فهل شموس محرمة حقًا على حسن؟ وهل يُخطئ الختم باختياراته؟ ومتى ستظهر الحقائق والوقائع؟ التي تمكننا من معرفة الأمور بشكلٍ صحيح وصورةٍ سليمة، دون أخطاء، دون تفكير مشتت، دون موانع للوصل، لمن بدأ قلبيهما بالميلان كلٌ لمالكه والتحرر من قيدٍ فُرِض على قلب كِلاهُما.

_ أجل، لا أذكر سوى ذكرياتي التي يختزِنها عقلي، وكنت أود أن أذكر أشياء أخرى لكن لم أستطع ذلك، فالذكريات تلاشت وانحصرت من عقلي يومًا بعد يوم.

_ أنا آسف حقًا، لما جعلتك تشعرين به بأسئلتي، ولكن توجب عليَّ السؤال، فربما كنت أعلم من أي عائلة أنت، أو أحد أفراد عائلتك، ولكن للأسف لم تُجدي أسئلتي نفعًا، وما جلبت عليكِ سوى الحزن والألم للذكرى.

ولم يعلم حسن بأن شموس ما عادت تتألم كالسابق، بل إعتادت على الألم وترعرعت بأحضانه، كشخص محترق بين النيران، جسده أصيب بالتشوهات، وقلبه كحديقة أزهار ماتت وذبلت من الألم، تنتظر من يقوم بِسُقياها، لِتورق وتُينع جاذبةً أنظار الجميع بجمالها وعَبقِها الأخاذ.

_ لا تأسف، فما عاد شيءٌ يؤلمني، فقد اعتدت ذلك منذ سنوات، واستعادتي للذكريات يجعلني أشعر بأنني ما زلت حيةً أُرزق، وأنه ما زال هناك أملًا قائمًا لعودتي، وجعل الذكرى حقيقة ملموسة، تُفرحُني وتحيي قلبي على أمل اللقاء.

وهل حقًا ستعود شموس لتحيا الأمل؟ أم أن حق العودة أصبح أمرًا محرمًا على صاحبته؟ أم أن للقدر رأيٌ آخر؟.

_ هيا بنا للتدريب، فقد استنزفنا الكثير من الوقت بالحديث، ولا بد لك من إتقان قوانا هُنا؛ حتى لا تكون عبئًا على غيرك.

استعادت شموس رباطة جأشها، بعد حديثها مع حسن، رغم الألم الذي شعرت به جوارحها، إلا أنها فتاةٌ ما زالت تتحلى بالصبر، وبعضٌ من إيمان بأن القادم أفضل بالتأكيد.

_ حسنًا هيا بنا، لكن لنا حديث آخر بالتأكيد.

_ بالطبع، فالأحاديث لن تقف بيننا هنا.

بدأ الإثنان باستئناف تدريباتهم المتوقفة، ولاحظت شموس تقدم قدرات حسن، فقد أصبح يخترق أفكارها بسهولةٍ أكبر من ذي قبل، مما أشعرها بأنه سوف يستغني عن مجهوداتها، وتدريباتها في القريب العاجل، فقد اتضح بأن حسن شخص عالي القدرات، ولديه من الذكاء ما مكنه من استيعاب التدريبات بسهولة، دون جهد وعناء كبير، كغيره ممن عبروا لهذا العالم من أبوابه المتعددة، منهم من استطاع العودة سريعًا، ومنهم من لم يستطع ليومهم هذا كحال شموس.

_ أحسنت، دعنا نسترح قليلًا ونعاود التدريب بعد قليل.

_ حسنًا، كما تريدين، وهل بإمكاننا متابعة حديثنا السابق؟

_ يمكنك متابعة الحديث، وأيَّ حديث تريد، سَل ما شئت.

_ هل شموس اسمك الحقيقي؟ الذي جئت به لهذا العالم، أم أن أحدهم قام بإطلاقه عليك ليتناسب وأسمائهم هنا.

_ لا، ليس اسمي، ولقد أطلقته عليَّ أشماس بعد فترةٍ وجيزة من إقامتي هنا، حتى يتم تمييزي عن بقية العابرين، وأُعرف بابنة الشماس، فلا يعلم أحد بأنني عابرة سواك وأهل هذا العالم ومجلسه.

_ إذن ما اسمك؟ ولما تم تمييزك عن البقية؟

_ أما اسمي فهو ظِلال، وهو أيضًا له علاقة بالشمس، فهو الخيوط المنبعثة من الشمس، أما لما تم تمييزي عن البقية، فلأنني تربيت هنا، على غِرار البقية ممن عبروا، أهذا تبرير كافٍ لك؟ أم لا زال لديك سؤال آخر؟

ظلال، أخذ حسن يتلذذ بنطقه لاسمها الحقيقي، فها هو اسمها أيضًا جميل كجمال الأشعة المنبعثة من جمال محياها، خاطفته وخاطفة روحه وقلبه، ألقت ظِلالها على قلبه فأنارته، وروحه التي امتلأت بالنور كأشعة شمسها الملقاة على التلال الخضراء، ولم يُلقي بالًا لحديثها المستكمل، فقد أصبح الآن في عالمه الخيالي، الذي تتربع فيه هي وظِلالُها الملقاة على رُبوع روحه ووجدانه.

أما هي، فقد تاهت بملامحه السمراء الهادئة، وتعابير وجهه الهائمة في ملكوت آخر، ولم تعلم بأنها ذاك الملكوت، الذي يجعله غائبًا عن الدنيا وما فيها، وهي أصبحت غائبةً أخرى، حالُها كحاله تمامًا، هائمة في ملكوته، وكل منهم تائه في أحاسيسه المندفعة، الوليدة بقوة تجاه الآخر، ولم يتوقف ذلك التوهان، إلا بقدوم أحد حراس الشماس، يستدعيهم لتناول الطعام بحضرته.

غادر الحارس، وبدأ الإثنان باستعادة ثباتهم، وأخذا السير متجهان إلى مكان قاعة الطعام، المتواجد فيها الشماس وبعضٌ من أفراد مجلسه، الذين يتشاورون بأمور عالمهم، وكيفية إبقائه محميًا من أي عابر يُفكر في غزو هذا العالم والتسبب بأذيته وأذية أفراد شعبه، ولم يعلم أحدهم بأن هناك عابر جديد، تسلل متخفيًا لأرض عالمهم، ليتمكن من قلب الشماس، وأيَّ تمكنٍ هو ذاك، فهو التعدي على أقرب أحبائه، المتمثل بشموس ربيبته، وعوضه الجميل عن أشماس، فإن لم تتمكن من عودتها لوطنها ستصبح حاكمة هذا العالم من بعده، بعد أن قام الشماس بتنصيبها وليةً للعهد، ولم يعلم الجميع بظهور ختمٍ جديد على ظهر شموس، متمثل بشكل العقرب، ومتحكم جديد بتصرفات شموس، التي ستبدأ بالظهور تباعًا، وستزداد قوتها بمغادرة حسن لهذا العالم، حسن ومغادرته، التي ستفعل الأفاعيل بقلب شموس، وستنهي قدراتها، وتبدأ قدرات ختم جديد لا يريد لها سوى الزوال من هذا العالم، ليتم كسر قلب الشماس عن طريق موتها، ولم يعلم من أرسل هذا العابر بأن شموس من الأساس لم يعد لها وقت كثير بهذا العالم، فقد وقع إختيار الختم لها على عابر مُلزمٌ بعهد عليه العودة لأجله، مهما بلغ عشقه وهواه، فإنه سيختار دائمًا التزامه بعهده، حتى لو تحطم قلبه وقلوبٌ أخرى بصحبته، أما الختم الجديد فبمجرد مغادرة حسن فسيبدأ بث سمومه بجسد شموس، حتى لا تتمكن من المقاومة، وإن قاومت لن يكون عليها إلا أن تُصبح مملوكة لصاحب الختم الذي ما يزال بعالمهم، وما هو إلا ختم العقرب السام، الذي سيسمم أفكارها، ويجعلها تكره وتؤذي الجميع، وسيتمكن منها بفرض سيطرته وأوامره عليها.

ترى هل سيتمكن العابر الجديد من بث سمومه بأفكار شموس والتلاعب بها؟ وهل سيتمكن من النفاذ إلى روحها والتلاعب بها؟ وهل سيتمكن الختم الجديد من التحكم بها؟ وهل ستفقد قدراتها بمجرد مغادرة حسن للعالم؟ وهل ستؤذي الشماس إذا أُمرت بذلك؟ أم ستقاوم أوامر الختم الجديد، وتختار أن تفنى روحها وتغادر الجسد، على أن تؤذي الشماس وأفراد عالمه الذي أحبت، كل هذه تساؤلات لن يجيب عليها سوى شموس، ومقاومتها التي ستحدد إن كانت قويةً بما يكفي لتجاوزها سموم الختم الجديد

يتبع الفصل  الثامن  اضغط هنا 
الفهرس يحتوي على جميع فصول الرواية كاملة :"رواية المرآة وابنة الشماس" اضغط على اسم الرواية 
reaction:

تعليقات