القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية المرآة وابنة الشماس الفصل الحادي عشر 11 - أحلام حسين

    رواية المرآة وابنة الشماس البارت الحادي عشر     بقلم أحلام حسين غنيمات



 رواية المرآة وابنة الشماس  الفصل  الحادي عشر 11

عاد الشماس مسرعًا ليحتضن ابنته، فهو الأدرى الآن بما تعانيه، وما سيحِل بها لمفارقة قرينها الرفيق، والأدهى أن الأمر لا يتوقف على المفارقة التي حلَّت، بل الأمر أصبح أكثر صعوبة بوجود الختم الحارق، وما إن وصل حتى ألجمته الصدمة، بمشاهدته انهيار شموس الذي لم يسبق له أن رَآهَا عليه، حتى في أصعب لحظات حياتها، فأخذت خطواته بالإسراع ليصل إليها، وما أن اقترب منها حتى علا صوت نحيبها، فأخذ يُهدأ من وقع الألم القابع بنفسها، ولكنه الأكثر علمًا الآن بأن الألم سيتضاعف، إلى أن يقضي على قواها، أو يُجهِز على آخر أنفاسها.

_ بنيتي وقرة عيني، عوضي الجميل، لا تحزني يا قلب أبيكِ وروحه، فأنا لا أقوى على رؤية ألمك، تتمزق روحي لمعاناتك، أعلم أن الأمر صعب، ولكنني أعلم بأنك أقوى من كل صعب، ولولا علمي لما سمحت له بالمغادرة، فاهدأي يا قلب أبيكِ وروحه.

_ لقد تخلى عني، تخلى وهو يعلم بأنني بأمس الحاجة له، لم ينظر خلفه أبي، لم يعبأ بما سَيحِلُ بي، ذهب، ذهب وترك خلفه قلبًا يتمزق بهواه، لم أختره أبي، أنا لم أختر ذاك الألم النابع بثنايا قلبي، لم أختر صاحب الختم، بل هو من اختارني، اختار وأنا انسقت خلف ذاك الخيّار فاقدةً القدرة على نفسي وذاتي، أنت الأعلم أبي بأنني لن أسمح بِذُل ذاتي، لم ولن أطلب من مخلوق أن يبقى لأجلي، عليه أن يختارني لذاتي، لا لرجاءٍ مني بأن يبقى، وهو اختار ولم يُتعب نفسه بالاختيار، بل كان القرارُ سهلًا جدًا، سهلًا لدرجة العبور دون نظرةٍ أخيرة، تاقت لها روحي وعيني.

عبرت شموس عن ألمها بالدموع المتلاحقة على خديها، والكلمات خرجت من رحم المعاناة التي بدأت بها منذ خُتِمت بِختم القرين الرفيق، وسيطرته الكبرى على قلبها الخام، قلبها الذي لم يطأ الحب أبوابه سابقًا، ذاك القلب الذي احتله مالك الختم وأحكم احتلاله.

_ وما أدراكِ بأن القرار كان سهلًا، ألم تري المعاناة بعينيه كما تُعاني، منذ البداية كان لا بد لك من توقع نهاية الأمر، فكما قال سابقًا حينما حلَّ بأرضنا، أنه جاء زائرًا لا مقيمًا، وحسن للحق كان خير زائر، وهو لم يختر أن يكون مالك الختم كما لم تختاري أنت، كما لم يختر أن يكون مكبلًا بعهد لأجل آخرين، وهل كنت بالقرب من الباب وقت عبوره؟

_ لم أرى سوى أنه تخلى عني، لم أرى شيئًا سوى ذاك الأمر، وكيف لي بتوقع كهذا أمر أبي، وأنت تعلم بأنني أكثر من عانى بسبب الباب والعبور، لم أتوقع لم أتوقع ولم أُرد ذلك للحق، ونعم كنت بالقرب من الباب، ورأيته حين غادر غير ملتفتًا لما خلفه، كأنه يتوق للمغادرة، وما عادت جوارحه تطيق البقاء على أرضٍ أنا فيها.

_ ولما تظنين به ذاك الظن، كُلٌ منا له أسبابه وطرقه، فلا تكوني قاسية الحكم عليه، فلا أحد يعلم دواخلنا، وإن كنت تريدين لتأكدت من ذلك بتوغلك إلى عقله ورؤية ما يرغب، لما لم تفعلي ذاك بنيتي.

_ لم أرغب بأن أستمع لما يُكِن نحوي، خوفًا من أن تتأكد ظنوني، ويخيب أملي بأن أعلم بأنه لم يُحبني يومًا، بل كان مجرد تلاعب وتسلية.

_ حسنًا اهدأي إذن، فكل مُرّ سيمر، ولعل القادم أفضل.

يعلم بأن القادم أصعب، ولكن عليه تهدئة الوضع، فشموس الآن في مرحلة لن تُجيد فيها حُسن التفكير، ورؤية الصواب.

_ خذي هذه القلادة من يد أبيك، وارتديها حول عنقك لتُزينها، ولا تخلعيها مهما حصل، دعيها بالقرب من قلبك تُحييه.

_ وكيف لها بإحياء قلبٍ قد فارقه أحبائه؟

_ وكيف فارقه أحبائه؟ وأنا لا أزال موجودًا يا قرة العين ونبض القلب وروحه، الآن ارتاحي قليلًا، حتى أرى إذا كان هناك من جديد، بخصوص العابر الآخر.

_ أنت كل أحبائه، ولا غِنًا عنك أبي، وألبسني قلادتك بيديك، واذهب ولا تقلق سأكون بخير.

غادر الشماس بعد أن قلد عُنق شموس بقلادة حسن، وترك خلفه قلبًا بدء بالضعف، خصوصًا ببعد مالكه واختياره المجحف، ومع مغادرته بدأت شموس بشعور جديد ما إن قلدها والدها بتلك السلسلة، شعور وكأن مالك القلب مازال هنا بجوراها، وبقوة تجتاح جسدها، تزيل الهزل الذي بدأ يحتلها بمجرد عبور حسن، ومع ذلك بدأ شعور آخر يتعاظم، وهو ناتج عن المسيطر الآخر والأقوى الآن، بسبب وجوده بعالمهم وقريبًا منها، وبدأت الأفكار تتسلل لعقلها، لتبدأ السيطرة الفعلية الآن وبشكل يفوق التصور، فلقد بدأ صاحب الختم الحارق ببث سمومه داخل عقلها، وعكس ذكرياتها مع أحبائها بهذا العالم، وتصويره لهم بأنهم من يسعون لقتلها وعليها الدفاع عن نفسها، وأكثرهم حقدًا وكرهًا لها الشماس وحسن، أما الشماس فقد أبعد من ملك القلب عنها بقبوله اختياره بهدوء ودون نقاش، وحسن بدأ ببث صور مشوشة لحبه واعترافاته، ليقلبها فتصبح تلك الاعترافات ما هيّ إلا اعترافات مليئة بالبغض وتحميلها المسؤولية الكاملة لجلبه لهذا العالم، فبدل أن تصبح خاطفة قلبه وروحة، أصبحت خاطفة لشخص كاره احضرته لعالم غير عالمه وابعدته عن أرضه ومحبوبته، وكلما بث سمومًا أكثر بعقلها كلما ازداد ضعف جسدها وقدرتها على المقاومة، فماذا فعل الشماس بقبوله لاختيار حسن؟ وماذا فعل حسن باختياره العودة؟ وقد ثَبُتَ الآن سوء الاختيار، فهل حقًا هو اختيارٌ سيء؟

وهناك بمجلس الشماس، كان النقاش دائرًا بينه وبين أفراد المجلس، عن حال شموس وما إذا كانت ستستطيع المقاومة أمّ ستخور قواها بعودة حسن لأرضه، والجميع يعلم بأن قواها ستضعف يومًا بعد يوم مهما طالت المدة، لكن القلق الآن من العابر الآخر، الذي يتربص بهم شرًا، وما زال البحث متواصلًا عنه، لكن ما من أحد تمكن من معرفة هويته، وهذا إن دّل فيدّل على أن العابر ذو قدرات لا يُستهان بها، وهو للحق قد بدأ عمله الموكل به بإتقان.

_ لا يعقل أننا لم نستطع للآن إيجاد العابر، وقد أعلمتُكم بتكثيف البحث، وأخبرتكم بشكوكي بتواجده بالقرب من ابنتي، فتأثيره عليها أصبح واضحًا، لن أقبل بعد الآن بأي تقصير من طرفكم، لن أقف عاجزًا مكتوف الأيدي وأنا أراني أفقدها دون مقاومة مني أو من أفراد شعبي، وتحديدًا بعد مغادرة حسن وازدياد الوضع سوءًا بوجود مسيطر آخر، أعلم بأن وجوده الآن تحديدًا سيفيد ابنتي بشيء واحد وهو إعطاءها المزيد من الوقت للمقاومة، ولكن سيطرته عليها ستدمرها من الداخل والخارج، لتفعل ما لا تريد فعله، أو أن تفكر بأذية أحد منا أو أذية نفسها لتقاوم الشر، كي لا يتمكن منا ومنها.

_ شموس قوية أيها الشماس وستقاوم، ومن أفضل منها فقد استمدت قوتها منك شخصيًا، ومن أحسن منك معلمًا، فقد علمتها ما لم يستطع أبناء شعبُنا على تعلمه.

_ أعلم مدى قوتها، وأعلم أكثر بأن للختم سلطة على مالكه، ولا بد له من فرض السيطرة حتى لو قاومت ذلك، وهذا ما يخيفني.

لم يعلم الشماس بأن مالك الختم بدء فعليًا بالسيطرة وبث السموم بعقل شموس، ليكون هو من أهم أهدافها للدفاع المزعوم عن نفسها، وستبدأ بذلك قريبًا لا محال.

وهناك حيث الفرحة التي ملأت قلوب الوالدان الفرحان بعودة الغائب، كانت السعادة تطغى الأجواء، إلا قلب المحب الذي خَلَّف ورائه محبوبته، فقلبه الآن عَليل، فلا أحد يستطيع الآن جلب الفرحة لقلبه، وتحديدًا بعد أن تنازل عنها بإرادته، لكن هناك أمرٌ لابُد له من البحث فيه، علَّ القلب يهدأ ويستكين، فبدأ حسن بالاستفسار من والدته عن الخزانة، ومن كان مالكًا لها قبل والداها، فأخبرته بأنها لا تعلم، فهي تذكر بأنهم امتلكوها منذ وقتٍ طويل.

_ بني، لما كل هذا الاهتمام بأمر مالكها السابق؟ أخبرني أهناك شيء.

_ أود مساعدة أحدهم للعودة لعائلته، كما عدت أنا، وعليّ الإسراع حتى لا يفقد حياته وأنا هنا، فحياته مربوطة بي.

_ من؟ وكيف لحياةٍ أن تُربط بشخص آخر؟

_ قصة طويلة أمي، وعليّ الإسراع بالبحث.

_ أخبرني علّني أفيدك بشيء.

_ هناك بالعالم الذي عبرت له يوجد ما يسمى بالقرين الرفيق، وهو أن يُختم شخصان بنفس الختم، وعليه فإن كل فرد منهم يكون مملوكًا للآخر، ومشاعره تكون فاقدة السيطرة تجاهه، فإن مات أحدهم لحق به الطرف الثاني لفقدانه قواه وقدراته، وإن قاوم يُقاوم لفترة لا تتعدى الأشهر.

_ وما علاقة ذاك الأمر بك؟

_ هناك يوجد عابرين كُثر، إن تم قبول تواجدهم بالعالم، فأمر الختم يُصبح ساريًا عليهم، لكن المختلف بالأمر بأن على العابر أن يبحث عن قرينه الرفيق، بخلاف أبناء العالم فكل قرين رفيق يولد مع قرينه ويختم بختمه منذ الولادة.

_ تعني بأنه تم ختمك مع فرد آخر بنفس الختم.

_ أجل أمي، فلدي قرينة رفيقة، وهي عابرة مثلي.

_ أتعني بأنها الآن بخطر؟ وأنت تخليت عنها وعدت.

_ لم أتخلى، لم أتخلى.

كان هذا رد حسن الصارخ، الذي بدى الألم على ملامحه وصوته.

_ كيف؟ وأنت تعلم بأنها ستموت، أأحببتها حقًا؟

_ لما لا تقولي بأنني عدت لأنقذها وأبعد الخطر عنها بعودتها هنا، وأجل أحببتها كما لم أحب أحدًا، خطفتني من نفسي وذاتي، ملكت قلبي وأحكمت سيطرتها عليه، فلم أعد أشعر بنفسي ولا أعلم بأي أرض أقف حين أراها أمامي، وما اعادني عهدي الملزم به، وحين عدت ارتحت بعلمي بأن العهد سقط وسقطت معه الأغلال التي كبلتني.

_ جميلةٌ هيّ.

_ أجمل ما رأت عيني، هيّ الساحرة بنظري، لقدرتها بأن لا أرى أجمل منها حتى وإن وجد.

_ ما اسمها؟

_ شموس.

_ أراها ساطعةً بعينيك، كسطوع اسمها.

لترتسم الابتسامة على شفاه حسن مما قالت والدته، ويومئ برأسه موافقًا على قولها.

_ حسنًا، ماذا تعلم عنها وعن عائلتها؟ ألم تخبرك بشيء؟

_ ليس الكثير، فلا تذكر عنهم إلا القليل، والدها يدعى محمد وتذكر بأنه كان يدعو والدتها بنور حياته وهي اسمها الحقيقي....

لتنتفض أنوار صارخة باسم شقيقتها، التي اختفت ولم يعلم أحد عنها شيئًا، ومات والداها كمدًا وحزنًا على فِراقها.

_ ظِلاااال.

_ ما بك؟ هل تعلمين من تكون؟

_ وكيف لي بألا أعلم! هي شقيقتي الصغرى، من فقدناها منذ كانت طفلة، ومات والداي حزنًا عليها.

_ شقيقتك! ظِلال شقيقتك! كيف وأنا لم أسمع بها قبلًا؟

_ فُقدت منذ سنوات طويلة، كنت لا أزال عروسًا، ومنذ توفى والداي أصبح الموضوع مؤلمًا، فلم أعد أحب ذكره أمام أحد، وقبل أن تأتي أنت، فلم يكن هناك من داعٍ لذكر الأمر.

_ تقصدين قبل وفاة والداي.

_ نحن والداك.

_ أعلم أمي، ولم أنكر ذاك يومًا، ما زلت أذكر ذاك اليوم الذي أحضرني فيه والدي محمود، واستقبلتني واحتضنتني، وكنتِ لي خير والدة، وأبي كان خير والد، وكنتما خير من أدى الأمانة بتربيتي ومعاملتي أفضل معاملة.

_ وأنت كنت خير عوض، لمن فقدا الأمل بالإنجاب، فأتيت لتنير حياتنا وأزهرتها بوجودك، وكيف لا نُحسن وأنت ابن أخيه وذكراه الجميلة ممن فقد، المهم الآن ظِلال، ما العائق بعودتها؟ لما لم تعد معك؟

هل ستتمكن أنوار من المساعدة حينما تعلم السبب في عدم عودة شموس؟ وماذا سيحدث مع شموس هناك؟

يتبع الفصل الثاني عشر  اضغط هنا 
الفهرس يحتوي على جميع فصول الرواية كاملة :"رواية المرآة وابنة الشماس" اضغط على اسم الرواية 

reaction:

تعليقات