القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية لقيطة ولكن الفصل التاسع والأخير - إسراء عبد القادر

رواية لقيطة ولكن البارت التاسع والأخير بقلم إسراء عبد القادر الوزير عبر مدونة كوكب الروايات

رواية لقيطة ولكن كاملة

رواية لقيطة ولكن الفصل التاسع والأخير

في بداية الطريق الصحراوي، كان يقف على الرمال الصفراء اللامعة المستمدة توهجها من أشعة شمس الظهيرة الحارقة، بعيدا عن مرأى الأسفلت كي لا يلحظه أحد، يمسك بيمناه حقيبة سوداء تحوي المبلغ المطلوب بعدما استطاع رهن العمارة التي ورثها عن والده كما قام بفكِّ الوديعة التي كانت محفوظة باسمه واقترض لاكمال المبلغ، فما كان يوجد طريق آخر غير ذلك وإلا كيف يسترد من خلَّف غيابها نيرانا تحرقه وألما يعتصر فؤاده!
بعد ثلث ساعة أتته سيارة جيب سوداء كما زجاجها، ترجل منها رجلين مفتولي العضلات بملابس سوداء تميِّز من يعمل مع نضال فقط، اقترب منه أحدهم وعيناه على الحقيبة قائلا:
_ جهزت الفلوس؟!
أماء ريان برأسه في حين انحنى الرجل ليحصل على الحقيبة ولكن أبعدها ريان عن مستواه قائلا بمقت:
_ مافيش فلوس إلا اما اشوف مراتي الأول
اعتدل الرجل في وقفته ثم تقدم وزميله من ريان جاذبا كل منهما أحد ذراعيه نحو السيارة، حيث جلس ثلاثتهم على المقعد الخلفي، ثم غطى أحدهم وجه ريان بعصابة سوداء لئلا يميز الطريق إلى حيث يوجد مخبأ نضال وهي كانت خطة الضابط بأن يعلق جهازا بقميصه من الداخل كي يتغيب إلى أين سيأخذونه فقد كان متأكدا من كون هذه الفعلة وراءها نضال بالتأكيد، وتظاهر ريان أمام العسكري بكونه لم يفتح محضرا حيث مرَّ على الاختطاف دون الأربع والعشرون ساعة! وذلك لأجل العيون التي نصبها نضال في قلب اقسام الشرطة لايصال المعلومات اليه

وعلى الجانب الآخر كانت توجد آسيا التي افاقت قبل ساعتين لتجد نفسها مقيدة بكرسي في غرفة صغيرة ليس بها دهان قليلة الأثاث، فقط بها لوحة مفاتيح كبيرة مكشوفة اسلاكها، حاولت الصراخ ولكن كان لصوت السلاح تأثير أكبر فآثرت الصمت داعية الله ان يخرجها من هذه الورطة على خير، ولم تعلم بعد ما سبب اختطافها اهو للفدية أو لأذى ريان؟ في الحقيقة لا تعرف بل اكتفت بالانتظار علَّ الالغاز تنكشف عن قريب وتخرج من هذه المصيبة دون إراقة للدماء!
اجفلت ما ان سمعت صوت صرير الباب وهو يفتح لتلتفت إليه سريعا مراقبة بعينيها من دلف عبره بطوله الفاره يرمقها مع ابتسامة خبيثة تزين ثغره، لم تنجح بتمييز ماهيته حتى دلفت خلفه فتاة يافعة تمشي بخطوات هادئة تنظر إليها ولذة الانتصار مرتسمة على معالمها، شهقت آسيا بدهشة بينما تقول بعدم تصديق:
_ تمارا؟!
ضحكت تمارا بسخرية قبل ان تقول والشرر يتطاير من عينيها:
_ أيوة يا قلبي تمارا، مخضوضة كدة ليه؟!
تجاهلت سخريتها اللاذعة في حين تهتف باستفهام:
_ إنتي خطفتيني ليه يا تمارا؟ انا عملت لك ايه؟
نال نضال الإجابة عنها قائلا بنفي:
_ لا مش هي اللي خطفتك يا مدام، في الحقيقة انا اللي خطفتك
التفَّت رفع برأسها كي تنظر إليه متفرسة بمعالمه وهي تقول بتساؤل:
_ إنت مين؟
اقترب منها كي يرقب معالمها حينما يقول:
_ نضال النازي
تقلصت معالمها في صدمة يتخللها الفزع حيث لم يدُر بخلدها يوما ان تقابل هذا السفاح وجها لوجه وبهذا القرب، ابتعدت بظهرها إلى الوراء هاتفة بخوف:
_ إنت....
أكمل عنها قائلا باحتقان:
_ اللي جوزك بيحاربه علطول ومش هيتهد إلا اما يموت
شهقت من جديد ولكن بهلع هذه المرة حيث هتفت برجاء:
_ لا أرجوك ما تكلمهوش، انا قدامك أعمل فيا اي حاجة بس بلاش هو
همَّ ليجيبها باستفزاز ولكن قاطعته طرقة الباب ليلتفت نضال نحوه قائلا:
_ ادخل
فتح الباب ودخل عبره أحد حراسه قائلا:
_ ريان هنا يا باشا
_ تمام، انا جاي حالا
ثم خرج وخلفه الحارس متجاهلا نداءات آسيا المتوسلة إياه بالرجوع عن قتله ولكن وقعت الفأس بالرأس ولابد لريان أن يتأدب! اقتربت منها تمارا قائلة بنبرة سمجة:
_ معلش بقى يا آسيا، تعيشي وتاخدي غيرها، ده لو عشتي انتي كمان
هنا تنبهت حواس آسيا إلى تمارا التي كانت تقف إلى جانبها وكل معالم التشفي بادية بوجهها، كما دفع آسيا إلى التحدث مخمنة:
_ إنتي عشيقته؟!
تلبكت معالمها سريعا فور نطق آسيا بهذا السؤال الغير معد له العدة سابقا، حيث نطقت بتعال:
_ وانتي مالك انتي؟
اماءت آسيا برأسها في حين حدجتها بنظرات ازدراء من الأعلى للأسفل مردفة باحتقار:
_ انا اتجوزت على سنة الله ورسوله وعايشة مع جوزي حبيبي اللي إنتي كنتي هتموتي وتتجوزيه، اختارني انا وعيِّشني ف هنا، قوم انتي ماستحملتيش بقيتي عشيقة لراجل مجرم وبِعْتي نفسك ليه عشان كام مليم، بس أقسم لك موتي وموت ريان يستحيل يشيلوا عقدة النقص اللي جواكي ولا هيحسسوكي مرة بالانتصار، عمرك ما هترتاحي بموتنا، إنتي مريضة
اشتعلت عينا تمارا بغضب جم لتتقترب منها حتى صار يفصلهما أقل من متر ثم تقول بشر:
_ انا اللي دخَّلت ف دماغه فكرة انه يقتل ريان والطلقة غلطت وجات عليكي ودفع تمنها ابنك يا مدام آسيا
_ ايييييه؟!
صاحت بها آسيا بذهول بينما أكملت تمارا تقول بتشفٍ:
_ أيوة أنا اللي قتلت ابنك وانتي وجوزك هتحصلوه قريب، ووقتها هسافر انا ونضال وبنتنا بعيد عن المكان ده خاالص
ظلت آسيا صامتة وقد انعقد لسانها وما عادت تستطيع تحريكه بعد تلك الصدمة التي باغتتها بها تمارا بينما في الطابق السفلي، شدَّ أحد الرجال العصابة السوداء عن عيني ريان ليلتفت حوله فيجد المكان صغير الحجم على المِحَارة وتشطيباته الكهربائية غير كاملة حيث لا تزال أسلاكه بالحوائط مكشوفة، مع سلم للطابق العلوي نزل عبره نضال الذي اقترب منه قائلا باستهزاء:
_ بونجور يا حضرة المحامي
هتف ريان ما ان رآه بغضب:
_ مراتي فين؟
بادر يقول بسخرية:
_ مش لما ارحب بيك الأول، بعدين أفكر اعرفك مراتك فين؟!
ضيق ريان حدقتيه وهو يرمق الواقف أمامه بشموخ في حين يقول من بين أسنانه:
_ انا عارف ان ولا مال ولا حاجة تنفع تشبعك وتطفي غيظك يا نضال، عارف كويس اوي انك مش هترتاح غير لو شربت من دمي وقتلتني انا ومراتي زي ما قتلت ناس كتير منهم ابني اللي كان لسة ف بطن امه، ورمضان عبدالعزيز وغيرهم وغيرهم كتير
وتحت عينا نضال الحارقة لوح بسبابته واستطرد يقول وقد ارتسمت بسمة خبيثة على ثغره:
_ بس برضه قتْلنا مش معناه انك سبع ولا حاجة، أنت أجبن ما يكون وكل اللي بتعمله ده مش انتقام، لا خوف احسن يقولوا عليك جبان!
طفح الكيل ووصل غضبه عنق الزجاجة حتى انفجرت متمثلة بإمساكه السلاح من جيب حارسه ثم صوبه باتجاه ريان الذي لم تهتز له شعرة حتى بعد أن فقد نضال السيطرة على أعصابه وقام بتفريغ رصاصات السلاح بصدر ريان! ولكن حدث خلاف ذلك تماما حيث ظهر من العدم من انقض على ريان بكامل جسده فاستقرت الرصاصات به كاملة!
وسط صدمة الوجود علا صوت صافرات الشرطة وقد نجحوا في الوصول بعد تعقب الطريق من الجهاز الذي بحوزة ريان، فأسرع نضال إلى الأعلى هاربا في حين أسند ريان ذاك المضحي بحياته لأجل إنقاذه فلا يجده سوى ماهر راضي! أخذ ريان يضربه على وجهه بخفة هاتفا بدهشة:
_ ماهر! أنت عملت كدة ليه؟
أجابه الثاني قائلا بصوت متقطع إثر أنفاسه المتلاحقة:
_ كان لازم يحصل، انا اللي قلت له الفكرة دي، ب بس م ما كنتش اعرف انك اخويا يا ريان
_ اخوك؟!
نطق ماهر وابتسامة واهنة تزين شدقه:
_ أيوة يا ريان، انا ابقى اخوك من أبونا راضي اللي مات بحسرته عليك، بس وصاني اعرَّفك واحافظ عليك
ثم أردف يقول بانتصار:
_ ونفذت وصيته!
انسابت دموعه من مقلتيه بحرقة في حين يردف بتألم:
_ لا يا ماهر لاااا
أكمل يقول بتعب:
_ حافظ على مراتي وابني، حطهم جوة عنيك، ياخويا
لفظها ولفظت روحه إلى بارئها، اندفع ريان إلى احتضانه وقد تمرغت ملابسه بدمائه في حين يصرخ والألم يعتصر قلبه:
_ ماهر، لااااااا
ظل هكذا إلى فترة ليست بالقصيرة، غير مصدق بحجم التضحية التي صارت الآن ولا موت والده الذي غادر منزله ذلك اليوم خائب الرجا، لفحات القدر تصدمه وتتفنن ببكائه وتفرح لنحيبه وآلامه! أفاق عن بكائه لما سمع أصوات تبادل الطلقات النارية بالخارج حيث صادرت الشرطة المكان والحراس يتصدون لهم فيتذكر أخيرا نضال الذي هرب للاعلى وقد تأكد كونه يريد الهرب ومعه زوجته بالطبع!
ترك جثمان ماهر متسطحا ثم أسرع إلى الأعلى كي ينقذ آسيا التي فكَّ نضال وثاقها ثم جذبها معه قسرا إلى الخارج كي يستخدمها وسيلة للهرب بها ولكنه توقف فجأة حينما وجد ريَّان يقف عند باب الغرفة يسد عنه الطريق للخروج، رفع نضال السكين أمام رقبة آسيا قائلا بتهديد:
_ أبعد عن طريقي والا هقتلها
اختنقت آسيا من امساكه لها بهذه الطريقة لتضربه بظاهر كوعها على بطنه فيتركها سريعا بينما تجري هي نحو ريان، وقبل أن يستعيد نضال نشاطه بأن يلقي السكين ليصيب ظهرها أسرع ريان إلى ركله ليندفع إلى الوراء، ثم سرعان ما يتقدم وبيده السكين كي يصيب ريان فتصرخ آسيا بفزع حيث أصاب نصلها كتفه، استطاع تفاديها عن الإصابة، ثم لكمه مرتين بقبضته وخلفها أعطاه ركله أخرى ولكن أقوى جعلته يصطدم بلوحة الكهرباء الكبيرة المنكشفة أسلاكها لينفجر بالصراخ وقد التصقت أسلاك الكهرباء العارية بجلده مفرغة شحناتها به لتدير آسيا وجهها إلى الناحية الأخرى وقد أصبح شكله مخيفا مشوها بالكامل، ولكن بقي ريان ينظر إليه وقد ورد إلى ذاكرته وعيده القاطع أمام الضابط ذلك اليوم بأن ينال هذا الشيطان أقصى عقوبة ممكنة ان لم ترحمه الشرطة وتعطيه العقاب!
أفاق على صوت شهقة عالية صدرت من فم تمارا لما رأت عشيقها قد قتل بهذه الطريقة الوحشية! انتقل بصرها سريعا الى ريان وآسيا والذين معالمهم لا تنم على خير أبدا فأسرعت راكضة إلى الجهة الأخرى وخلفها كلاهما حتى دلفت بإحدى الغرف وقبل أن تغلق الباب أعاق ريان طريقها بقدمه، ثم دفعه لترتد هي إلى الجهة الوراء حتى تقف عند الحائط وهي ترمق كليهما بذعر، فما كان منها إلا أن تهتف بنزق:
_ اوعوا تفتكروا انكوا كسبتوا، برضه مش هتقبضوا علينا ودايما هتفضلوا خسرانين
ثم أخرجت زجاجة صغيرة من جيبها وتجرعتها بسرعة قبل ان يسرع إليها ريان قائلا بغضب:
_ انتي عملتي ايييه؟
رمقته بنظرات بلهاء تبعتها بضحكات هستيرية ظنتها منتصرة، تضحك وتضحك ويعلو صوتها حتى مع خروج الدماء من فمها حيث هي زجاجة بسم فتاك عدتها قبل مجيئهم تحسبا لظرف كهذا، إلى أن خارت قواها ووقعت أرضا حينما دلف الضابط إلى الغرفة لينظر إليها بصدمة كصدمة الاثنين هنا، انكتم صوتها تقريبا في حين تتعذب بصمت مع خروج روحها بسكرة الموت المؤلمة، علا صوت صراخ الصغيرة بالغرفة المجاورة فتذكرت آسيا على الفور لمن هذا الصوت الباكي، وعلى حين غرَّة اختطفت السلاح من الضابط الواقف خلفها ثم اسرعت راكضة الى الغرفة هناك تحت هتاف الضابط الذي ركض خلفها يثنيها عن عمل أحمق بينما ينظر ريان إلى تمارا للمرة الأخيرة فيجدها تمد يدها إلى اتجاه الغرفة ومعالم القلق كست صوتها حتى ماتت على هذا الحال، ففهم على الفور ما يحدث هنا، ركض إلى الجانب الآخر حيث تقف آسيا عند الباب والضابط يصرخ بها بغضب:
_ بقولك هاتي المسدس
وكلما يقترب منها تعود بتصويب فوهة السلاح نحوه ليعود من جديد، حيث تستجمع قوتها كي تضغط الزناد صوب تلك الصغيرة التي لا حول لها ولا قوة بل كل ذنبها ان وُلِدَت من رحم فاجرة وأب قاتل! أسرع ريان بإمساك المسدس من بين اناملها في حين يهتف بزجر:
_ ازاي هتعملي كدة؟ يعني عشان تنتقمي لابنك تقتلي بنت بريئة؟!
أردف الضابط مكملا:
_ وبعدين مش شرط ابن الشيطان يبقى زيه، دي لسة ليها حياة، قوم انتي تنهيها؟!
أسرعت آسيا تصرخ مدافعة عن نفسها ببكاء:
_ انا لو سبتها عايشة في الدنيا دي يبقى هتموت أكيد! انا لو سبتها يبقى يستحيل تتهنى بيوم واحد حلو
ثم نظرت إلى ريان ومعالم الألم تكسو قسماتها حيث تقول:
_ البنت دي لقيطة ريان! ابوها وامها مش متجوزين، هتعيش طول عمرها بنت زنا بتدفع تمن غلطة أبوها وأمها، انا ماستحملش تعيش وتقاسي بنفس اللي شفته! والله مارضاها لها، مش انتقام عشان ابني مات ولا عشان حملي هيتأخر زي مانتوا فاكرين
فما كان من ريان سوى أن اندفع لاحتضانها بين ذراعيه محتويها عن ذرف عبرات الحسرة الحارقة من جديد، بينما اتجه الضابط الى الصغيرة كي يحملها ثم يقترب بها منهما وعلامات الأسى تكسو وجهه، قرَّب الصغيرة من يدي آسيا التي توقفت عن النحيب للحظات لما نقلت بصرها بين الضابط والصغيرة بيده ولم تفهم بعد ما يريد حتى أردف مبتسما:
_ بس ممكن ترحميها من الاسم ده بحاجة تانية يا مدام آسيا
افسح لها ريان المجال كي يعطيها الفرصة للتفكير بالحل الذي قدَّمه الضابط ان كانت تخاف على الصغيرة فعلا فسوف تقوم به، أخذت تراجع نفسها لثوان معدودات قبل ان تمد كلتا يديها لحملها من بين يديه فترمقها للحظات وتأسرها معالمها الملائكية فتحتضنها بخفة وتعود إلى الانفجار باكية خاصة بعدما اصطدمت خفقاتها بخفقات الصغيرة التي سرعان ما كفَّت عن الصراخ بين راحتي آسيا الحنونتين!
يتبع خاتمة الرواية اضغط هنا
reaction:

تعليقات