القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية نيران الهوي الفصل التاسع 9 - رانيا صلاح

رواية نيران الهوي البارت التاسع 9 بقلم رانيا صلاح

رواية نيران الهوي كاملة

رواية نيران الهوي الفصل التاسع 9

قرار أم اختيار!..
"لا أعلم حقيقةً كيف أُخبركُم بها، ولكن أنت!.. أجل أنت لا تتعجب كثيرًا، فما يمرُ بكَ وحدك من يستطع الجزم هل هو قرار فُرِضَ عليك أم اختيار وجب عليكَ أخذه؛ لأن المُجتمع أجاز بهذا؟..."
بدأت الشمس في غزل رداء السماء الأبيض، فصارت كعروس تتهادي في ثوب زِفافها، لتصدع أصوات العصافير كسمفونية من الألحان، تأكيدًا ليومٍ ينمُ عن السعادة، ولكن في لمح البصر ستتحول العروس إلى... سأدع المُسمى لكُم في النهاية...لم يغمض" لبدرية "جفن مُنذ استيقاظُها أمس مع السادسة صباحًا، فبعد لقائها "بسيد" قررت التخلي عن صمتها، واخبار زوجها برد الحقوق؛ فهي تخشي على أولادها قبل اصدار قرارها، ولكن لم يعُد زوجها إلى الآن، وباتت وحوش القلق تنهبُ روحها دون أدنى شفقة، فتحركت من الصالة إلى الشُرفة، فرُبما عاد وفتح القهوة، ولكن خيبة الأمل تتجسد بجدارة على وجهها، وبتساؤل :
-استر يا رب.... وقبل أن تُكمل كان صوت ابنتها يرتفع بالنداء، لتعود ادراجها إلى الداخل من جديد..
لم تنم "مريم" منذُ الأمس؛ فنصف العام وشك على البداء وستبدأ المراجعات قبل البداء في شرح المُتبقي من المنهج، كانت لتو انهت احدي المواد المُخصصة للمراجعة في جدولها ، والجوع قد بلغ مبلغهُ، فخرجت تبحث عن والدتها، وبصياح :
-ماما... يا مااااما..
أغلقت أبواب الشُرفة، وعدلت من وضع وشاح رأسها، وبحنو يشبهُ القلق :
-مالك يا حبيبتي تعبانة؟..
ابتسمت لها بود، وبدأت في جمع خُصلات شعرها، وبمرح :
-الحقني بالفطار أنا واقعة من الجوع..
وبلهفة لا تخرج سوي من فطرة خلقها القدير بالقلب :
-يا ضنايا يا بنتي، خمس دقائق ويكون الفطار جهاز... وهرولت إلى اونيها بسرعة البرق؛ لتُعد الإفطار...
كادت أن تعود لغُرفتها، ليُضيء مصباح الذكري لما رأته من النافذة أمس، لتتحرك لغُرفة أخيها، وبنداء خافت :
-"رامي".. يا "رامي".. وقبل أن تتحرك لغُرفتها من جديد، كان إذن الدخول يصل لأُذنها.
كان قبل قليل انهي احدي اللفافات المُشتعلة، وبدأ بالتحرك إلى النافذة؛ لإزالة آثر الرائحة العالقة بالغُرفة، ليصدع صوت اخته بالنداء، فيهرول إلى المُعطر، ويختفي تحت غطاءُه، وبصوت يشوبه نعاس مُستعار :
-أدخلي يا "مريم".
ثوان كانت كفيلة، بجعلها تفتح الباب، وبنبرة مُغتاظة :
-عاوزه اتكلم معاك..
راقب جدية أُخته، بتعجب، وحرك رأسهُ بنعم...
تحركت لتجلس بجواره، و بتساؤل صريح :
-ايه الي حصل أمبارح بينك وبين سيد؟...
توهجت عيناهُ بنيران الغضب، وبلهجة هادرة، و يداهُ تقبض على مفصل يدها :
-وأنتِ مالك.... وبلهجة مُخيفة... بينك وبين الزفت أيه..
ذهول لثواني أصابها، ليمحي شعور الألم الناشب في ذراعها:
-أنت مجنون، سيب ايدي...
لم يكُن كلامها سوي زيادة لاشتعاله، ليقبض بقوة على ذراعها، حتى أنه سمع صوت فرقعة العِظام أسفل يداهُ :
-أقسم بالله يا "مريم" لو جبتي سيرة الزفت دا لقتلك..
نفضت ذراعها، وبخيبة أمل :
-تقتلني عشان بسئل؟.. صح يا "رامي" بس قبل ما تقتلني حاسب نفسك يا اخويا، وتليفونك يشهد، وتحركت بسرعة البرق تُجفف دموعها، فأخيها جُن لا مُحال...
نفض الغطاء بضجر بالغ، وتحرك ليأخذ لفافه أُخري؛ ليُخرج بها غضبه، والحقد بداخلُه يتزايد نحو ابن عمه "سيد"...
**
زفرت "فاطمة" بيأس من تصرُفات ساكني البيت؛ فجميعهم جنُ لا مُحال، ابنها صامت، ويعتبر البيت كاستراحة لنوم، والفتاتين "ياسمين" تخرج بغضبها وتعود والابتسامة تُزين ثغرها، و "فريدة" تذهب بمرح وتعود العبوس يُزين وجهها.... زفرت ببطء قبل أن تُغادر سريرها، وهي تدعوا لهم بصلاح الحال، لتتحرك قاصدة مطبخها لتجد...
كانت "فريدة" تزفر بغيظ من آن الأخر، وعقلها يستعيد جمود وجه "منصور"، لتغفل عن غليان الحليب، فتُتمتم بغضب :
-أووووووف..
ضربت كلا كفيها بالأخر، وبتعجب :
-مالك أنتِ كمان؟.
-أنا وحشة...
توسعت مقلتيها من هذا السؤال، لتنفجر ضاحكة، لتكتم ضحكاتها مع انعقاد حاجبي "فريدة ":
-جتك ايه.. لما أنتِ وحشة، يبقي الناس ايه وحوش..
-أمال هو.... لتتوقف عن الاكمال، من نظرات "فاطمة" المصوبة نحوها... وتفر هاربة، تلعن غبائها وتسرُعها...لتصل إلى أُذنيها صوت ضحكات "ياسمين"، وبحنق :
-بتضحكي على أيه أنتِ كمان؟..
تعجبت "ياسمين" من سؤالها، واردفت للهاتف:
-ثواني يا "روكا"، زي ما أنتِ شايفه، و بتساؤل هو الزيتي طلع وحش..
زاد عبوس وجهها، وجلست على كُرسي المجاور لها، وبلهفة :
-هو كان وحش أوي؟..
انفرجت في ضحكاتها:
-اه وحش أوي..
وببكاء :
-بجد، طب ليه ما.... ليصدع صوت من الهاتف..
انبثق صوتها من الهاتف، والمرح يعلوه :
-برعي بيسرح بيكي، طب ياريت أنا نصك يافرنساوي..
وبعدم تصديق :
-بجد يا روكا...
قهقهت "رقية" بقوة حتى ادمعت عينها :
-أنتو معندكوش مريات، ول ايه!.. سلام دلوقتي ونتقابل في المحل...
**
مر اليوم سريعًا دون جديد يُذكر، والآن قد حان موعد انطفاء سراج السماءُ الذهبي، لترتدي حجابها الليلي، لتُعلن بكُل سفور عن ليلة مليئة بالعواصف، وعلى الرغم من هذا كان" منصور" يتصببُ عرقًا؛ بفعل الإنهاك الجسدي، ليُكمل عملهُ في انهاء احدي الغُرف وعقلهُ يُسافر إلى دربين، أحدهُما غضب أمهُ منه؛ لأجل اخته "فدوة"، تلك التي تركتهم لأجل الزواج من غريب لم يعرفون لهُ أصل، ليزيد الطين بله آثارها على الزواج بأقرب وقت وأخذ أرثها دون استماع لرأي أحدهم..... والآخر اختفاء صديقُه "سيد" وإغلاق هاتفهُ اللعين، حتى بيته لم يجلس به؛ فقد بعث احدي العاملين لمعرفة أن كان بالبيت أم لا، ولكن كان الجواب صمت تام عند الطرق...زفر بحنق من الطواحين المُشتعلة برأسه، وبدلًا من أن يطرُق المسمار طرق اصبعُه، ليفق من شروده مع وخذات الألم بيده، فيترُك الشاكوش ويتحرك ليلتقط القليل من هدوء، ولكن قبل أن يصل إلى كُرسيه، قرر الخروج من الورشة والصعود لمنزل صديقه، فالأمر يُثير الريبة؛ فالقهوة لم تُفتح كالمعتاد، وهو مُختفي، ليُكمل صعود الدرج وعقلهُ مُنشغل بالتساؤلات...
أغلقت "فريدة" الباب خلفها، وهي تعبث بالهاتف؛ لتُسجل احدي العناوين، لتتمكن من الوصول إليها، ولم تدري أنها ستراهُ، لتمر دقيقة كلاهما ينظُر للآخر، وتنفرج شفتها بالبسمة، و بتساؤل :
-أنت جاي عندنا...
خفقه هادرة من القلب، لم يُلقي لها بالًا، و بتساؤل مُماثل :
-رايحه فين دلوقتي؟..
-هشتري خيوط لشغل.
-مشترتيش ليه بدري!... الوقت اتأخر، والجو برد..
-أنا بحب البرد، يلا عن اذنك، وفرت هاربة، لتلحق بالموعد..
حرك رأسهُ بلا مُبالة، وطرق باب شقة "سيد"، و يداهُ تضغط على زر الاتصال، وقبل أن يُحاول كسر الباب، كان الباب يُفتح...
وصلت لهُ طرقات الباب، فقرر التغاضي، كما فعل صباحًا، ولكن مع زيادة عدد الطرقات، قرر النهوض من على الأريكة والتحرُك لفتح الباب، ليجد صديقة، ليُفسح المجال ويكمل طريقُه إلى الأريكة من جديد...
أغلق "منصور" الباب خلفهُ، ليجد الظلام يستقبلُه، ليتحرك إلى زر الانارة والتساؤل يطفوا في الارجاء :
-ايه الطلمة دي؟... ومنتزلتش الشغل ليه؟..
-مش هنزل الشغل، وهروح المعرض..
صدمة، ذهول وقبلهُما عدم التصديق :
-ليه!...
-"منصور" من غير ليه دلوقتي...
ليتحرك للجلوس بجواره، والصمت حليف كلاهُما، ليكُن أول من يقطع الصمت "منصور" :
-"فدوة".... وقبل أن يُكمل كانت طرقات الباب تفزع من بالداخل....
**
أعلن هاتف "مريم" عن موعد الاستيقاظ، زفرت بتكاسُل قبل النهوض، لتجد الساعة تجاوزت الخامسة عصرًا بكثير، تحركت بنُعاس، الهدوء يستقبلُها، و بتساؤل :
-ماما... ليأتيها الجواب في لمح البصر..
انهت "بدرية" لتو ارتداء ملابسها للخروج ، فقد بلغ منها القلق مبلغهُ، لتُقرر النزول للبحث عن زوجها، وكأنهُ طفلٌ لم يتجاوز الخامسةُ بعد، وقبل أن تلتقط حافظةُ نقودها كان صوت بابنتها يلعوا بالنداء، فأسرعت بالجواب، وهي تخرُج من الغرفة :
-أيوه يا "روما"..
تعجبت من رؤية والدتها بتلك الملابس؛ فولدتها لم تخرُج الا لأمر جليّ، و بتساؤل :
-على فين يا ماما؟..
-هنزل أدور على أبوكي...
-تنزلي فين بس يا ماما!...هو بابا صغير.
-اسكتِ أنتِ، وقبل أن تصل يداها لمقبض الباب، كان رنين الهاتف يصمُ الأذان، مُطالبًا بحقهُ في الجواب..
أسرعت "مريم" نحو هاتفها، وهي تحاول أثناء والدتها عن الخروج، لتُجيب :
-أيوه أنا بنتو... وما هي الا ثانيه وكانت عينها جاحظة من التعجب، وعدم التصديق، حتى أن حروفها عجزت عن الرد على المُتحدث...
شعرت "بدرية" بوجود خطب ما، وما زاد تأكيد صمت ابنتها الغريب، وتلبُد ملامحها، لتُسرع بأخذ الهاتف من يديها، وخفقات قلبها كقرع طبول الحرب من الخوف، وبنبرة مُرتعشة :
-الو.... دقيقة، وكان وجهها الصبوح يبلغ من العُمرِ ارذلُه، وخطوت الزمان المُهاجرة عادت لتستوطن بيتها من جديد، وغيوم سمائُها أعلنت عن حقها بالهطول، لتتراجع خُطوة للخلف، ويدها تتشبث بقوة في كرسي المائدة، وكأنهُ طوق النجاة من الغرق في ظُلُماتُها.....
عندما تري من تُحب يموت، حينها لا يُمكنُكَ سوي البُكاء، والفزع، فالموت لا سبيل لهم سوي نظرةُ الرأفة من الرحمان الرحيم... سارعت بالتخلي عن ذهولها، وبقلق :
-ماما...
رفعت الهاتف عن أُذنها بذهول :
-أبوكي.... وقبل أن تُكمل، كانت تسقُط فاقدة للوعي، رافعة رايات الاستسلام بكُل صدر رحب ترجو منهُ أن يكُن أخر سبيل لها من الحياة..
عندما رأت "مريم" تهاوي جسد والدتُها أرضً، ركضت لتلحقها، ولكن كانت عقارب الساعة الأسرع في المرور، فسقطت أرضً، لتجثو بجانبها، والفزع يمتلكُها، وبرجاء امتزج مع دمعها :
-ماما... ولكن لا جواب، لتركُض إلى الخارج طالبة النجدة، وما هي الا دقيقة وكانت يداها تطرُق بكُل ما أوتيت من قوة على بابه...
قطع "منصور" حديثة مع صوت طرقات الباب، ليتحرك ليري الطارق، والتعجب يطفوا على وجه :
-"مريم"
كان صوت صديقُه باسمها، الدافع لهُ لنهوض من فوق الأريكة، وبفزع من شحوب وجهها، ودمعها القاتل لخفقاتُه :
-في أيه يا "مريم"؟...
ببكاء ونحيب :
-ماما يا "سيد"....
لم يُمهلها فرصة للإكمال، وركض لشقة المجاورة بسرعة البرق، ليجدها مُلقاه أرضً، وبُقعة من الدماء تتلألأ من حولها، ليحملها في ثوان ويركُض على الدرج....
أغلقت الباب خلفهم، ونزلت خلفه، بابا في مستشفى ***خد ماما على هناك...
**
أوقف "أيمن" سيارتهُ أمام احدي المكاتب المُخصصة لزواج "مأذون شرعي"، و يداهُ ما زالت مُحتلة المقود، وعيناهُ خاوية من الحياة، لتنفرج شفتاهُ بجمود :
-اتفضلي...
التزمت الصمت منذُ خروجهم من أمام بيتها، وصراع عقلها لا يرضخُ لصمت، بل يتزايد في الصراع، وكأن رأسها حلبةٌ لصراع، بين الحق، وما تُريد، لتصمُت جميع الصِراعات مع صوته، بتلك النبرة الجامد بالنزول، حركت رأسها بإيماء، وارتفعت يدها لتعدل وضع نظارتها الطبية، وكأنها تُبرهن على أي دربًا ستسلُك...
وخلال دقائق كان كلاهُما يقف أمام "المأذون" لتنفرج شفتاهُ بما يُعرف بخُطبةٍ قبل النِكاح "الزواج"،وبتساؤل :
-أين وكيل العروس؟..
التقطت القليل من أنفاسُها، وبتوتر :
-أنا..
حرك "المأذون" رأسهُ بإيماء، ويتوجه "لأيمن" بالقول :
-أين البطاقة؟..
اعطاهُ البطاقة، وبتساؤل :
-هل الزواج بدون مهر صحيح؟..
ابتسم المأذون، واسترسل في القول :
-قال الله تعالى في كِتابهِ العزيز «وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا» (النساء:4). يجوز عند البعض الزواج بدون مهر، ولكن عند البعض المهر واجب في كل زواج على أنه حكم من أحكامه التي يلزم ترتبها عليه، وقد أكد الشارع وجوبه في الزواج؛ إظهارًا لما له من الخطر والمكانة، فلا يملك الزوج ولا الزوجة ولا أولياؤها إخلاء الزواج من المهر، حتى إنهم إذا لم يذكروا في العقد مهرًا أو اتفقوا على أنه زواج بغير مهر كان المهر لازمًا أيضًا، ويكون الواجب مهر المثل؛ وبهذا قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في امرأة تزوجت ولم يكن قد سُمِّيَ لها مهر ثم مات زوجها قبل الدخول فحكم بأن لها مهر المثل..
ظهر التخبُط جليًا على وجه "أيمن" :
-يعني أيه..
اكمل "المأذون" مُبتسمًا :
-يا بني هُناك جِدال في الأمر، ولكن كلاهُما صحيح، وأقلُ المهر شقُ تمره، أليس معك شقُ تمره.
سارعت "وداد" بالقول :
-بس أنا مش عاوزه مهر..
حرك "المأذون" رأسهُ في هدوء، وبدأ بإجراء شروط الزواج.... ولم تكد تمرُ الحمس دقائق، الا وكان يُنهي قوله :
-زواج مُبارك أن شاء الله...
**
ترجل "حسن" من سيارتهُ أمام المحل، ليأخُذ الأوراق؛ من أجل إعطاءها "لياسمين"، وخلال ثواني كان صوت إنذار المحل بدخول زبون يصدع في المكان، وعيناهُ تبحث عنها..
تحركت "رقية" من موضعها، لترى الزبون، وبترحاب :
-أزيك يا "حسن".
خيبه تجسدت في عينه، قبل أن يُجيب :
-الحمد لله، مد يداهُ بالأوراق المطلوب تنفيذُها..
همست "رقية" بخفوت، بأن" ياسمين" تختبئ بالداخل، وتحركت لتحمل احدي الصناديق؛ لتدع لهُ مجالًا للحديث..
ابتسم "حسن" في أثرها، وتحرك ليضع الأوراق فوق المكتب، ورحل بسرعة البرق....
تجمدت كلاهُما من خروجه، لتكُن أول من تتخلى عن الجمود "ياسمين"، لتقطع الأرض من تحتها بغضب شديد، وبلوم :
-شوفتِ!.
حركت "رقية" رأسها بلا فائدة، وبتقريع واجب:
-تستاهلي أكتر، هو حاول زمان كتير، ودلوقتي مش هيرجع من أول ما تفكري...
-وأنا مش عاوزه اصلًا، وسارعت بغيظ لأخذ الأوراق، وكأنها المُتسبب في هذا...
زفرت "رقية "بنفاذ صبر من تخبُط صديقتها، قبل أن تعود لإنهاء عملها من جديد...
**
وعلى الجانب الآخر، توقفت سيارة الأجرة "التاكسي" أمام المستشفى، ليسارع "سيد" بحملها، والركوض صوب بوابة الطوارئ، وخلفه "مريم"، ليُصيح :
-سرير بسرعة... وفي غضون ثواني كانوا يقفون أمام احدي الغُرف...
لم تعُد قدمُ "مريم" تحملها، فجلست أرضًا تبكي، وتضمُ جسدها إلى رُكبتيها، فتلك الدقائق المُنصرمة كادت أن تقتُلُها دون أدنى رحمة...
التزم "منصور" الصمت قبل أن يُتمتم، أنهُ سيذهب ليعرف رقم غُرفةُ عمه....
اكتفي "سيد" بتحرك رأسه بإيماء، وعيناهُ لم تبرح موضعها، وقبضة من شوك تعتصر قلبه، وقبل أن تنفرج شفتاهُ لبث الطمأنينة....
انفتح باب الغُرفة، وخرج "الطبيب" :
-فين أهلها؟..
لم تستطع الوقوف، فتشبثت بقدمها أكثر، ليرأف "سيد" بحالها، ويُتمتم بهمس :
-أنا... هي كويسه؟.. ولم يكُن سؤلًا بقدر ما كان ربته لقلبة أن تلك السيدة بخير؛ فهي بمثابة أُمٍ لهُ..
بعملية لا تخلوا من وجه "الطبيب" :
-ايوه، مجرد غرزتين في الرأس وهتبقي كويسه... ورحل مُنصرفًا لمرضاهُ..
تمتمت بالحمد، وبنداء :
-" سيد" ساعدني أقف..
هل حقًا تُناديه؟ لا هو يتوهم لا مُحال؛ فتلك النبرة قادرة بإعادتهُ للحياة من جديد، ليتحرك ويمد يداهُ لها، دون أن تنبث شفتاهُ بحرف...
**
وصلت "وداد" منزلُه وباتت قدمها كالهُلام، وبدون وعي قبضت بكُل ما أُتيت من قوة على كتفه....
تجمد "أيمن " مع شعوره، بيدها تُضع على جسده، ليُدير رأسهُ لها في بسمة مُهتزة، و يداهُ تعبث بالمُفتاح... وخلال دقيقة كان صوته يلعوا بالنداء :
-"ريتا" ...
ركضت "ريتا" بمُجرد سماعها النداء، وكانت ترتدي احدي فساتينها من الخروج؛ لمدينة الألعاب كما وعدها أبيها، وبسعادة :
-بابي..
نزل على رُكبتيهِ؛ ليكُن في مستوى احتضانُها، وبمرح لا يخرُج سوي لها :
-حبيبة بابي...
ولكنها ابتعدت عن والدها، وفرت لتحضن رُكبتي "وداد"، وبسعادة :
-مامي..
ابتسمت "وداد" بعمق حتى أغمضت عينها، وبسعادة :
-حبيبتي... وقبل أن تُكمل كان....
ارتفع صوت "فادية"، وبنداء :
-تعالي يا "ريتا".. لتنصدم من رؤية "وداد"، و بتساؤل وهي تُشير لأبنها :
-بتعمل ايه هنا؟... لتُقابلها نظرة جامدة، تؤكد شكوكها عندما رأت يد ابنها تقبض على يدها بتملُك، لتنفجر براكين غضبها :
-أنا لا يُمكن أسمح بالجواز.....
وبنبرة مُماثله، وشيء بداخله يوافق على العِناد، وإخراج غضبها الكامن :
-مش مطلوب من حد يسمح، خلاص "وداد" مراتي.... ليعلوا حرب النظرات الأجواء، وكأنها جنود حرب تُقاتل في إحدى المعارك الطاحنة...
دخل "حسن" البيت ليستقبلهُ شُحنات التوتر، وظهر امرأة، وبتساؤل :
-في أيه؟...
قطعت "فادية" حرب النظرات، وبانفعال:
-تعالي شوف جنان اخوك، أتجوز جربوعة....
ارتفع صوته بنبرة مُميتة :
-"فادية" هانم.. وأمال ليهمس لابنتها؛ أن تأخُذها لغُرفتها... فالحرب على وشك الاندلاع....
**
وعلى الجانب الأخر، كانت "بدرية" تستند على يد "سيد" من جه، وابنتها من جه" أخرى"، غير مُباليه لرفض ابنتها بالمكوث في غرفتها، لترفض وتقرر التحرك معها، ليس حُبًا فقط بالراقد في إحدى الغُرف، بل ليقين تؤكدهُ لنفسها، وتصديق لقرار عقلها، بما يتوجب فعلُه ، ولم تفق من شرودها سوي مع وقوفها أمام الغُرفة، لتبتعد برفق عن ابنتها، و"سيد"، وتطرق الباب قبل الدخول، ليأتيها الاذن بالدخول، طافت عينها بالغُرفة سريعًا، لتقع عيناها عليهِ، والشحوب يُزين وجهه، لتشعر بمرارة الحنظل في جوفها، وقبضة من نار تصفعُ قلبها، وبجمود لا تعلم من أين حصلت عليه :
-حمد الله على سلامتك..
تجمدت أطراف "فرج" لوهلة، قبل أن يتعجب من برودها، ليُجيب بترقُب غريب، لم يعهدُ مُسبقًا في حديثُه معها :
-الحمد لله..
لم تُكمل الحديث، ولكن عينها سافرت للوصل لتلك التي تجلس بجواره في مُنتصف عِقدها الثاني، وخصلات شعرها الصفراء الهاربة من طرف وشاحها، لترتجف من يقينها الثابت، وتُسارع بإخفاء ارتجافها مع، نظرة ساخرة تطلُ من عينها، مع قتل تلك النِزاعات الناشبة بقلبها بين عشق كفرت به، و خذلان صدقت وآمنت بوجوده، لتنفرج شفتها عن قِنبلة مُوقوتة :
-طلقني...
صمت تام، قبل أن تقطعُه "مريم" بنفي قاطع، رغم غيوم عينها، وانكسار روحها :
-لا يا ماما...
صرامة لا مثيل لها :
-أسكتِ...
تجمد "فرج" من صدمته، وحاول استمالة الحديث :
-طب روحي دلوقتي، وبعدين نتكلم..
نظرت في عينه بسفور :
-طلقني، والا هدخلك المحكمة على كبر، ولو على المؤخر فأنا مش عاوزه منك غير ترحمني من قرفك...
انفرجت شفتي "سماح" بلهجة شرسة، لتضع تلك العلكة بركن نأي بفمها :
-قرف مين يا عنيا.... فتُحرك رأسها بإيماء يمينًا ويسارًا..وقبل أن تُكمل...
انفرجت شفتي "فرج" بلهجة زاجره :
-خلاص يا سماح... أنتِ طالق..
احتلت الصدمة عينها، تراجعت للخلف من هول ما سمعت، وكأن أبيها كان ينوي على هذا، وبذهول :
-بابا...
رفعت "بدرية" رأسها بشموخ، و ألقت لهم نظرة ازدراء، واستدارت بسرعة البرق؛ قبل أن تهطُل امطارها، فما عدا هُناك أملٌ يُرجي...
حاول "فرج" جاهدًا جمع الحروف، فقد تألم قلبهُ لرؤية ابنته :
-"مريم"...
تدفق الدمع من عينها، وبانكسار :
-ليه؟...وركضت خلف والدتها....
"البعض لا يحيا سوي لمأربه، لذا دع العِتاب جانبًا، فمن ينسى العيش، لا أمان لهُ"
يتبع الفصل التالي اضغط هنا
reaction:

تعليقات