القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية لقيطة ولكن الفصل السادس 6 - إسراء عبد القادر

رواية لقيطة ولكن البارت السادس 6 بقلم إسراء عبد القادر الوزير عبر مدونة كوكب الروايات

رواية لقيطة ولكن كاملة

رواية لقيطة ولكن الفصل السادس 6

ولم يقصر شروره بقلب الصحراء بل سعى إلى الامتداد إلى الجهة الأخرى حيث وقف ملثما من بعيد أمام المركز التجاري لبيع الملابس، فكان يقف هناك ريان ومعه آسيا بقسم الأطفال لشراء حاجيات الضيف الجديد، قالت آسيا وهي ترمق الملابس أمامها بتعجب:
_ هدوم اي دي اللي تتجاب وانا لسة في الشهر التاني؟ اعقل بقى يا ريان إحنا لسة مانعرفش إذا بنت ولا ولد!
اجابها دون أن يحيد ببصره عن الملابس قائلا:
_ مش شرط هدوم يا روحي، في حاجات تنفع للولد والبنت دوري انتي بس
كان ريان يقف أمام اللوح الزجاجي الكبير المطل على الشارع بينما أخرج هذا الملثم البلطجي سلاحه الصغير مصوبا طلقته المباشرة على ريان كما أُمر بالفعل والتنفيذ
كان ريان يتفحص قطعة الملابس المغلفة بكيس بلاستيكي فوقعت منه دون قصد، انحنى ليحضرها بنفس لحظة الإطلاق لتصيب آسيا بدلا عنه!!

_ نضال أنا حامل
قالتها تمارا وهي تضع سماعة الهاتف على اذنها بوجوم بينما تسمع هتاف من بالجهة الأخرى هادرا:
_ ايييه؟ حمل اي ده؟ إنتي مش كنتي عاملة حسابك؟!
زفرت بغضب قبل ان تواجهه بنبرتها الصامدة تقول:
_ ايوة كنت عاملة حسابي، بس حصل وماعرفش ازااي؟!!
_ الولد ده لازم ينزل وفورا
ازدردت ريقها بتوجس قبل ان تردف بنبرة راجية:
_ خليك معايا يا نضال، أنا خايفة
_ ده آخر اتصال بيننا، تنسي انك تعرفيني وهحولك مبلغ محترم، تروحي لدكتور نضيف وتخلصي
ثم أغلق الهاتف دون انتظار رد فعل منها تاركا إياها تغرق بين عبراتها الساخنة، والقلق ينهش بفؤادها حيث دب الخوف بلُبِّها بمجرد أن وجدت ان لا حل أمامها سوى الإجهاض وما قد يترتب على ذلك من ضياع حياتها جراء التخلص من حياة هذا الجنين الصغير!

كان يجئ بالطرقة ذهابا وايابا وقد شعر بقلبه يعتصره الهلع حيث أحس للحظات بفقدان عزيزته وشريكة دربه آسيا، تذكر مشهد وقوعها صريعة والدماء تسيل عن كتفها بغزارة إلى الحد الذي جعله يفقد تركيزه ويجلس أرضا محتضنا إياها إليه صارخا باسمها بأعلى صوت، ولكن دون ان تجيبه فقد فقدت الوعي بعد استقرار الرصاصة بجسدها للحظات، ولولا خدمات الموجودين بالمركز لكان لا يزال على حاله محتضنها باكيا حتى صارت جثة! بعد مرور وقت ليس بالقصير خرج الطبيب من غرفة العملية ليندفع إليه ريان هاتفا بتساؤل:
_ طمني يا دكتور، عاملة اي دلوقتي؟
رمقه الطبيب من اعلاه إلى أسفله للحظات ثم أكمل يقول مخمنا:
_ إنت جوزها؟
اماء برأسه إيجابا وهو يقول ببعض التوجس:
_ أيوة أنا
ثم نظر باتجاه الداخل قائلا:
_ حصلها إيه؟ طمني أرجوك
نزع الطبيب نظارته الطبية ثم أجابه بنبرة عملية:
_ الرصاصة أصابت الكتف بالظبط، وده الحمد لله من كرم ربنا، زال الخطر عنها
سمع تنهيدة قوية انبعثت من صدر ريان الذي أغمض عينيه معتصرا إياهما بتعب بينما يحمد الله بشفتيه، حتى ألقى الطبيب بقنبلته مكملا بأسف:
_ بس للأسف، ماقدرناش ننقذ الجنين
جحظت عيناه من جديد وهو يرمق الطبيب الذي ربت على منكبه قائلا بحزن:
_ انت شخص مؤمن، ربنا يعوضك خير
ابتعد عنه ثم تركه وغادر ليشعر ريان بعد قدرته على الوقوف أكثر من ذلك حيث تزلزلت ركبتيه وما عادتا تستطيعان احتماله بعد وقوع الصواعق من كل جانب، وكأن الفرحة ترفض مطلقا الاستقرار إلى جانبه وكأن طريق الصواب يؤكد له أنه مُعاقَب، جثى على ركبتيه ثم مسح وجهه بكفيه قبل أن ينظر إلى السماء هاتفا بقهر انبعث من أعماق فؤاده المجروح:
_ آااااااه يااارب هوِّن

أجفلت ما أن سمعت صوت الممرضة تنادي باسمها، لتقف ثم تتجه نحو غرفة الطبيب النسائي، وقد آلمها بالفعل ما حدث بالأمس بعد اتصال نضال والتي انتهى بانفصال أعلنه هو بكل سهولة وكأن من يتركها هذه لا تتعدى كونها قمامة ومع ذهابها تأتي غيرها على الرغم من تلفظه بكل ما للحب من معانٍ وكلمات سامية تدنَّست بلسانه! أجل هي نادمة على هكذا علاقة أوضحت لها كم هي رخيصة بنظر معشر الرجال! وافقت على الوقوع بمحرَّم وضعه الله بالكبائر واستغنت عن العفة مقابل ثمن بخس، إذا فعليها بتحمل العواقب وفقد الجنين الذي لا ترقى بأن تكون له أما وهي الفاسدة غير المؤهلة لهذه الكلمة، أعطاها الطبيب ميعادا لاغتياله تماما كما اغتالت هي كل ثمين بحياتها!

دلف إلى داخل الغرفة وبيده صينية من الطعام، فوجدها كما تركها بمعالم مطفأة تنظر للفراغ ساهمة بعدما حدث قبل أسبوعين كاد يدمرها لولا أن ساعدها ريان على الثبات في تحمل المصيبة المهلكة وقد فشلت محاولات الشرطة بالإمساك بالقاتل فلا يأخذ جزاء ما أقدم عليه من جرم أهلك جنينه الصغير، وبين حزنه وطلب الثأر عليه أن يزيح عنها حدَّة البلاء ملهما إياها الصبر وطلب العوض من الله، وهي مهمة تتسم بمشقتها فداعمها الأول الوقت وداعمها الثاني الصبر وداعمها الثالث عدم إظهار ما يقبع بداخله من الم أمامها، فهل يستطيع اتخاذ هذه العوامل لصالح المراد؟
وضع الصينية على السرير أمامها ليجدها لم تحرك ساكنا، التقط نفسا عميقا زفره بخفوت قبل البدء بمهمته التي عزم فيها النجاح، مسَّد وجنتها الشاحبة بكفه محتويها، لتحيد ببصرها عن الفراغ كي تقابل بنيتيه المحبتين فيعود مشهد إطلاق الرصاصة إلى عقلها من جديد وتعود معه الرغبة في البكاء إلى مقلتيها ليسرع ريان باحتواء وجهها بكلتا يديه قائلا بلهفة:
_ لا لا، ماتعيطيش يا آسيا ارجوكي، دموعك غالية يا غالية
لم تتوقف او ترتدع وإنما أخذت في البكاء وذرف العبرات بقوة بينما تهتف بنشيج:
_ مات ابننا يا ريان! خلاص سابنا وراح! ليه هما استكتروا علينا فرحتنا بالشكل ده؟ فهمني ليه حصل معايا كدة؟
وجد نفسه تلقائيا يلتقطها بين ذراعيه محتضنا بينما يثنيها عما تقول مردفا بخفة:
_ لا يا آسيا حرام تقولي كدة يا قلبي، ربنا هو اللي قدر، مين عالم لو كان اتولد كان ممكن ما يبقاش صالح، الحمد لله دلوقتي مستنينا في الجنة يا حبي
لم تجبه وإنما دفنت وجهها بصدره حتى ابتل قميصه إثر دموعها الغائرة، التي تقطعت لها نياط قلبه من شدة الحزن والحسرة عليها، ولكنها مسألة وقت قبل أن تلتئم الجروح وتنطفئ النيران

_ من تقرير الفحص الجنائي الجثة اللي كانت في الصحرا دي مدفونة بقالها أسبوعين وزي ما خمِّنت الرصاصة غرست ف قلبه ف نفس ساعة الدفن يعني عملية الاغتيال كانت هناك
أردف بها الضابط الجنائي بجدية أمام زميله الذي أردف يقول متسائلا:
_ وما كانش معاه بطاقة تأكد صاحبها؟
أجابه آسفا:
_ لا للأسف، أظن مش هنعتمد غير على رقم التليفون اللي اديتهولنا البنت اللي كانت بتدور على باباها من كام يوم، أظن ده دليل كفاية عشان نبعت لها الجثة
اماء برأسه قائلا بتأكيد:
_ طبعا، بس لازم نعرف الأول الرصاصة اللي دبت ف قلبه دي رصاصة مين بالظبط؟
تحدث وقد لمعت عيناه بشك:
_ سيبها على الله، وعليا
قالها وقد تبادر إلى ذهنه تساؤل هام بشأن هذه القضية التي يعرف تخمينيا ماهية صاحبها دون أدلة، وبالتالي لن يستطيع القانون مساعدته، وإن حُلَّت مشكلة الأدلة فيبقى أمامه عائقا أكبر يستلزم مساعدة خارج قسم الشرطة وهو ما دفعه إلى زيارته باليوم التالي، حيث كان يقف أمام غرفة مكتبه المفتوح بابها ثم طرق الباب مستأذنا:
_ اهلا يا أستاذ ريان، عامل ايه؟
ترك ريان القلم من بين أنامله ثم التفت إلى مصدر الصوت ليقف عن مكانه سريعا ثم يقترب منه حتى يصافحه قائلا بترحاب:
_ أهلا أهلا يا حضرة الظابط عامل إيه؟
أجابه مبتسما
_ الحمد لله تمام
أفسح له ريان المجال حتى جلسا أمام المكتب وجاء الساعي الذي أمره ريان قائلا:
_ اعمل قهوة لحضرة الظابط يا عم محمد
تحدث الضابط رافضا:
_ لا مالوش لزوم، كلمتين وهمشي علطول عشان مستعجل
ذهب الساعي خائبا دون طلب جديد يقوم بتنفيذه بينما التفت الضابط إلى ريان مستطردا بلا مقدمات يسأله:
_ عرفت بخبر اغتيال رمضان عبدالعزيز؟
بلحظة واحدة كانت امتقعت معالمه وأغمض عينيه معتصرا اياهما بقوة رادعا نفسه عن البكاء في حين يردد لسانه بأسى:
_ يا الله، إنا لله وإنا إليه راجعون
استنتج صديقه الضابط من ردة فعله التي يغلب عليها المفاجأة بكونه لم يكن يعرف قبلا، فأردف متسائلا للتأكد:
_ إنت ماكنتش تعرف؟
تنهد ريان بحزن قبل ان يقول بوجوم
_ لأ
أكمل الضابط بنبرة تعلوها الرسمية:
_ لقوا جثته مدفونة في الصحراوي بعد ما بنته قدمت بلاغ بضياعه من أسبوعين
_ ربنا يرحمه
قالها ريان بنبرة خالية من المشاعر ليكمل الضابط جملته:
_ ويقدرنا نلاقي اللي قتله
قطب ريان حاجبيه في حين يسأله بشك:
_ إنت مخمن حد معين يا حضرة الظابط؟
أجابه بانتصار وقد وصل الهدف:
_ بالتأكيد، وده اللي مخليني جيت لحد هنا
_ ازاي بقى؟
أجابه بنبرة جادة:
_ انا عارف يا ريان إن اللي كان بيوصلك كل كبيرة وصغيرة ف قضايا المخدرات وخصوصا مع نضال هو رمضان الله يرحمه، كان من ضمن بلاغ بنته إنه كان خارج في شغل مع نضال بيه، والشغل ده طبعا زي مانت عارف كان عبارة عن تهريب شحنة مخدرات جديدة، نضال خلص شغله واستلم فلوسه وأدى هدية لرمضان بالمسدس بتاعه، وده لإنه أكيد كشف خيانته
تساءل ريان بعدم فهم:
_ والمطلوب؟
_ أنا هكشف نضال بطريقتي، ومطلوب منك انت اللي تترافع كمدعي في القضية، ويا سلام لو جبت معاها ملف حلو كدة يثبت إدانته كتاجر مخدرات
ثم استطرد يقول بصوت خفيض:
_ مافيش محامي يقدر يقف قصاده غيرك، اصل حاجة زي كدة محتاجة شجاعة كبيرة جدا، انا عارف كويس انه حاول يغتالك مرتين منهم مرة أصابت مراتك مراتك، والمفروض انك تنتقم منه ولا ايه؟!
بلحظتها لاح إلى ذهنه مشهد الرصاصة التي اخترقت جسد حبيبته ودماؤها التي أغرقت جسدها وكيف كانت تلهث بصعوبة للتنفس وعدم احتمال صغيره المجاهد الذي ذهب دون إتمام الثلاثة أشهر، اصطكت أسنان ريان ببعضها حين تحدث بنبرة يملؤها الغل والوعيد:
_ صح، هعمل اللي أقدر عليه واوصله للعشماوي وإلا ورحمة ابني اللي مات ف بطن أمه لتكون نهايته على إيدي ونهاية عذاب صدقني
ربت الضابط على ساعده قائلا بهدوء:
_ ربنا يوفقك ونعرف نخلص منهم على خير
ثم خرج بعد أن ألقى السلام على ريان الذي أخذ يزفر بضيق وقد شعر بالهموم التي صارت مثقلة على صدره بحجم الجبال، فالأمر لم يعد يُحتمل خاصة وأنه مضطر إلى الابتسامة دائما أمام آسيا حتى لا تشعر بالحزن وتتناسى ذلك الحدث الأليم، فلا يزال شعور الذنب يقتله حيث كان السبب الأول والرئيسي لمقتل ابنه والذي لولا انحناءته لحماه من الرصاصة الغادرة، ولكن كان قدر صغيره أن يحميه حتى وهو ببطن أمه!
لم يستطع إكمال العمل فأغلق الملف وأعطى بقية اليوم إجازة للمحامين العاملين بالمكتب ثم خرج وذهب إلى منزله ناشدا الراحة التي هو على يقين بأنه لن يجدها، دلف إلى داخل الشقة ليلقي حقيبته السوداء جانبا ثم يحتل أحد الكراسي المقابلة لطاولة الطعام، سند مرفقيه على سطح الطاولة وهو يفرك جبهته التي تصدَّعت خلاياها من شدة التفكير ومشقَّة المتاهة التي سيدخل بها مع إعلان الحرب أمام هذا القاتل، وبينما يطلق زفراته المتلاحقة فوجئ بمن احتضنته من الخلف محاوطة رقبته بكلتا ذراعيها ليجفل ويعقد حاجبيه بدهشة بينما تقول هي بحب:
_ مالك يا حبيبي؟
وقف عن الكرسي سريعا ثم استدار متحررا من أسر يديها ليواجهها بعينيه المذهولتين حيث يجدها ترتدي فستانا قصير القامة يبعد عن ركبتيها بشبر كما يكشف تفاصيلها برعونة يغلب عليه لونه المفضل _الأزرق_ ولم تكتفي بذلك بل أضفت لمساتها من أحمر الشفاه وبودرة الوجنتين فازادادت جمالا فوق جمال، لازال على حالته من الصدمة حتى ظن كونه يتخيل فاقتربت منه حتى وقفت على قدميه لتؤكد كونها حقيقة بينما تقول بابتسامة واسعة:
_ مالك؟ مستغرب كدة ليه؟
تناول نفسا عميقا يستنشق معه من عبير عطرها الذي قطَّرت منه على جسدها ثم التفت إليها قائلا بتعجب:
_ أصل بقالك كتير ماعملتيش كدة!
أطرقت ببصرها أرضا بينما تقول في أسف:
_ عارفة اني خدت وقت طويل على ما بسطتك، سوري يا حبيبي
أمسك بذقنها ثم رفع رأسها كي يواجه نظراتها الحزينة بينما يقول بسرور:
_ اوعي تتأسفي يا روحي، أنا عمري مازعل منك يا غالية
حلَّت الابتسامة على شدقها سعيدة كما يبدو بعينيها في حين يستغل ريان الموقف وهو يحاوط خصرها بيديه ثم يقترب بوجهه منها آخذا شفتيها مع خاصتيه بجولة غرامية طويلة بلا انقطاع إلا حينما ترك لها المجال كي تلتقط بعضا من أنفاسها وقد شعرت بقلبها يعمل كمضخات حيث يطلق العديد من الخفقات بالثانية الواحدة! استغل ريان ذلك بأن حملها بين ذراعيه لتشهق هي بسعادة بينما يتناسى هو كافة همومه باقترابه منها وعودته إلى اللقاء معها وخطِّ قصائد العشق من جديد، بعدما وجدها تبدَّلت أخيرا بلحظة فقد فيها الأمل بذلك، فأعادت لقلبه السرور في لحظة انطفأت فيها البهجة بفعل الذكرى السوداء
يتبع الفصل السابع اضغط هنا
reaction:

تعليقات